السبت، 16 نوفمبر 2013

الحل سيكون سورياً بحتاً

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤيه الإماراتيه 15-11-2013

 

يبدو أن العالم الحر لم يقتنع بها بعد وحتى بعد مجزرة الغوطة الأخيرة التي أبيد بكيماوي النظام فيها أحرار سوريا من العزل، في مشاهد ستصم بالعار كل من انتفض لحلبجة الكردية ولم يتحرك له جفن للغوطة السورية!
برغم أن الاثنين يجمع مرتكبهما أحلام الأمة الواحدة العتيدة وشعار البعث وأغاني القومية البالية التي «صدعوا رؤوسنا بها عقوداً» وأذلونا، إلا أن السيناريو نفسه سيتكرر يوماً ما وإن لم يكن بعامنا هذا أو حتى في المقبل المنظور من السنين. فالجريمة التي تمس إنسانية الضحية لا تسقط بالتقادم ولا يعفو التاريخ عن مرتكبها، ولن ينسى أبناء الضحايا أو حتى أحفاد أبنائهم حقوق تلك الأرواح التي تساهل بها حاكم ظالم مستبد ظن أن القمع والقتل سيضمن له حكماً طويلاً وعمراً مديداً. كما لن يهنأ بال الحر من هذا العالم إلا وهو يرى طبيب العيون بشار وهو يقف ذليلاً خلف القضبان يحاكم على ما ارتكبه وزبانيته طوال أعوام الثورة السورية، التي «اسمحو لي» بأن أسميها العظمى والأسطورة، فقد أرتنا كيف يعيد التاريخ نفسه ليكشف لمن عميت بصيرتهم أن روسيا اليوم هي نفسها الدب الأحمر لتسعينات القرن المنصرم، الذي أقنع صدام حسين بالسماح للمفتشين الدوليين بتفتيش قصوره الرئاسية طلباً لكسب بعض الوقت، فما كان من الوقت أن نفذ وضربت العراق واجتث حزب البعث من جذوره!
الوسيط هو ذاته هذه المرة أيضاً، فقد خرج بمبادرةٍ للرقابة على مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية، على أن يكون الأمر أممياً ويكون للولايات المتحدة أعضاء فيه بصفة مفتشين.
التاريخ سيعيد نفسه بالتأكيد لمن يحسن تهجئة الكلمات لا قراءتها فقط، فقبول سوريا بهذه المبادرة اعتراف منها رسميٌ بامتلاكها ترسانةً من الأسلحة الكيماوية، وتوقيعها على معاهدة منع استخدامها كمن يقر بينه وبين الآخرين ذليلاً في الخفاء أنه استخدمها. فيما الخطوات اللاحقة ستكون مطالب بالتخلص من السلاح الكيمياوي كما فعل القذافي سابقاً، وهو ما كان للنظام السوري الآن، لكنه لن يكسب بشار وحزبه سوى قليل من الوقت، فلن يسكت العالم عنه كما فعل مع أبيه في الثمانينات، ليس نزاهةً في العالم ولكن لأن رائحة القتل في سوريا قد تجاوزت المدى والحدود وأصبحت تُزكِمُ الأنفس!
مر علينا جنيف واحد، وربما سنرى بعده اثنين وثلاثة بدون التوصل لحلٍ يشفي غليل الشعب، وستعقد جلساتٌ لمجلس الأمن ومفاوضاتٍ بين الدول الداعمة لطرفي الأزمة السورية، وسنشهد جولات مكوكية لوزراء خارجية عرب ومبعوثين للجامعة العربية والأمم المتحدة، لكن الحل قد يخرج من غير جلبابهم جميعاً ويفاجئنا ليكون سورياً بحتاً!
الأيام تعرّف بأنها دول، وإن كانت تغاضت عن الأب الديكتاتور من قبل ومجازر سرايا الدفاع، إلا أنها لن تدوم للابن بشار حتى لو أباد وشرد ثلث شعبه كما فعلت الحرب الأهلية باللبنانيين سابقاً، وسينال المجرم عقابه ولو بعد حين، فلن يكون ابن حافظ عند الغرب أغلى من كل ديكتاتور خدم مصالحه عقوداً، لكنه وما إن انتهى دوره، لفظه الأقربون منه ورفض الجميع احتواءه وإيواءه. ولكم في شاه إيران محمد رضا بهلوي خير دليل، حين لم يقبل استقباله سوى مصر السادات فيما تخلت عنه الولايات المتحدة ما إن احتجز طاقم سفارتها عقب ثورة الخميني أواخر سبعينات القرن المنصرم!
 

المصدر: جريدة الرؤيه الإماراتيه  - http://alroeya.ae/2013/11/15/102328

 

لإيران مع التحية

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الجزيره 14-11-2013

 

بت كثيراً ما أقارن بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين مؤخراً وما اعتاد آباؤنا على التندر به عند تذكرهم لحروب ثورة 1967م مع الكيان الإسرائيلي، حين كان يطل عليهم أحمد سعيد بفخامة صوته الإذاعي ويبث على مسامعهم أخبار انهزام العدو وانتصار القوات المسلحة المصرية، في وقتٍ كان العكس صحيحا. مع أني لا ألوم المذيع الحربي لما كان يطلب منه أن يقرأ، فبياناته كانت تصله مكتوبةً ومعدة من القيادات الأمنية ذات الصلة، والحجة في ذلك كانت رفع معنويات الجند والشعب والحد من آثار الهزيمة المبكرة.
في نفس السياق، نرى الجانب الإيراني الذي يطل علينا دوماً مسؤولوه مزمجرين مهددين بالرد الحازم والصاع صاعين على كل من تسول له نفسه محاسبة إيران أو لومها على ما ترتكبه سياساتها العدوانية تجاه دول الجوار العربي والخليجي وحتى الإسلامي البعيد عنها ولا تربطه بها أي صلة. لا أدري من أين تأتي ثقتهم بالنفس وقدرتهم الموصوفة على خوض الحرب المزعومة وتهديد الجميع دون استثناء، أعطني مثلاً واحداً عن دولةٍ عربيةٍ واحدة خليجية لم تفتعل إيران معها المشاكل سابقاً أو أخرى تتمتع معها بعلاقاتٍ سلميةٍ أخوية لا يشوبها شائبة.
فسروا لي إن استطعتم لم منحتم لأنفسكم فقط الدفاع عن حقوق الشيعة في العالم؟ ولم دائماً أنتم المساء فهمكم والمظلومون والمعتدى عليهم، في وقتٍ لم يبق أحد إلا ويعلم أن سياسة تصدير الثورة ما زالت في قوتها، وما البرنامج النووي الإيراني إلا لعبة مخيفة، غاية إيران منها فرض عضلاتها علينا والاستقواء بها لفرض أجندتها وسياساتها وعصاها الغليظة لكل من يعصيها.
أين عدلكم حين يتعلق الأمر بسنتكم وحقوقهم الاجتماعية والسياسية والدينية وحق بناء المساجد ودور العبادة؟ من ينكر، فليسم لي مجمعاً إسلامياً سنياً في العاصمة طهران أو كبريات مدنهم وليعطيني أسماء لإخواننا السنة ممن يعتلون سدة المناصب القيادية، هل تدرس مناهجهم في المدارس والجامعات والمعاهد؟، هل يتمتعون بحقوقهم الشرعية وفق مذهبهم، ألم تشِع الثورة سنة إيران وتعاملت مع عقيدتهم بمحاكم تفتيشها. عرب الأحواز من الأكثر تضرراً، لم هم مواطنون من الدرجة الرابعة بدون تنمية وببطالة عالية واضطهادٍ رسميٍ حكوميٍ ممنهج.
أين يكمن فكر السلام في تدخلات إيران في البحرين وبثها نار الفتنة وتغذيتها المعارضة الطائفية التي تدعي الوطنية، في وقتٍ تنفذ فيه سياسة الأجندة الخارجية، التي لو كانت حقاً ممثلاً مفوضاً لشيعة العالم، فلم لا يمنحوا شرف الهجرة ويجنسوا، كما فعل اليهود المغتصبون حين سيروا كل إمكانياتهم لتهجير يهود العالم لإسرائيل، بمن فيهم يهود الفلاشا الأثيوبيين. ألم تكن هجرتهم مع تعدد أعراقهم قائمةً على «التعصب الديني» لبلدٍ هو الأصغر مساحةً عربياً، فيما تنعم إيران بأرضٍ كبيرة مترامية الأطراف، يمكنها أن تحوي فيها كل من أرادها وطنناً وانتماءً!
من ابتغى الإصلاح وطالب بحقوقٍ مسلوبة، فعليه أن يكون معارضاً بحوارٍ وطنيٍ خالص، يراعي وحدة الوطن ويتخلى عن أي أجندةٍ خارجية تنمي العداوة والبغضاء كما تفعل جمعية الوفاق في البحرين، فلو كانت حقاً حريصةً في عملها على الوفاق لما رفع متظاهروها صور قادة الآخرين في مسيراتهم، ولما أشاعت الفوضى في وقتٍ سمحت لها الديموقراطية البحرينية في الانتخابات أن تحظى بأغلبية المقاعد في البرلمان، وعفوٍ ملكي عن معارضي الخارج، الذين حال عودتهم توقفوا «ترانزيت» في دولةٍ أخرى للتخطيط لمرحلة ما بعد الملكية والانقلاب على الحكم!
أين محبة الإخوة في إيران للسلام, ومنهم من ينفخ الكير لفصل شيعة المملكة ودول الخليج الأخرى عن دولتهم وعن انتمائهم العربي والمساعدة في زرع الفتنة بينهم وإخوانهم السنة، في وقتٍ نالوا فيه حريةً في ممارسة عقائدهم وبناء حسينياتهم والتمتع بالمواطنة وحقوق التعليم والصحة والتوظيف والمحاكم الشرعية للعقود والأنكحة.
أين هي المحبة المزعومة للسلام من تدخلاتكم في العراق ولبنان ودعم النظام الأسدي العلوي الطائفي المجرم ووقوفكم معه ضد ثورة شعبٍ مظلوم ومضطهد, عانى الأمرين ولا يزال حتى يكتب له المولى القدير نصراً يعمي به دعاة الباطل.
هي دعوة صادقة للجار الفارسي العتيد, إن أردتم الود فنحن أهله, ولن يبعدنا عنكم اختلاف مذاهبنا, ولتكونوا دعاة سلامٍ وحيادية, ولتنأوا بأنفسكم عن التدخل في الآخر, حينها قلوبنا وعقولنا لكم مفتوحة وأيدينا لكم ممدودة.
 

المصدر: جريدة الجزيره - http://www.al-jazirah.com/2013/20131114/rj12.htm

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

الصراع حول حقوق المرأة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الشرق السعوديه 12-11-2013

 

 
الحديث عن المرأة هذه الأيام لا يمكن أن يصنفك إلا مع أو ضدّ. لا وسطية فيه، فيما اختفت العقلانية واستبدلت بتطرف واستبداد بالرأي وتعصب عند الأغلبية.
طرفا الصراع تيار ديني وقبلي وعُرفي وآخر حقوقي إنساني يصف نفسه بالليبرالي، وفحواه لا يتعدى بعض المطالبات غير المصيرية، لكنها في عقل المطالب والممانع أصبحت مسألة أن تكون أو لا تكون، فيما يتغافل بجهل كلا الطرفين ويهمل ما هو أهم وأولى وأحق من حقوق وواجبات ومسؤوليات مسلوبة ومفهومة خطأ، يتوجب إعادة تفسيرها وتوضيحها ومنح ما منُع منها بالباطل وهوى النفس وبالتقاليد البالية للمسلوبة منها، وهي المرأة في عديد من المجتمعات الإسلامية والعربية.
صلاح الحال لا يكون في نيل مكاسب لحظية تغذيها موجة من العواطف وإنما بإصلاح الذات، في مجتمعاتنا التي أقل ما يمكن أن توصف به ذكورية بحتة، ربت وترعرعت على مفهوم الرجل صاحب السطوة، والمرأة التابعة. يُغذيها فكر منبعه الأسرة ويحثُّ فيه الأب والجد والجدة، وفي أحيانٍ كثيرة الأم، أبناءهم على الاعتقاد بأنهم القوامون على الأمر فيما لم يأمر الله سبحانه وتعالى به، والنتيجة تشبع لمفهوم السيطرة والفوقية يمارسها الذكر بقناعة، مزروعة داخله، أنه الأسمى، سيتبعها ما سيفسر تصرفاته حين استقلاله، وسيمارس فيها السلطة المنفردة، التي سيكون من الصعب عليه فيها تقبل الشريك مهما بلغت حكمته!.
مشكلتنا ليست في ثقافتنا الذكورية فقط، بل في كوننا على باطل ونصرّ على الاستمرار به، نطوّع له كل وسيلة، دينية كانت أو قبلية، للاحتفاظ بهوس القيادة، متناسين أن الله عز وجل خلق الخلق بجنسيه وكرم كلاً منهما، ومنحه ما يميزه على الآخر دون ظلمٍ له أو اجتزاءٍ لحقوقه.
بداخل كل رجلٍ عربيٍ منا يدور صراع، فحواه يتركز على إما أن أكون القائد لا التابع، أو العقلاني المتفهم المؤمن بالمساواة والمشاركة، والنابذ لمفهوم قوة الشخصية التي لن تتحقق إلا بمخالفة المرأة بشكلٍ عام «والزوجة خصوصاً للمتزوجين»، والسير عكس ما ترى أو تشارك به كجزء من تصورها لأمرٍ ما!.
صراعنا المرير وإن تغلبنا عليه ووقفنا مع الحق والإنصاف، سيواجه باستنكار مجتمعي يعاتبنا فيه لما يسميه خنوعنا. حينها ستكون سيرة حياتنا ما تلوكه الألسن!.
لكل أمر ضوابطه، ودون ذلك تكون الحياة عبثية. وكي لا نقع في هذا الخطأ، يتحتم علينا كمجتمع عربي مسلم محافظ بطبعه أن نقنن ما يُختلف عليه من مطالب، لا أقول تستحقها المرأة لأنه من صلب حقوقها، وإنما نتبع فيه سياسة التفاهم لا فرض الأمر الواقع، التي لن تؤول إلا إلى التصادم، وستشغل المجتمع بصراعات تفككه وانقسام أبنائه.
قيادة المرأة السيارة برأيي (وأنا لا أفتي هنا) حق لا لبس فيه، وسيسعدني أن أكون أول من يقف فيه بجوار زوجته، ولكن ضمن الإطار الصحيح، ووفق سياسة الدولة، ودون فرضه بالقوة، ومع تأطيره وتقنينه وتوفير ما يناسبه من عوامل مساهمة في أمانه ونجاحه. هذا بالإضافة إلى ما يسبقها من حملات تنويرية تثقيفية، على الجميع الدعوة لها كي تساهم في الوعي المجتمعي وتحد من أي مخاوف متداولة.
 

المصدر: جريدة الشرق السعوديه - http://www.alsharq.net.sa/2013/11/12/994399

الأحد، 3 نوفمبر 2013

الصرع بين العلم والخرافة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في مجلة فكر الثقافه العدد الخامس 01-11-2013

   

الصرع (Epilepsy) ليس بمرضٍ ذهني ولا نفسي, كما أنه ليس بمعدٍ (Contagious) ولا تتوقف الحياه إن أصيب به, بل هو عارضٌ طبي عصبي (Neurological disorder), وفي العالم أجمع ما نسبته واحد بالمائه من السكان يعانون منه أو مرشحين محتملين أو مرو بالتجربه (النوبات) على الأقل مرةً واحده في حياتهم.
هل هو وباء (Epidemic)؟, بالطبع لا...., هو بكل بساطه ناتج عن اختلالٍ في آلية عمل النظام الكهربائي للدماغ, مسبباً ما يعرف بالنوبات الصرعيه (Seizures) والتي تختلف أنواعها وتتعدد, ولا تقتصر على الصوره العامه المعروفه والمتكونه عند العامه بالإهتزاز والإنتفاض والتخشب والزبد (Clonic-Tonic Seizures). هو الحاله الطبيه التي يحدث بها حدوث متكرر للنوبات ناجمٌ عن نشاطٍ كهربائي زائد ومتزامن للخلايا العصبيه في جزءٍ من الدماغ (Partial) أو كامله (Generalized).
لو أردنا الرجوع لقرونٍ سابقه لنعرف أصل كلمة "صرع", لوجدنا أنها إغريقيه تصف" حالة الشعور بالهزيمه أو التعرض لهجوم". فيما رأت الشعوب أنها حاله من "التملك"   تتلبس المصاب بفعل قوى خارقه (Supernatural), ويكون مردها لمسٍ شيطاني أو للعفاريت والجن. هذه الحاله من القدسيه التاريخيه أُصبغت على الصرع, مما أثر سلباً على فهمه وعلاجه, وجعل المصاب به مرتبطٌ مصيره بثقافة تلك المجتمعات, وعلاجه رهنٌ بالخرافات.
مفهوم المس ليس بحديث عهد ولا عُرفنا به عن من سوانا من الأمم, فالتاريخ يذكر بأن شعوب من سبقنا بقرون آمنو بأن نوبات التشنج  تحدث بفعل تملك قوى خارقه لجسد المصاب مسببةً نوباتٍ من الإنتفاض وزبد وخروجٍ عن الوعي وفقدٍ للإتصال الخارجي. تولى الطرف الديني فيها مسؤولية علاج المصاب وأنيط به تقرير المصير, كما دائماً ما كلفت القبائل االبدائيه والوثنيه سحرتها مسؤولية التعامل معه وعلاجه.
المجتمعات الثالثه والقبليه والعرفيه تعاني أكثر من غيرها من عقدة عار ما أسميه الصرع, وخصوصاٍ إن كان المصاب به الأنثى, فالبنسبة لهم هي بداية النهاية والعنوسة للفتاه أو الوحده والطلاق للمتزوجه, وكأنها تعاني من مرضٍ معدٍ مشين!

إن جهاز الإنسان العصبي من أعقد ما في الجسم البشري, فهو وبامتياز فريدٌ من نوعه, ولكم أن تتخيلو كيف بنظامٍ يستطيع التعامل مع الملايين من المعلومات وأجزائها من مختلف مكونات الجسد بعضلاته وأعصابه, أجزائه الحركية والحسيه, ليربط بينها لتقرير وتحديد الإستجابه المناسبه.
فيما الدماغ يتمتع بالأهليه للقيام بذلك, إلا أنه وكأي عضوٍ بشري, معرضٌ للإعتلال والتوقف عن العمل, لذا حدوث أي إصابةٍ له تنعكس على مركز السيطرة والتحكم  بكل مقدراتنا, الذي بدوره تتحكم فيه مواقع وأجزاء بعينها داخله, ولكلٍ منها وظيفه محدده.
ترتبط النوبه الصرعيه على الجزء في الدماغ الذي حصل فيه التفريغ الكهربائي للخلايا العصبيه, ومع علمنا بأن كل مكان في الدماغ له وظيفه فريده يؤديها, لذا فالجزء المصاب سيفقد إمكانية أداء وظيفته بالشكل المطلوب, ومن ثم تكون الأعراض المصاحبه للنوبه بناءً على ذلك.
يمكن السيطره في الغالب على النوبات التشنجيه وبالتالي تحييد الصرع فيما لايقل عن سبعين بالمائه من المصابين به, كما أن خمسين بالمائه من الأطفال يمكن شفاؤهم منه قبل بلوغهم. لكن الدراسات والأبحاث الطبيه تشير إلى أن ما يقارب الثلاثين بالمائه من الأفراد لا يمكن السيطرة على نوباتهم حتى مع توفر أفضل طرق العلاج.
تزيد نسبة الإصابه بالصرع في دول العالم الثالث وفي بعض مجتمعاتننا العربيه عن من سواها, وذلك راجعٌ لقلة الوعي المنزلي وثقافة العيب وضعف الإجراءت الطبيه والإهمال الحكومي وتفشي مفهوم المس الشيطاني أو الجن والحسد والعين, وما يترتب عليه من لجوء المصاب وذويه لطرق العلاج الشعبيه أو إعطاء طابعٍ ديني عبر اللجوء للقراء وإهمال الجانب العلمي الطبي الذي دعينا جميعاً كمسلمين للأخذ به وباللجوء له بعد الله سبحانه وتعالى طلباً للإستشفاء. فسبحانه خلق الداء والدواء وجعل من القرآ ن الكريم نورٌ ورحمةٌ وشفاء, لكنه أوصانا بالأخذ بالأسباب, ومن الأسباب ما أرجعه لضرورة الأخذ بالعلم الحديث الذي منحه لنا المولى الكريم, عبر اللجوء للتداوي والإستشفاء الطبي وأخذه كبابٍ وسبيل لا يمكن الإستغناء عنه, مع نبذ الخرافات والأقاويل والإشاعات التي يتداولها العامه من الناس على أن مرد الصرع هو عين وحسد أو مسٌ شيطاني أُريد به الضرر للمصاب. حينها يلجأ المتضرر وأهله للعطارين والطب الشعبي ولمن يسمونهم بقراء الرقيا طلباً للشفاء, متجاهلين زيارة الطبيب المختص لإجراء الفحوصات الطبيه وأخذ العلاج والدواء المناسب للحاله, ما قد يترتب عليه من اشتداد العرض وتطور الحاله فتصبح مزمنه وقد تؤدي لعواقب كان من الممكن تجنبها لو راعى الأهل ضرورة العلاج والكشف المبكر والإلتزام به.
تراخي البعض عن طلب المشوره الطبيه واعتقاده بأن علاج الصرع والتشنجات فقط عبر قراءة القرآن على المريض فكرٌ خاطيء وفي غير محله مع إيماني ويقيني الذي لايقبل الشك بعظمة القرآن وقدرته وإعجاز الخالق العظيم. لكننا كمسلمين مطلوبٌ منا أيضاً السعي وتحكيم العقل وطلب التداوي عبر العلم الذي علمنا إياه سبحانه "وعلم الإنسان ما لم يعلم", فكانت أولى آياته لنبينا الكريم "إقرأ"
سُمي الصرع بمرض العظماء, لكثرة المشاهير الذين أصيبو به عبر التاريخ, لكنه لم يمنعهم يوماً أن يكونو ما أصبحو عليه, بل في العديد منهم زادهم إصراراً وتحدياً وذللو عقبته فكانت لهم حافزاً للتقدم والإنجاز.
الإسكندر المقدوني, المحارب والقائد الأسطوره, كان أحد من من أصيبو بالصرع, كما عانى منه لاعب كرة القدم الشهير رونالد. القائد القرطاجي الشهير هانيبال أحد أعظم العسكريين في التاريخ أصيب به أيضاً, وكذلك الملك ألفريد الأكبرويوليوس قيصر و الملك شارل الخامس ولويس الثالث عشر وبطرس الأكبرو تيودور روزفلت الرئيس الأمريكي الخامس والعشرين, كما أفادت بعض كتب التاريخ أن نابليون بونابرت عانى منه طوال حياته.
أولى خطوات علاج الصرع تكمن في تحديد نوعه وشكل النوبات المصاحبة له, والروايه لما اعترى المصاب به من أشخاصٍ عاصرونوبته  (History). عقبها يكون على الأغلب أولى الخيارات العلاجيه عبر وصف الأدويه التي تساهم في تحكم المريض بالنوبات التي تصيبه. وسائل أخرى متاحه لعلاج الصرع, وغالباً ما تكون في الحالات الطبيه الخاصه أو تلك التي تفشل معها الأدويه, ومنها الجراحه بختلف أنواعها وزراعة جهاز خاص لتحفيز العصب المبهم أو الحائر  (Vagal nerve stimulator), والحميه الكيتونيه (Ketogenic diet)



المصدر: مجلة فكر الثقافه العدد الخامس -

الأحد، 27 أكتوبر 2013

لإيران.. مع التحية

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الشرق السعوديه 27-10-2013



بت كثيراً ما أقارن بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين مؤخراً وما اعتاد آباؤنا على التندر به عند تذكرهم حروب الضباط الأحرار مع الكيان الإسرائيلي، حين كان يطل عليهم أحمد سعيد بفخامة صوته الإذاعي ويبث على مسامعهم أخبار انهزام العدو وانتصار القوات المسلحة، في وقتٍ كان العكس صحيحاً. في نفس السياق، نرى الجار الإيراني يطل علينا دوماً مسؤولوه مهددين بالرد الحازم والصاع صاعين على كل من تسوّل له نفسه محاسبة إيران أو لومها على ما ترتكبه سياساتها العدوانية تجاه دول الجوار العربي والخليجي وحتى الإسلامي البعيد عنها ولا تربطه بها أي صلة. لا أدري من أين تأتي ثقتهم بالنفس وقدرتهم الموصوفة على خوض الحرب المزعومة وتهديد الجميع دون استثناء، أعطني مثلاً واحداً عن دولةٍ عربيةٍ واحدة خليجية لم تفتعل إيران معها المشكلات سابقاً أو أخرى تتمتع معها بعلاقات سلميةٍ أخوية لا يشوبها شائبة.
فسّروا لي لمَ دائماً أنتم المساء فهمكم والمظلومون والمعتدى عليكم؟، في وقتٍ لم يبق أحد إلا ويعلم أن سياسة تصدير الثورة ما زالت في قوتها، وما البرنامج النووي الإيراني إلا لعبة مخيفة، غاية إيران منها فرض عضلاتها علينا والاستقواء بها لفرض أجندتها وسياساتها وعصاها الغليظة على كل من يعصيها.
أين عدلكم حين يتعلق الأمر بالأقليات في إيران وحقوقهم الاجتماعية والسياسية والدينية؟…… أليس عرب الأحواز من الأكثر تضرراً، لمَ يُعدون مواطنين من الدرجة الرابعة بدون تنمية وببطالة عالية واضطهادٍ رسميٍ حكومي ممنهج؟.
أين محبة الإخوة في إيران للسلام، ومنهم من ينفخ الكير لفصل الأعزاء شيعة الخليج عن دولهم وعن انتمائهم العربي؟، فيما هو يعمل لزرع الفتنة بينهم وإخوانهم السنة، في وقتٍ نالوا فيه حريةً في ممارسة عقائدهم وبناء حسينياتهم والتمتع بالمواطنة وحقوق التعليم والصحة والتوظيف والمحاكم الشرعية للعقود والأنكحة.
أين هي المحبة المزعومة للسلام من تدخلاتهم في العراق ولبنان ودعم النظام الأسدي المجرم، ووقوفهم معه ضد ثورة شعبٍ مظلوم ومضطهد، عانى الأمرين ولا يزال حتى يكتب له المولى القدير نصراً يعمي به دعاة الباطل؟.
هي دعوة صادقة للجار الفارسي العتيد، إن أردتم الود فنحن أهله، ولن يبعدنا عنكم اختلاف مذاهبنا، ولتكونوا دعاة سلامٍ وحيادية، ولتنأوا بأنفسكم عن التدخل في الآخر، حينها قلوبنا وعقولنا لكم مفتوحة وأيدينا لكم ممدودة.


المصدر: جريدة الشرق السعوديه: http://www.alsharq.net.sa/2013/10/27/980626

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

الدعوة وطرق الاحتساب

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الشرق السعوديه 23-10-2013



في حديثٍ مقتضب مع عامل إندونيسي بسيط وملتزم دينياً، حتى أنك تخاله عربياً من إتقانه لغتَنا، حدثني أن بلاده لقرنٍ مضى أو يزيد كانت غير مسلمة، دخل الإسلام إليها عن طريق التجار الزائرين، خصوصاً العرب الحضارم منهم.
استطاع أولئك التجار، الذين كان غرضهم التجارة في الترحال أساساً، أن يدخلوا شعوب دول تقع في أقاصي آسيا، الإسلام دون مجهود دعوي يذكر، ولا مدعوم من دول أو جهات، وإنما بجهد شخصي أساسه معاملة حسنة، لم يبتكروها، بل عملوا بها بسبب اقتدائهم بحبيبنا ورسولنا -محمد صلى الله عليه وسلم-. إن أردت النجاح، فعليك أن تعمل حرفياً بمعادلة بسيطة جداً: ابتسامتك في وجه الآخرين التي تعد صدقة، إلى جانب عملك بالقول «الدين المعاملة»، وليس فقط أن تسم نفسك بمظهر مميز وتكشيرة وحديث بالعربية الفصحى، واهتمام بالفروع وترك الأصول، وتخويف الناس وترهيبهم بدلاً من ترغيبهم واكتساب ثقتهم وتعاطفهم. إضافة إلى ذلك ينبغي العزف على وتر اللبنة الطيبة بداخلهم، لا تخوينهم وإساءة الظن بهم، والتعدي على خصوصيتهم، والافتراض، بغير الجزم، ارتكابهم لجرم، أو إخفائهم بين ثنايا ما يستخدمون ما قد يُعدُّ معصية ولا أقول كبيرة!.
لم تنجح حملات المسيحيين في التنصير بإفريقيا وآسيا إلا بسبب ما يفعله المنصرون لاجتذاب الأتباع من التعامل بتواضع، والوجود في أماكن الأحداث والأزمات، والسعي لتقديم المساعدة للمعوزين، ومسح دمعتهم، وإطعامهم بأيديهم.
في المقابل وعلى غرار دُعاة من أمتنا (ولا أقول جميعهم بل بعضهم)، تُفرش لمَنْ يسمون بالدُّعاة منهم (ولا أظنهم بما يتصرفون كذلك) الأبسطة. فيما الفرد منهم بكامل هندامه، يُخاطب جموعاً جوعى فاغرة الأفواه لينذرها بالعذاب والعقاب، وفي ختام جولته الدعوية، تُفرش له الموائد ويركب بعدها سيارة، ذات دفع رباعي، ليقضي ليلته الدعوية الأولى في فندق «خمس نجوم» يقيم فيه!.
لدى عديد من دعاتنا المسلمين، وبكل أسف، مفهوم خاطئ عن الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يُعد جزءاً من عقيدة كل مسلم، وفيه خير بطرقٍ عدة للاستنكار، أبسطها أن يستنكر المنكر في نفسه إن لم تسنح له الظروف بأن يدعو للحق ويُنهى عن الخطأ. والظروف هنا قد لا تكون ضعفاً جسدياً أو قلة حيلة، وإنما تحكيم للموقف واختيار لأي الطرق الدعوية أنسب؛ فالقوة لم تكن ولن تكون يوماً سلاح المسلم بالنصح فقط، بل يوازيها مفعول القول الحسن وأخذ الأشخاص على مقدار فهمهم، ومحاولة استمالة الجزء الخير في قلب كل مسلم مهما كان مذنباً وعاصياً.
باختصار ما ينقصنا تطبيقٌ حرفي للآية الكريمة «ادعُ إلى سبيلِ ربِّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هيَ أحسن».


المصدر: جريدة الشرق السعوديه: http://www.alsharq.net.sa/2013/10/23/977337

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

الخلاف والإختلاف

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الشرق السعوديه 01-10-2013




احترت كيف أفرق بين الخلاف والاختلاف، مع اقتناعي بأن الأخير يفسد الود والقضية، ولا صحة لما تربينا على سماعه وردده الداني والقاصي بأنه إثراءٌ للرأي ولا يحدث ضرراً في علاقة المختلفين على الأمر.
أصبح الخلاف كالاختلاف في عصرنا الأغبر هذا، وأصبح كلاهما يفسدا الود ويؤثرا على القضية، هذا إن لم يؤديا لقطيعة وعداوة وترصد وحروب كلامية وتصرفات تالية انتقامية.
ثقافة الحوار الغائبة عن حواراتنا هي السبب وراء التشدق بالرأي ومعاداة المحاور مجرد الاختلاف معه، فعديد منا ربا وهو يظن نفسه على صواب والآخرين على خطأ، ولا بد لهم إن أرادوا للود أن يستمر معه أن يؤيدوه ولا يُعارضوه!
«حوار الطرشان» هو مجرد اختصار لأجواء النقاش، التي يتحدث فيها الجميع في نفس الوقت دون أن يستمع أحدٌ للآخر، مع ارتفاعٍ في النبرة ومقاطعة متكررة وعلو للصوت، سيعقبهم اختلاف حاد في الرأي، الذي سيؤدي بدوره إلى الخلاف، لينتهي بعد ذلك بخصام، أو في أقل الأحوال نفوس يملؤها الإصرار على إقناع الآخرين أنهم كانوا على خطأ، وهو الذي تحدث بالصواب!
إن أردت أن تحكم على ثقافة وتمدن مجتمعٍ ما فانظر حينها وراقب كيف يتخاطب ويتحاور ويتناظر أفراده عامةً كانوا أو متخصصين، وتابع برامجهم الحوارية «Talk shows» وكن متأكداً أن مؤشر الصوت في تلفازك دون النصف. ضع بعيدا جهاز التحكم عن بعد، ولاحظ مدى اضطرارك إلى خفض الصوت طوال فترة البرنامج، ودوّن أي المتحدثين لا يتقبل الآخر ولا يحترم النقاش وأيهم يزبد أو يتعامل مع قلمه برشاقة ليكتب ما يُقال من الخصم وما يريد هو طرحه.
إن وجدت أن الوتيرة لجميع المتحدثين واحدة والأجواء رزينة حتى إن اختلفوا فيما يطرحونه….، إذاً هذا هو الحوار الراقي البناء الذي يضفي طابعاً إنسانياً أخلاقياً حضارياً لذلك المجتمع، الذي أتمنى أن يكون أسلوب مثقفينا وسياسيينا ومنظري إعلامنا عليه يوماً ما في الحاضر أو المستقبل المنظور!
رغم أن الحياة بلا أمل لا طعم لها، إلا أني آملُ أن أسترخي يوما على أريكتي فأشاهد حواراً بناءً في قناة عربية إخبارية لا أضطر أثناء متابعتي لها إلى تغيير القناة بسرعة وأنا أرى وجهاً عتيقاً لمنظر ممل لا يكاد يختفي من قناة حتى يظهر في أخرى، ومذيعا متخشبا جُل خبراته واسطة ومعرفة أو كما يقول أحبابنا المصريون «كوسة» منحته الفرصة ليطل علينا عبر برنامج هو أقرب ما يمكن وصفه بـ «غصب عليك».
نجاح أي قناة إعلامية يعتمد على مدى حرفيتها في تقديم جدولها بطريقة تؤطر لنظرية الرأي والرأي الآخر وبكل حيادية وبمهارة تمكنها من جمع الأضداد معاً دون أن يتسبب ذلك في خلق اختلافٍ مجتمعي، يؤدي لتقسيم الأفراد لمصطلح مع أو ضد بدلاً من أن يكون: «أختلف معك لكني ما زلت صديقك وأكنّ لك كل الود والتقدير!



المصدر: جريدة الشرق السعوديه: http://www.alsharq.net.sa/2013/10/01/958016


 

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...