الاثنين، 24 مارس 2014

نماذج لشباب يدّعون الدفاع عن الدين

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 24-03-2014


اعذروا استخدامي لبعض الكلمات العامية التي قد تكون أكثر تعبيراً لما أريد قوله، أو لأني لم أجد بديلها في الفصحى «وخصوصاً إن كانت معربة» أو تم تعريبها لتكون على شاكلة «شاطر ومشطور وبينهما فطيرة»!
الحكاية أنني دائماً أشعر بالامتعاض من سطحية تفكير البعض منا، وردات فعله المستفزة حين تجبرك الظروف على أن تكون يوماً طرفاً في الحوار معه رغم نأيك عن ذلك، لدرايتي أن نهاية الحوار ستتسبب إما برفع ضغطك أو رفع ضغطك! وسيخرج هو مستعرضاً فرحاً بانتصاره الذي أفحمك فيه باسم الدين، بعد أن أرعبك وأشعرك بضلالك، وألقى على مسامعك إعادة لخطبة عصماء مكررة.
إن كنت معجباً بأحد ما ولنقل من غير المسلمين وأبديت ذلك علناً فسيكون الرد عليك بالجملة الشهيرة: أتقبل أن تحشر معه؟ ولمرددي المقولة تفسيرهم الذي يقرن الشخص بمن يحب في الآخرة وكأنهم من بيدهم الحكم والأمر (تعالى الله سبحانه وتعظم شأنه). لن تنجح محاولاتك للشرح لهم بأن إعجابك مثلاً بفلان نابع من تقديرك لإنسانيته أو وطنيته أو مبادئه أو علمه أو خفة دمه ودماثة خلقه، جميعها لن تكون شافعاً للمُعجَبِ به كي تشفع له في الدنيا أن يكون محل مدح مسلم يخالفه المذهب.
«مدرعم آخر» من جماعة «أحب الصالحين ولست منهم» قد تنالك سياط لسانه إن تجرأت وانتقدت موقفاً (ولا أقول فتوى) لأحد الدعاة، ستجده وبدون تفكير يغضب وتنتفخ وجنتاه ويبدأ سيل الكلام الحرام ينبعث حمماً من فمه دون رحمة لأنك تجرأت وانتقدت فلاناً الملتزم؛ ولذلك هو غير قابل للنقد من وجهة نظره. ومثلك من العامة حتى لو كنت تحمل أعلى الدرجات العلمية جاهل ولا ترقى بانتقاد أهل العلم الشرعي كما يقول، وفيهم الذي قد لا يكون يملك من علمك شيئاً ولا يتميز عنك في شيء إلا بمظهره ولبسه وشكله وطريقة حديثه، وكلامه في أمور يعلمها كل مسلم لكنه أخذ موقف المذكر بها، والتذكير بالشيء شرعاً من باب النصح والإرشاد عملاً بالآية الكريمة «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين».
آخر من «المهجولين» وفي قول آخر يسهل فهمه من «المفحطين» قام بتضليل سيارته بالكامل حتى زجاجها الأمامي، يضع ملصقاً كبيراً على نافذته الخلفية مكتوبٌ فيها «صلاتي نجاتي» فيما هو يزعج «خلق الله» من السكان والمارة بضجيج سيارته وعبثه! ازدواجية غريبة وظن باطل بأن التمسح بالدين وادعاءه كفيل بالنجاة، وتجاهل مرير بأن الدين المعاملة بجانب الصلاة والعبادة والتقوى. جميعها مزيجٌ للمسلم المؤمن الذي يحيا لدنياه ويعمل لآخرته في الوقت نفسه، ولا يمارس أفعال الجاهلية، ولا يتمسح بحب الدين رياء أو نفاقاً وطمعاً في دنيا زائلة.
هالة القدسية والتنزه التي يضفيها بعض الجهلة (ولا أقول العامة) لبعض من نرى منهم صلاحاً هي نوع من الشيزوفرينيا الدينية، ففي حين تجد الشخص ضالاً ومضلاً ومزعجاً ومؤذياً «لخلق الله»، ومفحطاً وقاطعاً للإشارات، و«عربجياً ومدرعماً»، لكنه يتحول لحامي الحمى حين يسمع منك حديثاً فيه وجهة نظر أخرى لأحد من الصالحين، لم تشكك في حديثك عنه بخلقه أو دينه وإنما انتقدت تصرفاً بدر عنه أو رأياً له خالفته فيه التصور. موقف وإن حدث، سيجعل منك متهماً بالفسوق وكارهاً للصالحين وعلمانياً مبتعداً عن الدين وليبرالياً تغريبياً يهدف إلى تضليل شباب الأمة والعبث بعقولهم. جميعها تهم جاهزة للاستخدام ومستعملة بكثرة يتهم بها كل مخالف للرأي (لم يتجاوز الخطوط الحمر ولم يتعارض مع الدين) وإنما حكم عقله الذي منحه له الله سبحان وتعالى واستفتى قلبه في أمر له حرية الاختيار باتخاذ قرار بشأنه.
لا رهبانية في الإسلام، ولا عصمة لأحد على آخر، ولا تنزه عن الخطأ ولا كمال إلا لله عز وحل. جميعنا بشر، نخطئ ونصيب.



المصدر: جريدة الرؤية - http://alroeya.ae/2014/03/24/137034

الجمعة، 21 مارس 2014

الكرامة من وجهة نظر هندية !

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة الحوار المتجدد 20-03-2014



الكرامة وعلو الشأن ليست رهناً بالقبيلة وبالأصل والفصل كما جرت العادة وشاء هوى أنفسنا, الذي قسم أيضاً البشر لطبقات دنيا وعليا، هذا فضلاً عن التقسيمات الفرعية داخل شعب كل بلد بنفسه. الاعتداد الأهوج والغرور العرقي هو الطبقية والإقطاعية الإنسانية التي انتهت على الورق، لكنها جزء لا يمكن فصله عن ثقافة كل شعب تجاه أبناء وطنه والآخرين, يميزهم ويفصلهم كطبقات وفق معاييره التي يحكم من خلالها على العلو والدونية.
الهنود الذين يمثلون خمس سكان العالم ومالكي القنبلة الذرية ومصنعي أسلحتهم والذين اشبعهم العديد منا "تريقة" وضحكاً واستخفافاً بهم حتى باتو مثالاً للدونية الاجتماعية كما دأبنا على وصفهم ووفق تصورنا الباطل المضلل, أثبتوا لأمريكا وللعالم أجمع أن احترامهم واجب لمن حاول إنكاره, وأن لديهم كرامةً ووطنيةً لم يجرؤ أيٌ منا على القيام بها معهم "أي العالم الحر" من قبل وإن كان السبق بها للملك فيصل رحمة الله عليه حين قطع امدادات النفط في حرب الثلاثة وسبعين.
الحكاية تقول أن وزارة الخارجية الهندية قامت بطرد ديبلوماسي أمريكي من أراضيها كردٍ سريع على قيام السلطات الأميركية باعتقال الدبلوماسية الهندية نائبة القنصل العام الهندي في نيويورك بتهمة تزوير تأشيرة دخول، ودفع راتب زهيد لمربية أطفال هندية كانت تعمل لديها. قامت الشرطة الأمريكية في نيويورك بتجريد الدبلوماسية من ملابسها وتعرضت لتفتيش جسدي دقيق ومذل جداً, فيما تم تجاهل حصانتها ووضعها الديبلوماسي!
الدولة الهندية قامت مباشرة برفع الحواجز الأمنية عن السفارة الأمريكية بنيودلهي وفرضت إجراءات شملت مراجعة أوضاع العاملين الهنود بالقنصليات الأميركية، وتعليق استيراد المشروبات الكحولية المعفاة من الرسوم الجمركية. حاولت وزارة الخارجية الأمريكية تهدأت الأزمة عبو وزير الخارجية وسفيرتها بالهند، لكن "الهنود" أصروا على اعتذارٍ صريح، فيما قال أحد وزراء الحكومة المركزية: 'على الولايات المتحدة أن تفهم أن العالم قد تغير، والزمان قد تغير، والهند قد تغيرت'.
نعم فالعالم قد تغير, وموازين القوى به استجد عليها دولٌ عدةٌ وإن لم تكن عضوةً دائمةً بمجلس الأمن, إلا أنها باتت ذات ثقل ويحسب لها ألف حساب والهند بالطبع واحدة منهم, وقريباً جداً ستكون أحد القوى الدولية التي تنال ما نستحقه, فيما نحن في مكاننا سر!

المصدر: صحيفة الحوار المتجدد - http://www.hewarmag.com/opinion/8085.html

الإسلام السياسي والمعارضة الليبرالية

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة اللواء اللبنانية 19-03-2014


الخوف من الإسلام ظاهرة ليست بالحديثة على المشهد السياسي العربي بل الغربي أيضاً. فهي قديمة ومتأصلة في الفكر الاستعماري الذي طالما اعتبر التيارات الدينية أو الأحزاب ذات التوجه الإسلامي عدوةً له. وحجر عثرة أمام تحقيق غاياته في استغلال المقومات وتطويع الشعوب لتكون تابعةً له ومنفذة لسياساته..
هذه العقدة من الإسلام انتقلت من الغرب المستعمر للنخب العربية, التي كان لها السبق في البروز على المستوى الوطني, والمطالبة بالاستقلال. فكانت بداياتها قومية وطنية، مع العلم، أن العديد من هذه النخب الثائرة كانت قد تربت وتعلمت في دول المستعمر، إلا أن انفتاحها أثر إيجاباً, فانقلبت على من استوطن أرضها ودعت لطرده. دعواتها في الأغلب لم تكن قائمة على أيديولوجيا دينية، بل وطنية علمانية، كرسها مفهوم الحرية الغربي الذي تعلمت في أراضيه.
الأمر نفسه ينطبق على الثورة الاشتراكية, التي شهدت بروزاً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، والتي إن نظرنا لها سنجدها شرق غربية المصدر. كل الدعوات القومية واليسارية اختلفت في التنفيذ لكنها اتفقت في الأجندة المطالبة بالحرية واستقلال الدول العربية، فحاربها المستعمر، إلا أنه ما لبث أن تفاهم معها, وطوع العديد من قياداتها لتكون كحكومة الظل لاستمرار احتفاظه بالحكم في الخفاء في دولهم. فكانت الحقبة الديكتاتورية لما بعد الاستقلال, والتي حكم فيها الرؤساء بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة, والقمع في سبيل الشعارات الوطنية.
بروز التيارات الدينية كان مرده فيما بعد ردة الفعل العكسية التي سببها حكم الفرد الواحد واستئثاره بالسلطة وإلغاء المعارضة سياسياً، مع أجواء لضمحلال العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد السياسي والاقتصادي. حينها كانت الأزمة التي طالما اتهمت التيارات ذات التوجه الديني بالتسبب بها. فنشأ الصراع العسكري والفكر المسلح المطالب بالتغيير بالقوة, ومحاربة الدولة ومؤسساتها ونظام الحكم فيها عبر الدعوة إلى التغيير باسم الجهاد المقدس. دخلت على إثر هذه المواجهة العديد من الدول العربية في دوامة لا متناهية من العنف, وليس بغائبٍ عنا المشهد الجزائري والمصري.
المعارضة التي أطلق عليها البعض وصف الكرتونية أو الصورية, بقيت على صفتها أيام حكم الحزب الواحد وبعد الانقلاب عليه وبزوغ الربيع العربي. لم تنل السلطة، ولم تستطع أن تكسب الشعبية المطلوبة لتفوز بالحكم ديمقراطياً عبر صناديق الاقتراع، فتحولت لتلعب دور العدو الجديد للتيارات الدينية التي دخلت الساحة السياسية بقوة. تذكير الشعوب بالقاعدة وطالبان وأفغانستان, كان من الوسائل التي صورتها المعارضة لشكل الحكم إن استلم الإسلاميون مقاليده, فيما ساعد في تأصيل هذا الفكر بعض التيارات السلفية التي دخلت معترك السياسة طمعاً بأن يكون لها نصيب في الحكم. فكرست فوبيا حكم الدين لدى الشعب الذي انساق وراء مخاوف روجت لها التيارات العلمانية, لتلتقي في الهدف مع بعض القوى الغربية التي رأت في الإسلاموفوبيا وسيلةً مكنتهم من تنفيذ الأجندة التي تتماشى مع أهدافهم ورؤيتهم للمنطقة العربية والإسلامية.



المصدر: جريدة اللواء اللبنانية - http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=198802

الجمعة، 14 مارس 2014

أن تكون إنساناً

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية الإماراتية 14-03-2014



أصبحنا في كثير من المجتمعات قساة متحجري المشاعر والأحاسيس، تحجرت عيوننا فلم تعد قادرة أن تروي الخدود بدموع ترطب ما أصابها من جفاف، دمعنا عصي علينا وضحكاتنا تتناثر منا كابتسامة غجرية غانية لكل من يرميها بمال حرام.
تبلدنا، ففقدنا إنسانيتنا، فتحولنا من بشر لكائنات أخرى بين هذا وذاك، لا تعرف الرهف ولا الحس، ولا تسعى إلا كي تشبع نزواتها الحيوانية وجنون عظمتها.
استعبدنا بعضنا وتجبرنا، ففقدنا التعاطف وأمسينا سادة وعبيداً، صفوة وقاعاً، أغنياء إقطاعيين وفقراء معدمين.
أن تكون إنساناً ليس ضربة حظ أو صدفة، وإنما هي تربية للذات وسمو للأخلاق ورهف للمشاعر وصدق للأحاسيس ومشاركة للآخرين وتواضع للأقل واحترام للأجدر، وسعي دؤوب، لكسر غرور النفس وتعليمها التواضع، وتدريبها على الإيثار.
أن تكون إنساناً تعني ألا تحاول أن تكبت مشاعرك حين تشاهد مقطعاً يدمي، وألا تمنع عينك من أن تدمع، وبأن ترخي العنان لبكائك، كي يبلل ياقتك.
تتذوقه شفتاك، فتشعر بملوحته، فتزداد لوعتك ويجهش صوتك، وكأن مرارة الدمع تزيدك رغبة أكثر وأكثر في أن تجهش وبصوت عال علك تحرر ما في داخلك من كبت آن له أن يتفجر بعد أن زاد على قدرتك على احتماله أكثر!
ما أجمل أن نختلي بأنفسنا لليال وساعات، مع ضوء خافت وهدوء مطبق، نستعيد فيها إنسانية مشاعرنا ونذكيها رهفاً ورقة، نرخي لها العنان بأن تتمرد على ذاتنا، ونتبادل معها الأدوار، فتكون السيد ونحن التابع.
لا نضطر إلى إخفاء احمرار عيوننا عمن حولنا، ممن عودناهم على تماسكنا وقساوة قلبنا، بل نهيم في بحور الذات كحصان بري جامح لا يقدر أمهر سائس على ترويضه.
أتساءل دوماً لم ربطنا العاطفة بالرومانسية، والتي ربطناها بدورها بالحب للجنس الآخر؟ وتناسينا أن أسمى درجات المشاعر هي أن يكون الإنسان إنساناً بما تعنيه كلمة إنسان من معان سامية، وأن يتصرف بإنسانية تجاه من حوله من دون أن ينظر إلى دينه أو مستواه أو مكانته الاجتماعية وأصله وقبيلته ولونه وعرقه!



المصدر: جريدة الرؤية - http://alroeya.ae/2014/03/14/134772

الجمعة، 7 مارس 2014

التشدد الديني .. ظاهرة تستحق الدراسة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية الإماراتية 07-03-2014



التشدد ما كان في أمر إلا شانه وكذلك الاستخفاف والاستهتار، لكن ما يقلق أكثر هو التزمت وهو مصطلح آخر ملاحظ وسمة للعديد من المجتمعات المسلمة. تحولت بعضها في تزمتها إلى اختلاق أمور لم تُنزّل ولكن مارسها البعض. ضررها الأكبر جاء فيمن تلاهم من أفراد حولوها لبدع ملزمة ومن ثم أصبحت كواجب بدلاً من أن تكون فضيلة.
عامةً ما يكون الحديث في مثل هذه الأمور خطير، ويعرض من يطرحه لأن تنال منه الألسن والأقلام، هذا إن لم يُكفر أو يتهم بالزندقة والليبرالية والإلحاد وعداء الدين. ذلك لأن ثقافة الترهيب قد حولت البعض منا لأتباع يسهل السيطرة عليهم عبر التخويف، وهو ما قد يكون بالعذاب والعقاب الذي جبلت الفطرة الإنسانية على الخوف منه حتى لو لم تكن متدينة، فالخوف من صعوبة المجهول ذو وقع قاس يسعى الإنسان لتطمين نفسه بشأنه.
الانقسامات التي تعرضت لها الديانات على مر التاريخ كان المسبب لها التشدد أو تراخي البعض وتساهلهم وسماحهم للتغيير ليتخلل الدين. انقلب عليه أتباع آخرون ورأوا فيه خروجاً وضلالاً، لتقوم على إثرها الحروب الدينية التي نادى كل طرف فيها أتباعه وحمسهم بروح الجهاد المقدس. النتيجة كانت تشكل تكتلات جديدة وعدم اندحار أي طرف، بل على العكس سببت نشوءاً لمذاهب جديدة. بهذا المنوال تكونت الكنيسة البروتستانتية والأرثوذكسية، ليس على أنقاض الكاثوليكية المسيحية وإنما كمذهب جديد منافس لها.
كمسلمين، اللبنة الأولى لنا كانت مذهب أهل السنة والجماعة، والمقصود بذلك اتباع رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام والعمل بما جاء به السلف الصالح بعده. الاجتهادات التي تلت تلك الفترة، وتعدد الآراء، والفهم الخاص للدين، أوجد عند البعض تفسيراته، بسبب المتطرف والمتراخي منها، ظهرت مذاهب مختلفة كل منها يرى في نفسه الصواب والآخرين خطأ. دخلنا مجدداً حمى الصراع الديني بسبب التكفير ونبذ الآخر ورفضه. لم يبقَ هدف كل طائفة هو الحفاظ على اتباعها فقط وتنويرهم، بل تحول ذلك لمحاربة الآخر المختلف وتخوينه وتكفيره، ليدخل الجميع على إثرها في صراع عقائدي تناسى فيه الجميع القول الكريم «لكم دينكم ولي دين».
لا يشمل هذا الطرح المذاهب الإسلامية السنية الأربعة، التي في المجمل قامت على أساس واحد وانتهت إلى المحصلة نفسها، واختلافها فقط في تفسير بعض الأحكام والشروط والواجبات، ما نُهي عنه وما أُمر به، ما حُبِّذ وما كان مكروهاً، ما حُلِّل أو حُرِّم. لم يقم أي من المذاهب الأربعة بتخطئة الآخر ولا تجريمه، وإنما أقر جميعهم برأي الآخر الذي تعددت فيه التفسيرات.
في مثال قد يوضح ما أصبو لطرحه، أُخذ الظاهر في تفسير بعض أحاديث رسولنا الكريم، فيما فسر آخرون الحديث بباطنه أو المقصود منه. في الحديث «من أكل لحم الإبل فليتوضأ»، قيل إن تناول لحم الإبل ينقض الوضوء. تفسيرٌ آخر للحديث قال بعكس ذلك ولم يوجب الوضوء بعد أكل لحم الإبل، وفسره بأن قول الرسول كان بسبب رغبته ألا يحرج شخصاً أحدث وأراد منه أن يعيد الوضوء قبل الصلاة. هذا التفسير وصف بالموضوع وغير الصحيح كما قرأت للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
اختلف العلماء في الوضوء من لحم الإبل، فقيل: لا ينقض الوضوء، وقيل: يجب منه الوضوء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «أشار صلى الله عليه وسلم في الإبل إلى أنها من الشياطين، يريد والله أعلم أنها من جنس الشياطين ونوعهم، فإنَّ كلَّ عات متمرِّد شيطانٌ من أي الدواب كان، كالكلب الأسود شيطان، والإبل شياطين الأنعام، كما للإنس شياطين، فلعلَّ الإنسان إذا أكل لحم الإبل أورثته نفاراً وشماساً وحالاً شبيها بحال الشيطان، والشيطان خُلق من النار، وإنما تُطفئ النَّارُ بالماء، فأُمر بالوضوء من لحومها كسراً لتلك السَّورة، وقمعاً لتلك الحال، وهذا لأنَّ قلبَ الإنسان وخُلقه يتغير بالمطاعم التي يطعمها» .. (شرح عمدة الفقه 1/185).
يوضح لنا هذا المثال اتفاقاً لجميع علماء الأمة على تحليل أكل لحم الإبل، لكن اختلافهم كان في تبعاته فيما يخص القيام بفرض ديني إن أعقبه وهو الصلاة وإعادة الوضوء لها. كعامة، يبدو الأسلم لي في الأمر هو إعادة الوضوء الذي لا ينطوي عليه أي مشقة وبه أجرٌ نُثاب عليه، كما أن الأصل هو الوضوء قبل كل صلاة، وعداه يُعد جائزاً ورخصةً تسمح للمسلم بأن يصلي أكثر من صلاة على وضوء واحد طالما لم ينقضه.
الشرع في أحكامه هو الأكمل، والعلماء هم الجهة الوحيدة القادرة على تفسيره للعامة، والتي بدورها عليها أن تنفذ دون أن يكون لها حاجةٌ لمعرفة سبب التشريع، بل تأخذه كما هو وتنفذه.
المشكلة، مما رأيت من ممارسات تأتي من العامة ومدى امتثالهم في التنفيذ، أو القيام بالأمر وفق قناعتهم التي ربما قد تكون الأسلم (ولو كان به مبالغة). من المشاهدات الشائعة لذلك ما نراه لدى البعض من تقصير مبالغ فيه للثوب، للدرجة التي يبالغ فيها البعض فيظهر بلبسه وكأنه يرتدي تنورة قصيرة. لو سؤل عن سبب قيامه بذلك لقال: إن الإسدال محرم وما دون الكعب في النار، وهو ما ورد في أكثر من حديث. لكن إن قست له المسافة ما بين كعبه وطول ثوبه لوجدت فرقاً غير مُبرر ولم يرد له ذكرٌ في الشرع ولا معنى له، بل إن منظره لا يوحي بالجمال وإنما يثير في النفس النفور! إذاً لم هذا التنطع، ولم المبالغة في الأمر، الذي لن يزيد الفرد تديناً ولن يقربه أكثر لاتباع السنة النبوية، بل سيعطي انطباعاً سلبياً وسيرسخ مبدأ التشدد وينفر الآخرين من التدين والالتزام.
في الجاهلية وعقب الدعوة للإسلام وفي الزمان الأول، كان طول الثوب نوعاً من الخيلاء والكبر، وكان من علامات الغنى لبس الحرير والثوب الطويل الذي يتجاوز طوله المعقول فتبقى منه مسافةً تجر على الأرض خلفه، في مشية هي الأقرب للطاووس. مثل هذا التصرف ينبذه الإسلام ويحرمه، فهو الدين القائم على التواضع والمساواة بين الجميع، فقيرهم وغنيهم، عالمهم وجاهلهم، من هنا جاء التحريم لأي فعل يرمز للكبر والغرور وأحدها إسبال الثوب زهواً.
في عصرنا هذا لم يعد أحد يرتدي الثوب أو البنطلون بنفس الطريقة سابقاً، ولم يعُد طوله نوعاً من الكبر، الذي بات الظهور به بأشكال أخرى وطرق أكثر لفتاً للانتباه. إن استبعدنا التفسير السابق، فلنبق إذاً على ما أمرنا الله به سبحانه وتعالى، ولنلتزم به ولكن دون مبالغة لم ترد في الدين، ولنترك جانباً التشدد وإدخال الممارسات الخاطئة المبالغة بها ولنفعل ما أمرنا به بالضبط دون نقص أو زيادة.



المصدر: جريدة الرؤية - http://alroeya.ae/2014/03/07/133099

الصراع القبلي في جنوب السودان

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الجزيرة 06-03-2014



لو كل دولة في العالم تواجدت فيها أقلية مختلفة عرقيا ومذهبيا عن الأغلبية من السكان وطالبت بالاستقلال واستقلت لتحول العالم إلى دويلات صغيرة، ولكن هل يستوي الجميع في ذلك!
نظريا، تقول لنا المواثيق الدولية نعم، لكن الوقائع على الأرض مختلفة ولنا في دولة جنوب السودان مثال نضربه للتدليل.
الوجه الحقيقي لثقافة التعدد السياسية في أفريقيا بدأ يظهر الآن في جنوب السودان، البلد المفكك قبلياً وأريد له أن يكون ذريعة لتفتيت السودان الأم وكان له ذلك، لكنه ما لبث أن بدأ يظهر مدى هشاشة التحالف القبلي الضعيف بين سكان البلد الوليد. ما يحدث الآن فيه من اقتتال وثورة انقلابيةٍ دليل على التحالف الهش المدعوم من قوى أفريقية وغربية كان الغرض منه تفتيت السودان باسم المسيحية الأفريقية، وتلقى فيه الانفصاليون جميع أشكال الدعم اللازم، والذي مكنهم من شن حرب استمرت عقودا للمطالبة باستقلال جنوبهم.
كيف استفاد الجنوب السوداني المستقل حديثاً من النفط الموجود في أراضيه وهل هناك فعليا أي تنمية أو هل وفر رخاءً لمواطنيه الذين سارعوا بالتصويت للانفصال عن الوطن الأم، أم أن حالهم قبل استقلالهم كان واعداً أكثر؟
خرافة الوطنية التي لعب بها جون جرنج وسيلفا كير وغيرهم من قادة الانفصال الجنوبي وحاربوا بها السودان على مدار عقود هل أجدت في الكرامة للجنوبيين وهل زادتهم لحمة، وهل عملوا منذ اليوم الأول لاستقلالهم على النهوض بوطنهم المستجد، أم انشغلوا في غزوات النهب والسلب والسبي، حتى باتت قبيلتيهم الرئيسيتين أساساً للمواطنة والانتماء.
ما إن عزل سيلفا كير نائبه مشار حتى رجع الأخير لمراكز نفوذه وأعلن العصيان، فنشبت الحرب وشُرد الجنوبيون ولكن هذه المرة بعيدا عن اتهام الجيش السوداني والقبائل العربية، وإنما بأيديهم أنفسهم. سارعت حينها أفريقيا والدول التي حرضت ضد السودان لإرسال مبعوثيها لإعادة لم الشمل وحل الأزمة، في سباق مع الزمن حتى لا تنتكس وجوههم بعد أن ساهموا في تفتيت السودان وغرس دولة وليدة فيه تضمر الكره والشر للمسلمين، وأداة لتهديد دول الشمال الإفريقي العربية، وقاعدة لإسرائيل تنتشر منها لدول أفريقيا كافة.
جهود الوساطة حتى اللحظة أجدت نوعاً ما في نزع فتيل الأزمة، مع قناعتي بأن الاستقطاب على أشده والوطنية الهشة التي قادت القبائل للاستقلال باتت الآن سراباً في ظل لجوء كل طرف لأتباعه من نفس القبيلة التي يرى أحدها في تحركات الآخر تحجيماً له وعزلاً.
ما حدث لدولة جنوب السودان هو نفس السيناريو الذي شاهدناه سابقاً بين إندونيسيا وتيمور الشرقية، حيث سارعت الأمم المتحدة والغرب لتأييد الانفصال، لكن وفي المقابل لم نرَ لنفس الأطراف ذاك الحماس تجاه ثورة الشعب السوري الذي راح ضحيتها حتى اللحظة أكثر من مائتي ألف قتيل وملايين المشردين، ولم نسمع نفس عبارات الحرية والإنسانية كالتي سمعناها عن دارفور لما يجري الآن من حصار مطبق ترتكبه قوات الأسد تجاه لاجئي مخيم اليرموك ولا الجياع الذين باتت لحوم القطط والأعشاب غذاؤهم الذي لن يكون حتى كافياً لسد جوعهم.
ازدواجية المعايير لمفهوم الحرية والديمقراطية لدى العالم الأول المتحضر هو من يسهم في إنتاج نماذج الحروب والاقتتال كالتي نراها في جنوب السودان الآن وإفريقيا الوسطى، وقبلها مالي وساحل العاج والكونغو، والقائمة طويلة ودلالاتها تشير إلى أن الديمقراطية التي ينادي بها البعض ليست إلا وسيلة يؤيدها طالما تتماشى مع أهدافه وينأى عنها إن تقاطعت مع مصالحه، ولكم في دولة جنوب السودان خير دليل على ذلك.

المصدر: جريدة الجزيرة - http://www.al-jazirah.com/2014/20140306/du1.htm

الاثنين، 3 مارس 2014

تفاني جمهور «النصر»

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الشرق السعودية 03-03-2014



توحي عبارة «متصدر لا تكلمني»، التي أطلقها مشجعو نادي النصر هذا العام، بتفانيهم وفرحتهم بتغير حال ناديهم من التذبذب إلى الصدارة، بعد أن تمكنت إدارته من أن تضع النقاط على الحروف، وزرع روح اللعبة قبل الرغبة في الفوز في لاعبي الفريق.
الإرادة والتفاني هما ما ينقصان كرة القدم العربية بشكلٍ عام، واثنتان من الركائز التي فشل العديد في زرعهما، وإن تذرّع الجميع، بلا استثناء، بإيمانه بهما، إلا أن الملاحظ أنهما كانتا غائبتين عن الغالبية العظمى.
مرد هذه النظرية يعود إلى حالة السخاء التي «تزغلل» عيون أي لاعب في نادٍ كبير وتدفعه ليدخل هدفاً يكون السبب في فوز فريقه. يعلم اللاعب أنه بعدها سيتلقى مردوداً مجزياً مادياً ومعنوياً، وسترتفع أسهمه أكثر في ناديه، كما سيتجنب دكة الاحتياط وسيكون أساسياً في تشكيلات فريقه.
لا عيب ولا ضرر فيما ذكر، فهذا هو الغرض من اللعبة بجانب الهواية، وهي إن أتقنها من احترفها، فتحت له أبواب الشهرة والرفاه. هذا هو جوهر العمل وإن كانت الرياضة ممارسة وصحة فهي أيضاً مصدر دخل ممتاز لمن يحالفه الحظ ويبرز فيها. لكن الخطأ هو أن يكون المردود المادي والمعنوي هو السبب للنجاح فيها.
ما يجب تأصيله في نشء المستقبل هو روح الانتماء والتفاني والتضحية للمؤسسة التي ينتمي إليها بحيث يكون هدفه النهوض بها ورفعة مكانها بين منافسيها، وبأن يكون لها الصدارة والتميز في السراء الذي تعيشه والضراء. هي الروح الوطنية التي يفدي بها الشخص وطنه ويعمل بكل استطاعته كي ينال لها الرفعة على الآخرين فيها دون أن ينتظر المقابل.
من الصعب عليّ التحدث أكثر عن الرياضة التي تشاطرني النفور، ولست بمتابع لها أو مشجعٍ مخلص لأيٍ من نواديها، عدا المسابقات العالمية مثل كأس العالم، التي تعد تظاهرة تجمع الكل، ومشاركة إنسانية مثيرة للفضول.
محبة جمهور نادي النصر لناديه وتفانيه في دعمه رغم الكبوات العديدة التي واجهته على مدار السنوات السابقة هو ما أوحى لي أن أكون رياضياً هذه المرة، وهو ما دفعني لأكتب عن هذه الظاهرة بالذات، وهي التربية الرياضية المدروسة التي أصلتها إدارته كنهجٍ للاعبيها لممارسة اللعبة، والتي أثمرت في إعداد الفريق وطاقمه عقلياً وروحياً ممهدةً لتقدمه الرياضي، وسعي رياضيه لإحداث التغيير المطلوب دون أن تكون المكافأة هي ما يثير روح الفوز لديهم.
جمهور النادي، رغم كبواته، سانده ووقف إلى جانبه، وتحلّى بصبر وجلد أثمر في ارتقاء النادي مجدداً لمرتبة الصدارة، ولذلك يحق للنصراويين أن تحمل سياراتهم شعارات مكتوب عليها: «متصدر لا تكلمني!».



المصدر: الشرق السعودية - http://www.alsharq.net.sa/2014/03/03/1088975

 

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...