الجمعة، 6 يونيو 2014

رسالة أم إسفاف

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 05-06-2014



الفرق بين الفن الهادف والخاسر هو ما يتركه في نفسك من أثر بعد مشاهدتك له، إن دغدغ عواطفك وتركك في حالة تشبه أحلام اليقظة ورغبة بأن تكون وحدك سرحان وهائماً، لا تعرف في ما تفكر، لكن نشوة غريبة تعتريك وأنت بين يدي نفسك، ترقبُ «لا شيء» وتنتظر حلماً لا تعرفه، تنتابك حالة من السكون الغريبة .. يتراءى لك فيها صورة ضبابية، يلهث إحساسك خلفها ليعرف ما وراء ضبابيتها. أشبهها بحالة التصلب لرؤية لوحة فنية رسمت بالماء أو الزيت كمثيلاتها، لكنها اختلفت عنهم بتكبيلها لك ما إن يقع ناظرك عليها.
الفن رسالة وإبداع وسمو روحي أفتقده كثيراً في معمعة الحاضر ولا أجد له طريقاً إلا ما ندر. مللت من الضحك والكوميديا والرومانسية المصطنعة، وكل ما أرادوا تصويره لنا، وأبت نفسي أن تعطيهم فرصة أخرى، فقد تلاعبوا بكوننا بشراً وروجوا لبضاعتهم الخائبة. إن حاورتهم لترشدهم وتقومهم، قالوا لك: نحن رسل الفن الراقي، ومع كل احترامي هو الإسفاف الذي فتح العيون على مارد الغريزة العمياء الشاذة والحب الأفلاطوني والبطل الذي لا يقهر.
يتجلى مفهوم الإبداع حين يخلق حالة من الجذب لا تستمر للحظة، بل لعقود وأجيال، كمسرحية شكسبيرية ترجمت لكل اللغات ومثلها أقوام وأقوام، ومازالت حتى اللحظة تحظى بقبولنا وتحرك مشاعرنا وتشد انتباهنا، مع علمنا وكامل درايتنا بنهايتها، لكنك حين تشاهدها تجبرك أن تعيش اللحظة معها، فتنسى نهايتها حتى تصل لها!
الهوى في عرفنا أمسى كرواية شرقية بختامها يُزوجُ الأبطال، فحتى عنترة وعبلة زوجوهما في نهاية القصة، ولم يبق لهم إلا أن يصححوا لنا معلومة أن طرفة بن العبد قضى مفتدياً الحبيبة من رصاصة طائشة كادت تصيبها أثناء «الزفة».
هوليوود وبوليوود وبالطبع العربية منهما أوصلتنا لمرحلة فقدنا فيها الاستمتاع، فاستبدلته بالترفيه، فنما منا جيل الفكر المفقود فارغ العقل والحديث، لكننا نصفق لتفاهتهم ونسعى لهثاً وراء أخبارهم، في حين هم صغار ونحن من رفع مقامهم!
إن أردت أن تستمتع بلحظات فنية شيقة، ابحث عن فيلم أيرلندي سياسي، وحبذا أحد تلك الأفلام التي تتحدث عما قبل اتفاق «الجمعة العظيمة»، واحرص على أن تناله رقابتك، فبخلاف ما في بعضها من انحلال أخلاقي.. (تجاوزه)، وركز في العرض وفي الإخراج وفي تجسيد الشخصية وفي سرد الحدث، والنقد دون «الصواط والزعيق» (التي اعتدنا عليهما في فننا المجيد!).. أروع ما فيها أنها تشبه الأفلام ثلاثية الأبعاد، تجبرك أن تكون المشاهد والشاهد والبطل والعدو، حتى تشعر ببركان من الحرارة يكاد ينفجر في داخلك، رغم كونها «أيرلندية» تتمتع ببرودة قارسة تتنافى مع نشاطنا كعرب إلا أنها والحق يُقال فيها من الحركة ما يحرك مشاعرنا.
إن أردتم أن تصل لكم الفكرة فتخيلوا معي طائرة ورقية تلهو بها طفلة في جو ربيعي مشمس معتدل الريح وصحو، تتحرك بأناملها الصغيرة فلا تفقدُ بها السيطرة عليها، وتوجهها دون أن تضطر أن تجري خلفها لتمنع ابتعادها عنها أو فقدانها لها. تمتع ناظرها بها، لا تشعرها بالملل أو التعب، بل تقودها للحظات سعيدة تنهيها بأن تجذب أصابعها الصغيرة الخيط لتقربها منها، ومن ثم تلملمها لتحفظها في مكان آمن، أملاً في نزهة أخرى يتجدد بها اللقاء .. وحتى حينها تبقى ذكراها حاضرة.
هل اتضحت لكم الصورة، فنحن الطفلة، والفن الراقي هو الطائرة الورقية!



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/06/05/154600

الاثنين، 2 يونيو 2014

الحرب الفيروسية حقيقة أو وهم

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 02-06-2014



لم يعد السلاح الوسيلة الوحيدة، ولا القوة العسكرية والجيوش، السبيل الأنسب، لفرض السياسات وإحكام الأجندة التي يسعى لفرضها القوي دائما على الضعيف، والضعف هنا لا يقصد به الفقر فقط أو ضعف القوة، وإنما انعدام المقدرة على التصرف باستقلالية وبعيداً عن الآخرين، ودون الرجوع إليهم في أوقات الأزمات والكوارث.
دخل الإعلام اللعبة وأصبحت قوته توازي الجيوش العتيدة، بسلاحٍ واحدٍ فقط وهو التوجيه الفكري، الذي يخاطب العقول بغرض السيطرة عليها وتسييرها وفق الأهواء المُراد لها إتباعها، فكانت نجاحاته التي لم تكن لينالها لولا ثقافة التغييب التي جعلت من الشعوب ملقمة وتابعة دون تفكيرٍ وإرادةٍ ورأيٍ مستقل.
والأخطر من الاثنين السابقين، والأشد فتكاً، هو السلاح الذي سأُسمّيه “الفيروسي”، وهو الذي يشيع الخوف في قلوب الجميع دون استثناء، ويتملك تفكيرهم، ويلهيهم عما سواه أياً كانت أهميته، ودون أن يستثني أحداً من المجتمع، مستنزفاً لمقوماته وقدراته وطاقاته المادية والعملية. الخوف من المرض وما قد ينتج عنه، فطرة إنسانية يتشاركها الجميع، والسعي للصحة طموح ومنى كل إنسان رغم كل العادات السلبية التي يمارسها، والتعلق بالحياة سُنّةٌ جُبلَ عليها البشر. من هنا ينبع الخوف، الذي تمّ استغلاله للسيطرة على الدول اقتصادياً أو سياسياً، عبر تعبئة الرأي العام في دول مختارة كل فترة تجاه أحد الأوبئة والأمراض الفتاكة، التي باتت الصفة المشتركة لها جميعا هي الڤيروسات!…..لم نكد نفيق من أخبار “سارس” الذي ضرب الصين إبان وهجها الاقتصادي وإعلانها امتلاك أعلى احتياطي نقدي للدولار في العالم العام ٢٠٠٣، وسبب لها كسادا سياحياً اضطرها لتسيير رحلات مجانيةٍ دعائيةٍ لأراضيها لتطمين السياح، حتى نالت الطيور من الوباء جانبا، وتم تعريفنا بانفلونز الطيور.
ضربت مصر وأعدمت على أثرها ملايين الطيور من الدجاج وأصابت تجارتها الكساد ومنعت تجارة الدواجن الحية من المزاولة، وتحولت مصر على إثرها إلى دولة مستوردة وهي التي كانت على أعتاب الاكتفاء الذاتي والتصدير للخارج. وللعلم، فيروس انفولنزا الطيور ضعيف، وكان يكفيه طبخ الطيور جيدا على درجة حرارة مرتفعةٍ لفترةٍ زمنيةٍ معينةٍ لقتله، مع غسلٍ لليدين وللأواني المستخدمة بالكلور المخفف بالماء، والذي يُعرف عنه أنّ يتمتّع بقدرة على الحماية من أشد أنواع البكتيريا والفيروسات. الدواء السحري لعلاجه كان ما أنتجته شركة “ميرك شارب” للأدوية “تاميفلو” وحققت بسببه معدلات مرتفعة جداً في المبيعات ورفعت من القيمة السوقية لأسهم الشركة في البورصة.
سلالة جديدة من الانفلونزا تلتهم، ولكن هذه المرة أطلق عليها مسمى الخنازير، بثت الرعب في قلوب البشر، وتربعت كفقرة أولى في جميع نشرات الأخبار حول العالم. استنفذت طاقات وزارات الصحة والهيئات والمؤسسات والجمعيات، وشغلت العلماء والباحثين، حتى أنتجت لها شركة “نوفارتس” اللقاح الشافي، والذي كان سبباً في اتّخام حساباتها بما يعادل الستة مليارات من الدولارات، وهو قيمة ما أنتجته وسوقته من هذا العقار!
من باب الحدس، ولا أقول أني أملك معلومات إحصائية دقيقة، أظن والله أعلم، أن أغلب تلك الكميات المشتراة لتلك الأدوية والأمصال العلاجية أُتلفت دون أن تستخدم بعد أن انتهت صلاحيتها!
في عامنا هذا، بدأ “كورونا” أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية باحتلال الصفحات الأولى من اهتمام المواطنين، وانتشر الذعر منه، وتسارعت وتيرة الإصابات به، وانشغل الناس بما يفعله هذا الفيروس بالمصابين به، في إعادة لنفس السيناريوهات السابقة، التي تثير الخوف والذعر، الذي لا يمكن وصفه “بغير المبرر” ولكن ربما “المبالغ فيه”. هو واقع لا يمكن إنكاره أو تجاهله، ولكن يتوجب عدم تضخيمه، والعمل بدلا عن ذلك باحتوائه والقضاء عليه قبل انتشاره، ووضع الخطط الصحيحة للتعامل معه، بكل شفافية وحرفية.
الأمثلة السابقة قد تقود البعض منا لأن يبرز مجدداً نظرية المؤامرة، التي بكل أمانةٍ لا أميل إليها، وأجدها سبباً في كثيرٍ من الأحيان ومسماراً نعلق عليه فشلنا وكسلنا، إلا أن الأمر هنا جدير بالدراسة والتحليل! فلو تساءلنا مثلا: لم لا تظهر هذه الأوبئة “الفقاعة” في الدول الأفريقية الفقيرة والآسيوية المعدمة، مع أنها بسبب ما تعانيه من فقر وانعدام للبنية التحية الصحية وعدم توافر للغذاء؛ تُشكل بيئةً خصبة للأمراض والأوبئة! ولم لا تضرب في الأغلب إلا الدول الغنية، أو القادرة على شراء ما ستنتجه لها شركات الأدوية العملاقة من عقاقير وأمصال؟ لماذا يتم تضخيمها دائما وكأنها وباء مع أن أعداد الإصابة بها ربما لا تساوي أعداد من تقضي عليهم الأنفلونزا العادية في الولايات المتحدة سنوياً، والمقدرة بعشرات الآلاف!…..هذا ما قد يخطر على البال من جانب نظرية الحدوث والانتشار والإصابة؛ أما في ما يتعلق بالتعامل، فالواجب هو أولا إيجاد البنية الصحية القادرة على التعامل مع المرض حال حدوثه، والتي ستكون عبر توفير الرعاية الصحية السريعة والمناسبة والمتزامنة مع توفر الأجهزة الطبية المتقدمة، والكوادر القادرة والمؤهلة وذات الخبرة. جميعها بالتزامن مع تضافر الجهود الحكومية والمؤسسات البحثية لاحتواء أولى الإصابات، والعمل سريعا على عزلها ومعرفة كيفية إصابتها. جهود لن يكتب لها النجاح بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، إلا إن سارت على خطط عمل تم وضعها مسبقاً لمواجهة الأزمات والكوارث، يقوم عليها خبراء وعلماء وباحثون، نتاج عملهم ليس وليد اللحظة، وإنما عبر عمل مستمر على مدار سنوات، الغرض منه مباشرة الحلول حال حدوث الخطر.
لا بد أن يؤسس أيضاً هيئات صحية مستقلة ذات صلاحيات واسعة جداً، يُناط بها التصرف بسرعة لاحتواء الأوبئة والإشراف على الأمراض والفيروسات القابلة للانتشار، أو التي تظهر حديثا، تعمل باستقلالية، ولها مراكزها البحثية ذات الصلة بنظيراتها في الدول المتقدمة، وصاحبة الخبرة والريادة.
كوننا بشر نحيا على الأرض بكل أخطائنا وتقدمنا وتطورنا وصناعتنا ونتكاثر; يعني أننا على الدوام معرضين لأخطار صحية ناتجة عن العادات الخاطئة وسوء استغلال العلم أو المناعة الطبيعية التي تكتسبها بعض الفيروسات, أو تطور الأخرى وتمكنها من الانتقال من الحيوانات للإنسان, وعدم استجابتها للأمصال والأدوية المعالجة; يحتم علينا أن نكون أكثر احترافية ومهنية في التعامل مع ما يخص الصحة العامة, وشفافية بمشاركة الجمهور واطلاعه وتوعيته وتصحيح أخطائه وتنبيهه لإتباع التعليمات الصحية وتجنب المحاذير التي تسهم في انتشار الأمراض والأوبئة.



المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=24197

الخميس، 22 مايو 2014

ثقافة التعامل مع الجمهور

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 22-05-2014

 
 
هي ليست المقدرة فقط أن تبتسم في وجه العميل وأنت متأنق ومتعطر وتنتقي كلماتك بتصنع واضح، فيما لا تخلو جملك له وعباراتك من فوقية منحتها لنفسك بصفتك ممثلاً لخدمة العملاء أو موظفاً في العلاقات العامة، المفترض منه أن يكون الوجه الحسن لمشغله، والمكتوب الذي يعطي العنوان الصحيح والدعاية المفترضة لأي مقدم للخدمة، يسعى للربح والانتشار.
كما أن المعرفة بالشيء الذي تم توظيفك لأجل إيضاحه للآخرين والإجابة على استفساراتهم به هو خدمة عليك أن تعي أنها واجبة في سبيل الحفاظ على عملاء شركتك، وزيادة عددهم، لتنال شركتك نسبة عالية من السوق الذي لا بد أن يكون فيه مزودون آخرون للخدمة هدفهم الربح وتحقيق معدلات النمو المرتفعة.
فقط في السوق أو «البيزنيس» الذي قد يضم شركات فقيرة إنسانياً بفن التعامل مع الجمهور والعامة، ستجد أحياناً المشتري يدفع الكثير ويتوسل أو لنقل يداهن موظفاً في شركة خدمات، لينال خدمة هي في الأساس حقه الذي دفع من أجله.
الشركات والمؤسسات الخدمية هي عماد لاقتصاد بعض الدول المترفة، والتي يتمتع المواطن فيها بأعلى درجات الرفاهية، هي نفسها الدول التي تفرض ضرائب مرتفعة على مواطنيها قد تصل في الدنمارك مثلاً إلى نصف الدخل أحياناً، ولكنها في المقابل توفر له الحياة الكريمة التي تكفله من صغره لكهولته، هو اقتصاد يعتمد على الخدمات كمصدر أساسي للدولة، ناجح وينال رضى الجميع.
المستهلك وإن كان أحياناً كثير الشكوى والتذمر والسؤال، إلا أنه رأس المال القوي لأي عمل، تحمله واجب، ومحاولة استرضائه والصبر على إلحاحه ضرورة لاكتسابه، والتغاضي عن فضوله وغضبه غير المبرر أحياناً وعدم فهمه للنظام في أخرى واجب عبر امتصاصه ومحاولة تهدئته والشرح له بأريحية «وطولة بال» حتى تتمكن من إيصال وجهة نظرك له من دون أن يكون هدفك هو كسب الجولة والتهرب من اللوم، فالغرض أولاً وأخيراً هو مقدرتك على استيعابه والخروج من الموقف وفق أساس «الجميع يربح».
لو استثمرت الشركات في مجتمعاتنا المبالغ الضخمة التي تنفقها عبر الدعايات والإعلانات لترويج بضاعتها في تدريب موظفيها على المفهوم المميز لخدمة العملاء والتعامل معهم ومع المواقف الناتجة عن التواصل معهم، لكان لهم في ذلك أعظم دعاية على الإطلاق، فالعميل الراضي والسعيد بالمنتج أسرع وسيلة لنشر الخبر في مجتمعه، وهو قادر على تسويق المنتج للآخرين الذين يرون في سعادته بما اقتنى سبباً لهم لشراء المنتج نفسه بالنهج نفسه، فأسوأ كابوس يواجه أي مقدم للخدمة هو الدعاية السلبية التي يبثها شخص ما غاضب من منتج لم ينل منه ما أراد، ولم تحظ شكواه بالاهتمام والتجاوب الذي يتوقعه، بل صدم بموظف خدمة العملاء لا مبال وتعامل معه على أساس سيئ، لخدمة ما بعد البيع، والتي تعد المعيار الأساسي للمفاضلة، وسبباً لتكرار التجربة أو التغيير.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/05/22/151275

الأزمة السورية مستمرة!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة اللواء اللبنانية 21-05-2014

 

إطالة عمر الأزمة السورية قد يصب في مصلحة بعض القوى الدولية، وقد يشعر الجار الإسرائيلي بالطمأنينة بكسر شوكة أحد دول المحور العربي، ويؤخر بل يطيل إلى أمدٍ غير معلوم أي فرصة لإستعادة الجولان المحتل. كما أنه قد يستنفد مقومات حزب الله العسكرية، وقد يفقده بسبب تدخّله فيها مركز قوته في الساحة اللبنانية، ويلهيه عما كان يتغنى به عن كونه حزب مقاومة، نال بسببها نفوذا عسكريا مكّنه من فرض إرادته ورؤاه السياسية.
الحديث هنا عن الحرب, قذرة أججها نظام ديكتاتوري بعثي طائفي متشبث بالسلطة، ومعارضة عسكرية مستقطبة مفككة لم تستطع حتى اللحظة حسم المعركة على الأرض بسبب تفرّقها، وأخرى خارجية مشتتة الأجندة لا تملك نفوذاً أو قوة مطلقة في الداخل السوري، كما أنها غير قادرة على فرض إرادتها. هي حرب استهلكت مقومات الدولة السورية، ودمرت بنيتها التحتية واقتصادها ومؤسساتها واعادتها خمسين عاماً للوراء إن لم يكن أكثر، حتى ما إن يجهز الحل ويشاء المجتمع الدولي إنهاء الأزمة السورية،  يلزم السوريون حينها عقوداً لإعادة بناء الأطلال التي خلفتها حرب لا إنسانية وحشية تغاضى العالم عن إيقافها، وتكاسل عن قصد، وجعل من حرية شعب ساحة يفرض فيها كل طرف من القوى الدولية عضلاته لتحقيق مكاسب على حساب شعب هجر الملايين من سكانه وقتل وأصيب مئات الآلاف منهم.
كأن العالم لم يتعلم الدرس بعد مما جرى في لبنان وحرب الخمسة والعشرين عاماً الأهلية،  وأفغانستان واقتتال لوردات الحرب فيها، الذي تسبب بوصول طالبان للحكم فيما بعد. من بعدهم كان العراق، الذي تمكنت طهران من جعله ساحةً لباحتها الخلفية، وملعبا تصفي فيه حساباتها وتسعى من خلاله لخلق واقعٍ سياسي بمحرك طائفي مذهبي، يكون لها نقطة الانطلاق صوب دول الجوار العربي.
إطالة عمر الأزمات قد يقدّم مكاسب وقتية للمستفيدين منها، لكن على المدى البعيد، سيخلق مجموعة من القنابل الموقوتة للعالم، وهذا بالضبط ما قد تؤول له الأحوال في سوريا إن انتهت الحرب فيها. آلاف المقاتلين العرب وأغلبهم من الشباب المتحمس، سيعودون لبلدانهم  بفكر لا يتوافق مع الواقع السياسي في اوطانهم، وسيعمل البعض منهم على انشاء حركات مسلحة معارضة تنشد التغيير في بلدانها بالقوة، مما سيدخل دولهم في سنوات من الضياع والاقتتال، لن تنتهي بسلام ، بل ستكون آثارها حاضرة وقابلة للتفاقم في أي وقت وإن عاشت أوقات خمول. هي بمثابة خلايا ساكنة ستكون فعالة في أوقت، مما سيدخلنا والعالم أجمع في دائرة العنف والإرهاب التي لن يستثنى منها أحد، وعلى رأسهم القائمون الآن على دعم النظام السوري، والمتغاضون عما يحصل في سوريا.  أضف إلى ذلك فوضى انتشار السلاح الذي سيصعب السيطرة عليه، وحمى الانتقام في سوريا ما بعد نظام الأسد، المرشح لأن يكون قتل وإقصاء على الهوية.
انتفاضة السوريين ضد نظام الأسد لا رجعة فيها حتى لو تحولت جميع مدنهم وقراهم الى دمار شامل «وصومال آخر», وقرارهم الثورة ضد القمع والسعي للحرية سيكون العامل الذي سيحسم المعركة في النهاية, ولكن حينها سيدفع الجميع الثمن, والمقصود به هنا حالة الفوضى التي قد تستمر في سوريا لسنين طويلة, وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي سينتج عنه «أفغنة» للقضية السورية ومصدراً لتصدير القلاقل والعنف. لذا وطالما أن الحل ما زال بيد العالم الحر والدول العربية والاسلامية ذات الثقل, فعليهم جميعاً البدء في فرض وتطبيق حل لا نقاش فيه وبدون مزيد من المؤتمرات الشكلية والمفاوضات, وإنما واقع يطبق وتكون سوريا بموجبه تحت وصاية جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة ويستثنى فيه النظام القائم مع ضبطٍ للأوضاع الأمنية وجمع للأسلحة وإنشاء دستور جديد وفترة انتقالية يقوم عليها كفاءات من التكنوقراط, مع إعادة لتأهيل المليشيات والكتائب المسلحة, ودمجها جميعاً في جيش وطني بقيادة قوية مسيطرة, على أن تنبذ التدخل في السياسة الداخلية وألا تفرض ايديولوجياتها الدينية والفكرية على سياسة الدولة, أي تكون محايدة ووطنية. حينها قد ننجح والعالم في تفادي النتائج السلبية للأزمة السورية.
 
 

المصدر: جريدة اللواء اللبنانية - http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=205660#

الأحد، 18 مايو 2014

أمة "اقرأ" لا تقرأ!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في مجلة فكر الثقافية العدد السابع لشهر مايو-2014



رغم ما تعودنا سماعه وترديده عن كوننا كعرب ومسلمين  "أمةٌ لا تقرأ", أو كما دأبت النخب منا على وصفنا وترديدها ذلك حين تُسأل عن سبب ضياع المعرفة وتضاءل الانتاج الفكري والأدبي, أو لنقل كما جرت العادة أن يُطلق علينا بأننا هجرنا القراءة والكتابة والثقافة الشخصية وأصبحنا نميل لأن نكون متلقين أكثر ومرددين لا منظرين، نستقي المعلومة من المشاهدة، ويلعب الإعلام المرئي والمسموع الدور الأكبر في ثقافتنا وتوجيهنا ومعرفتنا عبر اعلام المعلومة الجاهزة لا الرأي؛ إلا أن واقع معارض الكتاب السنوية التي تطلقها وتستضيفها أغلب الدول العربية تشهد عكس ذلك وتبعث على التفاؤل, فالأرقام الصادرة عنها تشير إلى أعداد كبيرة من الزوار، من مختلف الأعمار والتوجهات. المبيعات مرتفعة، والاقبال متنوع ولا ينحصر في فئة عمرية واحدة. أعداد الناشرين كبيرة والمعروض من الإصدارات كثير. في حين نشهد وباستمرار بروز مؤلفين وكتاب جدد مغمورين وغير معروفين كسرو احتكار المشاهير من الأدباء والكتاب، وفرضوا وجودهم وأثبتوا أنفسهم في فترة قصيرة عبر ابداعات نالت الاهتمام، وأحدثت أثراً ايجابيا.
إذا اين المشكلة، ولم دوماً نحن كعامة وجمهور محل النقد لكوننا هجرنا ثقافة القراء واتجهنا للإعلام الترفيهي, الذي جعل منا متلقين تابعين لا أصحاب رأي وفكر وثقافة؟ وهل مثل هذه المعارض السنوية والمناسبات تمثل المقياس الدقيق لقياس درجة ثقافة القراءة لدينا، أم أنها لا تعدو أكثر من رغبة مؤقتة وحدث مستفز لعقولنا ما نلبث ان نتحاشاه  بعد أن نرتب ما اقتنيناه من كتب في مكتبتنا بدون أمل للرجوع اليها والاطلاع عليها؟ وكيف نفعل حملة القراءة للجميع دون أن ندعي ذلك ونروج لها كحدث ثقافي ينتهي بانتهاء تغطيته الإعلامية!
اتوقع قبل أن نبدأ في غرس فكر القراءة, علينا أولاً أن نروج للثقافة الشخصية ومدى أهميتها وضرورتها, عبر حملاتٍ تدغدغ "الأنا" في داخلنا وتجمل لها انسانيتها وهي مثقفة تعي ما حولها وتسهم دوماً في نشر المعلومة واثرائها.
علينا أيضاً أن نستطلع موضوع الكتاب, وندرس توجه غالبية  الجمهور ورغباته وأهواءه وما يثير فضوله ويستفزه, ونستوعب تطلعاته فيما قد يجذبه للقراءة, مع العمل على عدم حصر ذلك في مجال بعينه، بل نسهم في احداث حالة من التنوع، دون التركيز على مجال على حساب آخر. هذا بالتزامن مع تأصيل مبدأ استغلال الوقت ولو قليله في القراءة أثناء الانتظار, والتربية المبكرة لأطفالنا وتعويدهم على أن متعة طفولتهم لن تكتمل لهم إلا إن قرأوا دون أن نحرمهم ملاهيهم الأخرى, ولكن مع احداث موازنة ايجابية في استغلال أوقات فراغهم.
لفترة قريبة وفي اغلب مجتمعاتنا العربية، كان العديد منا ينظر باستغراب وفضول وقد يكون استهجانا  لمن يحمل كتاباً في يده أو رواية وينشغل بقراءتها عن النظر في من حوله في وسائل المواصلات العامة، أو أثناء انتظاره مثلا لحافلة أو موعد اقلاع رحلته. نظرة أخرى وسمته ووصفته "بالمتفلسف" أو من يحاول أن يظهر للآخرين بشخصية المثقف. في حين وفي كل من حولنا من دول، ستجد أن ثقافة النظر للآخرين أثناء الانتظار في الأماكن العامة مستهجنه، والتصرف الأبرز للأغلبية يتمثل بقراءتها لما بين يديها أياً كان محتواه.
واقعنا يشير إلى أننا من أضعف الأمم القارئة, وأطفالنا هم الأقل, والأغلبية العظمى من الرجال والنساء في العالمين العربي والإسلامي لا يمضون وقتا يُذكر في القراءة, وعادة شراء الكتب لدى العديد منا في المناسبات لا تعني أبدأ أو تشير إلى تحسن مستوياتنا الثقافية, وازدياد الوعي لدينا بضرورة وأهمية وروعة المعرفة, التي يمثل الكتاب الباب والمنفذ لها, والسبيل الأمثل لنيلها.
أعطني أمة تقرأ وسأضمن لكم تمدنها وتحضرها وتقدمها وانسانيتها, وتخلصها من مساوئها والتزامها بالنظام والنظافة وتمتعها بالأخلاق واحترامها للقوانين, فالقراءة بجانب كونها تثقيف وتسلية; هي أيضاً تهذيب وسمو وتربية.



المصدر: مجلة فكر الثقافية - http://www.fikrmag.com

ثقافة النخبة وثقافة الجمهور

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 08-05-2014



بقدر ما يشير مصطلح النخبة لفئة معينة من الجمهور تمتلك ما يميزها عن الآخرين، وتمنحها مكانة تتوافق مع تفوقها وتفردها، بقدر ما يمكن وصفه بالمعيم القابل لأن يُفسر على أكثر من وجه؛ خصوصاً في المجتمعات التي تعاني من الطبقية، والتي لا تقتصر فقط على الفهم الدارج لها بالشق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل تتعداها لتضم أيضاً الفكري والثقافي.
أن تكون من النخبة في مجتمعك يعني أنك تمكنت من تقديم ما عجزت عنه الأغلبية، واستطعت أن توصل قناعاتك وأفكارك للآخرين، ليس من قبيل ضربة حظ وإنما بما أبدعه عقلك وفكرك، وتوصلت من خلاله لرؤى تمس الحياة بأي من زواياها.
وجود فئة من الناس مميزة في مجتمع ما لا يعطي انطباعاً عنه وتصوراً لمدى توافق نخبته وجمهوره، إلا إن كان هناك تنوعاً وتعدداً لنخبه بمشاربهم، وعدم اقتصارهم على مجالٍ بعينه. كما درجة التمازج والانصهار بين رواده وعامته، وعدم طغيان وجود أيٍ منهم على الآخر أو إلغاء له، وهو الذي إن حصل، قد يؤدي لنشوء أقلية نخبوية وأغلبية شعبية منفصلة عنها، ومتنافرة معها. هذا الفراغ إن حدث هو ما سينتج عنه مجتمع الصالونات المغلقة ذات الأهداف الراقية ولكن دون وجود شعبي لها على الأرض وعملي تستطيع من خلاله أن تنشر رسالتها وأيديولوجيتها للأغلبية من العامة، التي تمثل الأكثرية من حيث العدد، لكنها الأقل من حيث الحظوة والتطور والرخاء والحرية والسلم.
ثقافة النخبة وحدها لا تكفي لاستقطاب الجمهور حولها، ولن تستطيع كسب القضايا وتحقيق الأهداف إن لم تكن شعبية وبعيدة عن المثالية والتنظير، متمازجة مع ثقافة الجماهير، ومدركة لاحتياجاتها، ومستوعبة لأولوياتها، ومتفقة مع مطالبها، ومتماشية مع رغباتها.
المجتمع المتوازن هو الذي يصنع نخبه وفق احتياجاته، وهو الذي يغذي روح الإبداع بين أفراده، وهو الذي ينتج قوانينه، وهو الذي يلغي الطبقية ويحقق المساواة بين الجميع دون انتهاكٍ لآدمية فردٍ منه لحساب آخر متميز عنه بتفوقه عليه في مجالٍ بعينه. هو المجتمع ذاته الذي يربط بين نخبه وعامته ويعمل دوماً على عدم توسيع الفجوة بينهم، وهو الذي لا يفرق بين ثقافة الجمهور والنخبة إلا على أساس واحد فقط وهو خدمة المجتمع ككل والمصلحة العامة.
من زاوية أخرى، قد تسهم ثقافة الجمهور أو العامة في تحديد النخب، وقد يكون صعود الأخيرة رهن بممارسات العامة وعاداتهم وطباعهم وتصرفاتهم ونمط معيشتهم، إلا أن ذلك لن ينعكس إيجاباً لإحداث التغيير المطلوب دون أن ينزل المثقفون وأهل الرأي والحكمة من أبراجهم ليتعاملوا مع الناس بمثلية غير مصطنعة، مع نبذهم لمشاعر الفوقية والتصرف بطبقية وعلو. حينها إن لامسوا وتر الأغلبية من العامة، تمكنوا من تغيير تصرفاتهم وتوجيههم لنبذ الأخطاء، ليسهموا في تطور الشعب وتمدنه، وهو الذي سيكون نتيجته أمة لا تختلف نخبتها عن عامتها سوى في درجة التفوق، لكن التصرفات هي واحدة بينهم، وجميعها تعطي الانطباع للغريب عنهم عن مدى إنسانيتهم وتفوقهم الذي صنعه توافق ثقافة نخبهم مع بقية الشعب.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/05/08/147834

ماركيز .. شهرزاد الشعوب المقهورة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 27-04-2014



مئة عام من الوحدة والحزن لرحيل أعظم كولومبي في تاريخنا» .. عبارات مختصرة، بها صرّح رئيس كولومبيا فور وفاة جابرييل غارسيا ماركيز أحد أكبر عمالقة أدب أمريكا اللاتينية. عُرف عائلياً وبين أصدقائه بلقب غابيتوا. هو الروائي الثائر الذي تمرد على الأدب العالمي والأوروبي وأسس مدرسة الواقعية السحرية التي توج بها إبداعه في روايته «مئة عام من العزلة»، وصارت بعدها نهجاً أدبياً سلكه العديد من الكتاب والروائيين حول العالم.
لم تبقَ لغة إلا وترجمت لها أسطورته الأدبية ونال عليها جائزة نوبل للأدب في ثمانينات القرن المنصرم. هي الرواية التي تعد من أهم الأعمال في تاريخ الأدب الإنساني، والتي من خلالها عرفنا وتعرف العالم أجمع على ماكوندو، تلك القرية المعزولة التي بناها رجال ضلوا طريقهم في سبيل الوصول للضفة الأخرى، فيئسوا واختاروا بقعة من الأرض كانت لبنة تأسيس ماكوندو المعزولة، لتزدهر فيما بعد وتكون قبلة لشركات الموز التي غيرت وداعتها وهدوءها وأدخلت إليها سحر الأضواء، التي اندثرت بالعاصفة التي محتها من على الأرض كما تنبأ بذلك الغجري الذي أمضى ما تبقى من حياته بها.
ماركيز صديق الشعوب المغلوبة، وأديب الثورات، وابن كولومبيا التي تركها ليستقر معظم حياته بالمكسيك. هو منظر الرواية اللاتينية وقاصها الذي أعطى لها أبعاداً تجاوزت حدودها الفنية والأدبية، ليسرد تاريخ حقبة عاشتها أمريكا اللاتينية بكل ديكتاتورياتها وثوراتها ومطامح شعوبها وحروبها، تخللتها فترات اقتتال دامية لم تعرف خلقاً ولم تحترم قانوناً. تحدث عن الإمبريالية والحركات الليبرالية والتحررية واليسارية، وسطوة الشركات الإقطاعية، وما أدخلتها على حياة الناس من مدنية عكرت بساطتهم ووئامهم. أسهب في توصيف وحشية الحرب الأهلية دون أن ينحاز لطرف، برغم فكره التحرري وما طاله من أقوال لصداقته المعروفة بالزعيمين الكوبي كاسترو والفلسطيني ياسر عرفات.
بدأ حياته دارساً للقانون ثم صحفياً، اعتزل المهنة فيما بعد، وتفرغ للكتابة التي استهلها برواية عاصفة الأوراق التي لم يجد لها ناشراً إلا بعد سبع سنوات ونالت نقداً واسعاً. استخدم فيها المونولوجات النوكنرية الثلاثة، حيث تشاطر أبطال الرواية الثلاث وهم الأب والابنة والحفيد دور الراوي.
في الحب في زمن الكوليرا، قدم لنا قصة حب أسطورية، تخللها مزيجه الإبداعي الذي لم تخل أي من رواياته منه، مزيجه الدائم الذكر حيث الكاريبي والبحر والعزلة، الذين أحبهم وجعل منهم ركائز أساسية لإبداعه وصورة جمالية أعطت لأمريكا اللاتينية بمدنها وقراها وشعوبها نكهة خاصة، لن تشعر بها وتستوعب صدقها إلا وأنت تقرأ إحدى رواياته. تميز غارسيا ماركيز بعبقرية أسلوبه ككاتب وموهبته في تناول الأفكار السياسية، وطريقة طرحه لها وأسلوبه في إيصال المعلومة وفكرته التي يسعى لإيصالها للقارئ.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/04/27/145065

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...