الاثنين، 4 أغسطس 2014

لبنان الأصغر مساحة والأكثر استباحة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 04-08-2014



الدولة اللبنانية بصفتها العملية لا الرسمية مغيبة تقريبا ودون مبالغة منذ استقلالها. لا مرجعية لها فعليا إلا في المحافل الدولية والمؤتمرات والزيارات وأحيانا في قضايا الغاز والكهرباء وبعض هموم الحياة ومشاكل المواطن البسيط. أما في ما يختص بسيادتها وقرارها وأمنها الداخلي وسياساتها الخارجية، فالآراء متعددة ومتباينة ومختلفة تعدد الطوائف والانتماء الحزبي والإيديولوجي في بلد هو الأصغر عربيا على صعيد المساحة، لكنه الأكثر استباحة سياسيا وانقساما.
على مدى عقود لبنان الحديث، لم يتمتع البلد بتوافقٍ شعبيٍ واحد على أحد القرارات المصيرية إلا ما ندر، والمحصلة هي حرب أهلية امتدت لأكثر من خمسٍ وعشرين سنة، لا يزال المواطن اللبناني يحيا تبعاتها. فبعد أن فقد فيها وأصيب ثلث السكان وهجر الثلث الآخر، لا تزال بعض القوى تلعب دورا في عدم الإستقرار والفوضى الأمنية، فهي وباعتقادها أن الساحة اللبنانية بمثابة ورقة للمرابحة والمفاوضة، كما أنها وكما يبدو ملعبا لقوى أجنبية لتصفية الحسابات وعقد الصفقات والتفاهمات، تارةً سوريا التي تواجدت فيها بقواتها وعتادها وجنودها وسياسيها ومخابراتها وأزلامها لأكثر من ثلاثين سنةٍ، وأخرى أيران التي أوجدت لنفسها ذراعاً طولى عبر حزب الله; الممثل لسياساتها الخارجية والراعي الرسمي العسكري لمواقفها في المنطقة، والمنفذ لأجندتها.

الجيش اللبناني قد لا نكون مخطئين إن أطلقنا عليه اسم الحيادي المُغيب. لو تساءلتم معي: كيف تكون لجيش الدولة هيبة في ظل وجود أكثر من طرف منظم ومسلح، بعضه بشكلٍ أقوى وأحدث من الجيش الوطني نفسه؟، وكيف تكون له سطوة وسلطة أمنيا إن كانت ردات فعله معروفة ومحسومة مسبقا لتكون محايدة ومختصرة ومحصورة فقط في فض الاشتباك!
الجيش في كل دول العالم ليس بلجنة حكماء ولا هو حيادي تجاه أمن الوطن، وإنما هو عصا غليظة لكل من عصا وتجبر وأخطأ وتمادى، لكل من “فرد عضلاته” على حساب الآخر، لكل من يهدد السلم الأهلي والاستقرار، لا كبيرعليه، وإنما يصغر الكبار له. بياناته لا تحمل عبارات الرجاء، بل هي تحذير نهائي، يليه عمل كل ما يلزم لحفظ الأمن والاستقرار والحفاظ على مصلحة الوطن دون أي انتهاك أو تعدٍ خارجيٍ كان أو داخلي.
ما معنى أن يقتل العديد في الأراضي اللبنانية وتعم الفوضى وتحدث اشتباكات بين أطراف وجماعات مختلفة الانتماء وخصوصا في طرابلس؟ وما معنى أن يكون سكان أحد أحيائها شوكةً في عنق الآخر؟ كيف يسمح الجيش الوطني لنفسه بأن يرى بعينيه الأسلحة مرفوعة دون أن يحرك ساكنا!
لن تقوم للبنان قائمة ولن تطرد طيور الظلام من ترابه إلا وأولا بجيشٍ عربيٍ لبناني ممثل بأساس الوطنية، مدني الإيديولوجيا، عسكري الهوى، كالأعمى والأصم لايرى الظاهر ولا يستمع للأخر بل يعمل على هدفٍ واحد هو استقرار أرضه ونماؤها وسلامة مواطنيه والمحافظة على مكتسباتهم وكسر قدم كل من يتجرأ على لبنان وترابها الوطني. في ظل وجوده، لا قوة أو سلاح أو قول يعلو فوق مصلحة الوطن، لا استخبارات إلا ما يتبع له، ولا معسكرات تدريب ومخازن أسلحة إلا ما يخصه.
على لبنان أن ينفض من يديه ساسته المخضرمين، وأن يشد إزر جيشه، وأن يعمل لنبذ تقسيمته السياسية الداخلية القائمة على المحاصصة الحزبية والطائفية والمناطقية، فأوانها قد ولى واستمرارها ضمانة أكيدة لاستمرار مسلسل الفوضى وتبعاته من حالة التشرذم والانقسام وإعطاء الفرصة للغريب بأن يتحكم في شعبه وأرضه وينقل صراعاته الداخلية وأزماته إلى الأرض اللبنانية.
الاستحقاقات الانتخابية في لبنان أبعد ما تكون عن الديمقراطية بروحها والغرض منها، فهي على الدوام شللٌ سياسي، من انتخاب رئيس الجمهورية إلى التوافق على رئيس الحكومة وتشكيلها، فالبيان الحكومي، الذي لا يعدو كونه حبرا على ورق، إلا أنه يأخذ من الوقت والتشدد والشد والجذب، وقد يعطل الحياة السياسية فترةً من الزمن حتى يتم التوصل إلى صيغةً توافقيةٍ له!
لبنان رغم صغر مساحته وضعف موارده الطبيعية إلا أنه قادر، إن حسنت النية، على أن يكون متطورا مستقرا ومزدهرا، فلديه كفاءات إنسانية متميزة، وبنية تحتية سياحية مستقطبة للسياح من كل العالم، وأراضٍ زراعية إن استغلت تكفي لتكون سلة غذاء.
لو تناسى اللبنانيون السياسة عقدا من الزمن وركزوا على التنمية وبناء اقتصادٍ قوي، ستختلف المعادلة السياسية فيه، وسيكون المعيار لدى مواطنيه هو الانتماء إلى الوطن، وستندحر الطائفية، وسيرى مواطنوه استقراراً ونماءً لطالما راوداهم كحلمٍ آثر هواهم إطالته فلم يفلحوا، فتركوه خلف ظهورهم وهاجروا إلى دولٍ أخرى منحتهم الاحترام والاستقرار!


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=29535

داعش والتشدد المذموم

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 04-08-2014

 


ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام أو «داعش» في رأيي ومن دون أن أشعر بوخز ضمير أو تجنّ هم دُعاة إحياء التكفير والهجرة بأفعالهم وأقوالهم وتصرفاتهم وما يبدر منهم وإن لم يعلنوا ذلك أو يدّعوه، وهم بالمقارنة بالجماعة المصرية التي انطلقت دعوتها أواخر ستينات القرن المنصرم على يد الشيخ علي إسماعيل في السجون المصرية وسمت نفسها بالمسلمين، في حين أطلق عليها الإعلام لقب التكفير والهجرة لأنها اتخذت من التكفير قاعدةً شرعيةً لها فيما تُعدُ الهجرة العنصر الثاني في تفكيرهم، ويقصد بها اعتزال المجتمع الجاهلي عزلة مكانية وعزلة شعورية، سيجد المتتبع لكلتا الجماعتين أوجه التشابه الكبير بينهما في التصرف والأسلوب المتمرد في الخصام والقتال.
أوصاف جميعها قد لا تكفي لوصف هذه الجماعة حديثة النشأة، والتي يكتنفها الغموض وتدور حولها الروايات وتنسج لها الأفعال التي لا يتقبلها عقلٌ ولا منطقٌ ولا دين. هي الفكر الشاذ نفسه الذي يتمسح بالإسلام ويجعل منه رايةً لتحقيق أهدافه، فيما أصحابه من أكثر من يعمل على الإساءة لهذا الدين، وهو براء منهم ومن أفعالهم ومن همجيتهم وبدائيتهم. اشتهروا بمقاطع قطع الرقاب والأيدي، وجلد الناس، وحرق التلفزيونات، وتميزهم بهيئتهم التي تظهر الصلابة والقوة، بسواد ملبسهم وجلافتهم، وبادعائهم العمل على إقامة دولة الخلافة، وتلقيبهم لقادتهم بالأمراء، وولائهم الأعمى لمن أعطوه الهيئة والبيعة ليكون قائداً لهم.
المضحك المبكي فيما يخص «داعش» هو أن تنظيم القاعدة يتبرأ منهم ويعدهم بل يسميهم الفئة الضالة، وينفي أي علاقةٍ له معهم، أو أي ارتباط عسكري وفكري بإيديولوجية التنظيم وأهدافه! جبهة النصرة بدورها رفضت الانضواء مع التنظيم وأعلن زعيمها أبو محمد الجولاني رفضه لفكرة الاندماج مع الدولة التي أعلن عنها في وقتٍ سابق قائدها أبو بكر البغدادي.
في سوريا، تثار الشكوك حول الأهداف الحقيقية لها عدا ما تعلنه، فالمتتبع لتحركاتها واستراتيجيتها العسكرية يلاحظ بنود تفاهمٍ غير معلن بينها وبين النظام السوري، كما أن تسليحها المتقدم، وتمتعها بمعلومات استخباراتية لا يمكن أن يكونا لها لولا علاقاتها بأطراف دولية لها مصلحة بإطالة عمر الأزمة السورية، والإبقاء على النظام الحالي.
كون هذا التنظيم إرهابياً ومخرباً قد لا يعني أن جميع من انتسبوا إليه كذلك، فالعديد من الشباب المتحمس المُغرر به والساعي للجهاد انضم له ظاناً أنه اللبنة الأولى لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، وفي اعتقادي أن العديد منهم صدم بمعتقداتهم وأفعالهم بعد معاشرته لهم، ولكنه طريق اللاعودة، وصعوبة تركهم هي ما يجعلهم عالقين مع هذا التنظيم، منغمسين أكثر فأكثر في إجرامه ووحشيته.
لم يوجد في أزمةٍ إلا واتخذ منه الجانب المُعتدي ذريعةً لقمعه وتجبره. في العراق، يتحجج المالكي به للقضاء على ثورة العراقيين الذين ملوا الطائفية والإقصاء والفساد والعمالة والتبعية لإيران، وفي سوريا وفي كل خطاب لمندوبها «الجعفري» في الأمم المتحدة هي دائماً حاضرة في الخطاب للتدليل على أن دولة القمع الأسدية تحارب الإرهاب الداعشي!
أتمنى ألا يتحول هذا التنظيم لغول عقدنا هذا، وألا يكون سبباً لتعرضنا لحروب ومؤامرات وهمية بحجة القضاء عليه، كما أتمنى أن تتضافر الجهود لإعادة استقطاب الشباب المغرر بهم، والذين التحقوا به وإعادة احتوائهم وغسل أدمغتهم من كل ما عبث بها داعش وقادته وإرهابه!



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/08/04/167841 

بديل القومية العربية

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 02-08-2014



ما هو البديل للقومية العربية في ظل فشلها في جمع العرب تحت راية واحدة وموقف حاسم تجاه ثورات الربيع العربي، هل هي اليسارية أم العلمانية أم الإسلام السياسي أم ماذا؟
 ألم ينل كلا التيارين سابقاً وهما اليسار والقومية فرصتهما في الحكم ولم ينجحا في الاحتفاظ به في تلك الدول، كما لم يحققا النهضة المرجوة لشعوبهما، بل ارتكبا الكبائر في حقهم باسم الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.
هل تستحق حقاً تلك الشعوب العربية ما تنشده من حرية، وهل نجحت ثوراتها الأخيرة في قلب المعادلة، وكسر حاجز الخوف الذي تعايشت وتواءمت معه عقوداً طويلة ومنذ استقلالها؟
على المواطن العربي أن يعي أن الديمقراطية مستحقة، ولكنها غير مكتسبة. والمعنى، قد تقوم ثورات للمطالبة بها ومن ثم تنالها، لكنها قد تؤدي لحكم أكثر استبدادية، والاستبدادية هي نتيجة حتمية لشعب حركته العواطف والتلاعب بها من قبل أفراد، ولم يحركهم فكر حر رصين وأجندة تنهض بهم.
سامحوني، ولكني أشعر أحياناً بأن الشعوب العربية غير مؤهلة فكرياً لأن تعيش الديمقراطية بنص معناها الذي تطالب به الآن، فبعضهم وللأسف في داخلهم فوضويون وانتقائيون وعنصريون، كما أن تصرفاتهم كمن صمت دهراً ثم نطق كفراً.
أعمتهم عيونهم عن رؤية الصواب وغرر بهم الآخرون. طموحهم الحكم لا الإصلاح، وتنفيذ أيديولوجياتهم هو محل اهتمامهم بغض النظر عن مشاكل وهموم المواطن (الغلبان) والبسيط الذي تحركه العاطفة، فتلاعبوا بها ودغدغوها، فغرروا به وأضاعوه ولم يقدموا له ما ثار من أجله.
القومية كفكر لا خلاف عليه، ولا أظن له حُرمة، فوحدة العرق جميلة، لكن المشكلة في من حكم باسمها وأذل شعبه وقمعه. ومع ذلك ما زال البعض يمجده ويراه الخيار الأفضل، متناسياً عقوداً طويلة ازدهرت فيها سجونه وامتهنت فيها الكرامة وفرض عليها نخباً ضالة ثارت لنفسها ضد الاستعمار باسم الشعب، لكنها هي من امتهنت كرامته وأذلته، وقطعت الألسنة وخونت كل من خالفها وجهة النظر وانتقدها.
النتيجة كانت حتمية وحتى لمن تغافل عنها، فالتاريخ يسجل لأولئك القوميين إضاعتهم لكل ما حاربوا من أجله ودعوا له. ولكن، هل الديمقراطية فكر وسياسة وممارسة لا بد من الابتعاد عنها وعدم ترك الفرصة لأي مغتنم يحاول المناداة بها لاستغفال الشعوب العربية ومن ثم خلق العداوة والبغضاء بينها ومن يخالفها، أم حق لا بد منه رغم كل ما نرى من إساءة لاستخدامها؟



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/08/02/167385

الخميس، 3 يوليو 2014

روسيا وأوروبا والتصحيح في أوكرانيا

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 01-07-2014



رغم نقمتي على روسيا، بسبب موقفها من سوريا ودعمها للنظام وتزويده بالسلاح الذي ما زال يبقي جيشه صامداً قاتلاً لشعبه بالبراميل المتفجرة، ورغم شماتتي لخسارة الروس لإحدى جولات الصراع في أوكرانيا لمصلحة المعارضة الأوكرانية المدعومة من الغرب والولايات المتحدة، إلا أني ضد كسر شوكتهم وضد فقدانهم لنفوذهم التاريخي في دول الاتحاد السوفييتي السابق ومع بقائهم كقوة عالمية، فتفرد الغرب وأمريكا كقوة واحدة من دون وجود مواز لها وضاغط ومعادل للكفة، أمر غير محبذ وخطأ سياسي سيسبب وجود قطب واحد قوي في العالم ومتحكم.
في الفترة التي سبقت عزل الرئيس الأوكراني، دعمت روسيا سلطات كييف بأكثر من ١٥ مليار دولار في محاولات منها للحفاظ على نفوذها وما تسميه دوماً بمصالح الأوكرانيين من أصل روسي والذين يمثلون ما يعادل ١٥ في المئة من السكان، إلا أن ذلك لم يكن كافياً للوقوف في وجه ثورة شعبية ترى في نفسها جزءاً من أوروبا، وتطمح لأن تتخلص من الوصاية الروسية ووجدت الدعم من القارة العجوز، لتحقيق ذلك.
أحد الأخطاء التي اقترفها الرئيس الأوكراني المعزول فيكتور يانوكوفيتش وترتب عليها الأزمة الحالية تتمثل في عدم الموازنة بين رغبات الجار القوي الذي يعتبر أوكرانيا امتداداً لمصالحه، والمحيط الأوروبي الطامح للتخلص من السيطرة الروسية عليها والمطالب الشعبية الداخلية التي ترى في الانضمام للاتحاد الأوروبي حلماً يشاء الروس إطالته مع عملهم على عدم تحققه.
الدب الروسي أسهم في الاستفتاء الأخير لانفصال القرم وانضمامها للاتحاد الروسي في موقف شبيه بدعم تركيا لقيام كيان سياسي وجغرافي للقبارصة الأتراك، لم تعترف به أي دولة في العالم سوى تركيا نفسها.
كما قامت روسيا بحشد قواتها على الحدود الشرقية لأوكرانيا ووقفت خلف انفصال ما يسمى «جمهورية دونيتسك» التي لم يعترف بها أحد، في حين أعلنت الأخيرة التزامها بوقف إطلاق النار، والذي دعا له بوتين أيضاً وشدد عليه، وذلك ينظر له المشككون بكونه ورقة جديدة للمفاوضات والضغط على الحكومة الأوكرانية وداعميها (الغرب والولايات المتحدة) إلى جانب التهديدات المستمرة بقطع إمدادات الغاز عنها إن لم تسدد ما عليها من مستحقات لشركة غاز بروم.
الأيام المقبلة ستكون لعبة للشد والجذب بين الروس والغرب، لن تكون أوكرانيا هي السبب بها فقط، بل سيدخل اللعبة قضايا دولية وعربية، وبالتأكيد سوريا والبرنامج النووي الإيراني والعراق سيكون أحدها.
سيتحتم على الروس تقديم تنازلات في بعضها، لتحقيق رغباتها في أخرى، ولكن ما يهمنا كدول عربية وإسلامية هو هل سيكون لأي من تلك التوافقات بين مختلف الجهات ضرر أو فائدة لنا؟ أتمنى ذلك مع خشيتي أن نكون نحن أيضاً الخاسرين في لعبة الحرب الباردة الجديدة.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/07/01/160311

الخميس، 19 يونيو 2014

التحرش ظاهرة لا بد أن يقلق منها المصريون

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في موقع كلمتي 19-06-2014



بصراحة وبدون زعل أو حساسيات:
 هل باتت مصر على اعتاب ان يطلق عليها بلد المليون متحرش؟ ام من الحميّة إنكار هذا القول وشتم صاحبه، أم الأولى القضاء على هذه الظاهرة التي باتت مصر تعرف بها حصريا وبشهادة المؤسسات الدولية والتقارير التي أشار اكثرها تحفظاً إلى أن ما لا يقل عن نصف المصريات قد تعرضن إلى شكل من أشكال التحرش اللفظي او الجسدي أو الإيحائي.
مصر اعتلت قمة القائمة وغابت عنها دول أخرى تسودها شريعة الغاب!...., أمر محزن ولا بد لحلٍ له دون المزيد من المؤتمرات أو اللجان أو المحاضرات والندوات الشكلية. مجرد ذكر مصر هذه الأيام على شاشات الأخبار سيخطر على البال مشاهد يا إما للرقص أو لجموع من الكلاب "المسعورة" وهي تهاجم فتيات وتحاول اغتصابهن والتحرش بهن على الملأ وأمام الجميع، الذي آثر العديد منهم الوقوف والمشاهدة وتصويره، دون أن يعترض لمنع ما يحدث أو دون وقوعه; وذلك من قبل مجموعات البلطجية الذين لم يعرف لهم عمر, بعد أن تناولت الأخبار القبض على قصر وكهول في حادث التحرش الأخير بميدان التحرير.
تلك المشاهد المأساوية لما تتعرض له البنات والتي انتشرت مؤخراً عبر اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي قد لطخة سمعة بلدٍ بيد  ابنائها; الذين هم إما جناة او متفرجين سكتوا وأبوا التدخل والحيلولة دون الوقوف في وجه مثل هذه التصرفات التي باتت مصر تعرف بها اكثر من ذي قبل, وتحتل القائمة الأعلى في تقارير المنظمات الدولية والنسائية والحقوقية ذات الصلة بمتابعة الانتهاكات بحق المرأة.
المشكلة في ظاهرة التحرش بمصر ليس سببها الانفتاح والحرية المطلقة التي يتمتع بها الجميع في اللبس والحركة، فالعديد من الدول العربية والغربية والآسيوية تعيش التحرر ذاته ودون أن نسمع عنها أو نرى فيها ما يحدث الآن ومن سنوات في مصر، التي باتت الأولى عالميا تقريبا في قائمة التحرش.
أستغرب ممن يدعون الى دراسة ظاهرة التحرش في مصر دون أن تكون دعواتهم الى معالجة مسبباتها التي باتت معروفة للجميع، حيث يمثل البلطجية فيها رأس الحربة التي يستخدمها رجال المال والسياسة لخلق حالة من الذعر وسط أوساط الشعب. تكاثر البلطجة وازدهار اعمالها زاد من عدد الشباب والأفراد المقبلين على الالتحاق بهذه المهنة المربحة، التي يمارسوا فيها القتل والشغب والسرقة والتحرش وجميع الأعمال المخلة بالأدب والدين والعرف والقانون.
المؤسف والغريب أن الاختلاف السياسي بات في مصر الآن مبررا للبعض للتشمت لمثل هذه التصرفات وذلك لمجرد الاختلاف في الرأي، وكأننا نرى مصر تشهد عودةً للحقبة الرواندية حيث حدثت ابشع المجازر في افريقيا، وارتكبت إحدى قبائلها ابشع جرائم القتل والاغتصاب في حق اتباع القبيلة الأخرى!
التحرش بأمانة لم يمسي فقط ظاهرة مصاب بها المجتمع المصري بل هو وباء منتشر ومتفشي ولن يشفى منه أو يستأصل بقانونٍ فقط  وانما بثورة أخلاقية واعادة صياغة لأخلاقيات المصريين ونظرتهم للمرأة, التي بات خطورة ما تواجهه تعديه للمعاكسات اللفظية البسيطة إلى جرائم عنف جسدي وجنسي جماعية يرتكبها عشرات الرجال بالأماكن العامة على مرأى ومسمع دون خوف أو وازع أو رادع!


المصدر:موقع كلمتي - http://klmty.net/174146-التحرش_ظاهرة_لا_بد_أن_يقلق_منها_المصريون.html

الجمعة، 6 يونيو 2014

رسالة أم إسفاف

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 05-06-2014



الفرق بين الفن الهادف والخاسر هو ما يتركه في نفسك من أثر بعد مشاهدتك له، إن دغدغ عواطفك وتركك في حالة تشبه أحلام اليقظة ورغبة بأن تكون وحدك سرحان وهائماً، لا تعرف في ما تفكر، لكن نشوة غريبة تعتريك وأنت بين يدي نفسك، ترقبُ «لا شيء» وتنتظر حلماً لا تعرفه، تنتابك حالة من السكون الغريبة .. يتراءى لك فيها صورة ضبابية، يلهث إحساسك خلفها ليعرف ما وراء ضبابيتها. أشبهها بحالة التصلب لرؤية لوحة فنية رسمت بالماء أو الزيت كمثيلاتها، لكنها اختلفت عنهم بتكبيلها لك ما إن يقع ناظرك عليها.
الفن رسالة وإبداع وسمو روحي أفتقده كثيراً في معمعة الحاضر ولا أجد له طريقاً إلا ما ندر. مللت من الضحك والكوميديا والرومانسية المصطنعة، وكل ما أرادوا تصويره لنا، وأبت نفسي أن تعطيهم فرصة أخرى، فقد تلاعبوا بكوننا بشراً وروجوا لبضاعتهم الخائبة. إن حاورتهم لترشدهم وتقومهم، قالوا لك: نحن رسل الفن الراقي، ومع كل احترامي هو الإسفاف الذي فتح العيون على مارد الغريزة العمياء الشاذة والحب الأفلاطوني والبطل الذي لا يقهر.
يتجلى مفهوم الإبداع حين يخلق حالة من الجذب لا تستمر للحظة، بل لعقود وأجيال، كمسرحية شكسبيرية ترجمت لكل اللغات ومثلها أقوام وأقوام، ومازالت حتى اللحظة تحظى بقبولنا وتحرك مشاعرنا وتشد انتباهنا، مع علمنا وكامل درايتنا بنهايتها، لكنك حين تشاهدها تجبرك أن تعيش اللحظة معها، فتنسى نهايتها حتى تصل لها!
الهوى في عرفنا أمسى كرواية شرقية بختامها يُزوجُ الأبطال، فحتى عنترة وعبلة زوجوهما في نهاية القصة، ولم يبق لهم إلا أن يصححوا لنا معلومة أن طرفة بن العبد قضى مفتدياً الحبيبة من رصاصة طائشة كادت تصيبها أثناء «الزفة».
هوليوود وبوليوود وبالطبع العربية منهما أوصلتنا لمرحلة فقدنا فيها الاستمتاع، فاستبدلته بالترفيه، فنما منا جيل الفكر المفقود فارغ العقل والحديث، لكننا نصفق لتفاهتهم ونسعى لهثاً وراء أخبارهم، في حين هم صغار ونحن من رفع مقامهم!
إن أردت أن تستمتع بلحظات فنية شيقة، ابحث عن فيلم أيرلندي سياسي، وحبذا أحد تلك الأفلام التي تتحدث عما قبل اتفاق «الجمعة العظيمة»، واحرص على أن تناله رقابتك، فبخلاف ما في بعضها من انحلال أخلاقي.. (تجاوزه)، وركز في العرض وفي الإخراج وفي تجسيد الشخصية وفي سرد الحدث، والنقد دون «الصواط والزعيق» (التي اعتدنا عليهما في فننا المجيد!).. أروع ما فيها أنها تشبه الأفلام ثلاثية الأبعاد، تجبرك أن تكون المشاهد والشاهد والبطل والعدو، حتى تشعر ببركان من الحرارة يكاد ينفجر في داخلك، رغم كونها «أيرلندية» تتمتع ببرودة قارسة تتنافى مع نشاطنا كعرب إلا أنها والحق يُقال فيها من الحركة ما يحرك مشاعرنا.
إن أردتم أن تصل لكم الفكرة فتخيلوا معي طائرة ورقية تلهو بها طفلة في جو ربيعي مشمس معتدل الريح وصحو، تتحرك بأناملها الصغيرة فلا تفقدُ بها السيطرة عليها، وتوجهها دون أن تضطر أن تجري خلفها لتمنع ابتعادها عنها أو فقدانها لها. تمتع ناظرها بها، لا تشعرها بالملل أو التعب، بل تقودها للحظات سعيدة تنهيها بأن تجذب أصابعها الصغيرة الخيط لتقربها منها، ومن ثم تلملمها لتحفظها في مكان آمن، أملاً في نزهة أخرى يتجدد بها اللقاء .. وحتى حينها تبقى ذكراها حاضرة.
هل اتضحت لكم الصورة، فنحن الطفلة، والفن الراقي هو الطائرة الورقية!



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/06/05/154600

الاثنين، 2 يونيو 2014

الحرب الفيروسية حقيقة أو وهم

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 02-06-2014



لم يعد السلاح الوسيلة الوحيدة، ولا القوة العسكرية والجيوش، السبيل الأنسب، لفرض السياسات وإحكام الأجندة التي يسعى لفرضها القوي دائما على الضعيف، والضعف هنا لا يقصد به الفقر فقط أو ضعف القوة، وإنما انعدام المقدرة على التصرف باستقلالية وبعيداً عن الآخرين، ودون الرجوع إليهم في أوقات الأزمات والكوارث.
دخل الإعلام اللعبة وأصبحت قوته توازي الجيوش العتيدة، بسلاحٍ واحدٍ فقط وهو التوجيه الفكري، الذي يخاطب العقول بغرض السيطرة عليها وتسييرها وفق الأهواء المُراد لها إتباعها، فكانت نجاحاته التي لم تكن لينالها لولا ثقافة التغييب التي جعلت من الشعوب ملقمة وتابعة دون تفكيرٍ وإرادةٍ ورأيٍ مستقل.
والأخطر من الاثنين السابقين، والأشد فتكاً، هو السلاح الذي سأُسمّيه “الفيروسي”، وهو الذي يشيع الخوف في قلوب الجميع دون استثناء، ويتملك تفكيرهم، ويلهيهم عما سواه أياً كانت أهميته، ودون أن يستثني أحداً من المجتمع، مستنزفاً لمقوماته وقدراته وطاقاته المادية والعملية. الخوف من المرض وما قد ينتج عنه، فطرة إنسانية يتشاركها الجميع، والسعي للصحة طموح ومنى كل إنسان رغم كل العادات السلبية التي يمارسها، والتعلق بالحياة سُنّةٌ جُبلَ عليها البشر. من هنا ينبع الخوف، الذي تمّ استغلاله للسيطرة على الدول اقتصادياً أو سياسياً، عبر تعبئة الرأي العام في دول مختارة كل فترة تجاه أحد الأوبئة والأمراض الفتاكة، التي باتت الصفة المشتركة لها جميعا هي الڤيروسات!…..لم نكد نفيق من أخبار “سارس” الذي ضرب الصين إبان وهجها الاقتصادي وإعلانها امتلاك أعلى احتياطي نقدي للدولار في العالم العام ٢٠٠٣، وسبب لها كسادا سياحياً اضطرها لتسيير رحلات مجانيةٍ دعائيةٍ لأراضيها لتطمين السياح، حتى نالت الطيور من الوباء جانبا، وتم تعريفنا بانفلونز الطيور.
ضربت مصر وأعدمت على أثرها ملايين الطيور من الدجاج وأصابت تجارتها الكساد ومنعت تجارة الدواجن الحية من المزاولة، وتحولت مصر على إثرها إلى دولة مستوردة وهي التي كانت على أعتاب الاكتفاء الذاتي والتصدير للخارج. وللعلم، فيروس انفولنزا الطيور ضعيف، وكان يكفيه طبخ الطيور جيدا على درجة حرارة مرتفعةٍ لفترةٍ زمنيةٍ معينةٍ لقتله، مع غسلٍ لليدين وللأواني المستخدمة بالكلور المخفف بالماء، والذي يُعرف عنه أنّ يتمتّع بقدرة على الحماية من أشد أنواع البكتيريا والفيروسات. الدواء السحري لعلاجه كان ما أنتجته شركة “ميرك شارب” للأدوية “تاميفلو” وحققت بسببه معدلات مرتفعة جداً في المبيعات ورفعت من القيمة السوقية لأسهم الشركة في البورصة.
سلالة جديدة من الانفلونزا تلتهم، ولكن هذه المرة أطلق عليها مسمى الخنازير، بثت الرعب في قلوب البشر، وتربعت كفقرة أولى في جميع نشرات الأخبار حول العالم. استنفذت طاقات وزارات الصحة والهيئات والمؤسسات والجمعيات، وشغلت العلماء والباحثين، حتى أنتجت لها شركة “نوفارتس” اللقاح الشافي، والذي كان سبباً في اتّخام حساباتها بما يعادل الستة مليارات من الدولارات، وهو قيمة ما أنتجته وسوقته من هذا العقار!
من باب الحدس، ولا أقول أني أملك معلومات إحصائية دقيقة، أظن والله أعلم، أن أغلب تلك الكميات المشتراة لتلك الأدوية والأمصال العلاجية أُتلفت دون أن تستخدم بعد أن انتهت صلاحيتها!
في عامنا هذا، بدأ “كورونا” أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية باحتلال الصفحات الأولى من اهتمام المواطنين، وانتشر الذعر منه، وتسارعت وتيرة الإصابات به، وانشغل الناس بما يفعله هذا الفيروس بالمصابين به، في إعادة لنفس السيناريوهات السابقة، التي تثير الخوف والذعر، الذي لا يمكن وصفه “بغير المبرر” ولكن ربما “المبالغ فيه”. هو واقع لا يمكن إنكاره أو تجاهله، ولكن يتوجب عدم تضخيمه، والعمل بدلا عن ذلك باحتوائه والقضاء عليه قبل انتشاره، ووضع الخطط الصحيحة للتعامل معه، بكل شفافية وحرفية.
الأمثلة السابقة قد تقود البعض منا لأن يبرز مجدداً نظرية المؤامرة، التي بكل أمانةٍ لا أميل إليها، وأجدها سبباً في كثيرٍ من الأحيان ومسماراً نعلق عليه فشلنا وكسلنا، إلا أن الأمر هنا جدير بالدراسة والتحليل! فلو تساءلنا مثلا: لم لا تظهر هذه الأوبئة “الفقاعة” في الدول الأفريقية الفقيرة والآسيوية المعدمة، مع أنها بسبب ما تعانيه من فقر وانعدام للبنية التحية الصحية وعدم توافر للغذاء؛ تُشكل بيئةً خصبة للأمراض والأوبئة! ولم لا تضرب في الأغلب إلا الدول الغنية، أو القادرة على شراء ما ستنتجه لها شركات الأدوية العملاقة من عقاقير وأمصال؟ لماذا يتم تضخيمها دائما وكأنها وباء مع أن أعداد الإصابة بها ربما لا تساوي أعداد من تقضي عليهم الأنفلونزا العادية في الولايات المتحدة سنوياً، والمقدرة بعشرات الآلاف!…..هذا ما قد يخطر على البال من جانب نظرية الحدوث والانتشار والإصابة؛ أما في ما يتعلق بالتعامل، فالواجب هو أولا إيجاد البنية الصحية القادرة على التعامل مع المرض حال حدوثه، والتي ستكون عبر توفير الرعاية الصحية السريعة والمناسبة والمتزامنة مع توفر الأجهزة الطبية المتقدمة، والكوادر القادرة والمؤهلة وذات الخبرة. جميعها بالتزامن مع تضافر الجهود الحكومية والمؤسسات البحثية لاحتواء أولى الإصابات، والعمل سريعا على عزلها ومعرفة كيفية إصابتها. جهود لن يكتب لها النجاح بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، إلا إن سارت على خطط عمل تم وضعها مسبقاً لمواجهة الأزمات والكوارث، يقوم عليها خبراء وعلماء وباحثون، نتاج عملهم ليس وليد اللحظة، وإنما عبر عمل مستمر على مدار سنوات، الغرض منه مباشرة الحلول حال حدوث الخطر.
لا بد أن يؤسس أيضاً هيئات صحية مستقلة ذات صلاحيات واسعة جداً، يُناط بها التصرف بسرعة لاحتواء الأوبئة والإشراف على الأمراض والفيروسات القابلة للانتشار، أو التي تظهر حديثا، تعمل باستقلالية، ولها مراكزها البحثية ذات الصلة بنظيراتها في الدول المتقدمة، وصاحبة الخبرة والريادة.
كوننا بشر نحيا على الأرض بكل أخطائنا وتقدمنا وتطورنا وصناعتنا ونتكاثر; يعني أننا على الدوام معرضين لأخطار صحية ناتجة عن العادات الخاطئة وسوء استغلال العلم أو المناعة الطبيعية التي تكتسبها بعض الفيروسات, أو تطور الأخرى وتمكنها من الانتقال من الحيوانات للإنسان, وعدم استجابتها للأمصال والأدوية المعالجة; يحتم علينا أن نكون أكثر احترافية ومهنية في التعامل مع ما يخص الصحة العامة, وشفافية بمشاركة الجمهور واطلاعه وتوعيته وتصحيح أخطائه وتنبيهه لإتباع التعليمات الصحية وتجنب المحاذير التي تسهم في انتشار الأمراض والأوبئة.



المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=24197

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...