الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014

حزب الله لم يتعلم الدرس بعد

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 11-11-2014

 


ألم يستوعب حزب الله بعد، وإيران من خلفه، أن تدخلهما في سوريا سيكونان وبالا عليهما وسيدخلان اللبنانيين ودولتهم والمنطقة في فوضى أمنية وهجمات انتقامية كان لها أول ولا أظن أن لها نهاية في القـريب المنظور.
ألا يرى الحزب، وكل جهة تدخلت طائفيا في سوريا، أن الدم حين يُزهق دون سبب سيكون نارا ولعنة على كل من أهدره؟ أين هي مخابرات حزب الله التي كان يفتخر باكتشافها لخلايا التجسس الإسرائيلية، وأين هي شبكة اتصالاته التي كاد أن يدخل لبنان في حرب أهلية بسببها؟ هل ما زالت على قوتها، أم أن حربها السورية قد استهلكتها، وهل ما زال الحزب يملك من القوة على الساحة اللبنانية ليفرض العماد ميشيل عون رئيسا للجمهورية في ظل تشتته بين الشأن الداخلي والسوري؟

حزب الله وكل من تدخل ضد ثورة الشعب السوري سيدفع الثمن، وسيعلم الذين ظلموا كيف أدخلهم نظام طهران في خندق مظلم أوله نور وآخره هلاكٌ لهم، ولن تكون الخسائر اليومية لمقاتليهم على الصعيد البشري وحدها من سيخلخل الإجماع الشعبي حوله، بل التكلفة المالية للحرب والتي ستقلل من تدفق الأموال التي كان الحزب يستخدمها في الإنفاق على برامجه الاجتماعية والتنموية، وعملت على الدوام على التفاف الجموع الفقيرة حوله، وهي التي تشكل أغلب أتباعه.
القتيل والمشرد والمصاب السوري الطامح منذ أكثر من ثلاث سنوات للحرية سينتقم لنفسه بقدر ما يستطيع ومتى ما سنحت له الفرصة، وبقدر ما يراه هدفا مشروعا له، واستهدافه لأهداف لبنانية وإيرانية أو تابعة لها هي رسالته لطهران، التي يريد أن يخبرها من خلاله أن سياستها في تصدير ثورتها التي تدعي إسلاميتها، ستحرقها أيضا، ولن تنفعها قنبلتها النووية، التي تسعى لها، في حمايتها من كل الشعوب التي عانت من تدخلاتها وظلمها وتجبرها عليها.
سوريا التي كانت دوما أولى الوجهات السياحية المفضلة للعرب باتت الآن دولة مدمرة، تخيم عليها أجواء القتل وتزكم الأنوف روائح البراميل التي تلقيها مروحيات النظام في كل يوم، حاصدة العشرات من الأرواح البريئة، بدعم عسكري لم يعد خفياً، والهدف منه هو الإبقاء على نظام حزب البعث في الحكم، حتى لو كان سبيل ذلك دماء السوريين، الذين لن ينسوا، أبدا، تدخل حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والحرس الثوري الإيـراني في قتالهم إلى جانب النظام ودعمهم له وهو الذي كان آيلا للسقوط بيد قوات المعارضة المسلحة.
آجلا أو عاجلا ستنتقل الحرب، وما يتبعها من إرهاب ودمار وخراب واقتتال وتفجيرات واغتيالات، من سوريا لتستهدف جميع الأطراف التي تدخلت في الشأن السوري وسينقل السوريون ثأرهم للداخل اللبناني، وسيعي حينها مؤيدو الحزب ومن تخاذل عن ردعه حجم الضرر الناتج عن ذلك، ولن تجدي نفعا عملية ينفذها مقاتلوه تجاه إسرائيل في استعادة شعبيته التي ضحك بها على العامة سابقا، ولن تعيد له مكانته “البروباغندا الثورية” التي يريد أن يثبت من خلالها أنه ما زال نصير المقاومة، رغم أنه لم يتجاوب مع حماس في حرب غزة الأخيرة ورفض طلبها قصف إسرائيل، فهو لم يتلقّ التعليمات من طهران لذلك، وهو الذي يتبع لها بالولاء عقيدة وأيديولوجيا حسب البيان التأسيسي للحزب الذي ينص على: “الالتزام بأوامر قيادة حكيمة متمثلة بالولي الفقيه، وتتجسد بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الإمام الخميني”.
فرض حل للأزمة السورية ليس بالأمر المستحيل، بل من الممكن وبسهولة إن حصل الإجماع الدولي على ذلك، ولكن بالطبع ليس على غرار مفاوضات جنيف واحد وإثنين، التي وجد النظام فيها وسيلة للمناورة والعبث وتسويق سيناريو الإرهاب الذي لا يُصدق، وإنما عبر قرارات أممية ملزمة ووفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومع فرض حظر جوي وعزل السلطة الحاكمة وتسليم السلطة لحكومة انتقالية، تقوم على إعادة اللحمة الوطنية وتأسيس جيش وطني لا عقائدي، وسحب السلاح من الجميع، ومحاكمة ثورية للوردات الحرب، وتأسيس للعدالة الانتقالية على غرار ما فعلت أول حكومة سوداء في جنوب أفريقيا عقب تسلمها للسلطة من البيض. حينها وإن حصل، سيكون لنا حديث آخر، لكن الآن، وعلى ما يبدو، بعد أن دخلت “داعش” على خط الأزمة، فسيبقى الحال للأسف على ما هو عليه، وستبقى الأزمة السورية نارٌ تحرق، وطائفية تفرّق، ومفرخة للإرهاب الذي يصفه كلٌ حسب تفسيره ورؤياه.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=37669#

الأحد، 9 نوفمبر 2014

«داعش» والأهداف غير المعلنة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 6-11-2014



وجهات نظر عديدة صادرة عن جماعات وجهات متباينة التوجه الديني، وحتى تنظيمات عادة ما توصف بالتطرف اختلفت مع إيديولوجيا وفكر تنظيم داعش الإرهابي. في مجملها توحدت الآراء واتفقت ألا ترتضي داعش منهجاً ولا سلوكاً.
أصل الخلاف مع داعش يتمركز حول ما عُرف عنه من التكفير بدون مسوغٍ شرعيٍ سليم، وقتل الناس بغير حق، والكذب والجهل الذي يتصدر فيه قليلو العلم والخبرة المشهد العسكري والديني. يُضاف إلى ذلك أنهم مخترقون على مستوى القيادات التي تنطبق عليها غالبية هذه الصفات. أما الأتباع فهم في أغلبهم شباب مغرر به ولكن ابتلي بالجهل وعصفت به الحماسة غير المنضبطة التي سهلت تجنيده واستقطابه للانضمام إلى التنظيم الإرهابي، بالإضافة إلى من تعرضوا لعنف طائفي ممنهج وقمع وتعذيب واستبداد بالآخر، ليجدوا في تنظيم داعش وسيلة للانتقام وتفريغ الكم الهائل من التعبئة التي ترغب في الثأر من الضيم الذي تعرضت له.
في سوريا يعرف عنهم استهدافهم للفصائل المقاومة للنظام السوري التي تشاركوا معها الجبهات أوائل الثورة وحاربوا معهم جنباً لجنب في خندقٍ واحد، لكنهم فيما بعد انحرفوا وبدأوا بقتال الشعب السوري وفصائله المسلحة المختلفة معهم في الفكر؛ فاستباحوا دماءهم وانشغلوا بذلك عن قتال النظام وهو الهدف الأساسي للثورة.
يحارب تنظيم داعش الإرهابي حالياً القوات العراقية والصحوات التابعة لها وقوات البشمركة الكردية ووحدات حماية الشعب الكردية، وحزب العمال الكردستاني وفصائل أخرى.
في سوريا يقول «داعش» إنه يحارب جيش الأسد وداعميه من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله (اللبناني)، لكن فصائل المقاومة السورية الأخرى تتهمه بأنه صوب سلاحه نحو الجيش الحر والجبهة الإسلامية وغيرهما.
يتهمه البعض ويصفه بأنه جهاز مخابراتي أوجدته مصالح دول لخلق فوضى في مناطق بسوريا والعراق من أجل ضرب الحراك فيها، معتمدين في ذلك على استقطاب الغلاة والحمقى والصبية الذين يسهُل تلقينهم ويُضمنُ ولاؤهم. آراءٌ أخرى تجدهم نتاج محصلة للفكر الديني المتطرف وتلصقهم بالسلفية.
بأي الأحوال .. وأياً كانت أسباب نشوء داعش أو أي تنظيم متطرف الفكر والتطبيق، أتمنى أن يقرأوا الآية الكريمة التي خاطب الله سبحانه وتعالى فيها رسوله بالقول الكريم: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر».



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/11/06/194055/%d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d8%af%d8%a7%d9%81-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%86%d8%a9-2/

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

صنعاء مقابل الموصل

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 15-10-2014

 


تحول اليمن السعيد كما عرفناه وقرأنا عنه إلى يمن آخر تعيس وحزين ومفكك تعمه الفوضى والاضطرابات، ولم يهنأ كما يتمنى شعبه بالسلم والرفاه. تحول إلى يمن يكون الولاء فيه للقبيلة لا للوطن، وللطائفة لا للوطن، وللإقليم لا للوطن، وللخارج بمطامحه وأطماعه، أما الجيش العتيد ورغم حرفية أفراده وبأسهم إلا أنه مُحزب ومقسم ومتعدد الولاءات، والحكومة المركزية فيه تفتقد القوة لحسم النزاع، كما أن أغلبها والمتعاقب منها ومنذ استقلال اليمن إلى توحده لم يسع إلى سيادة الدولة من منطلق قومي وطني وإنما من بابٍ للتكسب والاستئثار وفرض النفوذ.
المشكلة في اليمن لم تعد فقط في تنظيم القاعدة، ولا في خطف الرهائن ولا انتشار الفساد والمحسوبية والانهيار الاقتصادي والظلم الاجتماعي والتضخم وغلاء السلع، ولا في الجنوب وحراكه الساعي إلى الانفصال مجددا بعد أن كره التهميش واستئثار الشمال بالسلطة، ولا في طائرات الدرونز الأميركية التي تقتل من تشاء دون حسيب ولا رقيب، وبتصريح مفتوح من الحكومة طالما أنها تستهدف من يُسمون بالإرهابيين، بل المشكلة الآن باتت بالذات في تنظيم لم يسمع به أحد قبل ثلاثة عقود، ولم يكن يملك أي نفوذ، وكان الغرض منه الدعوة إلى التعريف بالمذهب الزيدي، لكنه تحول، بقدرة قادر، إلى ميليشيا مسلحة احتلت صنعاء في أيام وما فعله الحوثيون بها أسوأ مما مارسه الغزاة بحق المدن التي احتلوها، وفرضوا حلا سياسيا يعطيهم مكاسب أكبر من حجمهم ولم يكن لينالوها أبدا في تجاربهم الانتخابية السابقة.

عبدالملك الحوثي أو “حسن نصر الله اليمن” وعلى ما يظهر هو نجم الساحة الآن، بعد أن أتته الفرصة التي لم يكن يتخيل فيها أن يُسهل له قيادات في الدولة والجيش (أو على الأقل تخاذلوا في اتخاذ موقف) دخول قواته لعدة مدن يمنية واحتلال المقرات الحكومية فيها، والاستيلاء على أسلحة الجيش الذي تركها هدية تم الاتفاق مسبقا عليها. هذه الميليشيا المدعومة من إيران والتي تدرب العديد من قادتها وأفرادها على يد الحرس الثوري الإيراني، بات أفرادها القوة التي لا تقهر رغم قلة عددهم مقارنة بالآخرين، وباتوا يسعون وراء غنائم انتصارهم السريع، فانتهكوا وسرقوا وخربوا ظنا منهم أن الأمر قد استقر لهم، لكنهم نسوا أن اليمن دولة وشعبا قد قهر الغزاة على مر التاريخ، وما جرى ليس سقوطا بمقدار كونه تعبيرا عن غضب الأكثرية الصامتة من الشعب اليمني التي ملت الخداع والفساد والوعود الكاذبة المتعاقبة من السياسيين والأحزاب والحكومات لتحسين حياتهم والنهوض بيمنهم الذي لم يكبُ أساسا حتى ينهض مجددا.
الانتفاضة الشعبية على الحوثيين مسألة وقت، بعد أن اتضح للشعب أن حكاية الاحتجاج السلمي التي رفعوها شعارا، والمطالب الممثلة في تغيير الحكومة، ووقف قرار تخفيض الدعم عن المحروقات، لم تكن إلا سبيلا لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة. هم ليسوا أكثر من فقاعة سرعان ما ستتبدد بعد أن ينتهي دورها الذي رسمته لها دول إقليمية، طمعا في تحجيم قوى سياسية يمنية لوحظ تنامي قوتها في الآونة الأخيرة.
ساعدهم ما آل إليه حال الربيع العربي والفوضى الناتجة عنه وتغير حسابات الدول ذات المصالح في بناء كيان قد يبدو قويا لكنه هش، وسرعان ما ستتبدد آمال إيران فيه بأن تكون قوتها الضاربة في اليمن والقريبة من الحدود السعودية، والتي ستتلاعب بها لخلق قلاقل مع الجار ذي الثقل الأقوى خليجيا وإسلاميا. فضلا عن مساعي طهران لاستخدام ما يجري في اليمن في سياق مساومات سياسية تخص سوريا، ومحاولة تعويض التراجع في العراق بعد سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل وعدد من المحافظات، وكأنها تشترط المعادلة: “صنعاء مقابل الموصل”.
الرئيس عبدربه منصور هادي ومن قبله طولبوا دوما بكسر شوكة تنظيم القاعدة المتواجد بخلاياه وعناصره الظاهرة والمتخفية، وهي التي تقوم بين الحين والآخر ببعض التفجيرات والعمليات النوعية وغير المؤثرة أيضا، لكنها دوما تضخم لضمان استمرار الدعم الخارجي، لكن الرئيس الآن سلم واستسلم لإرادة الحوثي، ومن خلفه من دول دعمته حتى وصل إلى الأضواء وفرض أجندته، التي من أحد بنودها حسب الاتفاق الأخير أن يكون من مستشاري الرئيس حوثيون يكون لهم الحق في المشاركة بالرفض والقبول في اختيار وزراء الحكومة القادمة، وفي تعطيل واضح لبنود المبادرة الخليجية التي أنهت حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ونصّت على إنشاء كيان يمني جديد بستة أقاليم، وأوصت بإنجاز دستور توافقي يرضي الجميع ويُحقق التوافق السياسي والمجتمعي وينهي الصراع القائم.
اليمن هو البلد العربي الذي تُرك بتعمد ليكون مرتعا لكل تنظيم متطرف، ولكل فكر متشدد، وحين يبرز خطره يتداعى الغرب وأميركا لمحاربته، وتسايرهم في ذلك حكومتهم، التي اعتقدت أن بقاءها مضمونٌ دوما باستمرار فزاعة الإرهاب، لكنها تناست أن حرب الآخرين على أرضها لن تزيدها إلا تأخرا وفقرا وتهميشا للأغلبية لصالح أقلية ضالعة في خراب بلدهم!


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=35420

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

الصراع الطائفي وتفادي حتميته

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 30-09-2014

 


دائما ما أحاول أن أنأى بنفسي عن الطائفية، وعن الخوض فيها لقناعةٍ مبكرة تعلمت منها أن كليهما (أي السني والشيعي) وهما المكونان الأساسيان لمسلمي العالم، لن يتخلى عن قناعاته وعقيدته وإيمانه وفطرته التي ولد عليها وترعرع، ولن يزيده انتقاد الآخر له وهجومه عليه إلا قناعةً وتمسكاً أكثر بطائفته، وإصرارٌ بعزم لا يتزحزح على تضليل الآخر، في حين لدى البعض قد يصل الأمر حدود التكفير والعداء المطلق الداعي إلى التصادم والاقتتال.
من الحكمة أن يسعى العقلاء من الطرفين، دوماً، لتستمر جلسات الحوار الهادف إلى التقارب من أجل السلم والتوائم والعيش المشترك تحت مظلة وطنٍ واحد، يكون المعيار فيه الانتماء إلى البلد لا للطائفة كمقياسٍ للوطنية، ولا يستخدم فيه بعض المتعصّبين من رجال الدين مشاعر العامة البسيطة والمسيّرة في أغلبها عبر فتاوى الترغيب والترهيب لتنفيذ أجندتها التي لا يغيب عنها استغلال السياسيين لتحقيق سياساتٍ لطالما أسهمت في عمق الفجوة بين الطائفتين، وليس أفضل من حال العراق أن يُضرب كمثال هنا، وبالطبع أيضا لبنان، الذي عملت بعض الأطراف فيه، وبإيعاز من دول لها مصالح لا تخفى على أحد، على تأجيج الفصل الطائفي القائم على تجييش أتباع المذهب، وحشوه بشعارات كاذبة لكنها قادرة على دغدغة عواطفه وتسييره ليكون داعما لقياداته التي زجت به أخيرا في أتون الحرب السورية، التي لم تعد فقط لنيل الحرية وخلع النظام الأسدي، وإنما ساحة لاستعراض القوى، وتصفية الآخر، والمساومة وبسط النفوذ، وفرض الإرادة.

تدخل حزب الله السافر في الشأن السوري، والذي ربط استمراره الأمين العام للحزب حسن نصر الله ببقاء بشار الأسد في الحكم، واكبه أيضاً إشراك لقوات من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية كعصائب أهل الحق وقوات البطاط وجيش المهدي، بالإضافة إلى متطوعين شيعة تم تجييشهم من دولٍ إسلامية كأفغانستان وباكستان؛ يجبرني مرغماً على التطرق لما تمنيت إنكاره ورفض حدوثه واستبعاده، ألا وهو طبيعة وشكل الحرب القادمة، وهل ستكون (إسلامية- إسلامية) بين أتباع المذهبين بخلفيةٍ طائفية بحتة، بعيداً عن المعتقدات الفكرية الحزبية، أو أنها ستكون أيديولوجية متزمتة تمثلها بعض الجماعات المسلحة الثائرة على الأنظمة، ومدنية تمثلها الدولة الساعية لوأد ما تراه مهددا لوجودها عبر الجماعات المسلحة ذات الفكر الديني.
قد تمثل الحرب الأميركية التي بدأت منذ أيام على تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية “داعش”، صائبةً في إطار الحرب بين الحكومات والجماعات التي تسميها بالإرهابية.
نتيجتها ما زالـت غـير محسومـة، ومخطئ من يظن أن بإمكان دول العالم القضاء على تنظيم بقوة الطائرات فقط، فمثل هذه الجماعات تعتمد في وجـودها على الفكر الذي يستقطب الشباب ويجعل منهم خلايا نائمة يسهل إيقاظها حال الضرورة لها، وستنفذ بعقيدة قوية أوامر قادتها وملهميها ولن تكون أجسادها غالية في نظرها، لأن تفجّرها ضد أي هدف تعده كافرا من وجهة نظرها، سيصعـب اقتفـاء آثار منتسبيها وكشفهم، فهذه التنظيمـات قـد تعلمت من دروس المـاضي وألغت المركـزية في بعض مواقعها، واعتمدت بدلا من ذلك نمط الخلايا الصغيرة من مجموعة من الأفراد تُرك لها حريـة التصرف، كما أنها لم تعد كـالسابـق يسهل كشفها، فهي مختلطة في مجتمعـاتها ومنـدمجة ولا تعطي أي انطباع أبدا عن كينونتها لا في المظهر والشكل فقط، وإنما في تبنيها العلني أيضا لأي فكر.
قد تنجح الحرب على “داعش” في تقزيم نفوذها على الأرض، وقد تنهي تواجدها العسكري لفرض حل للأزمة السورية، لكنها لن تقضي على فكر متشدّد نشأ لأن الحكومات قد وضعت أمام الآخر خيار العيش في ظل الاستبداد أو الإرهاب أو الفوضى، وهو ما سيتمخض عنه، على الدوام، فكر يدعو للتغيير بالقوة المسلحة!
على الجانب الآخر، وما قد يسهم يوما في إشعال الحرب الأهلية الطائفية واسعة النطاق، مواقف التنظيمات الموالية لإيران وأذرعها في المنطقة العربية كحزب الله مثلا، والـذي ما فتئ قادتـه يقومـون بتبرير تدخلهـم في سوريا وتنازلهم عن شعار زوال إسرائيل التي قامت على قتالها أيديولوجيات الحزب، وبسببها تلاعب بمشاعر المسلمين حول العالم وبمختلف طوائفهم وانتماءاتهم ونال تأييدهم، لكنه رمى بقواته صوب الداخل السوري الساعي لتنفس حريةٍ غابت عن هوائه أكثر من أربعين سنة، عاشها في ظل حكم حزب البعث وزبانيته!
لنفترض جدلا صحة حجج الحزب وتبريره لتدخله، ولكن هل من الحكمة أن تترك قواته الأرض اللبنانية مفتوحة لأي اختراقات إسرائيلية لتصول وتجول فيها، إلا إن كانت له المقدرة (وأشك في ذلك) على فتح أكثر من جبهـة بما فيهـا مـع إسرائيـل في حال محاولة الأخيرة ضرب عناصر الحزب ومواقعه في الجنوب اللبناني، أو تصفية عناصر أو قيادات تابعه له في الداخل.
التجييش الطائفي الذي انتهجه نوري المالكي في العراق سبب آخر كان من الممكن أن يتجه بالعراقيين أيضا صوب الحرب الطائفية، التي ستنهي بدورها حالة التعايش السلمي والإنساني بين السنة وإخوتهم الشيعة، وقد تتسبب في إشعال صراع طويل يصعب إنهاؤه أجَّجَه هضم حقوق طائفةٍ على حساب أخرى، مع أن كلاهما محسوبان على دينٍ واحد؟.
لتفادي ذلك، فالكرة بالفعل هذه المرة تقع في الملعب الشعبي، لمن يسمونهم “حزب الكنبة” من الشعب، إلى الجماهير الصامتة المطيعة، التي إن تخلت عن التبعية العمياء والانقياد لفتاوى القيادات المحرّضة، وحاولت العودة إلى نمط العيش المشترك، وتركت عنها التعصب الأهوج لمذهبها، والنواح على ماضٍ بعيد لم يعد من المجدي تذكره ولا الانتقام له؛ حينها وبكل تأكيد لن تجدي نفعا دعوات التعصب والتزمّت، وسيكون الانتماء للوطن القاعدة والمعيار، وسيتراجع رجال دين ضالعون في السياسة والمذهبية، ليكون دورهم محصوراً، كما يفترض، في أماكن العبادة فقط.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://www.alarab.co.uk/?id=34259

السبت، 20 سبتمبر 2014

هل نكره إيران

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 20-09-2014



هل حقا أكره إيران؟ أو لنقل بصيغة الجمع لا المفرد، كفرد عربي سني يمثلني الملايين من نظرائي الذين تنتابهم تلك المشاعر المتضاربة أحيانا، في لوم نفسها عن نقمتها تجاه مواقف الجمهورية الإسلامية (وليس إيران)، التي يقوم على حكمها مجموعة من رجال الدين أو ما يُعرف بالحكم الثيوقراطي منذ أربعة عقود؛ أم أننا نكره سياسات إيران التي احتلتها الثورة الإسلامية عام 1979، وابتدعت فيها تصدير ما يسمى بالثورة الإسلامية التي ما خفتت منذ اندلاعها حتى الآن. الدلائل بإمكاني التذكير بها حتى لا أتهم بالتجني وبث نار الفرقة أو التهمة الجاهزة التي طالما فرقتنا وهي محاربة الإخوة من الشيعة، وهم بلا تملق أخوة الدم وشركاؤنا في كل وطن عربي حملوا جنسيته.
في البداية كانت الحرب العراقية الإيرانية من نتائج تلك السياسة، والتي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون إنسان، رغم أن العراق وفي سنوات ما استضاف الخميني ورعاه في منفاه به. تزامن ذلك مع التدخل الإيراني في لبنان، ومحاولتها تأسيس دولة شيعية داخل الدولة اللبنانية عبر حركة أمل، التي تلاها في الدور حزب الله الذي جيّش أتباع طائفته وخلق كيانا مسلحا داخل لبنان، يفوق في تسليحه جيش الدولة نفسها. فرض نفسه على الاستقرار عبر كيان لا يقوم التوافق إلا بالعبور من خلاله، أو بما يتوافق مع توجهات السفير الإيراني في بيروت.

الدليل هو عبر تصريحات قديمة للسيد حسن نصر الله قال فيها: “إن انتماءنا ليس للبنان وإنما لولاية الفقيه في طهران”، وبهذا يكون قد كسر نظام القانون في الدولة وأقام دولة مسلحة داخل الدولة ولاؤها ليس للبنان، وإنما للطائفة التي ينتمي إليها، لتنتفي شعارات المقاومة، التي منها اكتسب شعبيته لدى الجماهير بكافة انتماءاتها وطوائفها.
في اليمن، أنشأت إيران ميليشيات الحوثي ودعمتها بالمال والسلاح، واستضافت عناصرها الذين دربهم الحرس الثوري الإيراني، ليعودوا في ما بعد كقوة مسلحة تثير القلاقل، بدأتها بمناوشاتها الفاشلة مع المملكة العربية السعودية، ومحاولاتها إثارة الفتنة في جنوبها، ففشلت بعد تصدي الجيش السعودي لها، فانتقلت لقتال الجيش اليمني الذي أشغلته عن حفظ الأمن في الدولة واستهلكت طاقته ومقوماته في حربها. قتل أيضا وبسبب ذلك المئات من اليمنيين وادعى الحوثيون أنهم ممن سموهم بالتكفيريين، فيما هي كانت توغل جراحا عانى منها الشعب اليمني ولا يزال.
في الآونة الأخيرة، دعا عبدالملك الحوثي أتباعه للزحف صوب العاصمة وإعلان العصيان المدني، واضعا إياهم في مواجهة أغلبية الشعب والجيش، وفي أتون إشعال حرب داخلية لن يعرف اليمن بسببها استقرارا، مسلحين بما بعثته لهم إيران من عتاد وأسلحة كشف عنها الرئيس اليمني، وضرب بأحدها مثالا السفينة المرسلة التي تم اعتراضها، وفيها أسلحة تكفي للقضاء على أربعين مليون يمني على حد وصفه.
في العراق، وما إن أُسقط حكم البعث، حتى تحول إلى ساحة خلفية لطهران أوصلت الموالين لسياساتها للحكم، وأنشأت ودعمت وجيشت الميليشيات الشيعية المسلحة كعصائب أهل الحق وجيش المهدي وفيلق بدر وأكثر من أربعة عشر فصيلا مسلحا، أوغل جميعها في الحرب الأهلية وبث الفرقة بين سنة العراق وشيعته، فانتشرت التفجيرات والقتل على الهوية والتهجير على الطائفة، حتى تحولت مدن العراق إلى كانتونات مسلحة ممتنعة عن العيش المشترك الذي طالما حظي به العراقيون، ليكون حصيلة القتلى ما يزيد عن المليون قتيل لم يستثنَ منهم طفل أو امرأة ولا كبار السن.
عودة إلى السعودية، نذكر حوادث التفجير الإرهابية التي حدثت في أحد مواسم الحج، حيث راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف حاج في نفق المعيصم وأصيب أكثر من عشرة آلاف، واعترف المجرمون بإلقائهم لمواد كيماوية سببت هذا العدد الكبير من الضحايا الذين جاؤوا لأداء حجة الإسلام. في عام 1989، حدثت المجزرة التي لم تغب عنها أصابع إيران في الحرم المكي ونشرت حينها الصحف الإيرانية صورة علقت عليها بعبارة: “هنا مرقد أولياء الله الصالحين”.
في سوريا أعلنت إيران منذ اللحظة الأولى وقوفها مع نظام بشار الأسد، وأمرت حزب الله بالدخول في المعركة وكذلك الميليشيات العراقية الشيعية وحرسها الثوري، وتحملت نفقات حرب الحرية السورية حتى لا تخسر إحدى أذرعها التي دعمتها في المنطقة، وعملت من خلالها على تقويض الإجماع العربي بحجج الممانعة والمقاومة.
في البحرين وعبر مسرحية دوار اللؤلؤة دعمت إيران الانقلابيين وحاولت قلب نظام الحكم، كما أنها تحتل جزرا عربية ثلاثا من الإمارات وترفض أي مفاوضات بشأنها أو حتى الاحتكام إلى محاكم دولية.
لم تسلم الكويت من المؤامرات الإيرانية، وتعرض أميرها الشيخ جابر الصباح عام 1985 لمحاولة اغتيال فاشلة على يد انتحاري من حزب الدعوة العراقي المدعوم إيرانيا، واتهمت الكويت صراحة إيران بوقوفها خلف العملية بسبب وقوف الكويت مع العراق إبان حربه مع إيران.
مثال آخر، هو الأحواز العربية التي احتلتها إيران بتواطؤ بريطاني في 25 أبريل عام 1922 والتي كانت دولة عربية معروفة تزيد حضارتها عن سبعة آلاف عام، ومع ذلك ألغيت وطُمست هويتها العربية بشكل كامل، مع أن سكانها قبائل عربية صرفة.
الأحواز سلة الغذاء التي يرزح أهلها تحت فقر منهجته الدولة الفارسية مع تنعمها بخيرات الإقليم ومقوماته، ورغم ذلك يمنع استخدام اللغة العربية والأسماء والمناداة بكل ما هو عربي أو إظهاره فيها، ويُعاقب بموجب ذلك قانون مُستحدث لإذلال السكان وسجنهم وإعدامهم.
محاولات تصدير الثورة الإيرانية كثيرة، ولم تكن كما يُدعى لها لنشر التشيع، بل هي محاولات لقلب الأنظمة وخلق قلاقل باسم الأقليات الشيعية في بعض الدول العربية التي اندمجت مع مجتمعاتها لقرون وتعايشت ونالت حقوق المواطنة دون تفرقة.
إجابة على السؤال الذي طرحته في أول المقالة أقول: لسنا نكره إيران ونتمنى السلم الإنساني معها ونطمح لجوار حسن العلاقة معها، كما بالطبع نحب إخوتنا من المسلمين الشيعة، ولكننا نكره سياسات ساسة متطرفين، ورجال دين ضالين ومضللين زرعوا الشوك في علاقاتنا معهم، واستغلوا المذهب في تجييش العامة المُغيبة المُحاطة بفتاوى التكفير والقتل لضمان تنفيذ سياساتهم.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://www.alarab.co.uk/?id=33439

الاثنين، 15 سبتمبر 2014

الإنسانية لا تعرف التمييز

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 15-09-2014



لكي تكون إنساناً متعايشاً مع نفسك ومتصالحاً مع الآخرين ممن حولك وتعرفهم، ومع الآخرين ممن لا تعرفهم ولم ترَهم في حياتك، فأنت لست بحاجةٍ إلى أن تتشارك مع أحدهم المذهب أو الدين أو العرق أو اللون نفسه .. ولكي تتفاعل بإنسانية تجاه حدثٍ ما لا يعني أن تكون قد مررت بالحدث نفسه .. ولكي تتأثر بحدوث أمر محزن أو كارثة طبيعية وقعت في بقعةٍ ما فهذا لا يعني أبداً أن تنظر لما تملكه معهم من صفاتٍ مشتركة، لكي تهب للمساعدة أياً كانت طبيعتها ولو حتى بالتعاطف قولاً ودعاءً.
الإنسانية لا تعرف التمييز ولا التعصب الذي استحدثناه بيننا نحن بني البشر، ولا تعرف أن تلك الفئة من البشر تستحق أن نتعاضد معها ونتكاتف فقط لأنها تمت لنا بصلة ديناً أو عرقاً. ولا يُمكن أن تتقبل ذرائعنا التي أقنعنا بها أنفسنا بأن الناس مقامات وكذلك الشعوب، فمنهم من هو أدنى منا والجدير به بالتالي هو تبجيلنا؛ ومجموعات أخرى أعلى نسعى صاغرين لاحترامها والتزلف لها!
الإنسانية ليست بالقول والفعل فقط، وليست بالمشاركة المادية والمعنوية، وإنما هي بذرة يجب أن تنبت أولاً وتسقى في روحك، لتجعلها متآخية ومتآزرة مع الآخر أياً كان ومهما اختلف عنك بكل المقاييس الوضعية الدنيوية التي جُبلنا عليها!
الإنسانية هي أن تكون راعياً لمن حولك وقدوة لأبنائك بأن تنشئ فيهم مفهوم الخير وعمله والعطف على الآخر وعدم القسوة عليه، والإحسان للضعيف دون إشعاره بالمهانة أو إذلاله أو إجباره على أن يخسر كرامته.
قوانين العالم المتحضر التي صانت للإنسان حقوقه وحفظت له كرامته لم تخرج فجأة، ولم تُقنن إلا بعد تجارب أليمة لعقودٍ من التجبر والظلم وشريعة الغاب والاقتتال والسلب والسبي والاستعباد والإقطاعية والتفرقة العنصرية والعرقية وسطوة المؤسسات الدينية، وما اتبعه بعضها من محاكم تفتيشٍ فرضت وصايتها على عقائد الناس وأطرت العقاب على الدين والهوية. قام على إصدارها نخبة من المجتمع الذي آمن بضرورة احترام الإنسان وعدم انتهاك إنسانيته كقاعدة أولى راعوها قبل التشريع، ليضمنوا أن دروس ومآسي عقودهم المنصرمة لن تتكرر مع جيلهم وأجيال المستقبل. هي نظام حياة وشريعة أرادوها أن تحكمهم ليسود العدل والمساواة، فهما أساس الملك والحكم، ولن تقوم الدولة بدونهما والعمل بهما وتأطيرهما.
الإنسانية هي ما نفتقده في تعاملاتنا اليومية وفي حواراتنا وفي اختلافنا وحتى في توافقنا. إن عملنا بها فسنرى مقدار التغيير الذي سيطرأ علينا وعلى أسلوبنا وعلى تعاملنا مع القريب والبعيد، وستتكفل هي نفسها بأن ننعم بالسلم المجتمعي وبالتوافق وباحترام الآخر المختلف عنا أياً كان.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/09/15/179452

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

الشعب في خدمة الشرطة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 10-09-2014



خبر طريف ومثير للاستهجان “لنا كعرب” وإن كان سبب حزنا عميقا للأيسلنديين… قرأته ومفاده أن الشعب الأيسلندي تعرض لحالةٍ من الصدمة جراء قتل الشرطة لشخص فقد عقله، وأصر على أن يتبادل النيران مع دوريتين حضرتا، إثر شكوى السكان من سماعهم لإطلاق الرصاص داخل شقته. قابل محاولتهم التفاوض معه بإطلاق النار عليهم، وهم عزّل لا يحملون معهم سوى الهراوة والغاز المسيل للدموع، مما دعاهم لاستدعاء وحدة التدخل السريع الوحيدة في البلاد، علها تسيطر عليه دون أن تصيبه، لكن إصرار الرجل على إمطارهم بوابل من الرصاص أدى لمقتله بعد محاولات حثيثة لإنقاذ حياته!
المهم ، وعلى ذمة الراوي، أنه استيقظ حينها شعبهم على هول الصدمة، فهي الحادثة الأولى منذ استقلال أيسلندا عام 1944 التي تتسبب فيها داخليتهم بقتل مواطن، حتى لو كان خطرا يهدد الآخرين. فدولتهم التي “لا نسمع عنها إلا كل خير دوما” لا حراسة فيها للمسؤولين بمن فيهم الرئيس ووزرائه، وبإمكان المواطن دخول البرلمان دون أن يعترضه أحد أو يفتشه عدا الطلب منه، بكل تهذيب، أن يغلق هاتفه النقال حتى لا يسبب إزعاجا للنواب!

أثارت الحادثة فضولي فتساءلت عن الطريقة التي تتعامل فيها شرطتهم مع المتظاهرين، وهل سمعت من قبل عن أسلوب “شل أمله” والذي يرتبط بالقفا والأيدي والأرجل وكل جزء في الجسم، أو أنها تطبق استراتيجية الضرب النفسي والمعنوي للزجر والنهي فقط والدفاع عن النفس دون إرهاب المقابل.
قبلها بفترة قصيرة أدانت محكمة ألمانية فردين من الشرطة بتهمة الإفراط في استخدام خرطوم المياه في فض مظاهرة.
طبعا الأمر يدعو للتندر، وذلك لأننا تربّيْنا على مفهوم مختلف، وصورة أخرى محفورة في الذاكرة عن قوى الأمن وخصوصا الإخوة في جهاز الشرطة. مرجعيتنا هي أن الشعب وخصوصاً “الغلبان” منه والمغلوب على أمره في خدمة قطاع الشرطة من المخبر وأصغر جندي حتى أكبر رتبة. واجب الجموع تجاههم هي أن ترفّه عنهم وتبدد الملل، وإن كان ذلك على حساب الكرامة أو الحرية والإنسانية والمواطنة.
في العالم الذي وضع نصب أعينه حماية آدمية مواطنيه، يلعب قطاع الشرطة دورا في السلم والأمان، ويعزز الحرية الفردية بأفراد لا يعدّون أنفسهم فوق القانون، ولا يتكسبون من المنصب، ولا يتجبرون على خلق الله بسبب ما أعطاهم الزي الذي يرتدونه من صلاحيات وقوة.
التعذيب هو أسوأ ما يمكن أن يمارسه بشر، والتجبّر على الناس بسبب سلطة القانون هو انتهاك للإنسانية. لن تتطور أمة وتنعم بالسلام إلا إذا كرست قوانينها وجرّمت كل مرتكبٍ له، وفعلت من دور هيئات الرقابة، وقننت الشكوى والعقاب والمطالبة بالحقوق، وفعلت الجزاء الصارم لكل متجاوز أياً كان. فقوى الأمن مثلها كأي وظيفة حكومية خدمية تؤمنها الدولة، والغرض منها القيام على راحة مواطنيها وإشعارهم بالأمن والأمان، وليس ترهيبهم وتخويفهم وقمعهم والحد من حريتهم وانتهاك آدميتهم باسم القانون، الذي منح مواطناً حقاً ليمارس فيه التجبر ولا يحاسب إن أخطأ، بينما من حقه أن يحاسب من يشاء دون حسيبٍ عليه أو رقيب!
في خبر آخر غريب علينا كعالم عربي ثالث، لكنه ليس بغريب على الدولة الإسكندنافية “السويد”، فقد أفادت صحيفة الغارديان البريطانية، أن الجهات المختصة بالسويد، أغلقت أربعة سجون ومركز للسجن الاحتياطي، نتيجة تدني معدل أشغالها، وقلة عدد النزلاء الذين لم يتجاوز الخمسة آلاف سجين من مجمل عدد السكان البالغ قرابة التسعة مليون ونصف. هذا في الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول (التي لا حاجة لذكرها) لبناء المزيد من السجون، حتى تستوعب من يُزجَّ بهم كل ساعة من قبل داخليتها وأجهزة مخابراتها، وبالطبع دون أن ننسى الجرائم الجنائية من الحسبة، والتي تشهد ازدياداً كبيراً في ظل الظلم الاجتماعي والفقر والفساد والمحسوبية وسطوة المال على القانون.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=32603#

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...