الجمعة، 15 مارس 2019

أصنام المجتمع

جريدة الرؤية
15-03-2019
عماد أحمد العالم



قد يبدو للوهلة الأولى من العنوان أن المقصود بالأصنام المجتمعية هي تلك الآلهة التي دأبت الديانات الوثنية على صنعها وتجسيدها لواقع وشكل ما تعبده، وهذا بالطبع ما لا أقصده، فالمعني هنا هو كل ما وجد في مجتمعٍ ما وتم عده واعتباره من المسلمات التي لا يمكن الجدال حولها، هذا من جهة، ومن أخرى كل ما يشمل الشخصيات والأفراد والعادات الموروثة والتقاليد، ليتعداها لكل ما لا يُقبل النقاش والجدل بشأنه، في حين يقود التشكيك فيه لفيضانٍ من الغضب المجتمعي، لا يقتصر فقط على الأفراد بل جميع الشرائح الرسمية والدينية والارستقراطية وحتى الطبقات الفقيرة والغنية، بما فيها فئات من النخبة المثقفة التي لم تخرج عن الخطوط الحمراء التي ربت فيها ووضعتها مقياساً لما لا يمكن الحديث عنه وممارسة فكرها وأبحاثها فيه.
فالمسلمات بنظرها ذات قدسية وطابع لا تكفي مقولة «جرت العادة لوصفها»، بل أصبحت عاملاً أساسياً من البنية الفكرية وعقل المجتمع ككل وجزءاً من شخصيته وتكوينه، يتم توارث جيناتها عبر الأجيال، ومن ثم فأي انقلاب عليها مهما كانت ماهيته والغرض منه سيعد خروجاً لن يُقبل وسيؤدي بصاحبه ليس فقط إلى خصام مع من حوله، بل مع الأرض ومن عليها.
الأصنام المجتمعية إذاً ليست وليدة الطبيعة، ولا تم فرضها من الخارج، بل هي إما صنيعة فئات من المجتمع امتلكت سلطة ما أياً كانت، لكنها ذات تأثير في الأغلبية، واستخدمتها وسيلة لتمكين مكانتها والاستمرار بالحظوة في ما بين يديها، واستطاعت بعد إدراكها للطبيعة النفسية والأخلاقية والفكرية والعقلية والدينية لأبناء المجتمع من تجييرها لتكون دعايةً لصنمها التي ترنو ليكون ذا قداسة (كرمز)، أو هي الوهم والخرافة المحصورة بزمنٍ بعينه لفئةٍ ما تدعوها لتقوية الأواصر فيما بين أفرادها، فتتعاون للوصول للأهداف ومن ثم الرضا والسعادة والاكتفاء.
أياً كان الاحتمالان، ربما واجهت دعايتها في البداية إشكالات، لكنها تغلبت عليها لتتمكن من تكريس التبعية لذاك الصنم المجتمعي، الذي وإن كان وليد المصلحة فإنه تحول لذي مكانة لا يمكن التشكيك فيها، وأصبح حديث العامة واستشهادهم ويحتل مكاناً من الجانب في الدماغ الذي يدين بالولاء والطاعة العمياء.


المصدر: جريدة الرؤية - https://www.alroeya.com/article/2038079/آراء/أصنام-المجتمع

ثلاثيّة التغيير

جريدة الرؤية
08-03-2019
عماد أحمد العالم



حين قرأت كتاب الباحث الياباني بواكي نوتوهارا «العرب وجهة نظر يابانية»، لم أصب بصدمةٍ ولم أستغرب وصفه «العرب متدينون جداً.. فاسدون جداً»، ومع أنّ المبالغة في التعميم على مجملهم خاطئة وظالمة؛ إلا أن الفكرة العامة وفي أطر بعينها صحيحة، فلو عدنا إلى مقولة ‏علي الوردي «لو خيروا العرب بين دولتين علمانية ودينية... لصوتوا للدولة الدينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية..!»؛ لوجدناها هي الأخرى تصب في نفس الإطار وإن عكست نمطاً آخر، وهذا يحدونا أيضاً أن نتذكر المقولة المنسوبة للشيخ محمد عبده عندما ذهب لمؤتمر باريس عام 1881، والتي اشتهرت بعد عودته لمصر حين قال: «ذهبت للغرب فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين.. ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكنني لم أجد إسلامًا".
لو فتحت الباب لاقتباس المزيد من الأقوال فلا أظن المساحة قد تكون كافية لذلك، ومع وضوح الفكرة من الاستشهاد، لا داعي لأن أبدأ بجلد الذات والتنظير، فالجميع قد ملّ وأنا منهم من هذا السلوك الذي بتنا نجيده أكثر من الإصلاح، فرغم كون الاعتراف بالخطأ أولى خطوات إصلاحه، إلا أن التغيير لا يحصل باللطم ولا يمكن حصر قوة الدين بالوسيلة الوحيدة لإحداثه، والدليل أن أكثر الدول العلمانية واللا دينية هي الأكثر أخلاقيةً واستشهاداً من الجميع بأخلاقهم واحترامهم لمنظومة القيم والعدل، وجميع ذلك لا يعني قصوراً من الدين، فجميع الأديان والمذاهب إلاّ القلة قامت بمبادئها على الدعوة للخير والنظام والإنسانية، إلا أن ذلك لم يمنع معتنقيها من بدائيتهم وفسادهم وعنصريتهم وطبقيتهم وتشددهم المنافق الذي لا يعكس حقيقة تصرفاتهم! جوهر القضية هو القانون، فبدولته يُحكم البشر، وبه عبر منظومة التعليم يتم تأصيله، كما أنّ تطبيقه الذي لا يعرف المهادنة والمحاصصة هو ما يلزم اتباعه، لذا وبعد أن يتقمص الشعب روحه، يتحول لسلوك هو في الواقع ما يميز معتنقيه من مواطنين بلدان نتغنى بحرياتها ونتمنى العيش فيها دون أن نحاول حتى الاقتداء بها والتعلم منها! الدين وهنا أتحدث عن الإسلام منظومة متكاملة للحياة، ومنهج لم يترك شقاً إلا وغطاه، لكن الالتزام بتعاليمه والظهور به لا يعني الصلاح المجتمعي ما لم يتوافق مع قوانين صارمة وعقوبات فورية قانونية تؤطر للنظام ووجوب احترامه، والشعب الذي يبدأ صلاحه بالخوف من العقوبة ينتهي بنمط حياة لأجياله القادمة.
جوهر القضية هو القانون فبدولته يُحكم البشر وعبر منظومة يتم تأصيل التعليم


المصدر: جريدة الرؤية - https://www.alroeya.com/article/2037204/آراء/ثلاثية-التغيير

الجمعة، 1 مارس 2019

كنائسهم المهجورة!

جريدة الرؤية
01-03-2019
عماد أحمد العالم



قرأت أكثر من مرة خبراً عن شراء مسلمين في دول غير إسلامية لكنائس مهجورة وتحويلها لمساجد، وهو الأمر الذي لقي استحساناً من جمهور القراء المسلمين، الذين كانت تعليقاتهم مزيجاً من السعادة لانتشار الدين الإسلامي في بلاد الغرب، فيما آخرون جاوزت السعادة لديهم المدى، فتصوروها هزيمةً للمسيحية في عقر دارها.
بين هذا وذاك، لن أعلق على تلك المشاعر، وإنما ‏ملاحظتي فقط هي اعتراضي على شراء الكنائس المهجورة ومن ثم تحويلها لمساجد، وهي التي عرفت كفترة طويلة لقاطني المكان وزائريه بكينونتها كدار عبادة مسيحية، ومن ثم تحولها المفاجئ لمسجد هو ما قد يترتب عليه ردة فعل القلة، ولن أقول الأغلبية التي لن تكترث، فهم الفئة التي يجب أن يحرص المسلمون الذين يعيشون بينهم على عدم إخافتها وإثارة ريبتها وتحريك المشاعر المناهضة في صدورهم، والأولى اكتسابهم أو على الأقل تحييدهم عبر إظهار روح التسامح تجاههم وعدم إعطائهم انطباعاً بالخشية من المسلمين، المهاجرين الجدد لبلدانهم والذين يسعون كما قد يتبادر لأذهانهم أنهم مقبلون على تغيير نمط حياتهم الدينية والاستيلاء على كنائسهم حتى لو كانت مهجورة ولا تلقى إقبالاً عليها.
‏الصليب هو رمز المسيحية، وهو عادةً معلق على تلك الكنائس، وبالتالي إنزاله بواسطة مسلمين في دولة غير إسلامية من على كنيسة مهجورة وتحويل البناء لمسجد يعطي حوافز لليمين المسيحي المتطرف بالغرب تجاه الإسلام والمسلمين ويزيد من الإسلاموفوبيا، ويبث رسائل سلبية، نحن كمسلمين في أمس الحاجة لتجنبها وخصوصاً مع تزايد موجات العداء للمظاهر الإسلامية ودور العبادة، لذا فالأولى حال الرغبة ببناء مسجد هو تجنب الأماكن ذات الرمزية الدينية وحتى التاريخية والسياحية، وإقامتها على مكان لا يثير الحفيظة ويسترعي اهتمام المتخوفين من الإسلام في دولهم، وعدم استفزاز مشاعرهم، لكيلا يترتب على هذا التصرف مستقبلاً مظاهرات مناوئة قد تؤدي لقوانين تحد من الحريات وحقوق المسلمين في دور العبادة.
بصراحة، كنت أتمنّى أن أرى المسجد يبنى مجاوراً للكنيسة المهجورة لا بدلاً منها، كما أحبذ حتى من الجالية المسلمة أن تقوم بجمع التبرعات لو احتاج الأمر وإعطائها للمسؤولين عن الكنيسة إن كانت أسباب هجرانها مادية، ففي ذلك بادرة إيجابية من المسلمين تعكس روح التسامح وتبعث الطمأنينة في الآخر المختلف ديناً، وتؤكد على القول الكريم «لكم دينكم ولي دين».
لنتذكر رفض عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة لحرصه على ألا يقوم المسلمون مستقبلاً ببناء مسجد بدلاً منها، في رسالة تؤكد عظمة الإسلام وتقبله للآخر ودعوته لاحترامه ودور عبادته وعدم التعرض لها بالأذى.


المصدر: جريدة الرؤية - 

https://www.alroeya.com/article/2036382/آراء/كنائسهم-المهجورة!

السبت، 19 يناير 2019

أخلاقياتنا في وسائل التواصل الاجتماعي

صحيفة جهينة الإخبارية
31-12-2018
عماد أحمد العالم



كُنا نظن وقد يكون الأمر في مُجمله صحيح أن ذائقة شعوبنا تُسير لا تُخير في ظل إدارة عليا تقرر لها ما تريد، وبهذا الحقنا أخطاءً وترهات وتجاوزات غير مقبولة لهذا العذر الذي اتضح خطأه في جزئيات عديدة منه، ويقبع الخطأ في الجانب الذي أعفى الشعوب من المسؤولية عن نتاج ممارستها لفسحة من الحرية أتاحتها لها وسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تكن موجودة قبل عقدين ماضيين، وبالتالي حين توفرت شكل وجودها مساحةً من الحرية لكبتٍ طال أجيال كانت تمارس حقها في التعبير فيه عبر القيل والقال وسوالف المجالس، لكن ثورة الانترنيت العظيمة غيرت الأحوال، بعد أن تسببت بعولمة فتحت الحدود الافتراضية للجميع، فأصبح الاختلاط مع مواطني دول العالم الأخرى متاحاً بعد أن كان قاصراً إما على السفر أو مع من يتواجد في موطن الآخر، ولكن هل أظهر هذا الانفتاح المُشرَّعةِ أبوابه مدى ثقافتنا ومفهومنا الخلاّق للرأي والرأي الآخر؟ الحقيقة أنه قد كشف أسوأ ما فينا، ومع بعض المبالغة البناءة في المكاشفة، يمكنني القول أنها عرت سوءاتنا التي كنا نتخفى حولها بحجج المظلومية التي حرمتنا حرية إبداء الرأي، الذي بانت نتائج الإفصاح عنه وتمثل بالجانب القاتم في الشخصية العربية التي أظهرت ما تتمتع به من إقصائية وعنصرية وطائفية وتطرف فكري وغلو عقائدي وكُره لاختلاف الآخر ولفجور في الخصومة والعداء ولأنا مجنونة يكاد اعتدادها بذاتها أن يقسم بأنها على صواب وما عداها باطل.
الحوار المفتوح الذي وفرته شبكات التواصل بجانب السيل العارم من تدفق الأخبار والمعلومات هو ديموقراطية مشرعة النوافذ، أفسحت المجال للجميع أن يشارك بها دون قيود، فكانت النتيجة أنها فضحت مكنوناتنا وأبانت عيوباً كنا ننكرها، وفضحت سلوكنا الذي يعكسه افتقارنا لأخلاقيات النقاش وتقبل الخلاف والاختلاف على حد سواء، فما إن تنتشر أنباء أو خبر ما لا يتوافق مع المزاج الشعبي العام حتى تمتلئ صفائح أعمالنا بذنوب السنتنا وما تكتبه أقلامنا، مع سيل جارف من البغضاء الذي تمارسه النخب المتعلمة والمثقفة والرموز إلى جانب العامة تجاه كل مخالفٍ لها.
بأيدينا حولنا وسائل التواصل من نعمة إلى نقمة، وبجهلنا أسأنا لسمعتنا وكرّهنا الآخرين فينا، وأعطينا انطباعاً بدائياً عنا، فهل ما زلنا نستحقها، أم يجب أن نحرم منها حتى نتعلم من الصفر أدبيات التواصل مع الآخرين، وهذا بالطبع لن يكون بيوم وليلة، بل بإعادة تربية ممنهجة مع النشأ ومن سبقه من أجيال عديدة، يتم تعليمها أن التحضرّ في التعامل والنقاش أهم من تنتصر في العالم الافتراضي على المختلف عنك، نصراً إما سيظهر أخلاقياتك الرفيعة أو سوء خلقك.



المصدر: صحيفة جهينة الإخبارية - https://www.juhaina.in/?act=artc&id=53940

الاثنين، 1 أكتوبر 2018

جيل الرهبة

جريدة الكويتية
23-09-2018
عماد أحمد العالم


أنا من جيلٍ تربى على الرهبة والخوف وأمضى سنيناً من عمره وقد أغلق عقله وسوره برباطٍ من نارٍ تحرق كل لحظة يحاول رأسه فيها التفكير خارج الصندوق، والذي يمثل هنا مجرد التطرق بينه ونفسه لمسلماتٍ فرضت عليه وغرست بالقوة، مع التهديد والوعيد المغلف بشتى أنواع العذاب، الذي كان كافياً لي كمراهق ومن ثم كشاب أن يحول حياته لأفلام رعب وكوابيس لازمته في صحوه ونومه، سعادته النادرة وحزنه وكآبته الغالبة.
هذا هو ببساطة ملخص لما كشف عنه أحدهم بعد جلسةٍ كسر فيها جدار الصمت الذي فُرض عليه، فناله مستسلماً له من دون مقاومة، وهو الذي يلخص ببساطة مأساة أجيالٍ منا كعرب مسلمين نالنا ما نالنا من لغةٍ سادة وقتاً ما، وما زالت وإن كان بريقها قد بدأ يخبو حالياً، إلا أنها وفي يومٍ من الأيام كانت السائدة.
في خطب الجمعة وفي حقبة ما دَرُجَ على تسميته بالجهاد الأفغاني، كان الحديث يتركز على النضال الإسلامي الفريد في ذاك البلد البعيد، الذي جُند له خيرة الشباب ليقاتلوا فيه باسم دحر الشيوعية الكافرة الملحدة، التي وللحق قد ولدت قبل أن تدخله بعقودٍ طويلة، لكنها وفجأة أصبحت خطراً وقتالها جهاداً واجباً في دولة كانت آمنة أياً كان نمط الحكم بها، إلا أنها كانت مستقرة ومزدهرة، حتى استغلتها القوى العظمى في غُمرة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي لتصفية الحسابات معها وإنهاك الأخيرة، التي خرجت منها غير آسفةٍ عليها وهي تعي أنها ستتحول لخراب ونزاعٍ طويل الأمد ما زال مستمراً حتى يومنا هذا، تارةً بين من كانوا يسمون أنفسهم بالمجاهدين وتالياً مع طالبان والقاعدة ولاحقاً معها أيضاً مع دخول جماعات أخرى في دوامة العنف غير المنتهية.
من كان يوماً آنذاك يجرؤ أن يشكك بالكرامات والمعجزات، في وقتٍ كان الصوت الوحيد يتمثل بمقولة الجهاد بأفغانستان، حتى أن أحدهم وأعرف أنه كان مدرساً للغة العربية قد ذكر لي أن إمام المنطقة التي يسكن بها كان يزوره كل أسبوع صباح الجمعة لينقح له خطبته ويصححها، فما كان من الراوي أن سأل الشيخ: كل جمعة خطبة عن أفغانستان ودعاء لها فلم أسمع منك لغيرها، فغضب «المطوع» من تساؤل المعلم وكانت تلك آخر مرةٍ يزوره فيها.
أفغانستان ودعاوى الجهاد المقدس في تلك الحقبة لم تكن فقط حديث الساعة، بل تواكبت مع لغة التهديد والوعيد والعذاب من دون ترغيب، يرافقها قصص تُروى من كل حدبٍ وصوب بعضها صحيح وأُخرى اخترعها رواتها أو تناقلوها عمن كانوا يسمونهم «ثُقاتاً»، كرّست الخوف في نفوس العامة ونفرت العديد وتسببت بانحرافات فكرية ما زلنا نعاني تبعاتها حتى يومنا هذا.
في قصةٍ أخرى، يقول أحدهم، كنا صغاراً نمارس قبل المغرب بساعة هوايتنا المُحببة بلعب كرة القدم في ملعب الحي، وكان يصدف أن يأخذنا الحماس وروح المنافسة للعب بعد أن يدخل وقت المغرب، لكن ذلك لم يكن يوماً ليطول، فما إن يُردد المؤذن «الله أكبر»، حتى تتوقف فجأة سيارة يخرُج منها رجلٌ معروفٌ لدينا راكضاً نحونا لاعتقالنا، فيما نحن وفي لحظة رؤيته نهب مسرعين بغير هُدى كي لا يقبض علينا، فسيئ الحظ من يمسك به، ونهاره وليله سيكون كالكحل أسود.
كم تمنينا دعوة حسنة من ذاك المطارد، الذي كنا وحتى في غير أوقات الصلاة نبتعد عنه ونتوارى كلما برز لنا طيفه.
تلك حكايات يرويها البعض عن حقبةٍ زمنيةٍ سوداء في تاريخنا لم تصنع من الشعب دعاة وإنما جرفت العديد منهم لغلاةٍ أو مفرطين.



المصدر: جريدة الكويتية - www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=474027

السبت، 22 سبتمبر 2018

الاكتئاب.. «القاتل الصامت»

جريدة الكويتية
15-09-2018
عماد أحمد العالم



روبين وليامز أضحكنا وعاش الملايين مع أفلامه متعة الضحك والدراما والفن الجميل، لكنه عاش حياةً أخرى محبطة سلبت قواه فأنهاها منتحراً، بعده بأعوام سار على ركبه الطباخ العالمي ومقدم البرامج الأشهر آنتوني بوردين، وقبلهم جميعاً أنهى حياته منتحراً آرنست هيمنجواي، وكذلك فعلت فرجينيا وولف ويوكيو ميشيما وسيلفيا بلاث، من العلماء قضى بنفس النهج هانز بيرجر وديفيد كيلي وفيكتور ماير وقبلهم وبعدهم العديد من المشاهير من علماء وكتاب وصحافيين ورواد مجالهم، لكنهم وفي النهاية اختاروا الخلاص من معاناتهم ومعهم مقولة المتشائم كافكا «ان الانتحار هو الحل الوحيد الممكن».
يقول الفيلسوف والكاتب الفرنسي ألبير كامو أن الانتحار هو المشكلة الفلسفية الوحيدة، وأقول ولست ببارعٍ في البحث فيه بأنه الحد الفاصل بين الإرادة ونقطة اللاعودة، حيث تتغلب الأخيرة وتقطع الطريق على أي حلول أو آمالٍ ممكنة، فتضحي هي نجاة المنتحر من مزيدٍ من الشقاء.
قد تستوعب أن أحد أباطرة المال مثلاً قد انتحر بعد إفلاسه ولكن ما لا يمكن استيعابه هو أن يقدم على الأمر شخصية ظاهرها السعادة والنجاح والتوفيق والراحة والاستقرار، حيث حياة أسرية مستقرة ومريحة مع زوجة وأبناء وظهور دائم ببريق يخفي خلفه ما لا يعرفه ربما أقرب الناس اليه من معاناة تعذب صاحبها وتمزق ما تبقى من قوته التي تتنازعها قوى الظلام والجانب المشرق من شخصيته التي نراها.
محزن جدا أن يحيى مثلهم في عالمين ظاهره ما يرغب المشاهد برؤيته وآخره نزاع بين ثناياه يستولي في كل جولةٍ على شقٍ أكبر يجعل له الغلبة التي ستكون جولتها الفاصلة إقدامه على أن ينهي حياته بعد اللا عودة!
من منظور علمي وبناءً على رأي الطب النفسي فالعديد ممن أقدموا على الانتحار، مصابون بأمراض نفسية مزمنة تتراوح بين الاكتئاب الحاد وثنائي القطب ونوبات الذعر الشديدة والوسواس القهري.
جميعها تصب في مصطلح واحد يقود الشخص في النهاية للخيار القاتل؛ الاكتئاب والذي يملك قوة تستطيع التغلب على كل نظريات علم النفس بأدويته وممارسيه وكذلك تقنيات العلاج السلوكي والنفسي، فمقدرة عقل بشري واحد سيطر الحزن المرضي على دماغه، قادر على أن يصمد في وجه قدرات الطب النفسي ويتغلب عليها بأن لا يدع لها مجالاً لإصلاحه.
قبل فتره سمعنا عن مدونٍ تونسي ترك خلفه رسالة انتحاره التي فاضت معاناةٍ لم يستوعبها من حوله وكذلك فعل شاب مصري وصف في رسالة انتحاره هواءه الذي يتنفسه بالنيكوتين، فتيات عربيات وغربيات ومن مختلف الجنسيات أقدمن على الخطوة ولكلٍ مبررها وبعضهن أقدمن عليها علانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكنهن جميعاً اتفقن على قرار اللا عودة الذي ينهي وجودهن في عالم بات العيش فيه بغض النظر عما يكدرهن، أقسى عقوبة تقع عليهنّ.
من الصعب أن يشرح المُكتئب معاناته التي في الغالبية العظمى لا تجد صدى استجابة فعالة مساعدة ممن حوله عدا النصح بزيارة الطبيب أو تناول الأدوية، لتُخلق الفجوة بينه ومن حوله حيث تزداد معاناتهم وانفضاضهم وتجاهلهم أو انشغالهم، فيبقى وحيداً يصارع وحشاً يشاركه جسده وعقله، ويفسد ما تبقى من قوته ويحوله لأسير أفكار ووساوس وهواجس وظنون تُحكم قبضتها عليه فيصبح أسيراً مغمى العينيين تُسيره كيفما شاءت لهلاكٍ من غير الضرورة أن يفتك بحياته، وإنما يجعل من البقاء فيها الماً لا شفاء منه ولا مُسكن له، ليفقد صوابه كنتيجةً لذلك بعد أن ينفض الجمع والمجتمع ويصنفه كمجنون!
قبل فترة نشرة سيدة أمريكية صورة تجمعها وزوجها وأبناؤها أثناء رحلتهم الأخيرة، وعلقت عليها قائلةً «نظراته لم تكن توحي لي ولا لأحد بما أقدم عليه بعدها بأيام فقد أطلق النار على نفسه وانتحر»!!
حجم الألم في القصة السابقة أن الزوجة تفاجأت بانتحار زوجها التي كانت تظن بعض لحظات ضيقه وسكوته ووجومه السابقة عابرة، لكنه كان قد وصل لنقطة اللا عودة عن قرار انهاء حياته حتى يتخلص من الامه التي لم يُقدِّر أقربُ الناس اليه ومنهم زوجته درجة خطورتها واستحواذها عليه.
يعتبر الفرنسي اونريه دي بلزاك أن كل انتحارٍ هو نظامٌ راقٍ للحزن، كما سعى إلى ذلك الكاتب الياباني يوكو ميشيما ومارس طقوس الانتحار في اليابان بنهج السيبوكو أو الهاراكيري وهو الانتحار بالسيف.
كثيراً ما يربط الباحثون بين الاكتئاب والانتحار لكن الواقع يسير لأسبابٍ أخرى كالمرض والإحباط والظروف الاجتماعية والصدمات الحياتية والعاطفية والأخلاقية والسياسية وحتى الهم الوطني كما فعل الشاعر اللبناني خليل حاوي والذي سجل اعتراضه على الحصار الإسرائيلي لبيروت سنة ٨٢ عبر إطلاقه النار على رأسه جهة عينه اليسرى من بندقية، وكذلك فعل قبله تيسير السبول والشاعر والرسام العراقي إبراهيم زاير.
يقول الطبيب المصري هشام عادل صادق أستاذ الأمراض النفسية والعصبية في كلية طب عين شمس، «أنه تعامل مع مختلف حالات المرضى، الذين لم يقدم أحد منهم على الانتحار، عدا مرضى الاكتئاب الذين أقدم البعض منهم على الانتحار بسهولة وتخطيط للوسيلة الأنجع لتحققه وضمان حصوله»، وهذا مما يجعلنا غافلين عن قاتلٍ صامت سيفتك بالبشر أكثر فأكثر
.


المصدر: جريدة الكويتية -  alkuwaityah.com/Article.aspx?id=473356

الخميس، 6 سبتمبر 2018

حلم آثر الهوى أن يطيله

جريدة الكويتية

 03-09-2018
عماد أحمد العالم



يبحث عن صوت المطر، وقصيف الرعد الصاخب ولمعان البرق، عن انعكاس وهجه على أضواء الشوارع الخافتة المنسية، عن تساقط حبيباته البلورية المتسارعة على أرض مرتوية ضاقت ذرعاً به بعد أن فاضت منه، وعن هدير رياح الشتاء الموسمية العاصفة الباردة القادمة من الشمال، وعن تساقط أوراق الأشجار الذابلة المتراكمة فوق بعضها البعض في فصل الخريف حين تتكسر من دون صراخٍ مستسلمة لقدرها بعد نفاذ الروح منها بعد أن وطأتها قدماه، يطربه حسيس النار المنخفض وجرجرة الحطب المحترق المتكوم بموقده وفرقعته.
ينسجم مع صوت عجلات سيارته المرتبكة المبرمجة لطريق تسير فيه كل يوم، يقودها على جسر خشبي ضيق قديم لا هندسة فيه بناه مزارع بسيط نشأ بأرض يرفض تركها لحياة سريعة توفرها المدينة، أراده ليكون همزة الوصل بين منفاه المحبب والعالم المشغول بجدول أعماله الروتيني، يمر عبر أشجارٍ مرصوفة بقوام معتزة بعلوها الشاهق الزاهية بأغصانها المتدلية منها دون هدى على جانبي طريق ترابيٍ شبه معبد من وقع المرور المتكرر عليه، امتداده يقوده لمنزله الخشبي الواقع بأطراف منسية من المدينة بعد أن هجرها القلة من قاطنيها بعد أن غررت بهم فرص الحياة الراغدة التي توفرهم لهم المدينة، لكنها تنعم بسلام الخالدين المطمئنين خاليي الوفاض، وعذوبة الطبيعة العذراء التي لم تدنسها يد مدنية البشر الأنانية الماكرة الملطخة بمعاناة الآخرين، والناقمة على هجرانها.
بحثه مصدره الحاجة لحياة أخرى يعيشها بخلاف التي يحياها منذ أمد، لكنها لم تعد تواقة للالتزام بالعهد الذي قطعته للقبول بالواقع، الذي قد يرضي غيره، لكنه لم يعد بحاجة للتصالح معها والقبول بالواقع، فلا مقدرته على التحمل تحتمل المزيد ولا الواقع يريد أن يتغير، في مجابهة الغلبة فيها للواقع الذي يملك خيوط اللعبة، فيما هو متفرج لا يملك من أمره شيئاً عدا الاستمرار بأحلام يقظته التي لا يريد الاستيقاظ منها أبداً، حيث المكان الأنسب له لكي ينغمس في رؤاه المتكررة كيفما شاء وإلى ما لا النهاية.
يعشق الهدوء والموسيقى والسكينة واخضرار ما حوله والبحر والشواطئ الرملية وفنجان قهوته وكوب الشاي ودخان غليونه التي انعكست على وحدته فعززت من تفرده ليكون من القلة القليلة من البشر التي لا تكترث لأوصافهم التي يطلقوها عليه، لا يلقي بالا لجنون يصمونه به، ولا كونه بنظرهم معقد وغامض وأناني وانطوائي.
هو كما أراد لنفسه بأن يكون معها فقط، فلا حياتهم في شيءٍ تعنيه ولا سمعته لديهم تشكل عائقاً سبب له الأرق يوماً.
يجلس على كرس خشبيٍ استهلكه الزمن على شرفة كوخه الذي يهتز مع حركته المتواترة من دون انقطاع لساعات، فيما الصمت يطبق على المكان الذي أبت حشرات المساء إلا أن تنتهكه، تحوم حول إضاءة خافتة تصدر من مصباحٍ معلق خلفه فيما هو محدق بما يوازي نظره، أصبح جزء من هذا المنظر الذي يمثل خلوته المعتادة ورغباته الجامحة في الهيام بمملكته.
على الجانب الآخر منه وعلى بعد أمتارٍ قليله تتكسر بعض الأشجار تاركة ممرا ضيقا صنعته يد بشرية، تتجه نحو ضفة البحيرة القريبة، حيث قاربه المتواضع يقبع على يمين لسان من خشب يمتد لمسافة قصيرة داخل المياه، حيث يمارس هواية الصيد بالسنارة، مدلياً قدميه العاريتين الملامستين لحركة التيار التي تحدثها أرجحتهما الخفيفة.
يسهو قليلاً فترتسم على شفتيه رعشة خفيفة بللتها دمعة هربت سريعاً من محراب عينه المنهكة وجسده المتعب وروحه المُعذبة بغياهب الجُب، فيما ابتهالاته وطنين الألم يستحضر الحوار الأخير للجلاد الصالح والمجرم البريء في رواية ستيفن كينج «اللحظة الأخيرة»، حيث يُخاطب السجين رئيس عنبره قائلاً:
«أنا متعب يا سيدي من كوني وحيداً بالطريق كعصفور يتخبط بالمطر، متعب لعدم وجود رفيق لي يخبرني أين أذهب، متعب في الغالب من البشر ومن قبحهم في تعاملهم مع بعضهم البعض، متعبٌ من كل الآلام التي أشعر بها كل يوم في هذا العالم وهناك الكثير منها، أشعر بها جميعاً كقطع زجاجٍ متكسرة بعقلي».



المصدر: جريدة الكويتية - www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=472419

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...