السبت، 1 مايو 2021

من الصواب أن نتغير

 جريدة الرؤية
18-01-2021
عماد أحمد العالم


هل من الصواب أن تكون المواقف التي نتَّخِذها في حياتنا بشتى المواضيع ثابتة لا تتغير طالما كنا مقتنعين بصوابها، أم أن ذلك رهن بصواب المتغيرات التي تطرأ عليها، وقد لا نلتفت لها مبررين تمسكنا برأينا بأنه لا يزال الأصح، ولذلك فإن أي انتكاسة عنها قد تُفسر بالتناقض الذي نخشى أن نوصم به؟
قد يكون مرد ذلك خوفنا من أن تتم مراجعة مواقفنا السابقة لشأن بعينه إن اختلف عما درجت عليه معرفتنا عنه، ولذلك نصاب بالذعر من أن تتم مواجهتنا واتهامنا بالتقلب، مع أن الأولى حينها إيضاح موقفنا بكونه تغير على ما استجد، ولا عيب في ذلك طالما كان مقروناً بما يدلل عليه، فالحياة مدرسة لمن أراد أن يتعلم، وبكل يوم نحياه فيها نحن عرضة لخبرات جديدة، تمنحنا الفرصة لكي نكون أكثر حكمة وفهماً لها.
والانتقال للأفضل سلوك للإنسان الواعي المتقبل لكل جديد، والساعي دوماً للعلم والمعرفة، فتغيير الرأي الخاطئ حين تحضر الفرصة أفضل من الإصرار عليه أياً كان المبرر، حيث لا مسلمات لا يمكن الانتكاس عنها، وتبني المخالف لها طالما وردت معطيات أكثر صحة بشأنها، فمرونة التغيير دون تشبث بموقف محدد قد يتضح خطأنا بشأنه أفضل من الإصرار على الباطل.
أقتبس هنا بعض الأقوال بشأن التغيير، راقت لي، منها: لا تستطيع وضع رجلك بماء النهر ذاته مرتين، فإن الماء يتغير كما أنت تتغير، كما أن النهر بتحوّل دائم، ومياهه جارية، واعتقادك بأنه النهر ذاته وهم لا علاقة له بالحقيقة، فالحقيقة أن النهر الذي تخوضه الآن لن يكون هو ذاته بعد قليل. 


المصدر: صحيفة الرؤية - من الصواب أن نتغير - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

السبت، 16 يناير 2021

بعد حقبة ترامب.. هل تُبرأ الجراح بأميركا؟

موقع ميدل إيست أونلاين meo
15-01-2021
عماد أحمد العالم


بسبب اقتحام الكونغرس الأميركي الذي نتج عنه مقتل خمسة أميركيين، إلى جانب السرقة والعبث بمحتوياته وإهانة كينونته، ستنتقم الولايات المتحدة ودستورها وقضاؤها وهيئاتها التشريعية والتنفيذية وإعلامها بزخمٍ شعبي من رئيسها المنتهية ولايته دونالد ترامب، وستجعل منه عبرة لكل من يحاول أن يقوض ديموقراطيتها التي تتغنى بأنها أم الديموقراطيات بالعالم المعاصر، وحامية قيمه وناشرتها كما تدعي وتتصرف على الدوام. فما فعله ترامب ومناصريه الجمهوريين وغالبيتهم من العرق الأبيض واليمين المتطرف لن يغفر، وسيقضي الفترة المتبقية بحياته لا حكمه فقط بمحاكمات وقضايا وحملات تشويه وإساءات، ستطاله وأسرته وأقرب معاونيه والمتمسكين بمناصرته حتى ربما يسجن أو ينفى أو يعزل ويدان.
صحيح أن الديموقراطية الأميركية كنموذج هي الأعظم بين جميع الأنظمة المعاصرة، كما هو دستورها الأكثر عدلاً وحقوقية، والضامن الأوحد لحرية العبادة والممارسة والكلمة والتعبير، إلا أنهما سيظهران وبلا شك ردات فعل متوحشة غير مسبوقة، وانتقامية مبنية على الاتهامات المتزايدة لتحريض ترامب مناصريه الغاضبين المشحونين بنظرية المؤامرة التي تعرض لها، وروج فيها لسرقة الانتخابات، وتزوير الأصوات، وسلب الفوز منه، لاقتحام الكونغرس المأساوي لاحقاً الذي كسر الهيبة الأميركية وشوه صورتها في العالم، وجعلها مادة للسخرية من مثيلاتها الديموقراطية والشمولية الديكتاتورية على حدٍ سواء. هذا الحدث السابقة في التاريخ الأميركي سيكون سبباً لأن يطاله ومن معه جميع أشكال التنكيل والتعنيف والتجريم، وما حظر حساباته بجميع وسائل التواصل الاجتماعي ومن يتضامن معه إلا مقدمة البداية للقادم، الذي لم يكن يتصور يوماً أن يكون مآله إليه، وهو الذي يتمتع بشخصية نرجسية لم تتعود الخسارة والتحجيم والتقييد على حديثه وظهوره الإعلامي.
‏بأميركا ووفقا للدستور، من حقك أن تلعن وتشتم وتتظاهر وترفع ما شئت من الأعلام والشعارات، وتحمل السلاح دون ان يتعرض لك أحد، وحتى لك أن تتبنى أكثر النظريات غرابة وتطرفًا كأتباع جماعة كيو أنون ‏QAnon، التي تحظى بشعبية بين العديد من مؤيدي ترامب وبعض الجمهوريين من حزبه، ويؤمن أتباعها بكونه نبي مرسل يخوض حرباً سريةً ضد عبدة الشيطان المسيطرين على الحكومة والاقتصاد والإعلام، ويعمل بشكل سري مع بعض العلماء لإيجاد علاج للسرطان. لكن حين تحدث إصابات بشرية وتخريب واقتحام لمقرات حكومية أو خاصة، فجميع الحقوق السابقة ملغية ولا وجود لها على أرض الواقع، أما التصرف تجاهها فمباشرةً بالقوة حتى لو كانت دموية، وشرسة عنيفة بدون أي محاذير وعواقب لفاعلها، ليلحق بها بعد ذلك تبعات الفعل القضائية العقابية التي لن تستثني أحداً مهما كانت منزلته ومكانته ونفوذه.
‏أربع سنوات صعبة سكتت فيها أميركا الدستور والديموقراطية عن رئيسها الذي كسر كل المحظورات والأعراف الدبلوماسية بالحكم والتعامل، وبتواطؤ من الحزب الجمهوري المستفيد من جماهيريته وقاعدته الشعبية، كما من الحزب الديموقراطي المُدرك لمآلات تصرفاته وفائدتها المرجوة على نفوذه مستقبلاً، وهو ما تحقق له بحصده نصاب الأغلبية بمجلسي الكونغرس وفوزه بالرئاسة. تغاضى المتربصون به عن أخطائه المنافية للقيم الأميركية انتظاراً للحظة المناسبة ليُجعل منه درسا لن يُنسى، وهو الذي منحها لهم بمحاولته تعطيل مهام الكابيتول أو الكونغرس، أعلى سلطة تنفيذية، صاحبة القبة في واشنطن الأعلى ارتفاعاً مقارنة بجميع مبانيها، في دلالةٍ رمزية على مكانته، التي لم تدنس إلا مرة واحدة في تاريخه حين أحرقه البريطانيون سنة 1814 نتيجة حرب انتقامية لمدينة يورك، بكندا حالياً، التي أحرقها الأميركيون قبلها بعام.
لن يكون يوم اقتحام الكابيتول 6 يناير 2021 كسابقه، فالمقر الرئيسي للسلطة التشريعية الاتحادية بالولايات المتحدة واجه العنف والفوضى لتعطيل تصويت أعضائه على أصوات المجمع الانتخابي لاعتماد فوز الرئيس المنتخب جوزيف بايدن، وهو ما تم بنهاية اليوم رغم ذلك، لكن ما أعقبه كان وما زال سعيا جدياً لعدة سيناريوهات لمعاقبة ترامب المتهم بالتحريض على الواقعة. فحتى اللحظة تتزايد الضغوط بوتيرة متصاعدة إعلامياً ومجتمعيا وسياسياً عليه والجمهوريين، بتشابهٍ مماثل لفضيحة نيكسون وحزبه عقب ما عُرف بووترغيت.
السيناريوهات المطروحة حاليا، منها عزله من منصبه وتولي نائبه مايك بينس مقاليد الرئاسة للفترة المتبقية من حكمه وفقاً للتعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركي، الذي ينص على القيام بذلك في حال تعذر الرئيس عن القيام بمهام الحكم، وهو الذي يستدعي طلب نصف وزرائه خطياً من نائبه بينس ‏إعفاءه، ليقوم بتوجيه طلب الإعفاء متضمناً الأسباب للجنة القضاء بمجلس النواب، ولجنة القواعد بمجلس الشيوخ، ليبدأ الكونغرس إجراءات البت فيها خلال يومين. من غير المتوقع نجاح هذا الإجراء، نظرا لصعوبة تحقيق النصاب الكافي لإقراره على مستوى الكونغرس وأعضاء الحقيبة الوزارية، وكذلك رفض مايك بينس له، خصوصًا إن كانت لديه تطلعات لخوض غمار الترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2024.
السيناريو الآخر هو ‏عزله، وهو ما تم إقراره بمشروع قرار وافق عليه مجلس النواب بالأغلبية، ليتم رفعه لاحقا لمجلس الشيوخ لدراسته والتصويت عليه بالموافقة إن حصل على الأغلبية اللازمة لإجراء محاكمة له، يرأسها رئيس المحكمة العليا الأميركية، فيما آلية القيام بذلك تسترعي استدعاء كل من تثبتت الأدلة تورطهم، بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب، إيذانا ببدء المحاكمة المنتهية بجلسات مغلقة من المداولات، ومن ثم يتم التصويت النهائي على قرار إدانة الرئيس. جميع الإجراءات السابقة تتطلب وقتاً للوصول لقرار بالأغلبية في حال نجاح خطواتها، وتضامن لأعضاء من الحزب الجمهوري مع الديموقراطيين لتوفير الأصوات الكافية، وبالتالي من المؤكد أن المحاكمة ستستمر لما بعد تنصيب جوزيف بايدن رئيسا، ليكون الغرض حينها تجريمه سياسياً، والقضاء على حقوقيه الدستورية بالمشاركة السياسية مستقبلاً بعد أن بات لا يتمتع بالحصانة الرئاسية.
السيناريو الثالث المحتمل فقط في حال التوصل لتسوية بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري، هو أن يستقيل الرئيس، ويتولى نائبه الحكم، ومن ثم يقوم بمنحه عفوا فيدرالياً مشابهاً لما قام به فورد مع نيكسون عقب فضيحة ووترغيت.
مقارنةً بالسيناريوهات السابقة، يبقى أحد أكثرها تحققا، والمتوقع حصوله مباشرة بعد انتهاء حصانة الرئيس نتيجة انتهاء ولايته في العشرين من يناير، تعرضه للمحاكمة في عدة ولايات أميركية لجرائم لا يغطيها العفو الرئاسي إن حتى مُنح له لكونها غير فدرالية، ومنها قضايا لتجاوزات قام بها قبل توليه الرئاسة ولا يشملها العفو، كالتهرب الضريبي، وغسيل الأموال، وتجاوزات جنائية، كما أخرى من المحتمل أن ترفعها جهات كشركة دومينيون مثلا تضررت جراء اتهاماته لها بدون أدلة بمشاركتها بتزوير الانتخابات، كما أي شخص تعرض للضرر من واقعة اقتحام الكونغرس الأميركي، علما أن خمسة أشخاص فيهم من قوى الأمن لقوا حتفهم جراءه.
أخيراً، لن يكون دونالد ترامب الخاسر الوحيد والمعرض فقط للمساءلة والمحاكمة، بل غالباً ما سيلحق به أفراد من عائلته وأعضاء من حزبه ومؤيديه إن ثبت ضلوعهم، أما الخاسر الأكبر سياسياً إلى جانبه فهو حزبه الجمهوري وأفراد من مشرعيه، فهو بحاجة لوقفة لإعادة هيكلة برنامجه، وتحديث سياساته ليكون قادرا على استدراك مخاسره في الانتخابات الرئاسية والتشريعية بما فيها الولايات المحسوبة عليه تاريخيا وصوتت للديموقراطيين، كما سيتحتم عليه أن يستوعب حجم التغيير الديموغرافي في الخريطة السياسية الأميركية، ويكون أكثر انفتاحا على الأقليات والتيارات السياسية المُستجدة.
‏ستنتهي حقبة ترامب الأكثر ظلمة في التاريخ الرئاسي الأميركي، لكن الأكيد أن العديد من قرارته وأفعاله لن تنهي عدالة قضايا تعرضت للظلم في عهده، ومنها القدس كعاصمة لفلسطين في ظل حل الدولتين المتفق عليها أمميا، وستبقى الجولان كذلك سورية، والمستوطنات مواقع غير شرعية محتلة بمنتجاتها، والصحراء الغربية بانتظار الحل العادل دون قرارات فردية مصلحية، فيما سيسقط جدار العار على حدود المكسيك، وتلغى العديد من القرارات الأخرى المتعلقة بالهجرة والأديان والاتفاقيات الدولية.


المصدر : موقع ميدل إيست أونلاين meo - بعد حقبة ترامب.. هل تُبرأ الجراح بأميركا؟ | عماد أحمد العالم | MEO (middle-east-online.com)

الخميس، 14 يناير 2021

الصحفي الفرد.. والإعلام التقليدي

 جريدة الرؤية
04-01-2021
عماد أحمد العالم


الإعلام متعدد الأوجه، رغم أن ظاهره قائم على التوعية والمصداقية والنزاهة والشفافية، إلا أن واقعه، منذ انطلاقة قنواته التلفزيونية وإذاعاته وصحفه، يثبت أنه لم يكن كذلك، ولن يكون في الحاضر ولا المستقبل القريب والبعيد، وإن كان الاستثناء لذلك بالديمقراطيات الأكثر شفافية وحرية ونزاهة، ومع ذلك وحتى بها إلى حد ما، قد يكون صاحب هوى بشؤون ومواضيع بعينها، لكنه بالطبع بها يمثل روح الهدف منه، دونما مقارنة مع إعلام النظم الاستبدادية والشمولية التي ترزح تحت وطأة الاستبداد الديني والاجتماعي والسياسي.
في العالم العربي على وجه التحديد، يميل الإعلام لكونه خبرياً ناقلاً للحدث أكثر من كونه إعلام رأي وحقيقة وتصور مستقلاً، مع افتقاره إلى الموارد الإخبارية، والحرية المطلقة والاستقلالية المادية التي تمنحه الإمكانات اللازمة ليكون مواكباً للخبر وقت حصوله، ومحلِّلاً له بحيادية دون أجندة مسبقة مفروضة عليه، أو مخاوف لإغضاب طرف على حساب آخر أو تجاوز للخطوط الحمراء التي عليه ألا يتخطاها، وهو ما تسبب بحالة من انحسار التأثير على الجماهير المتابعة له، لتستبدله بإعلام الفرد أو الصحفي الفرد، الذي اتّخذ من وسائل التواصل الاجتماعي منصة لتواصله مع متابعيه وإمدادهم بالخبر حال حصوله، مع نبذة مختصرة لحيثياته، يتبعها بتحليل له دون الحاجة لإدارة التحرير للموافقة عليه وإعادة صياغته بما يتناسب مع سياسة المؤسسة الإعلامية التي يتبع لها.
وفي الانتخابات الأمريكية الأخيرة، برزت ظاهرة الفرد الصحفي، وانتشرت حسابات لأشخاص لا ينتمون لمؤسسة الصحافة التقليدية غطوا العملية الانتخابية ساعة بساعة بحرفية ومهنية، ليجتذبوا عدداً كبيراً من المُتابعين.


المصدر: صحيفة الرؤية - الصحفي الفرد.. والإعلام التقليدي - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الفلسفة أولاً

 جريدة الرؤية
21-12-2020
عماد أحمد العالم


علينا أن نعيد صياغة مفاهيمنا للتعليم والثقافة والفكر من حالة الجمود والكسل الذي يعتريها، لنبدأ أولاً بالفلسفة ثم الفلسفة، فهي أم العلوم وصانعة الحضارات، ومحفزة العقول على كسر حاجز الجمود، الذي يعتري كل من يعتمد على التلقين والتكرار والأخذ بمسلمات، دون طرح الأسئلة والشك والتساؤل حولها، للتيقن من صحتها ومصداقيتها ومدى مواءمتها لواقع حياتنا ومساراتها المتعددة.
وأيضاً دون ضوابط عرفية من باب جرت العادة ألا يتطرق لها أحد، أو العقاب لمن يقترفها ويكسر المحظور الفكري، الذي سن ّقوانينه من يتحكم بعقلية القطيع الجمعية، التي عطلت الفردية، وضيقت الخناق عليها لتضمن التبعية دون معارضة، فبات وجود الفرد القارئ والمفكر فيها مقموعاً محجوراً عليه، مقابل الجمهور المصاب بالجمود والانغلاق.
البداية تكون، وكما يجب، عبر الفلسفة المنشطة والداعمة للعقل مُجدَّداً ليطَّلع ويقرأ ويفكر ويشكك، أي ببساطة «ليتفلسف»، ولا أقول هنا أن يكون سفسطائياً، وإنما ببساطة متسائلاً، سواء أكان دارساً لأحد المراحل التعليمية التي يجب أن يكون من أولويات القائمين عليها تحفيز العقول، أو محللاً وعالماً لشؤون معينة بأي مجال، وحتى الإنسان العادي، ليصلوا بمسعاهم جميعاً للارتقاء الإنساني، وبعد ذلك إلى المرحلة الأهم، وهي البحث في الأسباب، التي بدأ منها ومن خلالها سبر المجهول وأعظم الاكتشافات الكونية.
من خلال الفلسفة سنت القوانين والدساتير، وعبرها قامت مراكز الأبحاث والدراسات، وبعدها تطورت العلوم التجريبية، بل إنني لا أبالغ إن قلت إن بها يتكرس الإيمان، كما أن الخوف منها ظنّاً بتأثيرها على سلامة المعتقد ظلمٌ لها، فالإسلام كمثال دعا معتنقه لأن يكون كيّساً فطناً، حاثاً للتفكر بملكوت السماوات والأرض.


المصدر: صحيفة الرؤية - الفلسفة أولاً - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

أوركسترا الكلمة

جريدة الرؤية
07-12-2020
عماد أحمد العالم


هناك روايات قرأتها ما يزال أثرها خالداً في نفسي، أشعر بقشعريرة ونشوة وموسيقى تلتحفني على وقع اسمها كلما مرت ذكراها بخاطري، لعناوينها أثر سيمفوني عليّ كوقع مخطوطات كارمينا بورانا، وبالتحديد «أو فرتونا»، القصيدة اللاتينية من القرون الوسطى، التي أصبحت سيمفونية فيما بعد على يد الموسيقي الألماني كارل أوف، والآخذة حال الاستماع لها إلى حالة من الانفصام عن الواقع والتوهان في اللاشعور، وسط أغاني العشاق وهيام المتيمين، ونشوة الصوفيين، وأنت سابح بملكوت سرمدي لك وحدك دون أن يشاركك به أحد كناسكٍ متعبد، باع الدنيا وما فيها، زاهداً بها.
من هذه الروايات: الحارس في حقل الشوفان، و100 عام من العزلة، والحب في زمن الكوليرا، ومدام بوفاري، ودكتور زيفاجو، والبؤساء، وقطار الليل إلى لشبونة، وغيرها مما تضيق المساحة عن ذكره، لكنها عالقة في الذاكرة بأحداثها وأبطالها، وزخم المشاعر وعبقرية الوصف بها، حتى ليظن قارئها أن ليس بعدها شيء كفيل بملء فراغ النهِم لقراءة ما يماثل عظمتها ووقعها الشديد على النفس العطشى دون أن ترتوي بعد أن ذاقت حلاوة الأدب، وجمال الكلمة، وعذب الوصف، ورهافة الإحساس، وصدق المشاعر، وواقعية الحدث ومآلاته.
ما السر حولها، وما الذي فيها ليجعلها خالدة، وما هي التعويذة التي تحرسها فتحافظ على فرادتها، وما السحر الذي يلفها ليتفرد بها بهالة عما سواها؟
جميعها أسئلة عجزت عن أن أجد إجابة تشفي التصاقي أو تفسر هيامي وتعلقي بها، ونهمي لأن أجد ما يماثلها في رحلة القراءة ومتعة النص وحلاوة البيان، التي بتنا نفتقدها وسط ضوضاء أعمال لا ترتقي لمصاف أساتذة الكلمة، عازفي نوتات موسيقاها الأدبية.


المصدر: صحيفة الرؤية - أوركسترا الكلمة - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

مآلات اغتيال محسن فخري زاده ومشروعيته

 موقع ميدل ايست أونلاين MEO
01-12-2020
عماد أحمد العالم


قبل أن نتحدث عن حادثة اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده قبل أيام بضواحي طهران العاصمة، علينا أن نشير إلى حقيقة محل خلاف في انطباقها عليه وفق الإطار القانوني (مع تحفظات على شخصه واتهامه بالانتماء للحرس الثوري الإيراني أو على الأقل علاقاته الوثيقة به وبعملياته في الخارج)، وتحديداً على جميع من تعرضوا للتصفية الجسدية خارج إطار القانون لغير المنتمين للكيان العسكري والأمني من المدنيين، وفي غير حالات الحرب المباشرة؛ وهي التي نصت على منعها القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن وجرمتها الاتفاقيات الدولية. من هذا المنطلق، فحتى الدول التي تملك علاقة معقدة ومستمرة من الخلافات مع إيران من دول الجوار العربي الخليجي والإسلامي نأت بنفسها عن تأييد عملية الاغتيال، فيما سارع بعضها الإقليمي والدولي كألمانيا والاتحاد الأوروبي وحتى سياسيين وقيادات في الكونغرس والاستخبارات الأميركية للتنديد بها، ملحقين تصريحاتهم بتداعياتها وتأثير ذلك على المنطقة ومصالحهم الاستراتيجية.
لتحديد الجهة التي نفذت العملية، منطقيًا سيكون البحث عن المستفيد منها، وهو الذي حددته إيران قطعاً وتحدثت عنه الصحف الأميركية عبر تسريبات بإسرائيل، فيما لم تنكر الأخيرة ذلك، ولم تؤكده على المستوى الرسمي، وإن صرحت به وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤكدة أن فخري زاده كان على قائمة الموساد منذ سنوات، وأنها من تقف خلف مقتله.
يمثل فخري زاده الشخصية الأولى في البرنامج النووي الإيراني والتصنيع العسكري، وهو شخصية إدارية أكثر من كونه تنفيذية، وفقدانه لطهران لا يعني توقف طموحاتها النووية عن العمل أو احتمال تعثرها، فهذا الأمر بالمستبعد عملياً، كونه مؤسساتي لا فردي، وقائم على مجموعات متعددة من الخبراء تعمل وفق آلية تضمن استمراريته بفقدان أفراد منه أو القائمين عليه، كما أنه ليس بقيد التأسيس، وإنما وصل لمراحل متقدمة من تخصيب اليورانيوم، وتخزين كميات كبيرة منه أكثر من السقف الذي حددته الاتفاقية السابقة مع إيران، وبالتالي اغتيال من يترأسه هو انتصار معنوي أكثر منه عملي، ويشير في طياته بأن من قام به قد تمكن من اختراق المنظومة الأمنية والعسكرية لطهران، وبات قادرا أن يوجه لها ضربات موجعة في الداخل، عبر عناصره الفاعلة وخلاياه النائمة التي يتم تفعيلها عن بعد لتنفيذ المهمات المطلوبة منها، أو بالاستفادة من تحالفات غير معلنة ومصلحية مع مجاهدي خلق والثوار الأحوازيين والبلوش لتنفيذ العمليات، علما أن هذه ليست المرة الأولى التي يُعتقد أن إسرائيل تقف خلفها. ففي العام 2010 تم اغتيال العالم الفيزيائي مسعود علي محمدي، وكذلك في نفس العام تكرر نفس الأمر مع كبير علماء البرنامج النووي الإيراني آنذاك مجيد شهرياري، ليُغتال في العام التالي داريوش رضائي نجاد، أستاذ الفيزياء المشارك في البرنامج النووي الإيراني، ليليهم سنة 2012 مصطفى أحمدي روشن، خبير الفيزياء النووية الذي شغل منصبا مهما في منشأة تخصيب نطنز، بالإضافة إلى علماء آخرين وباحثين تمت تصفيتهم بصمت دون الإعلان عن ذلك، يُضاف إليهم عمليات قرصنة واختراق وزرع فيروسات وتفجيرات مجهولة طالت المنشآت النووية الإيرانية وقواعد اختبار الأسلحة وتخزينها، ومباني لأجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم.
استشهاد البعض بقانونية الاغتيال، وتشبيهه بقتل جنرال الحرب قاسم سليماني في بغداد من قبل الأميركان سابقا له مسوغاته الجديرة بالنقاش، فعدا عن كونه أساسا عالما متخصصا، إلا أنه أيضا ذو ارتباط بالمؤسسة العسكرية الإيرانية وأذرعها في الخارج، لذا فهو مشارك بالعمليات، وداعم "وإن كان بشكل غير مباشر" للنظام السوري والحوثيين وحزب الله، وبالتالي فهو عدو للشعوب المتضررة من تدخلات إيران بشؤونها وإسهامها في دمارها، كما أن البرنامج النووي الإيراني غير سلمي، ويطمح لامتلاك السلاح النووي المستبعد استخدامه، والمانح لطهران مجالاً للتفرد العسكري المطلق بالمنطقة، وإحكام هيمنتها عليها مع إضعاف التواجد الدولي بها، عدا عن كونه ورقة ضغط للحصول على إقرار بمكانتها وبكونها لاعب لا يمكن تجاهل مصالحه وقوته ووجوده، وهو ما يتعارض مع مصالح الغرب والولايات المتحدة وتل ابيب، التي تريد أن تكون القوة النووية الشرق أوسطية الوحيدة، والساعية لفك العزلة تجاهها، وإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع أغلب الدول العربية والإسلامية الغير معترفة بها.
من الجدير ذكره أن الجمهورية الإسلامية المنقلبة على الشاه ومنذ تأسيسها قد مارست ولعقود التصفية الجسدية بحق من تراهم أعداءها، كما أنها اعتمدت الاغتيال كنهج ثابت ومتواصل في العراق بحق نخبه وسياسيه ومفكريه وعلمائه وأكاديمييه وباحثيه وشخصيات حزب البعث المنحل، وكل من يقف بطريق مطامعها للسيطرة عليه إما مباشرة عبر عملاء استخباراتها، أو بواسطة الحشد الشعبي والمليشيات المسلحة العراقية التي أنشأتها وسلحتها ودربتها، لتتولى بالنيابة عنها تصفيتهم، أما أعدادهم فهم بالمئات فضلا عن المختفين، مع الإشارة إلى تحدث منظمات قانونية وحقوقية محلية ودولية وتأكيدهم على أنه منذ العام 2003 كان الاغتيال سياسة ممنهجة اعتمدتها طهران وإسرائيل والولايات المتحدة وداعش والقوى العسكرية الشيعية في العراق لتحييد العناصر المؤرقة لأجندتها والمخالفة لسياساتها المصلحية.
ربط العديد من المحللين بين اغتيال فخري زاده ورغبة إسرائيل في الاستفادة من الفترة المتبقية من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشن عمليات عسكرية تستهدف إيران ومشروعها النووي إن قامت باستهداف إسرائيل أو أميركا وقواتها، كما نظر آخرون بأن الاغتيال تم بضوء أخضر أميركي بأجندة حزبية لفرض واقع من الصعب التعامل معه لاحقا من قبل الرئيس المنتخب جو بايدن، ليكون مضطرا بسببه للبقاء بدائرة القرارات والعقوبات والمواقف التي اتخذها سلفه بحق طهران.
جميعها لا يمكن الجزم بمدى صحتها من عدمه، وتبقى تكهنات بانتظار رد الفعل الإيراني "الغائب عن المشهد بعد جميع العمليات السابقة التي طالتها وعلمائها"، والذي سيجلي طبيعته من حيث كونه مباشرة عبر شخصها، أو متريثا لحين استلام بايدن مقاليد الرئاسة في يناير من العام القادم أملا في التوصل لاتفاق جديد مع إدارته، أو من خلال أذرع إيران بالمنطقة عن طريق الايعاز مثلا للمليشيات العسكرية العراقية باستهداف الشخصيات أو القواعد والقوات الأميركية بها، وكذلك يقاس الأمر على حزب الله وإسرائيل، والحوثيين وتكثيفهم الهجوم عبر الزوارق المفخخة والطائرات المسيرة أو إطلاق الصواريخ على مواقع في السعودية والإمارات، أو ستتغاضى إيران عن الضربة الموجعة التي تلقتها كما فعلت سابقاً مع اغتيال قاسم سليماني وستكتفي برد شرفي غير موجع لإدراكها العواقب، وكي لا تحييد عن خطتها الطموحة بامتلاك القنبلة النووية أو ما يعيق حدوث ذلك.
بقي أن نؤكد أن اغتيال العالم الإيراني طالما كان خارجاً عن القرار الخليجي وبغير اشتراكها به؛ يفرض عليها موقف الحياد السلبي منه، فلا ترحيب به أو إدانة شديدة له، حتى لا تكون طرفا فيما يعقبه من نزاع ستستغله إيران بالتأكيد كذريعة لتبرير سياساتها العدوانية تجاههم.


المصدر: موقع ميدل ايست أونلاين - مآلات اغتيال محسن فخري زاده ومشروعيته | عماد أحمد العالم | MEO (middle-east-online.com)

مصداقية النقل والاستشهاد

 جريدة الرؤية
23-11-2020
عماد أحمد العالم


زاد مع انتشار المواقع والمنصات الإعلامية والإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي ادعاءات في مختلف المواضيع والمجالات، وهو ما أسهم بدوره بانتشار الشائعة والمعلومات المغلوطة، التي عادة ما يقترن الحديث عنها بعبارات تأكيدية ليست من قبيل التوثيق وإنما من باب لفت الانتباه وصبغها بالمصداقية، ومنها من على شاكلة القول «أكّد العلماء» مثلا، ولكن دون ذكر من هم العلماء وما هو مجالهم، وما هي مواقعهم البحثية ومصدر دراساتهم، وأين نشرت، وهل نشرت في مجلات علمية موثوقة وجرى اعتمادها أم أنها مجرد نظريات غير مبنية على أبحاث ودراسات معمقة؟
نفس المبدأ ينطبق على الأخبار الرنانة التي عادة ومن باب التمويه يتم نسبها للإعلام، ولكن هي الأخرى لا تستند إلا «للقيل والقال» وبعض المواقع الزائفة التي لا تتحرى الدقة ولا تستقي أخبارها من وسائل إعلامية حقيقة، وإنما تحترف صناعة الأخبار المفبركة لجذب الزوار لمواقعها، مرددة القول «أكدت المصادر» ولكن دون ذكرها وتحديدها، وبغض النظر عن مصداقيتها واطلاعها على الخبر من مصدره وتوثقها منه.
الدراسات العلمية بدورها من أكثر ما يتم الاستشهاد به والاقتباس المتجزأ منه، ومنها على الدوام مادة خصبة جداً للصحف والقنوات التلفزيونية بمختلف برامجها وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، فما إن تصدر دراسة ما في موضوعٍ بعينه حتى يتم تجاهل جميع الدراسات المماثلة لنفس الموضوع، وكثيراً ما يتم عمداً أو جهلاً انتقاء الجزء الأكثر إثارة للفضول فيها ونشره دون الأخذ بجميع ما ورد فيها والإلمام بكافة تفاصيلها،، وهو ما يعرضها لسوء الفهم ومن ثم ما يترتب على ذلك من نتائج عكسية.


المصدر: صحيفة الرؤية - مصداقية النقل والاستشهاد - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...