الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

صنعاء مقابل الموصل

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 15-10-2014

 


تحول اليمن السعيد كما عرفناه وقرأنا عنه إلى يمن آخر تعيس وحزين ومفكك تعمه الفوضى والاضطرابات، ولم يهنأ كما يتمنى شعبه بالسلم والرفاه. تحول إلى يمن يكون الولاء فيه للقبيلة لا للوطن، وللطائفة لا للوطن، وللإقليم لا للوطن، وللخارج بمطامحه وأطماعه، أما الجيش العتيد ورغم حرفية أفراده وبأسهم إلا أنه مُحزب ومقسم ومتعدد الولاءات، والحكومة المركزية فيه تفتقد القوة لحسم النزاع، كما أن أغلبها والمتعاقب منها ومنذ استقلال اليمن إلى توحده لم يسع إلى سيادة الدولة من منطلق قومي وطني وإنما من بابٍ للتكسب والاستئثار وفرض النفوذ.
المشكلة في اليمن لم تعد فقط في تنظيم القاعدة، ولا في خطف الرهائن ولا انتشار الفساد والمحسوبية والانهيار الاقتصادي والظلم الاجتماعي والتضخم وغلاء السلع، ولا في الجنوب وحراكه الساعي إلى الانفصال مجددا بعد أن كره التهميش واستئثار الشمال بالسلطة، ولا في طائرات الدرونز الأميركية التي تقتل من تشاء دون حسيب ولا رقيب، وبتصريح مفتوح من الحكومة طالما أنها تستهدف من يُسمون بالإرهابيين، بل المشكلة الآن باتت بالذات في تنظيم لم يسمع به أحد قبل ثلاثة عقود، ولم يكن يملك أي نفوذ، وكان الغرض منه الدعوة إلى التعريف بالمذهب الزيدي، لكنه تحول، بقدرة قادر، إلى ميليشيا مسلحة احتلت صنعاء في أيام وما فعله الحوثيون بها أسوأ مما مارسه الغزاة بحق المدن التي احتلوها، وفرضوا حلا سياسيا يعطيهم مكاسب أكبر من حجمهم ولم يكن لينالوها أبدا في تجاربهم الانتخابية السابقة.

عبدالملك الحوثي أو “حسن نصر الله اليمن” وعلى ما يظهر هو نجم الساحة الآن، بعد أن أتته الفرصة التي لم يكن يتخيل فيها أن يُسهل له قيادات في الدولة والجيش (أو على الأقل تخاذلوا في اتخاذ موقف) دخول قواته لعدة مدن يمنية واحتلال المقرات الحكومية فيها، والاستيلاء على أسلحة الجيش الذي تركها هدية تم الاتفاق مسبقا عليها. هذه الميليشيا المدعومة من إيران والتي تدرب العديد من قادتها وأفرادها على يد الحرس الثوري الإيراني، بات أفرادها القوة التي لا تقهر رغم قلة عددهم مقارنة بالآخرين، وباتوا يسعون وراء غنائم انتصارهم السريع، فانتهكوا وسرقوا وخربوا ظنا منهم أن الأمر قد استقر لهم، لكنهم نسوا أن اليمن دولة وشعبا قد قهر الغزاة على مر التاريخ، وما جرى ليس سقوطا بمقدار كونه تعبيرا عن غضب الأكثرية الصامتة من الشعب اليمني التي ملت الخداع والفساد والوعود الكاذبة المتعاقبة من السياسيين والأحزاب والحكومات لتحسين حياتهم والنهوض بيمنهم الذي لم يكبُ أساسا حتى ينهض مجددا.
الانتفاضة الشعبية على الحوثيين مسألة وقت، بعد أن اتضح للشعب أن حكاية الاحتجاج السلمي التي رفعوها شعارا، والمطالب الممثلة في تغيير الحكومة، ووقف قرار تخفيض الدعم عن المحروقات، لم تكن إلا سبيلا لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة. هم ليسوا أكثر من فقاعة سرعان ما ستتبدد بعد أن ينتهي دورها الذي رسمته لها دول إقليمية، طمعا في تحجيم قوى سياسية يمنية لوحظ تنامي قوتها في الآونة الأخيرة.
ساعدهم ما آل إليه حال الربيع العربي والفوضى الناتجة عنه وتغير حسابات الدول ذات المصالح في بناء كيان قد يبدو قويا لكنه هش، وسرعان ما ستتبدد آمال إيران فيه بأن تكون قوتها الضاربة في اليمن والقريبة من الحدود السعودية، والتي ستتلاعب بها لخلق قلاقل مع الجار ذي الثقل الأقوى خليجيا وإسلاميا. فضلا عن مساعي طهران لاستخدام ما يجري في اليمن في سياق مساومات سياسية تخص سوريا، ومحاولة تعويض التراجع في العراق بعد سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل وعدد من المحافظات، وكأنها تشترط المعادلة: “صنعاء مقابل الموصل”.
الرئيس عبدربه منصور هادي ومن قبله طولبوا دوما بكسر شوكة تنظيم القاعدة المتواجد بخلاياه وعناصره الظاهرة والمتخفية، وهي التي تقوم بين الحين والآخر ببعض التفجيرات والعمليات النوعية وغير المؤثرة أيضا، لكنها دوما تضخم لضمان استمرار الدعم الخارجي، لكن الرئيس الآن سلم واستسلم لإرادة الحوثي، ومن خلفه من دول دعمته حتى وصل إلى الأضواء وفرض أجندته، التي من أحد بنودها حسب الاتفاق الأخير أن يكون من مستشاري الرئيس حوثيون يكون لهم الحق في المشاركة بالرفض والقبول في اختيار وزراء الحكومة القادمة، وفي تعطيل واضح لبنود المبادرة الخليجية التي أنهت حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ونصّت على إنشاء كيان يمني جديد بستة أقاليم، وأوصت بإنجاز دستور توافقي يرضي الجميع ويُحقق التوافق السياسي والمجتمعي وينهي الصراع القائم.
اليمن هو البلد العربي الذي تُرك بتعمد ليكون مرتعا لكل تنظيم متطرف، ولكل فكر متشدد، وحين يبرز خطره يتداعى الغرب وأميركا لمحاربته، وتسايرهم في ذلك حكومتهم، التي اعتقدت أن بقاءها مضمونٌ دوما باستمرار فزاعة الإرهاب، لكنها تناست أن حرب الآخرين على أرضها لن تزيدها إلا تأخرا وفقرا وتهميشا للأغلبية لصالح أقلية ضالعة في خراب بلدهم!


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=35420

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

الصراع الطائفي وتفادي حتميته

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 30-09-2014

 


دائما ما أحاول أن أنأى بنفسي عن الطائفية، وعن الخوض فيها لقناعةٍ مبكرة تعلمت منها أن كليهما (أي السني والشيعي) وهما المكونان الأساسيان لمسلمي العالم، لن يتخلى عن قناعاته وعقيدته وإيمانه وفطرته التي ولد عليها وترعرع، ولن يزيده انتقاد الآخر له وهجومه عليه إلا قناعةً وتمسكاً أكثر بطائفته، وإصرارٌ بعزم لا يتزحزح على تضليل الآخر، في حين لدى البعض قد يصل الأمر حدود التكفير والعداء المطلق الداعي إلى التصادم والاقتتال.
من الحكمة أن يسعى العقلاء من الطرفين، دوماً، لتستمر جلسات الحوار الهادف إلى التقارب من أجل السلم والتوائم والعيش المشترك تحت مظلة وطنٍ واحد، يكون المعيار فيه الانتماء إلى البلد لا للطائفة كمقياسٍ للوطنية، ولا يستخدم فيه بعض المتعصّبين من رجال الدين مشاعر العامة البسيطة والمسيّرة في أغلبها عبر فتاوى الترغيب والترهيب لتنفيذ أجندتها التي لا يغيب عنها استغلال السياسيين لتحقيق سياساتٍ لطالما أسهمت في عمق الفجوة بين الطائفتين، وليس أفضل من حال العراق أن يُضرب كمثال هنا، وبالطبع أيضا لبنان، الذي عملت بعض الأطراف فيه، وبإيعاز من دول لها مصالح لا تخفى على أحد، على تأجيج الفصل الطائفي القائم على تجييش أتباع المذهب، وحشوه بشعارات كاذبة لكنها قادرة على دغدغة عواطفه وتسييره ليكون داعما لقياداته التي زجت به أخيرا في أتون الحرب السورية، التي لم تعد فقط لنيل الحرية وخلع النظام الأسدي، وإنما ساحة لاستعراض القوى، وتصفية الآخر، والمساومة وبسط النفوذ، وفرض الإرادة.

تدخل حزب الله السافر في الشأن السوري، والذي ربط استمراره الأمين العام للحزب حسن نصر الله ببقاء بشار الأسد في الحكم، واكبه أيضاً إشراك لقوات من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية كعصائب أهل الحق وقوات البطاط وجيش المهدي، بالإضافة إلى متطوعين شيعة تم تجييشهم من دولٍ إسلامية كأفغانستان وباكستان؛ يجبرني مرغماً على التطرق لما تمنيت إنكاره ورفض حدوثه واستبعاده، ألا وهو طبيعة وشكل الحرب القادمة، وهل ستكون (إسلامية- إسلامية) بين أتباع المذهبين بخلفيةٍ طائفية بحتة، بعيداً عن المعتقدات الفكرية الحزبية، أو أنها ستكون أيديولوجية متزمتة تمثلها بعض الجماعات المسلحة الثائرة على الأنظمة، ومدنية تمثلها الدولة الساعية لوأد ما تراه مهددا لوجودها عبر الجماعات المسلحة ذات الفكر الديني.
قد تمثل الحرب الأميركية التي بدأت منذ أيام على تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية “داعش”، صائبةً في إطار الحرب بين الحكومات والجماعات التي تسميها بالإرهابية.
نتيجتها ما زالـت غـير محسومـة، ومخطئ من يظن أن بإمكان دول العالم القضاء على تنظيم بقوة الطائرات فقط، فمثل هذه الجماعات تعتمد في وجـودها على الفكر الذي يستقطب الشباب ويجعل منهم خلايا نائمة يسهل إيقاظها حال الضرورة لها، وستنفذ بعقيدة قوية أوامر قادتها وملهميها ولن تكون أجسادها غالية في نظرها، لأن تفجّرها ضد أي هدف تعده كافرا من وجهة نظرها، سيصعـب اقتفـاء آثار منتسبيها وكشفهم، فهذه التنظيمـات قـد تعلمت من دروس المـاضي وألغت المركـزية في بعض مواقعها، واعتمدت بدلا من ذلك نمط الخلايا الصغيرة من مجموعة من الأفراد تُرك لها حريـة التصرف، كما أنها لم تعد كـالسابـق يسهل كشفها، فهي مختلطة في مجتمعـاتها ومنـدمجة ولا تعطي أي انطباع أبدا عن كينونتها لا في المظهر والشكل فقط، وإنما في تبنيها العلني أيضا لأي فكر.
قد تنجح الحرب على “داعش” في تقزيم نفوذها على الأرض، وقد تنهي تواجدها العسكري لفرض حل للأزمة السورية، لكنها لن تقضي على فكر متشدّد نشأ لأن الحكومات قد وضعت أمام الآخر خيار العيش في ظل الاستبداد أو الإرهاب أو الفوضى، وهو ما سيتمخض عنه، على الدوام، فكر يدعو للتغيير بالقوة المسلحة!
على الجانب الآخر، وما قد يسهم يوما في إشعال الحرب الأهلية الطائفية واسعة النطاق، مواقف التنظيمات الموالية لإيران وأذرعها في المنطقة العربية كحزب الله مثلا، والـذي ما فتئ قادتـه يقومـون بتبرير تدخلهـم في سوريا وتنازلهم عن شعار زوال إسرائيل التي قامت على قتالها أيديولوجيات الحزب، وبسببها تلاعب بمشاعر المسلمين حول العالم وبمختلف طوائفهم وانتماءاتهم ونال تأييدهم، لكنه رمى بقواته صوب الداخل السوري الساعي لتنفس حريةٍ غابت عن هوائه أكثر من أربعين سنة، عاشها في ظل حكم حزب البعث وزبانيته!
لنفترض جدلا صحة حجج الحزب وتبريره لتدخله، ولكن هل من الحكمة أن تترك قواته الأرض اللبنانية مفتوحة لأي اختراقات إسرائيلية لتصول وتجول فيها، إلا إن كانت له المقدرة (وأشك في ذلك) على فتح أكثر من جبهـة بما فيهـا مـع إسرائيـل في حال محاولة الأخيرة ضرب عناصر الحزب ومواقعه في الجنوب اللبناني، أو تصفية عناصر أو قيادات تابعه له في الداخل.
التجييش الطائفي الذي انتهجه نوري المالكي في العراق سبب آخر كان من الممكن أن يتجه بالعراقيين أيضا صوب الحرب الطائفية، التي ستنهي بدورها حالة التعايش السلمي والإنساني بين السنة وإخوتهم الشيعة، وقد تتسبب في إشعال صراع طويل يصعب إنهاؤه أجَّجَه هضم حقوق طائفةٍ على حساب أخرى، مع أن كلاهما محسوبان على دينٍ واحد؟.
لتفادي ذلك، فالكرة بالفعل هذه المرة تقع في الملعب الشعبي، لمن يسمونهم “حزب الكنبة” من الشعب، إلى الجماهير الصامتة المطيعة، التي إن تخلت عن التبعية العمياء والانقياد لفتاوى القيادات المحرّضة، وحاولت العودة إلى نمط العيش المشترك، وتركت عنها التعصب الأهوج لمذهبها، والنواح على ماضٍ بعيد لم يعد من المجدي تذكره ولا الانتقام له؛ حينها وبكل تأكيد لن تجدي نفعا دعوات التعصب والتزمّت، وسيكون الانتماء للوطن القاعدة والمعيار، وسيتراجع رجال دين ضالعون في السياسة والمذهبية، ليكون دورهم محصوراً، كما يفترض، في أماكن العبادة فقط.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://www.alarab.co.uk/?id=34259

السبت، 20 سبتمبر 2014

هل نكره إيران

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 20-09-2014



هل حقا أكره إيران؟ أو لنقل بصيغة الجمع لا المفرد، كفرد عربي سني يمثلني الملايين من نظرائي الذين تنتابهم تلك المشاعر المتضاربة أحيانا، في لوم نفسها عن نقمتها تجاه مواقف الجمهورية الإسلامية (وليس إيران)، التي يقوم على حكمها مجموعة من رجال الدين أو ما يُعرف بالحكم الثيوقراطي منذ أربعة عقود؛ أم أننا نكره سياسات إيران التي احتلتها الثورة الإسلامية عام 1979، وابتدعت فيها تصدير ما يسمى بالثورة الإسلامية التي ما خفتت منذ اندلاعها حتى الآن. الدلائل بإمكاني التذكير بها حتى لا أتهم بالتجني وبث نار الفرقة أو التهمة الجاهزة التي طالما فرقتنا وهي محاربة الإخوة من الشيعة، وهم بلا تملق أخوة الدم وشركاؤنا في كل وطن عربي حملوا جنسيته.
في البداية كانت الحرب العراقية الإيرانية من نتائج تلك السياسة، والتي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون إنسان، رغم أن العراق وفي سنوات ما استضاف الخميني ورعاه في منفاه به. تزامن ذلك مع التدخل الإيراني في لبنان، ومحاولتها تأسيس دولة شيعية داخل الدولة اللبنانية عبر حركة أمل، التي تلاها في الدور حزب الله الذي جيّش أتباع طائفته وخلق كيانا مسلحا داخل لبنان، يفوق في تسليحه جيش الدولة نفسها. فرض نفسه على الاستقرار عبر كيان لا يقوم التوافق إلا بالعبور من خلاله، أو بما يتوافق مع توجهات السفير الإيراني في بيروت.

الدليل هو عبر تصريحات قديمة للسيد حسن نصر الله قال فيها: “إن انتماءنا ليس للبنان وإنما لولاية الفقيه في طهران”، وبهذا يكون قد كسر نظام القانون في الدولة وأقام دولة مسلحة داخل الدولة ولاؤها ليس للبنان، وإنما للطائفة التي ينتمي إليها، لتنتفي شعارات المقاومة، التي منها اكتسب شعبيته لدى الجماهير بكافة انتماءاتها وطوائفها.
في اليمن، أنشأت إيران ميليشيات الحوثي ودعمتها بالمال والسلاح، واستضافت عناصرها الذين دربهم الحرس الثوري الإيراني، ليعودوا في ما بعد كقوة مسلحة تثير القلاقل، بدأتها بمناوشاتها الفاشلة مع المملكة العربية السعودية، ومحاولاتها إثارة الفتنة في جنوبها، ففشلت بعد تصدي الجيش السعودي لها، فانتقلت لقتال الجيش اليمني الذي أشغلته عن حفظ الأمن في الدولة واستهلكت طاقته ومقوماته في حربها. قتل أيضا وبسبب ذلك المئات من اليمنيين وادعى الحوثيون أنهم ممن سموهم بالتكفيريين، فيما هي كانت توغل جراحا عانى منها الشعب اليمني ولا يزال.
في الآونة الأخيرة، دعا عبدالملك الحوثي أتباعه للزحف صوب العاصمة وإعلان العصيان المدني، واضعا إياهم في مواجهة أغلبية الشعب والجيش، وفي أتون إشعال حرب داخلية لن يعرف اليمن بسببها استقرارا، مسلحين بما بعثته لهم إيران من عتاد وأسلحة كشف عنها الرئيس اليمني، وضرب بأحدها مثالا السفينة المرسلة التي تم اعتراضها، وفيها أسلحة تكفي للقضاء على أربعين مليون يمني على حد وصفه.
في العراق، وما إن أُسقط حكم البعث، حتى تحول إلى ساحة خلفية لطهران أوصلت الموالين لسياساتها للحكم، وأنشأت ودعمت وجيشت الميليشيات الشيعية المسلحة كعصائب أهل الحق وجيش المهدي وفيلق بدر وأكثر من أربعة عشر فصيلا مسلحا، أوغل جميعها في الحرب الأهلية وبث الفرقة بين سنة العراق وشيعته، فانتشرت التفجيرات والقتل على الهوية والتهجير على الطائفة، حتى تحولت مدن العراق إلى كانتونات مسلحة ممتنعة عن العيش المشترك الذي طالما حظي به العراقيون، ليكون حصيلة القتلى ما يزيد عن المليون قتيل لم يستثنَ منهم طفل أو امرأة ولا كبار السن.
عودة إلى السعودية، نذكر حوادث التفجير الإرهابية التي حدثت في أحد مواسم الحج، حيث راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف حاج في نفق المعيصم وأصيب أكثر من عشرة آلاف، واعترف المجرمون بإلقائهم لمواد كيماوية سببت هذا العدد الكبير من الضحايا الذين جاؤوا لأداء حجة الإسلام. في عام 1989، حدثت المجزرة التي لم تغب عنها أصابع إيران في الحرم المكي ونشرت حينها الصحف الإيرانية صورة علقت عليها بعبارة: “هنا مرقد أولياء الله الصالحين”.
في سوريا أعلنت إيران منذ اللحظة الأولى وقوفها مع نظام بشار الأسد، وأمرت حزب الله بالدخول في المعركة وكذلك الميليشيات العراقية الشيعية وحرسها الثوري، وتحملت نفقات حرب الحرية السورية حتى لا تخسر إحدى أذرعها التي دعمتها في المنطقة، وعملت من خلالها على تقويض الإجماع العربي بحجج الممانعة والمقاومة.
في البحرين وعبر مسرحية دوار اللؤلؤة دعمت إيران الانقلابيين وحاولت قلب نظام الحكم، كما أنها تحتل جزرا عربية ثلاثا من الإمارات وترفض أي مفاوضات بشأنها أو حتى الاحتكام إلى محاكم دولية.
لم تسلم الكويت من المؤامرات الإيرانية، وتعرض أميرها الشيخ جابر الصباح عام 1985 لمحاولة اغتيال فاشلة على يد انتحاري من حزب الدعوة العراقي المدعوم إيرانيا، واتهمت الكويت صراحة إيران بوقوفها خلف العملية بسبب وقوف الكويت مع العراق إبان حربه مع إيران.
مثال آخر، هو الأحواز العربية التي احتلتها إيران بتواطؤ بريطاني في 25 أبريل عام 1922 والتي كانت دولة عربية معروفة تزيد حضارتها عن سبعة آلاف عام، ومع ذلك ألغيت وطُمست هويتها العربية بشكل كامل، مع أن سكانها قبائل عربية صرفة.
الأحواز سلة الغذاء التي يرزح أهلها تحت فقر منهجته الدولة الفارسية مع تنعمها بخيرات الإقليم ومقوماته، ورغم ذلك يمنع استخدام اللغة العربية والأسماء والمناداة بكل ما هو عربي أو إظهاره فيها، ويُعاقب بموجب ذلك قانون مُستحدث لإذلال السكان وسجنهم وإعدامهم.
محاولات تصدير الثورة الإيرانية كثيرة، ولم تكن كما يُدعى لها لنشر التشيع، بل هي محاولات لقلب الأنظمة وخلق قلاقل باسم الأقليات الشيعية في بعض الدول العربية التي اندمجت مع مجتمعاتها لقرون وتعايشت ونالت حقوق المواطنة دون تفرقة.
إجابة على السؤال الذي طرحته في أول المقالة أقول: لسنا نكره إيران ونتمنى السلم الإنساني معها ونطمح لجوار حسن العلاقة معها، كما بالطبع نحب إخوتنا من المسلمين الشيعة، ولكننا نكره سياسات ساسة متطرفين، ورجال دين ضالين ومضللين زرعوا الشوك في علاقاتنا معهم، واستغلوا المذهب في تجييش العامة المُغيبة المُحاطة بفتاوى التكفير والقتل لضمان تنفيذ سياساتهم.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://www.alarab.co.uk/?id=33439

الاثنين، 15 سبتمبر 2014

الإنسانية لا تعرف التمييز

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 15-09-2014



لكي تكون إنساناً متعايشاً مع نفسك ومتصالحاً مع الآخرين ممن حولك وتعرفهم، ومع الآخرين ممن لا تعرفهم ولم ترَهم في حياتك، فأنت لست بحاجةٍ إلى أن تتشارك مع أحدهم المذهب أو الدين أو العرق أو اللون نفسه .. ولكي تتفاعل بإنسانية تجاه حدثٍ ما لا يعني أن تكون قد مررت بالحدث نفسه .. ولكي تتأثر بحدوث أمر محزن أو كارثة طبيعية وقعت في بقعةٍ ما فهذا لا يعني أبداً أن تنظر لما تملكه معهم من صفاتٍ مشتركة، لكي تهب للمساعدة أياً كانت طبيعتها ولو حتى بالتعاطف قولاً ودعاءً.
الإنسانية لا تعرف التمييز ولا التعصب الذي استحدثناه بيننا نحن بني البشر، ولا تعرف أن تلك الفئة من البشر تستحق أن نتعاضد معها ونتكاتف فقط لأنها تمت لنا بصلة ديناً أو عرقاً. ولا يُمكن أن تتقبل ذرائعنا التي أقنعنا بها أنفسنا بأن الناس مقامات وكذلك الشعوب، فمنهم من هو أدنى منا والجدير به بالتالي هو تبجيلنا؛ ومجموعات أخرى أعلى نسعى صاغرين لاحترامها والتزلف لها!
الإنسانية ليست بالقول والفعل فقط، وليست بالمشاركة المادية والمعنوية، وإنما هي بذرة يجب أن تنبت أولاً وتسقى في روحك، لتجعلها متآخية ومتآزرة مع الآخر أياً كان ومهما اختلف عنك بكل المقاييس الوضعية الدنيوية التي جُبلنا عليها!
الإنسانية هي أن تكون راعياً لمن حولك وقدوة لأبنائك بأن تنشئ فيهم مفهوم الخير وعمله والعطف على الآخر وعدم القسوة عليه، والإحسان للضعيف دون إشعاره بالمهانة أو إذلاله أو إجباره على أن يخسر كرامته.
قوانين العالم المتحضر التي صانت للإنسان حقوقه وحفظت له كرامته لم تخرج فجأة، ولم تُقنن إلا بعد تجارب أليمة لعقودٍ من التجبر والظلم وشريعة الغاب والاقتتال والسلب والسبي والاستعباد والإقطاعية والتفرقة العنصرية والعرقية وسطوة المؤسسات الدينية، وما اتبعه بعضها من محاكم تفتيشٍ فرضت وصايتها على عقائد الناس وأطرت العقاب على الدين والهوية. قام على إصدارها نخبة من المجتمع الذي آمن بضرورة احترام الإنسان وعدم انتهاك إنسانيته كقاعدة أولى راعوها قبل التشريع، ليضمنوا أن دروس ومآسي عقودهم المنصرمة لن تتكرر مع جيلهم وأجيال المستقبل. هي نظام حياة وشريعة أرادوها أن تحكمهم ليسود العدل والمساواة، فهما أساس الملك والحكم، ولن تقوم الدولة بدونهما والعمل بهما وتأطيرهما.
الإنسانية هي ما نفتقده في تعاملاتنا اليومية وفي حواراتنا وفي اختلافنا وحتى في توافقنا. إن عملنا بها فسنرى مقدار التغيير الذي سيطرأ علينا وعلى أسلوبنا وعلى تعاملنا مع القريب والبعيد، وستتكفل هي نفسها بأن ننعم بالسلم المجتمعي وبالتوافق وباحترام الآخر المختلف عنا أياً كان.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/09/15/179452

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

الشعب في خدمة الشرطة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 10-09-2014



خبر طريف ومثير للاستهجان “لنا كعرب” وإن كان سبب حزنا عميقا للأيسلنديين… قرأته ومفاده أن الشعب الأيسلندي تعرض لحالةٍ من الصدمة جراء قتل الشرطة لشخص فقد عقله، وأصر على أن يتبادل النيران مع دوريتين حضرتا، إثر شكوى السكان من سماعهم لإطلاق الرصاص داخل شقته. قابل محاولتهم التفاوض معه بإطلاق النار عليهم، وهم عزّل لا يحملون معهم سوى الهراوة والغاز المسيل للدموع، مما دعاهم لاستدعاء وحدة التدخل السريع الوحيدة في البلاد، علها تسيطر عليه دون أن تصيبه، لكن إصرار الرجل على إمطارهم بوابل من الرصاص أدى لمقتله بعد محاولات حثيثة لإنقاذ حياته!
المهم ، وعلى ذمة الراوي، أنه استيقظ حينها شعبهم على هول الصدمة، فهي الحادثة الأولى منذ استقلال أيسلندا عام 1944 التي تتسبب فيها داخليتهم بقتل مواطن، حتى لو كان خطرا يهدد الآخرين. فدولتهم التي “لا نسمع عنها إلا كل خير دوما” لا حراسة فيها للمسؤولين بمن فيهم الرئيس ووزرائه، وبإمكان المواطن دخول البرلمان دون أن يعترضه أحد أو يفتشه عدا الطلب منه، بكل تهذيب، أن يغلق هاتفه النقال حتى لا يسبب إزعاجا للنواب!

أثارت الحادثة فضولي فتساءلت عن الطريقة التي تتعامل فيها شرطتهم مع المتظاهرين، وهل سمعت من قبل عن أسلوب “شل أمله” والذي يرتبط بالقفا والأيدي والأرجل وكل جزء في الجسم، أو أنها تطبق استراتيجية الضرب النفسي والمعنوي للزجر والنهي فقط والدفاع عن النفس دون إرهاب المقابل.
قبلها بفترة قصيرة أدانت محكمة ألمانية فردين من الشرطة بتهمة الإفراط في استخدام خرطوم المياه في فض مظاهرة.
طبعا الأمر يدعو للتندر، وذلك لأننا تربّيْنا على مفهوم مختلف، وصورة أخرى محفورة في الذاكرة عن قوى الأمن وخصوصا الإخوة في جهاز الشرطة. مرجعيتنا هي أن الشعب وخصوصاً “الغلبان” منه والمغلوب على أمره في خدمة قطاع الشرطة من المخبر وأصغر جندي حتى أكبر رتبة. واجب الجموع تجاههم هي أن ترفّه عنهم وتبدد الملل، وإن كان ذلك على حساب الكرامة أو الحرية والإنسانية والمواطنة.
في العالم الذي وضع نصب أعينه حماية آدمية مواطنيه، يلعب قطاع الشرطة دورا في السلم والأمان، ويعزز الحرية الفردية بأفراد لا يعدّون أنفسهم فوق القانون، ولا يتكسبون من المنصب، ولا يتجبرون على خلق الله بسبب ما أعطاهم الزي الذي يرتدونه من صلاحيات وقوة.
التعذيب هو أسوأ ما يمكن أن يمارسه بشر، والتجبّر على الناس بسبب سلطة القانون هو انتهاك للإنسانية. لن تتطور أمة وتنعم بالسلام إلا إذا كرست قوانينها وجرّمت كل مرتكبٍ له، وفعلت من دور هيئات الرقابة، وقننت الشكوى والعقاب والمطالبة بالحقوق، وفعلت الجزاء الصارم لكل متجاوز أياً كان. فقوى الأمن مثلها كأي وظيفة حكومية خدمية تؤمنها الدولة، والغرض منها القيام على راحة مواطنيها وإشعارهم بالأمن والأمان، وليس ترهيبهم وتخويفهم وقمعهم والحد من حريتهم وانتهاك آدميتهم باسم القانون، الذي منح مواطناً حقاً ليمارس فيه التجبر ولا يحاسب إن أخطأ، بينما من حقه أن يحاسب من يشاء دون حسيبٍ عليه أو رقيب!
في خبر آخر غريب علينا كعالم عربي ثالث، لكنه ليس بغريب على الدولة الإسكندنافية “السويد”، فقد أفادت صحيفة الغارديان البريطانية، أن الجهات المختصة بالسويد، أغلقت أربعة سجون ومركز للسجن الاحتياطي، نتيجة تدني معدل أشغالها، وقلة عدد النزلاء الذين لم يتجاوز الخمسة آلاف سجين من مجمل عدد السكان البالغ قرابة التسعة مليون ونصف. هذا في الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول (التي لا حاجة لذكرها) لبناء المزيد من السجون، حتى تستوعب من يُزجَّ بهم كل ساعة من قبل داخليتها وأجهزة مخابراتها، وبالطبع دون أن ننسى الجرائم الجنائية من الحسبة، والتي تشهد ازدياداً كبيراً في ظل الظلم الاجتماعي والفقر والفساد والمحسوبية وسطوة المال على القانون.


المصدر: صحيفة العرب اللندنية - http://alarab.co.uk/?id=32603#

السبت، 16 أغسطس 2014

حقوق الضعفاء ما بين التاريخ والحاضر

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 16-08-2014



لم يعُرف لاضطهاد الأقليات وهضم حقوق الضعفاء والعنصرية تاريخ نشأةٍ ولا ازدهار، فهي من القدم أن واكبت الخلق وازدهرت في كل زمانٍ ومكانٍ وجدت فيه، وإن تعالت أصوات مطالبة برفضها إلا أنها كانت ومازالت جزءاً من نمط الحياة التي تعيشها أمم وخلائق مختلفة العرق والدين واللون. حرّمتها بعض الأديان ونهت عنها وحذرت منها، فيما أكدتها أفكار أخرى ودعت لها باسم الدين واعتبرت أتباعها جزءاً من العقيدة، فتشدق بها الكثير.
لم تعرف تلك الأمور بعرقٍ بذاته ووصفها يحتمل العديد من التأويلات وتدخل فيه الكثير من المسميات والتصرفات. العامل المشترك فيها جميعاً أنها نمت ووجدت لدى كثير من المجتمعات والشعوب والطوائف والقبائل. إن ذهبنا شمالاً وجدنا أوروبا والأمريكتين وبالذات الشمالية منها قد استعبدت سكان البلاد الأصليين وطهرتهم عرقياً عبر إبادةٍ ممنهجة ومقننة. فبعد أن كانت أعدادهم تتجاوز عشرة ملايين نسمة في القرن الخامس عشر الميلادي، أصبحت في منتصف القرن التاسع عشر لا تتجاوز ثلاثمئة ألف نسمة حسب إحصائية رسمية صادرة عن الأمم المتحدة.
أوروبا من قبلهم أطرت العنصرية بمرسومين باباويين في القرن الخامس عشر الميلادي، أولهما المرسوم الكنسي المعروف بـ Romanus Pontifex الذي أصدره البابا نيكولاس الخامس إلى الملك ألفونسو الخامس ملك البرتغال عام 1452 والذي أعلن فيه الحرب على كل من هو غير مسيحي في أنحاء العالم وأجاز وشجع على استغلال الدول غير المسيحية واستباحة أراضيها وشعوبها واستعمارها ونهب ثرواتها. أما المرسوم البابوي الثاني والمسمى Inter Caetera الذي أصدره البابا أليكساندر السادس في العام 1493 لملك إسبانيا وملكتها، فهو الذي أنشأ السلطان المسيحي على العالم الجديد عبر دعوته إلى إخضاع السكان الأصليين وأراضيهم، وتقسيم الأراضي المكتشفة في وقته والتي لم تكتشف بعد إلى قسمين مشاطرة بين إسبانيا والبرتغال.
إذاً مدنية القارة العجوز في الحاضر قد قامت بشهادة التاريخ على دماء الشعوب وثرواتهم واستعمارهم واستعبادهم عبر إجازة الكنيسة لذلك بل والتشجيع عليه. وهو ما مهد فيما بعد للقوانين الوضعية ذات الصبغة الدولية القانونية، والتي أجازت لأوروبا استغلال آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا واستعمارها وتقاسمها عقب الحرب العالمية الأولى والثانية.
واقع الحال لم يختلف كثيراً في أمريكا الشمالية سواء من الولايات المتحدة أو كندا التي تعد واحة للحريات وحقوق الإنسان. لكنها في الماضي قننت العنصرية. وأوجدت قوانين أتاحت للسلطات إرسال أبناء السكان الأصليين إلى مدارس داخلية لا يحق لهم فيها الاتصال بذويهم. ويعمل من فيها على غسل أدمغة الجيل الناشئ منهم ومسح لغتهم وعاداتهم وكل ما يختلف مع قيم المستعمر الجديد. في الولايات المتحدة مثلاً، تعتبر العنصرية والتطهير العرقي والتفرقة والاستعباد جزءاً لا ينسى من تاريخها حتى لو بالغ قانونيوها وصناع قرارها في إرضاء الأقليات عبر سن القوانين التي تحفظ حقوقهم وتعاقب كل من يتهم بالتفرقة العرقية والإثنية.
لقد بلغت المبالغة لديهم حداً مزعجاً ولكن ذلك محاولة منهم لطي صفحة ماضٍ عنصري بغيض أحل لهم كل المنكرات وتمادى في الطغيان والتفرقة على أساس لون البشرة لدرجة أن الملونين لم يكن لهم الحق بالأكل في مطاعم البيض ولا الجلوس على نفس موائدهم ولا استخدام وسائل النقل ولا التعليم. حتى الكنائس كانت جزءاً من عزلهم. فلم يكن للأفارقة السود المستعبدين الحق في التعبد في دور العبادة نفسها.
لأهل الشرق والعرب والمسلمين أيضاً نصيبٌ من القمع والاضطهاد والعنصرية التي مورست داخلياً وتمادت فيها شعوب على أخرى بحججٍ واهية، فتارةً باسم الأصل والفصل والمدنية وأخرى بالقبلية والعائلة والبادية والمدينة والنسب والطبقة والمستوى الاجتماعي والمادي والتعليمي.
المتتبع لحالة التطور الإنساني للمجتمعات العربية قبل وبعد الإسلام، وكذلك بالنسبة للفترة التي شهدت استعمارها وما تلاها من استقلال، يجد فيها الآن دلالات واضحة على أننا لم نبلغ النضج الإنساني الذي كرسته تعاليم ديننا الحنيف، فمازال البعض متمسكاً بدواعٍ مثلاً أن الناس طبقات، وأن المقامات هي مقياس مكانتك الاجتماعية. المساواة الإنسانية لا تعني أبداً إلغاء الحواجز والحدود والمفهوم المتبادل للتوافق، لكنها تحد من العنجهية والغرور والفوقية والاستخفاف بالآخر والتكبر والتجبر، كما أنها تؤصل القناعة للجميع على مختلف مشاربهم بأن الأيام دول ودوام الحال من المحال، وبأن المعيار هو الأخلاق!
المتتبع ليوميات الحوار العربي والمفردات المستخدمة في أحاديث العامة (والخاصة) يجد أننا ابتكرنا واخترعنا طرقاً للتعبير تعدت كونها للاحترام أو تقدير المقام، لتكون نوعاً بغيضاً من النفاق والتزلف والتذلل، الأمثلة كثيرة ولست بصدد تعدادها، فبيت القصيد أننا يجب ألا نتحول من مجتمعات تؤسس الاحترام المتبادل إلى مجتمعاتٍ مصابة بعقدة الأنا، وبالدخل والمكتسبات المادية، متناسية قول العلي الكريم «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2014/08/16/171387

الاثنين، 11 أغسطس 2014

سَرْيَنة العراق!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة اللواء اللبنانية 11-08-2014



التطوّرات الميدانية على الأرض في العراق وإن أشارت الى قرب وصول الثوار لبغداد، وهروب الجيش وانسحابه من العديد من مواقعه وثكناته لتعزيز جبهة العاصمة الا انها ستكون فاتحة للتجييش الطائفي الذي قد يؤدي لتقسيم العراق وانجرافه لحرب أهلية لن تنتهي بسرعة، ولن يكون حسمها سهلاً، فيما الثمن سيكون الأغلى ليس على العراقيين أنفسهم ولكن على العالم، الذي يصدر له العراق ملايين براميل النفط والغاز!
فتاوى المراجع الدينية، وكذلك الصدر ورجال دين شيعة آخرين حوّلت الصراع في العراق من ثورة للعشائر تطالب بحقوقها المهضومة إلى حرب ستكون طائفية ولن يحمد عقباها, وسيسهل تفسيرها على أنها صراع سني - شيعي على السلطة, فيما هي وفي وجهة نظر الطرف الثائر مطالبة بالحقوق المسلوبة في ظل أكثر من عشر سنوات على السيطرة السياسية الشيعية على الحكم في البلاد.
منطقيا، سيكون الأكراد المستفيد مما يحصل الآن، وقد يدعم موقفهم من بيع النفط مباشرةً دون سيطرة الدولة, بل قد يقود إلى مطالبات بالاستقلال عن الوطن الأم إن قُسم طائفياً; فيما المتضرر هم العراقيون ودولتهم وبنيتهم التحتية واقتصادهم الذي سيستمر في الانهيار بعد استغلال المالكي لمقومات الدولة في حربه التي لن تكون قصيرة المدى، بل طويلة ومكلفة.
أما أميركا فعلى ما يبدو انها لم تحسم أمورها بعد بشأن الطرف الذي ستقف معه في العلن. فلو ساهمت مع الجيش العراقي بضربات جوية تشنها طائراتها القابعة على بارجتها جورج بوش التي تحركت أخيرا صوب المنطقة؛ ستكون حينها قد أطرت الحرب الطائفية التي يسعى لها المالكي الآن وشرعنتها فتاوى رجال الدين الشيعة, التي وصفت الأمر بالجهاد الكفائي لمواجهة من سمتهم «بالتكفيريين» من اتباع الدولة الإسلامية في العراق والشام. قد يكون لداعش دور في بعض الانتصارات الميدانية, ولكنه صغير ومبالغ جدا فيه، وما محاولات صبغ ثورة العراقيين بأنها بقيادتها الا الورقة التي يتضرع بها المالكي وإيران والمرجعيات الشيعية في النجف وغيرها.
إن ظنت اميركا واوروبا ان مصلحتها في الحكم الحالي والمدعوم من إيران، فستقف معه وستتحالف مع طهران؛ العدو الذي طالما وصفها بالشيطان الأكبر، لكنه الان وبحسب تصريحات روحاني الأخيرة مستعد للتدخل وتناسي الخلافات وتأسيس حلف مع أميركا وأوروبا لمحاربة من تسميهم بالإرهابيين الذين يهددون السلم العام!
في جميع الأحوال سيكون العراقيون الخاسر الأكبر ولو طالت المعركة، وقد يكون الشيعة بالذات ومعهم إيران ورجال الدين أمثال الصدر والحكيم والسيستاني مساهمين في هذه الخاسرة التي اكتسبوها عقب الغزو الأميركي للعراق ومكّنتهم من فرض نفوذ لطالما حرمهم إياه حزب البعث على امتداد سنوات حكمه.
تعدد الجبهات التي أدخلت طهران نفسها فيها سيكون الأسلوب الذي سيستفيد منه الغرب في كسر شوكتها، وهي التي رمت بنفسها وجيشها واقتصادها وثقلها خلف ثلاث جبهات، أولاها حزب الله وثانيها سوريا. أما العراق فهي التجربة المكررة لدعم النظام السوري.
حزب الله الذي أشغل نفسه بالحرب السورية، سيخرج منها ليس كما دخل، وإنما بانفضاض القاعدة الشعبية التي يتمتع بها، بعد أن يعي اللبنانيون ان الحزب رمى بأبنائهم في اتون حرب وان طالت ستنهي حكم الأسد, أو بأقل تقدير ستفرض معادلة جديدة في الحكم لن يكون فيها داعمين للحزب ولا مؤيدين لسياساته.
العراق وعلى ما يبدو مقبل على سيناريو «سَرْيَنته»، فهل يتحرك العرب قبل تكرار التجربة السورية ام سيكتفون ببيانات ودعوات ضبط النفس وعقد قمم تصدر عنها بيانات لن تقدّم أو تؤخّر؟



المصدر: جريدة اللواء اللبنانية - http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=214854

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...