الثلاثاء، 17 فبراير 2015

النضال في سبيل الديموقراطية

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 16-02-2015



الساحة والميدان والشوارع والباحات ليست مكاناً دوماً للشرفاء المطالبين بحقوقهم المنزوعة، كما أنها لا تعبر أحياناً عن نبض الأغلبية من الضعفاء والفقراء اللاهثين وراء لقمة الخبز المرة، لكونها قد تستغل من الأقلية فتصنع منها مكاناً لاعتراضها وقد تجعل من الأغلبية المغيبة التابعة صوتاً لهدير جموعها؛ وفي كلا الحالين سيبقى الميدان مشغولاً ممتلئاً بالمتظاهرين المحتجين الساخطين الناقمين أياً كانت اتجاهاتهم ومطالبهم، بينما المتضرر بالنهاية وبشكل عام الدولة واقتصادها الهش، فيما يندب حظه ويولول من تطل شقته وسكنه على ساحات الفوضى وأي من نقاط التماس؛ فمصدر إزعاجهم لا يقتصر فقط على الهتافات، بل ينالهم جانب وجوانب من الغازات المسيلة للدموع ونشاز أصوات الفوضويين.
أتعلمون من أكثر الدول الأوروبية تظاهراً؟ إنها اليونان، ومن أكثرها قلقلة وإضطراباً وفوضى آسيوياً؟ بنغلاديش، ومن أكثرها عربياً؟ دول ما يسمى بالربيع العربي، وإن كانت تونس قد خرجت من رحمهم سالمة ولو إلى حين!
جميعها دول تنادي بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة والتغيير، ولكن لنرَ ما فعلت بها فوضى تطبيق الديموقراطية واستعجال مخاضها.
في اليونان تفشى الفساد في أغلب أركان الدولة، وتعاقبت حكوماتها على عدم تقديم الحقائق لشعبها، حتى أغرقتها الديون وباتت ـ إن لم تكن ـ على حافة الإفلاس ومهددة بالخروج من الاتحاد الأوروبي الذي ضاق ذرعاً بها رغم ضخامة المساعدات المالية المقدمة لها. لا يكاد يخلو يوم فيها دون مظاهرات واعتصامات وإضرابات تسيرها المؤسسات النقابية والأحزاب اليسارية التي لم تعِ أن عدالة المطلب مرتبطة بالمرحلة ووفق ظروفها، فلا أحد يملك العصا السحرية لحل مشاكل عقود متراكمة دون إجراءات مؤلمة يتفق عليها الجميع، ويتم تنفيذها والعمل بها دون استثناءات، إن توفرت الإرادة والعزيمة.
في بنغلاديش دمرت الديموقراطية المنشودة الدولة الأكثر فقراً وفساداً في العالم وقسمتها إلى حزبين تحكمهما امرأتان، إحداهما الشيخة حسينة وهي ابنة الرئيس الأول لبنغلاديش مجيب الرحمن، والأخرى البيجوم خالدة ضياء الحق زوجة رئيس لاحق انقلب على الأول وأعدمه. دولتهم تعد الأفقر عالمياً والأكثر فساداً والأقل تعليماً وفي المقابل جزء كبير من الشعب مسيس ومتحزب بتعصب وغلو ويعي السياسة الداخلية لحزبيه أكثر من معرفته حروف هجائه!
في دول الربيع العربي ثالث أمثلتي؛ جزء لا بأس به من الشعوب متعلم ومثقف لكنه مسير وموجه من قبل إعلام وقبائل وقوى حزبية وانتماءات مناطقية وعشائرية ودعاة ثقافة ومعارضة، إما كرتونية صنعتها السلطات السابقة أثناء فترة حكمها، أو أخرى ما زالت تعيش في أبراج عاجية ولم تختلط بالعامة لتعي حقاً مطالبها واحتياجاتها. جميعهم استغل عاطفة الجماهير الجياشة وشوقها للحرية والعدالة والعيش بكرامة، فتلاعبوا بها وزرعوا فيها عبارات رنانة كدولة القانون، وقدسية القضاء، والثورة مستمرة؛ فتحمس لها جيل منتفض من الشباب، ولد في زمن الديكتاتورية. تنشق الحرية لكنه أخطأ حين ظن أن الديموقراطية مقدسة، فهي الأخرى من صنع البشر وليست منزهة عن أن تطوع وتفصل بالمقاس الذي يراه أهل الرأي والاعتراض مناسباً لهم. فأساؤوا لها ولهم ولشعبهم، وأظهروا للعالم الآخر وجهاً آخر لتداعيات الحرية التي يسعى إليها العالم العربي العطش بعد ظمأ عقود من التسلط.
الغرب المستعمر السابق لهذه الدول بات مقتنعاً بالنظرية أكثر من دعمه الانقلابات على الحكم عبر الثورات المسلحة، فقد أدرك أن منح شعوب العالم الثالث فرصة لتطبيق الديموقراطية سيُحدث الفوضى الهدامة التي نراها اليوم في ديموقراطيات الربيع العربي. فبممارسة شعوبها المتعطشة لها حادت عن الطريق وأمست بها أكثر تبعية وفقراً بعد لهاثها وراء سراب العدالة الغائبة، فأطّرت الفساد الإداري والعدلي والاقتصادي والإعلامي برداء بالٍ من الشعارات المستهلكة.
هل نعي الآن ما فعلته بنا الديموقراطية، أو ما ألصقنا بها جزافاً، وهل ما زلنا نتمناها ونسعى إليها كَحَلٍ لجميع مشاكلنا، أم الأجدر بنا بناء مجتمعاتنا من الصفر مجدداً على مفاهيم ومطالب أكثر جدوى تحقق العيش بحرية وكرامة وعدالة ومساواة!



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2015/02/16/221520/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b6%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a9/

الخميس، 12 فبراير 2015

قيثارة الحزن وشهرزاد الغزل.....إدريس جمّاع

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في مجلة فكر الثقافية العدد العاشر لشهر فبراير سنة 2015



يُقال: ومن الحب ما قتل...... ولست منكرا لذلك، فأنا الذي استشهدت وكتبت من قبل كما آخرين عن قيس الذي وصفوه بالمجنون وبحبيبته ابنة عمه ليلى العامرية التي أدمى هواها قلبه؛ لكن الغريب وقد يكون النادر مستحيل الحدوث هو أن يقضي الشخص نحبه من فرط هواه بالجمال وغرامه به وتعلقه دون أن يكون لأحدٍ هي أُنثى بذاتها، سلبت لبه وتملكت عقله، فانشغل عن دنياه وواقعه وهام في ملكوت الحب اللامتناهي حتى فقد عقله، وأمسى وحيدا ملكاً وشعباً في مملكة جنونه التي أطلقوها عليه واختارها بنفسه ولم يجد عاراً في ذلك، أو رغبةً في الخروج منها، بعد أن أصبح الجمال هاجسه الذي لا يُمكن أن يُشفى منه.
هو ابن النيل الجواد وشاعر السودان الذي قضى فاقداً لعقله بعد سنواتٍ من معاناته وأمراضه النفسية التي حجرت على جسده، لكنها لم تحجر على جود لسانه، الذي قرض به شعراً لو وزن بما فاضت به قريحة الشعراء المعاصرين في الهوى والجمال والغزل لوزنهم ورجحت كفته عليهم!
إدريس جماع مدرس اللغة العربية الذي ترك حبيبةً جارة له في السودان ورحل اربعينيات القرن الماضي صوب مصر فحصل منها على ليسانس اللغة العربية وعاد ليجد المحبوبة وقد تزوجت قريبا لها، فجن جنونه وهام في شوارع الخرطوم يرثي حظاً لم يكرمه بعد أن فقد وصال من منى نفسه بأن تكون يوماً شريكةً لحياته. كان رحمه الله وكما روي عنه هائماً في سوق الخرطوم كالباحث عن شيءٍ فقده وغير مكترث لما حوله، فناشد العديد من الأدباء والمفكرين والمثقفين حكومة الرئيس السوداني ابراهيم عبود التي عُرف عنها اهتمامها بالأدب والفن علاجه في الخارج فاستجابت وارسلته للبنان التي عاد منها للسودان مرة أخرى دون أن تتحسن حالته، حتى قيل أنه كان يُرى راقداً على خطوط السكة الحديدية، ليقوم منتفضاً كمن به مس عند اقتراب القطار. بقي حاله على ما هو عليه حتى ضنى جسده ونحل وتوفي بشعره العام ١٩٨٠.
عُرف برهف حسه وببلاغة شعره وبسمو معانيه, التي كانت تخرج مسرعةً فتصطف كلماتها بإبداع قارضها كسوارٍ من لؤلؤٍ أضنى بحاره حتى جمعه بتفانٍ وعزيمة, بأن يخرج في كل غطسه بلآلئ متناسقة براقة, حال جمعها وصقلها تغدو حلم أميرة  يزدان بها معصمها حال لبسه!
من منا في لحظات قنوطه وحسرته لرداءة حظه لم ينشد:
إن حظي كدٓقيقٍ فوقٓ شوكٍ نثروه ...... ثم قالوا لِحُفاةٍ يومَ ريحٍ اجمعوه
عَظِم الأمرُ عليهم ثم قالوا اتركوه......  أن من أشقاهُ ربي كيف أنتم تُسعدوه
هي كلمات يرثي بها الشاعر ادريس نفسه، وإن كانت اختلف في مصدرها فنسبها البعض للشاعر السوداني محمد عبدالحي وآخرون ارجعوها لمحمد محجوب؛ لكن المنطق يشير الى أن معانيها جسدّت  نمط تفكر جمّاع وكرست عمق أيمانه بالله سبحانه وتعالى وبقوته التي لا تجاريها أو تقترب منها قوة البشر.
من أكثر الروايات التي تم تداولها عنه وأثرى الغزل والجمال بها بقصيدة "أنت السماء"؛ ما روي عن موقف حدث معه وهو في المطار مستهلاً مشواره العلاجي في الخارج، حيث رأى عروساً تجلس بجانب عريسها في صالة الانتظار، فبهره فرط جمالها، فلم يزح ناظريه عنها رغم ما أثاره ذاك الصفون بالمرأة من حفيظة زوجها الذي حاول أن يبعدها عنه، فقال أحد أروع قصائده التي تغنى بها الفنان الراحل سيد خلقه، وكأنه يخاطب فيها زوجها المحتج والممتعظ من نظراته:
أعلى الجمال تغار منا ماذا عليك إذا نظرنا ..........هي نظرة تنسى الوقار وتسعد الروح المعنّى
دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد اذا تمنّى ............أنتَ السماءُ بدتْ لـنا واستعصمتْ بالبعدِ عنا
هلاَّ رحـمتَ مـتيمـا عصفت به الأشواق وهنا........وهفت به الذكرى فطاف مع الدجى مغنى فمغنى
هـزته مـنك مـحاسن غنى بها لـمّـَا تـغنَّى..............يا شعلةً طافتْ خواطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا
أنـسـت فيكَ قداسةً ولــمستُ إشراقاً وفناً ..............ونظـُرتُ فـى عينيكِ آفاقاً وأسـراراً ومعـنى
كلّمْ عهـوداً فى الصـبا وأسألْ عهـوداً كيف كـُنا .....كـمْ باللقا سمـحتْ لنا كـمْ بالطهارةِ ظللـتنا
ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا..........

في قصة أخرى اشتهرت عنه ونتج عنها واحدة من قصائده العذبة؛ قيل عنه أثناء تواجده في مستشفىً فرنسيٍ للعلاج أنه أولع بعيني ممرضته التي تتولى علاجه وأسرته بجمالها، فلم يترك النظر اليها لحظة حتى خافت منه فاشتكت لمدير المستشفى، الذي نصحها بأن تضع نظارة سوداء حال تواجدها معه، ليتفاجأ جمّاع بما فعلت فقال فيها:
السيف في غمده لا تُخشى بواتره.........وسيف عينيك في الحالتين بتار! فتمت ترجمة ما قال للمرضة التي بكت من حسنه، وهو الذي صنف فيما بعد كأبلغ بيت شعر غزلي في العصر الحديث!
كتب عنه الدكتور عبده بدوي في كتابه الشعر الحديث في السودان " إن أهم ما يميز الشاعر إدريس جمّاع هو إحساسه الدافق بالإنسانية وشعوره بالناس من حوله"، فيما وصف الدكتور تاج السر الحسن المُشرف على طباعة ديوانه الوحيد "لحظة باقية" وفيها جمعت قصائده التي لم يتسنى نشرها بسبب مرضه عدا عن عديدة فقدت بسبب كتابته لها وتمزيقها او كتابتها على الجدران؛ شعره بالذي يقع في إطار التراثي والديواني العربي، كونه من مدرسة العربية الابتدائية ومن رواد التجديد الشعري ومن شعراء مدرسة الديوان على وجه الخصوص ضمن مجموعة عبدالرحمن شكري وعباس العقاد وابراهيم المازني.
أما هذه الأبيات للشاعر ادريس جماع فيمكن أن تقرأ راسيا وافقيا بنفس المعنى:
ألوم حبيبى وهذا محال
حبيبى افيك الكلام يقال
وهذا الكلام غداة الجمال
محال يقال الجمال محال
سيبقى شعر إدريس جماع خالدا وهو الذي يعد من أرق من كتب الشعر الممزوج بالبؤس والمعاناة والألم والحرمان الذي طال قائله، لكنه ومع ذلك خرج لنا بقصائد عذبة يفيض منها عبق الإنسانية والمشاعر المرهفة والإحساس الصادق الذي تغنى بالجمال وقدسه ودعى للوطنية ومجدها وساندها في فترات شهدت ثورات عربية كان من اشد المتحمسين لها وعلى رأسها القضية الفلسطينية والجزائر ومصر وقضايا التحرر في العالم أجمع، كما تغنى بأفريقيا ونادى لوحدة الشعوب ونبذ العنف وللسلام والمحبة ومجد وطنه وعشقه، ومن بعض ما قال فيه بأحد قصائده التي تم إضافتها للمناهج الدراسية ويقول فيها:
سأمشى رافعا رأسي .. بأرض النبل والطهر
ومن تقديس أوطاني .. وحب في دمى يجرى
ومن ذكرى كفاح الأمس .. من أيامه الغر
سأجعل للعلا زادي .. وأقضى رحلة العمر
هنا صوت يناديني .. نعم لبيك أوطاني
دمي عزمي وصدري .. كله أضواء ايماني
سأرفع راية المجد .. وأبنى خير بنياني
هنا صوت يناديني .. تقدم أنت سوداني
من قصائده الغزلية الأخرى قرأنا له:
في ربيع الحب كنا نتساقى ونغني
نتناجى ونناجي الطير من غصن لغصن
إننا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
أطلقت روحي من الأشجان ما كان سجينا
أنا ذوبت فؤادي لك لحنا وأنينا
فارحم العود اذا غنوا به لحنا حزينا
ليس لي غير ابتساماتك من زاد وخمر
بسمة منك تشع النور في ظلمات دهري
وتعيد الماء والأزهار في صحراء عمرى
ثم ضاع الأمس منى
وانطوى بالقلب حسرة



المصدر: مجلة فكر الثقافية  العدد العاشر- http://www.fikrmag.com

الجمعة، 6 فبراير 2015

مفهوم المجاملة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 06-02-2015

 


المجاملة ليست كما يظن البعض درباً للنفاق والمداهنة والحصول والوصول لغاية أو مصلحة، وإن كانت تدخل أحياناً ضمن الإطراء والتملق عند البعض. بعد فراغ الساحة من جحافل الشعراء أو نقصانهم، وقد كان بعضهم جارح القول ماجن الشعر فيما قرض، إلا أننا لا بُد أن نُقر بأنهم أورثونا مرجعاً أدبياً وشعراً ملهماً تُغُنيَ به، على النقيض من شعراء الحداثة دون تعميم، أيامنا هذه، ممن توفرت لهم كل السبل والتكنولوجيا الحديثة التي لو توفرت للعاشق الولهان طرفة بن العبد لما اضطر المحب لحمل رسالة قادته إلى حتفه، ولكان استخدم تويتر أو فيسبوك أو حتى البريد الإلكتروني لإيصال الرسالة لمن يريد دون أن يخاطر بحياته. وكذلك الفارس الأسمر المغوار عنترة بن شداد، ربما كان أقل عناء له لو استخدم الـ«بي بي» وما اضطر لخوض الغزوات وإبراز المهارات القتالية وقرض الشعر وتحمل مساومات حميه (والد عبلة).
صدقوني لا تدخل المسألة ضمن المزاح الثقيل ولا التهويل أو المبالغة، بل هي حقيقة ماثلة للعيان امتد تأثيرها ليصل بعض السادة السياسيين وصناع القرار، فأتحفونا بنهج جديد قائم على التهويل والتطبيل والممانعة والمقاومة لإرضاء الأتباع وتخويف الخصوم بمصطلحات رنانة كدائرة العنف والعقاب الجماعي.
امتد التأثير للإعلام فقدم لنا «المحلل» و«الخبير» و«المتتبع» و«المتخصص» وكل الألقاب الأخرى التي لو كان حقاً ملقَّبوها جزءاً من تركيبتنا السكانية في العالم العربي والإسلامي، ما كان السواد الأعظم منهم يعيش خارج أوطانهم وبلدانهم!
تدويل المجاملة أو عولمتها أصبح سمة العصر، فما كان يعد مخالفاً للأعراف والقيم ونفاقاً ومداهنة سابقاً أصبح ضرورة هذه الأيام، والأمثلة لا تُحصر. فهناك دوماً إسرائيل التي وحدت بين قلبي اليمين واليسار الأمريكي، أي الحزبين الجمهوري والديموقراطي بدعمها اللامحدود وغير المشروط لهما، وليس انتهاء بقدسية الحرية الفرنسية التي تُجرم انتقاد الهولوكوست، لكنها تحمي حرية الرأي وانتهاك كل ما هو مقدس لدى الآخرين.
الازدواجية في المواقف تظهر بوضوح حين يُطالَب أتراك اليوم بما اقترفته الدولة العثمانية بحق الأرمن، فيما الجزائر التي ضحت بأكثر من مليون شهيد لنيل استقلالها لم يعتذر لها أحد، وكذلك البوسنة والهرسك التي تعرضت لأبشع مجازر عرقية، وإحداها كانت في سيربينيتسا التي كانت بحماية الفرقة الهولندية التي لم تحرك ساكناً وكأن لسان حالها يقول «ماكو أوامر»!.. يضاف إلى ذلك وعد بلفور سيئ الذكر الذي أعطى فيه من لا يملك من لا يستحق، واستعمار أفريقيا لعقود ونهب ثرواتها.. وإبادة الهنود الحمر.. والقائمة تطول، للدلالة على عدالة مبصرة وليست عمياء، قامت على الظلم، بل على المصالح وأحياناً على المجاملة!



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2015/02/06/218778/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%a7%d9%85%d9%84%d8%a9/

الأحد، 25 يناير 2015

عذراً أخي فقد أخطأت وأسأت!

مقالة أنشرها ردا على مقالة الأستاذ أحمد عيد الحوت (ولمن أراد الاطلاع على نص ما كتبه كما وجدته, سيجدها أسفل ردي هذا)

بقلم: عماد أحمد العالم - 25-01-2015



عذراً أخي فقد أخطأت وأسأت!

أكثر ما أكره هو أن أنساق لجدال عقيم في وقت فقدت فيه الأمة العربية والإسلامية لا المملكة العربية السعودية فقط, رجلاً سميناه حياً "صقر العروبة", وما زلنا بعد مواراته الثرى نتذكره بملك الإنسانية والمواقف الشجاعة. لكن وبعد أن أيقنت ان الأمر قد يحدث فتنةً لا تحمد عقباها عبر تزايد الأصوات التي تمادت في خرق وحدة الصف الفلسطيني السعودي, ومنهم كتاب ومثقفين, كان يجدر بهم التمهل حتى تتضح الحقائق, أو توعية العامة لخطورة الفتنة; إلا أنهم كان من أشعلها وشغل الساحة عن تذكر الفقيد الراحل والدعاء له; بمهاتراتٍ لا يخلو العديد منها من السب والشتم والقذف والتهجم والتشفي بالفلسطيني الذي لم يعد يذكر اسمه إلا وربطوه بالتخوين ووصفوه بمن باع أرضه, وهي بالمناسبة عرضه وشرفه دون أن يعو ويدركوا أنهم لو فعلوا ذلك حقاً لما كان أغلبهم يعيش في مخيمات خربة بدول الجوار أقل ما يقال عنها أنها بقايا أطلالٍ, ولسكنو الفلل والبيوت والقصور بعد ان ملأت الصهيونية العالمية جيوبهم بما يكفي من مال لشراء دنيا زائلة, ولهاجر أغلبهم للغرب وحملوا جنسياتها ونسوا قضيتهم ووثائق سفرهم المصرية واللبنانية والسورية وباتوا من حملة جوازاتها التي تلقى الترحاب في أي أرضٍ تحط به.

 البعض منهم علق صراحة وابتهل بالدعاء نصرة للإسرائيليين ومتمنيا لهم النصرة، فيما آخرون أثنوا على جزار القتل شارون وعلى ما فعله معهم، وتناسوا أن المرء يُعرف بقرينه الذي قد يُحشر معه في دار الحساب، وهو مالا أتمناه لهم رغم قولهم، فهمم إخوة مسلمون في النهاية ضلوا القول وأخذتهم العصبية، فتناسوا أن الأقصى قبلة المسلمين الأولى وقبتها معراج نبيهم الأشرف, وفلسطين بكامل ترابها الوطني وقف لا يملكها من سكنها من قبائل كنعان قبل الالاف السنين وحتى اليوم!

العامة وبشكل عام يسهل التلاعب بعواطفهم, وردات فعلهم آنية تتبع الحدث مباشرةً دون تفكير أو تمحيص, وغالبها من باب الحمية, لكنها وللأسف تفتقد إلى اللياقة وتنذر بكارثة إن لم يتم تداركها. لكن الجلل من الأمر هو أن تكون ردة الفعل صادرة من مثقفين وكتاب ورجال قانون وفكر وأدب, ذو علم واطلاع على بواطن الأمور, تركوا لهواهم القرار بأن يحكموا مباشرة, وأرخوا لقلمهم العنان بأن يكتبوا ما يسيء. الأستاذ الفاضل أحمد الحوت وهو الوكيل السابق لوزارة الثقافة والإعلام والمحامي ومحرر مجلة حقوق الإنسان, والذي وعلى ما يبدو قد ثارت حميته دفاعا عن ملكينا الراحل عبدالله, حين شاهد مقطعا يتم تداوله عبر الانترنيت, وفيه ظهر اعتراض مصلين على إمام المسجد الأقصى وتعالي الأصوات, مما دعاه لإقامة الصلاة فضاً للغط الحاصل. عنون المقطع " بردة فعل المصلين على نعي خطيب الأقصى لملك السعودية". تلاه مقالة له صبت جام حنقه اللحظي على من رأى فيهم ناكرين للجميل لا يتمتعون بسمو الأخلاق من الفلسطينيين; وأنا هنا معه ومعي الأغلبية من الشعب الفلسطيني والسعودي والعربي نستنكر ما حدث إن كان صحيحاً وننبذه, ونبرأ إلى الله سبحانه وتعالى منه, بل أزيد ما قلت بدعوة لاعتقالهم ومعاقبتهم بالقانون لما ارتكبوا ولكن بعد أن نتأكد أن المقطع صحيح أولا!

بعد بحثي طوال الليلة الماضية واليوم واتصالي بأشخاص من القدس لاستعلام الأمر واستنكاره في نفس الوقت, أفاد بعضهم أن المقطع قديم ومركب, فيما أكد آخر أن فلسطين والأقصى وكغيرها من دول العالم تعاني أيضا من إرهاب البعض وتشددهم الفكري وولائهم للقاعدة وداعش, ولا يستبعد أن يكون مثيرو اللغط من مؤيديهم أو ممن تربوا على فكرهم, وبالتالي هم ليسوا كارهين فقط لخادم الحرمين الشريف, ولكن ناقمين بفعل أيديولوجيتهم الضالة على كل من يخالفهم الرأي, ومنهم وبعلم الجميع من يكفر سواهم. لذا ليس بالمستغرب منهم الفعل المسيء, ولا يمثلون إلا أنفسهم. وبالعكس ما نعي إمام المسجد الأقصى وخطيبها للملك عبدالله إلا جزء من الشعور الجلل الذي استشعره الفلسطينيون في الضفة وغزة بعد أن فقدو سندهم, فتوحدوا بعدها على اختلاف حزبيهم الرئيسيين في الضفة وغزة "فتح وحماس" وأعلنوا الحداد العام وتنكيس الأعلام وفتح بيوت العزاء على امتداد أراضي السلطة الفلسطينية, وقد وعوا أن عبد الله الذي جمعهم في مكة سابقا ليصلح ذات البين بينهم قد رحل ومن واجبهم تجاه ذكراه العطرة أن يتوحدوا مجدداً, فيحققوا أمنية الراحل الكبير برؤية مبادرته العربية تتحقق واقعا ملموساً على الأرض, وتعيد لشعب فلسطين حلم العودة في ظل دولتهم المستقلة.

ليعم أخي احمد الحوت أن السعودية ما قدمت ما قدمته ولا زالت للقضية الفلسطينية منذ وقت الملك المؤسس عبد العزيز طيب الله ثراه وحتى اللحظة; طمعا في ثناء أو تمجيد, وما روجت لحملات التبرع الشعبية طوال السنين التي "كنت ممن يتبرع فيها كما ذكرت بمقالك شهريا بريال", وكان يستقطع منها من رواتبنا خمسة بالمائة تعطى للمنظمة; إلا رغبة من قيادتها الحكيمة بأن تكرس لشعبها ولمن يقيم على أرضها من أصحاب القضية, الشعور بالمسؤولية, ولتعزيز قيم التضامن والمحبة التي كرسها ديننا الحنيف وقامت على أسسها المملكة. لم تفعل ما فعلته لمنة ولم تذكّر الفلسطينيين بها يوما, وما إطعامها لهم "كما ذكرت" إلا من باب الأخوة, فهم قيادة وشعبا اقتدوا برسولنا الكريم حين تشارك التمر واللبن في حصار المشركين لهم, وهم أيضا كأنصار المدينة حين جاءهم مهاجري مكة فتآخوا وتشاركوا ما يملكون معهم. ولم يضعوا يوما أيديهم في أعين من احتضنهم لإيذائهم, بل لتعلم والله يشهد أن منهم من هو مستعد للذود بروحه ونفسه وكل ما يملك دفاعا عن أرض المملكة الطيبة وعن ملكها وقيادتها وشعبها, فهم ممن جعلوا نصب أعينهم "من لا يشكر العبد لا يشكر الله".

قد يختلف البعض بشأن اتفاقات السلطة الفلسطينية مع الاسرائيليين وقد يلومهم كما تفضل الأستاذ أحمد بعقد الاتفاقات مع الاسرائيليين كما حدث في مدريد وأوسلو وكامب ديفيد وغيرها, واتهمهم فيها ببيع القضية وقبض ثمنها في جيوبهم, لكنه أغفل وتناسى أنها جميعها كانت تحت مظلة الجامعة العربية وموافقتها وحضورها بدولها, التي لم تكن تسمح للمفاوض الفلسطيني أن يوقع اتفاقا لا يُحقق طموح شعبه. ولنأت عنه إن رأت منه عكس ذلك. لذا فما قامت به السلطة وإن اختلفنا معها او اتفقنا كانت بعلم وبمظلة عربية ترقبها.
بدأ مخطط الهجرة الصهيوني أواخر الحقبة العثمانية, لكنه اشتد عقب وعد بلفور سيء الذكر والوصاية الانجليزية, ومن يومها والشعب الفلسطيني لا يصرخ فقط في وجوه الصهاينة المحتلين وجيشهم المُغتصب, وإنما وبما امتلكت يداه ومنها جسده وروحه يضحي بها في الدفاع عن قضيته وعن أقصى المسلمين, ولم يستكن يوما لهم أو يخف رغم القتل والتهجير والاصابة والاعاقة والحصار الاقتصادي والحرب النفسية. هُجر منه الملايين الذين يعيشون في المنفى, فيما البقية المتبقية منهم في الأرض المحتلة تقاوم حتى اللحظة, وتمرغ وجه العدو القبيح في الوحل رغم ضيق اليد والحصار المُطبق عليها, فهم ليسوا كما وصفتهم بالمستكينين لجنود العدو, الذي لم يسبق أن واجههم أحدهم منفرداً; إلا خلف المتاريس ومعه كتيبة من الجند ومدججا بالسلاح, فيما طائرات استطلاعه تمسح المنطقة ومروحياته تقصفها على رؤوس ساكنيها. هم شعبٌ تحدث عنهم رسولنا الكريم واصفاً " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ".
من المُحزن جدا الا تعرف أستاذ أحمد تاريخ النضال العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة, ومآسي الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت على مدار 25 عاما, بدت واشتعلت بدون الفلسطينيين, واستمرت بعد خروجهم منها في ال 82, ولم ينهها بعد مشيئة الله إلا اتفاق الطائف المجيد, الذي كان مهندسه الفذ صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز, وبإشرافٍ مباشر ورعايةٍ من الملك فهد رحمه الله...., كذلك تغافلك على ما يبدو لفتنة أيلول الأسود, وجنون القذافي الذي طرد فلسطيني ليبيا على الحدود بعد أن أعطى كلاً منهم "كروز دخان وخمسين دينار", جنونه وتطاوله على المملكة الذي وقف له أبو متعب في اجتماع القمة العربية بالدوحة والجمه حين قال له بما نصه:
 "كلامك مردود عليه, والمملكة العربية السعودية دولة مسلمة وليست عميلة للاستعمار مثلك ومثل غيرك, واردف قائلا لمعمر القذافي: من جابك للحكم قلي من جابك!!!!!!.... ولا تتكلم في اشياء مالك فيها حق او نصيب "


لك أخي أحمد ولكل الأجيال العربية الشابة التي شبت تجهل تاريخ أمتها ومآسيها سأروي وباختصار علّ اللبس يزول عنك لتعرف وتعي ما حدث في تل الزعتر, فحصار المخيمات كان على يد القتلة من المارونيين وجيش المجرم حافظ الأسد, بعد أن توحدوا وهم من كانوا أعداء سابقاً, فجيش بشار البعثي تحالف مع الجميع في الحرب الأهلية اللبنانية وحارب الجميع وفقا لمصالحه. المهم اليك ما حدث في تل الزعتر, وفيه أيضا قس عليه ما حدث في "مجزرة صبرا وشاتيلا" التي أدمت التاريخ وشمت فيها وبررت للقاتل جريمته عبر قولك "وكيف تجرأ عليهم العدو ولحق بهم في صبرا وشاتيلا"!

تأسس المخيم الواقع في بيروت الشرقية عام 1949 وكانت تسيطر على (الحي المسيحي) المليشيات المسيحية الانفصالية إبان الحرب الأهلية. وسبق حصاره مناوشات بين القوات اللبنانية المسيحية المارونية والقوات الفلسطينية ومن تحالف معها من يسار لبنان وسنته حصدت أرواح الآلاف. في 6 ديسمبر 1975، عثر على أربعة جثث لأعضاء من حزب الكتائب, فقامت الأخيرة ومعها ميليشيات مسيحية متطرفة بوضع نقاط تفتيش في منطقة مرفأ بيروت وقتلت المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين حسب الهوية التي كان يُكتب فيها المذهب لحاملها, وسمي الحدث بالسبت الأسود. جريمة تل الزعتر، تعد من أطول معارك الحرب الأهلية وأكثرها قتلي, حين فرضت القوات المسيحية اللبنانية بتآمر سوري حصاراً على مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين منذ يناير76 حتى يونيو من العام نفسه الذي شنت فيه هجومًا واسع النطاق على مخيمي تل الزعتر والباشا وحي التبعة اللبناني المجاور له، على مدى اثنين وخمسين يومًا قُدر عدد القذائف التي أطلقتها القوات الآثمة على المخيم بحوالي 55000 قذيفة. بعد اقتحام القوات اللبنانية لمخيم جسر الباشا وحي التبعة في 29 يوليو1976 واقترافهم جرائم إبادة هناك، تمكنت قوة الردع العربية التي شكلتها الجامعة العربية من إبرام اتفاق بين القوات اللبنانية والمقاتلين الفلسطينيين في داخل المخيم في 6 أغسطس1976 يقضي بخروج المدنيين والمقاتلين من المخيم دون أن يستسلموا للميليشيات المارونية وتتكفل بهم قوة الردع العربية والصليب الأحمر. في السابع من أغسطس, غدرت المليشيات المارونية اللبنانية بالفلسطينيين وأخلت بالاتفاق وفتحت ميليشياتها النار على جميع سكان تل الزعتر وهم يغادرون المخيم عزلًا من السلاح وفقًا للاتفاق المعهود، ليقتلوا المئات, ويطلقوا النار بشكل عشوائي على من كان داخله, كما قاموا بتفريغ المركبات المغادرة له من الشباب وقتلتهم فقط لأنهم كانوا فلسطينيون ولبنانيون سنة ومسيحيون عروبيين رفضوا التبعية السورية والاسرائيلية وآمنوا بلبنان حرة وعربية!
أما ما حدث في مجزرة صبرا وشاتيلا فلن أسرد لك عنها أكثر مما توصلت له لجنة التحقيق "الاسرائيلية" كاهان التي شُكلت عقب المجزرة, وأقرت بالمسؤولية الأخلاقية لشارون في المجزرة وترك الوزارة عقبها, بعد أن أقر بتسهيله دخول عناصر قوات الكتائب اللبنانية التي قامت وعلى مدار الأربعين ساعة التي تلت، باغتصاب وقتل وجرح عدد كبير من المدنيين اغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن المحاصرين في المخيمات........., هل عرفت الآن ما حدث في صبرا وشاتيلا, وهل قتل الفلسطينيون أنفسهم, وهل نشمت بما حدث بدل الترحم عليهم, لنعفي بقولنا المجرم شارون وأيلي حقيبة وميليشيات حزب الكتائب من (هولوكوست العصر الحديث) أي مجزرة صبرا وشاتيلا!!!!!!
للعلم فقط فقد ترك الفدائيون لبنان باتفاق دولي بعد فشل الدول العربية في السيطرة على الوضع, وعقب الاجتياح الاسرائيلي للبنان في ال 82, وحفظاً للدماء وعلى ما تبقى للبنان ولكيلا تترك ذريعة لإسرائيل بالاستمرار في اجتياح بيروت وتدميرها, التي لم يطردوا منها كما ذكرت بل غادروها لتونس, التي احتضنتهم وآوتهم حتى انتقلوا لرام الله وغزة كنتيجة لاتفاق اسلو. أما أيلول الأسود, فلك أن تستدعي غضبة الملك فيصل رحمه الله ودعوته وعبدالناصر لقمة عربية طارئة أجبرت الملك حسين على وقف عملياته التي عُرفت حينها بأيلول الأسود, ولست بصدد شرح تلك الفتنة التي لولا احتواها العرب لقسمت الشعبين التوأم الفلسطيني والأردني بسبب خيانة من لا نرغب في التحدث عنه.
على طوال سنوات حكمه كملك للملكة, سبقها كوليٍ للعهد ورئيسٍ للحرس الوطني: كان عبدالله بن عبدالعزيز ضمير الأمة العربية والإسلامية وصوتها وصاحب المبادرات التصالحية بينها, والداعي للوحدة ونبذ الانقسام وإعادة وحدة الصف حفاظاً على الحقوق والمكتسبات الفلسطينية, على منوالٍ أطره الملك المؤسس عبد العزيز, فسعود, ففيصل العروبة وفخرها وعزها وملاكها الحارس, الذي كان استشهاده نقمة من الغرب لمواقفه القومية والعربية, وهو الذي جل ما تمناه صلاة في المسجد الأقصى. منهاج سار عليه خادما الحرمين الشريفين خالد وفهد رحمهما الله, ولن تقف عند رئيس اللجنة الشعبية لنصرة الشعب الفلسطيني, ونصيرهم وحصنهم المنيع جلالة الملك سلمان حفظه الله ورعاه, وكلأه برحمته وأيده بنصره وجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.


أتمنى أن تنعم أستاذ أحمد الحوت ببعض لحظات الصفاء, وهلا اختليت بنفسك لتراجعها عما كتبت يداك في لحظة غضب ودون تأنٍ واستقصاء, وتتصالح معها, لتعود للحق مرةً أخرى في نبذ ما بدر من أقوالٍ هي أقرب للإساءة منها للذود عملاً بالآية الكريمة: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم" والآية الكريمة " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" , فمعاليك وكما قرأت عنك من أصحاب الأدب والفكر, وكيف لا وقد أولتك القيادة الكريمة مسؤوليات جسام قمت بها على خير وجه.

دمت أخي بكل الود والاحترام مُسامحاً عما كتبت ودام أحبابنا وإخوتنا وأشقاؤنا في المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا خير سند للإسلام والمسلمين, وخير راع للقضية الفلسطينية.
انتهى.....

--------------------------------------
نص مقالة الأستاذ أحمد عيد الحوت:
لا ادري لماذ بعض الاخوة الفلسطينين حين نضع اصابعنا في أفواههم لنطعمهم ، إذا بهم يضعون أصابعهم في عيوننا ليؤذونا ؟؟؟؟؟؟ ونحن الذين لم نبعْ ديارهم ، ولم نخرجهم منها ، ولم نقاتلهم فيها ، ولم نتاجر بقضيتهم ، بل كانت المملكة معهم على امتداد العصور ، ولا انسَ ونحن صغار كيف تربينا على دفع ريال واحد كل شهر لصالح الفلسطينيين حينما كنا بالمعهد العلمي ، وكان كل موظف يفعل ذلك ، لتبقى فلسطين في قلوبنا ، وبقيت كذلك ، لكنها ظلت هذه القضية في جيوب الفلسطينيين  ولم تلجْ الى قلوبهم ، فبيعت في مدريد ،  وفي سوق أوسلو .
ثم ترى بعضهم يتعامل مع بلدي أشدّ مما يتعامل مع الصهاينة الذين قتلوهم ، وشردوهم ، وقعدوا لهم كل مرصد ، فهذا عبدالباري عطوان ينعق في كل وسيلة إعلامية مرتزقة ، يكيل الاتهامات الكاذبة للمملكة ، وهؤلاء الشرذمة الغوغائيين ، يقاطعون خطيب المسجد الأقصى حين دعا لخادم الحرمين بالرحمة ، معرضين صلاتهم للبطلان إذ لا يجوز للمصلي الكلام والإمام يخطب . وكان لهم ان يخرسوا ، فلا يؤمنوا على الدعاء ، لكنهم ولحقدهم لم تستطع نفوسهم المريضة تحمل ذلك ، فنهقوا كالحمير الممنوعة عن الماء وقد اشتد بها الضمأ ، وليت شعري هل فعلوا مثل ذلك حينما يرون الجنود الصهاينة ، وقد داسوا نساءهم وشيوخهم واطفالهم بأحذيتهم امام أعينهم ، فما صرخوا ذلك الصراخ ، ولا تدافعوا ذلك التدافع ، بل فرّوا كالحمر المستنفره .لقد كنت الى وقت قريب اسأل عقلي لماذا قتلهم الجيش الأردني في جبل عمان في أيلول الأسود ، ولماذا قتّلوا في تل الزعتر ، وكيف تجرأ عليهم العدو فلحق بهم في صبرا وشاتيلا ، وكيف تم تهجيرهم من لبنان نحو تونس ، ولماذا طردوا منها بعيد ذلك  ، وكيف طُردوا من اليمن ، ومن الكويت أيضاً بعد تحريرها ، وكيف قذف بهم القذافي على حدوده مع مصر ، ولماذا اجتمع الأعداء في سوريا على قصف مخيم اليرموك ، وكيف يتم حصارهم في غزة من قبل الصديق والعدو ، إن هذا كله دليل على انهم يعضون اليد التي تمتد اليهم لتطعمهم وتواسيهم .
ان اسرائيل استخدمت المظلومية أحسن استغلال فأتت الى الهولوكست المزعوم ، ومحرقة اليهود المكذوبة ، فاستمالت العالم ، واستغلته حتى كسبته ، ولم يستطع الفلسطينيون استغلال المظلومية التي وقعت عليهم من الصهاينة ، إلا باستعداء الناس ، قريبهم وبعيدهم ، واضعة في الأذهان ان العالم العربي هم الظالمون ، وليس الصهاينة المعتدون .
ان بعض الكنائس في الغرب أبدت بعض مظاهر الحزن على فقيد الانسانية الملك عبدالله رحمه الله ، ولكن بعض الفلسطينيين هاجوا وماجوا بالمسجد الأقصى ضد من تولى الدفاع عن ذلك المسجد ، وعن قضية فلسطين إنني لا ازال في حيرة من هم الصهاينة حقا .؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ معذرة .. فقد كتبت المقال وانا في حالة انفعال بعد ان شاهدت مقطع الفيديو عن خطيب المسجد بالقدس.


رابط لمقطع الفيديو: http://safeshare.tv/w/ECuItMVfLl

الثلاثاء، 20 يناير 2015

حتى نرقى للشرف المنشود

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرؤية 20-01-2015

 


في لحظات اليأس والقنوط نتذكر بأننا قد تناسينا أنفسنا ردحاً من الزمن، أشغلتنا فيه دنيا عنها فبتنا نلهث معها في سباق عقيم لم يكن ليقدم أو ليؤخر. نتوقف الآن للحظات وكل منا يرى الغصة في وجه الآخر، فيواسيه أن هم غيره ومرارة ألمه تفوقه وتتفوق عليه، لكنه وبطبعه الإنساني يرى نفسه من تعاني ألماً لا يحتمله سواه، وإن كان قد أنهكه، إلا أنه لم يقض عليه بسبب تلك الرغبة الانتهازية فيه لأن يراه حطاماً يمارس عليه جبروت قوته، ليرى في انكساره إشباعاً لجنون عظمته!
تمادينا في جرينا لسعينا وراء سراب السعادة، وفي سبيل ذلك وطئت أقدامنا كل المعاني الجميلة التي أعطتنا صفتنا كبشر، فتحولنا لمخلوقات آلية من دون مشاعر وأحاسيس تحفظ عن ظهر قلب ما عليها القيام به في ليلها ونهارها. حين تستيقظ صباحاً للذهاب لعملها، وحين يحين موعد عودتها للمنزل تتحرك بخطى ثابتة لتحضر معها ما تراه متمماً لنمط معيشتها. أثناء سيرها قد يتداعى أمامها جسدٌ لشخص لا تعرفه، فلا تحرك ساكناً أو تهب لنجدته، يستوقفها فقير يستجدي شيئاً ليسد به قوت يومه فتتجاهله، وإن أعطته تحرص على ألا تلمس يدها يده، فقد تكون متسخة أو أنداها عرق السنين وظلمة الليالي برائحة لا تمت للطيب بصلة، وقد تزكم أنف من تنعّم بالنعيم، ولم يذق قسوة الظروف التي تذل العزيز بعد أن تسلبه أو تمنع عنه كل ما يرفع من شأنه، ويثري حياته ويمتع جسده وروحه.
تعلمنا الأنانية وحب الذات فعميت بصيرتنا، وصرنا لا نرى إلا مصالحنا. ببساطة تحولنا لانتهازيين قانصين للفرص، وكأننا نعيش في غابة البقاء فيها للأقوى، وكلٌّ منا يسعى لأن يكون كذلك، حتى لو كان سعيه سبباً في دمار كل ما تطأه قدماه في لهاثها المحموم صوب الزعامة والريادة والتملك.
أصبح ما يحفزنا لنتقدم وننجز هو غريزة البقاء وليس حب الحياة والاستمتاع بها. لم نعد نرى صداقة حقيقة إلا في سبيل إضاعة الوقت والترفيه عن النفس، حتى ما إن ينفض اجتماعنا مع من خرجنا معهم؛ ننساهم وإن تذكرناهم علكتهم ألسنتنا ومضغتهم مراراً وتكراراً أفواهنا، وكأننا لم نقض معهم قبل دقائق ساعات كانت مملوءة بالضحك والتهريج ومشاعر المودة المزعومة.
إن أحببنا، فنهاية القصة باتت معروفة .. لم نعد نتمتع بأخلاقيات المحبين ولا شرف الكلمة، وإن خاصمنا فجرنا حتى باتت صفة النفاق لا تفارقنا، نزبد وتحمر وجناتنا، ونمطر من نختلف معه بأقذع ما يمكن أن يخطر على البال. تتعالى الأصوات للحدث الجلل، وتنقسم الجموع بين هذا وذاك، فيما آخرون يقفون كالمتفرج لمعركة على وشك أن تشتعل رحاها، فاستلوا هواتفهم وبدؤوا بتسجيل الملحمة، حتى إذا ما عادوا إلى منازلهم نشروها عبر فضاء التكنولوجيا الذي دمرتنا أخلاقياته، وملأناه بأخبار الفضائح.
لم نعد نعرف خُلقاً اسمه الستر، بل بات البعض منا يتلذذ برؤيته لعذاب الآخرين وفضحهم، والانتقاص منهم والتشهير بهم، لكنه والحديث هنا عن ذاك ناشر الرذيلة، قد ينهي يومه بركعتين ويمطر من حوله بنصائح عبر وسائل التواصل الاجتماعي جميعها تقطر تقوى وصلاحاً وورعاً، فيما هو طوال يومه يؤذي الخلق ويسيء إليهم، ويمارس عليهم عنصريته المقيتة وتعاليه وتكبره وتجبره.
هي ازدواج الشخصية، السمة الأقرب للعديد منا، ممن تظنه الحمل الوعيد إن تواصلت معه عبر الإنترنت وبرامجه، لكنه ذاك الضبع الغادر الذي يعيش على الجيف في واقعه، يمارس تُقيا الباطل لمن لا يعرفه، ويشقي من حوله ويجرحهم طوال يومه إن امتلك عليهم أدنى سلطة، أو وضع في مكانة يمتلك فيها أي صلاحية للتجبر على الخلق وإذلالهم.
مقولة «الناس مقامات» هي الأساس الذي يبني عليه البعض تعامله مع الآخرين، وعلى أساسه لا يولون اهتماماً للعالم أو الصالح لو كان بسيطاً أو فقيراً أو متواضعاً رث الثياب، فيما يعلون التافه ذا السلطة والجاه، يضحكون ويقهقهون إن تحدث بتفاهة ويولُونه جل اهتمامهم، مع العلم أنه لو دقق في أمره، لوجدته كالمتسلل خلسة من جمع إن نخوته وطلبت منه معروفاً أو مشاركة في عمل خير.
المادة هي فعلاً المقياس لمن تكون في مجتمع أصبحت فيه ثروتك الفعلية يحددها ما تملكه من مال وما تتمتع به من سلطان، عدا ذلك فمهما حظيت من علم وأدب وحسن خلق وميزات لا تعد؛ ستبقى من العامة التي لا يُحرك لهم ساكن إن تحدثوا، ولا تهب الأيادي لمصافحتهم إن حضروا.
مع ما ذكرت وإن أوجزت فيه ولم أسترسل: هل فعلاً نمثل كمجموع عام خير أمة؟ .. سؤال لا بد من طرحه على أنفسنا حتى نحصل على التغيير ونرقى مجدداً للشرف المنشود.



المصدر: جريدة الرؤية الإماراتية - http://alroeya.ae/2015/01/20/214321/%d8%ad%d8%aa%d9%89-%d9%86%d8%b1%d9%82%d9%89-%d9%84%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b4%d9%88%d8%af/

الخميس، 15 يناير 2015

إرهاب حلال وإرهاب حرام

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اللندنية 15-01-2015

 

 
 
عبثاً حاولنا كعرب وكمسلمين أن ننفي عن أنفسنا تهمة الإرهاب والتشدد والتطرف، والسبب ليس لأننا، فعلا، كذلك إرهابيون ومتطرفون وغوغائيون كما يحلو للبعض وصفنا، أو لأننا عكس ذلك نتمتع بتفهم تجاه الآخرين ولدينا عقلية تسامحية، ولكن هي المؤامرة الكونية من الغرب الذي لم يضمر لنا الخير يوما، وهمه فقط هو تحطيمنا الذي يراه عبر الإساءة لديننا ومعتقداتنا.
قد تكون نظرية المؤامرة جزء من طبيعة تفكيرنا كبشر والتي لا تتقبل بسهولة حدوث الأشياء من تلقاء نفسها أو بالصدفة، فلا بد لها من مسبب وأشخاص قاموا عليها لتحقيق مآرب عادة ما تكون في حربهم الحضارية معنا. جميعها احتمالات جائزة وقد يكون أي منها صحيحا بشكل عام أو خاص بحدثٍ بعينه، لكن لنكن منطقيين ونتناول وجهتي النظر من زاوية كل مؤمنٍ بها.
في البدء هل يتوجب علينا الإقرار بصراع الحضارات، وهل هي المعادلة في تعامل الكتل الإنسانية على أساس عرقها ودينها، والمعيار المشكّل لسياساتها؟
الواقع يشير إلى أننا، بالفعل، مختلفين انتماء دينيا وإثنيا وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما أن الاختلاف قد تسبب في السابق بحروف وغزوات وإشكالات ونزاعات، ولكن هل كان معنا فقط كعرب وكمسلمين، أم أنها سمة بشرية للطبيعة الإنسانية التي تمتلك العقلية التملّكية والاعتزاز بخصوصيتها، وهل اختلف حال الماضي البعيد عن الحاضر في علاقاتنا مع الغرب، وهل أصبح العالم الآن أكثر إنسانية وتحضرا بعد عقود سُفكت فيها الدماء وقتل بسببها وشرّد الملايين واستعمر فيها القوي الضعيف واستعبده ونهب ثرواته وزرع قبل رحيله عن أراضيه مشاكل وخلافات تضمن له دوما تقدمه على مستعمراته السابقة؟
جميع هذه التساؤلات طرحتها على نفسي محاولاً فهم لعبة الإرهاب التي تعصف بنا وتقوّض السلام والتعايش السلمي بين الشعوب، وآخرها ما حدث في باريس وتعرضت له صحيفة شارلي إيبدو من هجمات إرهابية أودت بحياة اثني عشر شخصاً منهم شرطيان أحدهم مسلم من أصلٍ مغربي.
لتعقبها حالة من الهياج الشعبي والرسمي الفرنسي بسبب ما أسموه “عملا انتقاميا” استهدف حريتهم المقدسة، فيتضامن العالم أجمع معهم ونرى عشرات القيادات والزعماء والمشاهير مشاركين في المليونية التي تشابكت بها الأيدي وهي تنشد “كلنا شارلي”، ومن السخرية أن يكون في مقدمتها جزاري الحرب والقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته المتطرف أفيغدور ليبرمان، في استخدام خبيث للحدث وكأن إسرائيل هي من تتعرض للإرهاب ولذلك تشارك الأمة الفرنسية مصابها.
لو عدنا قليلا إلى الوراء وقبل الاعتداء المسلح على الصحيفة التي تعرضت إلى الاعتداء، لكان من السهل أن نقرأ في عيون الأغلبية الفرنسية كم هي منبوذة لديهم، وكم أوشكت أكثر من مرة على الإفلاس وانخفاض المبيعات والتوزيع، وكم كره العديد استفزازاتها للأديان ولمقدسات الآخرين، الذين جعلت منهم شارلي إيبدو وسيلة لها لزيادة التوزيع عبر إثارة حفيظة البعض، الذين سينتج عنهم ردات فعلٍ بعضها خاطئ ومتسرع، مما سيسهم في إثارة الفضول وبالتالي شراء الصحيفة، مما سينعكس إيجابا على مبيعاتها، هذا ما حدث أكثر من مرة مع الصحيفة الفرنسية التي كانت منبوذة قبل الاعتداء عليها، لكنها تحوّلت، بسبب فعل إجرامي غبي، إلى رمز للحرية ترفعه الأيدي وتتشابك الأذرع تضامنا معه، فيما اليمين الفرنسي المتطرف يوظف الحدث سياسيا، فيزداد عدد أتباعه وتتحسن فرصه الانتخابية، مما سيحرج قوى الاعتدال المجتمعي ويحثها لتنتهج سياسات أكثر تشدداً تجاه الأقليات المهاجرة وخصوصاً العرب والمسلمين.
القتل هو نفسه أياً كان، ووفاة اثني عشر شخصا نتيجة العمل الإرهابي أمر لا يمكن تبريره، لكنه يضع سؤالاً محيّرا أمام أعيننا؛ ألا وهو: لماذا دماء العرب رخيصة، ولماذا لم يتحرك العالم حتى اللحظة ويتوحد لإسقاط نظام بشار الأسد الإرهابي الذي أودى الصراع بسبب تمسكه بالسلطة بحياة أكثر من مئة وخمسين ألف سوري وتهجير خمسة ملايين؛ وهل قتل 12 شخصا في باريس جريمة لا تغتفر، وقتل شعب سوري آمن قضية فيها وجهة نظر.
هل هناك إجرام يمكن تبريره بسبب اختلاف الرؤى حوله، وقتل لا يختلف اثنين حوله؟ ولم لم نرى ذاك التضامن العالمي حين أقدم المتطرف النرويجي المسيحي اليميني أندريس بريفيك على استهداف مخيّمٍ لشباب حزب العمل الحاكم في جزيرة أوتايا، مطلقا النار عشوائيا ليقتل حوالي ثمانين شخصاً ممّن تواجدوا في المخيم الصيفي، وغرضه فيما فعل الاعتراض على سياسة الحكومة المتساهلة تجاه الأجانب والهجرة.
في حرب غزة الأخيرة أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية عن مقتل أربعة عشر صحفيا بينهم أجانب، كما شهدت العراق وخلال العقد الماضي أكبر عدد على مستوى العالم لمقتل الصحفيين ليناهز المئة وخمسين، حيث تعد جريمة قتلهم بالتي تمر على الأغلب دون عقاب ودون أن يعلن عن فاعليها.
في لبنان وعلى مدار السنوات الماضية، استهدف العديد من الصحفيين في جرائم لم يكشف عن مرتكبيها، لكن السؤال هل حظي جميع من ذكر بمثل هذا التضامن العالمي الذي حظي به صحفيو شارلي إيبدو، ولم النظرة المزدوجة في تعامل العالم مع الحرية.
حتى في فرنسا نفسها التي تعد التصرفات الشاذة والإساءة للأديان من باب حرية الرأي، في حين لا تغض أبدا النظر عمّن يوصف باللاسامية، ولكل منتقد أو مشكك بالهولوكوست، فتناله حينها يد القانون كالكاتب والفيلسوف والمؤرخ الفرنسي روجيه جارودي. هل حرية التعبير تشمل الأديان، ولكنها تقف فقط عند أي انتقاد لليهود أو لإسرائيل؟
اليهودية كالإسلام والمسيحية جميعها أديان سماوية من الواجب احترامها وعدم الإساءة إليها بالقول والفعل، بل يتعدى ذلك أي معتقد ودين ومذهب لأيٍ كان. هذا ما يجب تقنينه والاتفاق دوليا عليه، فهو الأساس الأول لمد جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب، وعداها فليفخر كلّ بحريته، وليحصّنها فهذا من حقه دون أدنى شك، وليعي العالم أن التطرف ولو كان الأقل تواجدا إلا أنه الأشد وطأة، ولا يمكن محاربته فقط بالسلاح والقوة، بل بالحوار والمنطق وإقامة الحجة والعدل والعدالة واحترام الآخرين.
أخشى ما أخشاه على الديمقراطية الفرنسية العتيدة أن تنجرف لروح الانتقام، وأن تتحول لنسخة أميركية أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر سيئة الذكر، والتي رغم ردات الفعل الأميركية التي تلتها، لم تزد الأمة الأميركية أمانا وديمقراطية، بل انتهكت فيها حريات لطالما كانت من المسلمات التي قامت عليها الولايات المتحدة وكرسها دستورها.
لسنا بحاجة لمزيد من التوسع في الحرب العالمية ضد الإرهاب، فيكفينا داعش وإجرامها، وبشار وإرهابه، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، ومن ورائهم جميعا إيران.
 
 

المصدر: صحيفة العرب اللندنية -  http://alarab.co.uk/?id=42774

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...