الخميس، 21 مايو 2015

إيران والحوثي وداعش .. ثالوث التخريب في اليمن

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة شروق الإلكترونية بتاريخ 21-05-2015



استطاع المال السياسي الذي مارس لعبته الرئيس السابق علي عبدالله صالح في شراء العديد من الذمم وخصوصا قيادات في الجيش اليمني وأفراد، إضافة إلى تحييده قيادات عشائرية وقبلية ومناطقية، مما حول اليمن لكانتونات منغلقة على نفسها، بعضها انحاز للحوثيين وللرئيس المخلوع، وأخرى نأت بنفسها عن التدخل وأخذت صفة الحياد مسهمه في خذلان القيادة الشرعية المنتخبة للبلاد والمتمثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي ومن معه من هيئات أفرزتها المبادرة الخليجية.
الاستجابة السعودية لإعادة الشرعية ومعها قوات التحالف لم تكتف فقط بالضربات الجوية، بل عملت وما زالت على إعادة اللحمة الداخلية للمجتمع اليمني وصفها خلف الشرعية الدستورية وتوحيد كلمتها وولاءها للوطن، واستقطاب من غُرر بهم من قبائل للاصطفاف مجددا خلف الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو ما يمكن استشفافه من التحركات على الأرض من اللجان الشعبية المشكلة والتي بدأت بالفعل في إحداث فارق استراتيجي بمواجهاتها المباشرة مع الحوثيين وانصار الرئيس المخلوع, وسيطرتها على العديد من المواقع الاستراتيجية التي كان يستولي عليها الانقلابيين.
 "داعش" التي استغلت الفراغ السياسي والفوضى الأمنية في اليمن طوال الفترة الماضية, عملت الآن على الاختفاء عن المشهد السياسي في اليمن والانزواء حتى تتضح لها نتائج الحملة العسكرية, وهي التي استفادت سابقاً من الحوثيين والنظام السابق وقد يكون حتى حصلت على سلاح منهم ومن ايران عبر مقايضات غير مباشرة لاحتلال أجزاء من الأراضي اليمنية وبسط نفوذها عليها، لكنها الآن تعي جيدا أن وجودها في اليمن في خطر وستنالها الضربة العسكرية بعد الحوثيين، لكونهم أيضا ميليشيات مسلحه ارهابية وجودها يعرض البلاد للفوضى والاقتتال ويسهم في إضعاف سيطرة الدولة على المناطق التي يحتلوها.

طوال العقود المنصرمة، تمددت إيران وبشكل مخيف في المنطقة العربية وبالخليج وحتى على مستوى الدول الإسلامية وفي القارة الإفريقية، واستخدمت في تحركاتها نظرية الاستقطاب الطائفي للتغرير بالأقليات التي تشاركها المذهب، كما أنها عملت على نشر ما تسميه المراكز الثقافية والشبابية في الدول الفقيرة للترويج لأجنداتها الهدامة ولنشر التشيع على حساب ما يعتنقه أهل المناطق من مذاهب أخرى، مستغلة الفقر والحاجة الاقتصادية لتنفيذ أغراضها.
باعتقادي، سيسهم التدخل العسكري في اليمن في إفقاد إيران أحد نقاط قوتها التي كانت تراهن بها عبر الحوثيين للسيطرة عسكريا واقتصاديا لمضيق باب المندب، وسيتبع فقدانها للورقة اليمنية خسارة لها سورياً, والتي يبدو أن الوقت قد حان الآن لوصول لاتفاقٍ فيها ينهي الحرب الأهلية التي أسهمت إيران في اشتعالها عبر دعمها اللامحدود لنظام الرئيس السوري بشار الأسد, وإمداده بالأسلحة والعتاد العسكري وبعشرات الآلاف من المقاتلين من حرسها الثوري, يضاف لهم عناصر من ميليشيا حزب الله اللبناني وفصائل عراقية مسلحة كأبو الفضل العباس والحق.
جميع ما ذُكر وإن لم تظهره إيران, سيسهم في إنهاكها عسكريا واقتصاديا, نتيجة لتشتت تدخلاتها ودعمها على مستوى العواصم العربية الأربع (العراق, سوريا, لبنان واليمن) لجماعات انقلابية, يضاف لها بالطبع تدخلاتها في البحرين ومحاولتها إثارة القلاقل فيها عبر الغوغائيين ومن استقطبتهم حزبيا من أمثال جماعة الوفاق.



المصدر: صحيفة شروق الإلكترونية - http://www.shorog.com/art/s/56/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A-%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-..-%D8%AB%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86

الاثنين، 18 مايو 2015

التربية والتوافق المجتمعي!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في مجلة فكر الثقافية العدد الحادي عشر بتاريخ 10-05-2015



فقط دع الناس تقول ما تريد وافعل أنت ما تريد!......
ويقال أيضًا: البس كالناس وكل كما تشاء!
مثالان يظهران مفهوم التوافق المجتمعي في ثقافتنا العربية، وضرورة الالتزام به وعدم السباحة عكس التيار ومخالفة العادات والتقاليد، التي يشكل اللبس والحديث فيها نمطا لا يحبذ أبدًا الخروج عليه، وعليك كعربي تعيش في مجتمعك أن تكون كالأغلبية حتى ولو لم تكن مقتنعًا. قناعتك ليست حقًّا ملكك وربما تكون سببًا في مخالفتك للتيار السائد. حينها ستتعرض للنقد والتجريح والعداء دونما أي احترامٍ لحريتك الفردية، والتي سيؤكد لك القائمون على تقاليد المجتمع أنها تنتهي بهم، دون أي اعتبارٍ لك!
للأسف لا نملك الحلول الوسط في ثقافتنا التي باتت تتذبذب وتتأرجح بين النقيضين؛ هي إما أقصى اليمين أو اليسار، بدون أي مساحة في الوسط تعطي الحق والحرية لهذا وتضمن الاحترام لذاك.
قبل سنين قريبة ماضية، لن تستغرب أبدًا إن سمعت أن فلان قد منع ابنه أن يركب معه في السيارة لحضور مناسبةٍ رسمية وذلك لأن الابن لم يكن يرتدي الزي الشعبي الشائع، كما لم يكن يربي شاربه (أي حليق) كما يسموه الأغلبية. قصة شعره ليست بالمستفزة المضحكة، لكنها خرجت عن النمطية السائدة والشائعة تلك الأيام. خشي الأب ووجس من أن يقلل الحضور قيمته إن أركب ابنه بجانبه في السيارة واصطحبه لحضور الحفل. تراءى للأب الذي لم يقدر مرغمًا أن يفرض نمطه على ابنه شفاه الحاضرين وهي تهمس لآذان مجاوريها ضاحكة بأن «الرجل بلا شنب كالقط بلا ذنب». الأب نفسه كتبها على سبورة فصله في أثناء دراسته الثانوية أكثر من مرة مستفزًّا أستاذه المغترب الذي لم يكن يربي شنبًا أو لحية!
الحال تغير الآن وأصبح العديد من الآباء أكثر ديموقراطيةٍ، وأقل اهتمامًا بالموروثات التي تفرض إرادتها على الشكل. سمح لأبنائه أن يلبسوا كما شاءوا وتفاخروا بهم أمام الآخرين رغم لبسهم الذي لا يخلو من استهتار في المظهر ومخالفةٍ للذوق العام، وتسريحات شعورهم المضحكة والغريبة والملفتة للنظر والانتباه. قد يكون السبب في تغاضي الآباء أيضًا هو شعورهم أن أسلوب التربية القاسي الذي نشأوا عليه لم يعد يجدي نفعًا مع جيل يشارك صور حياته اليومية مع الآخرين عبر الإنستجرام، ويبث همومه وشكواه في تويتر والفيس بوك. لديه مقدرة تتميز بجرأة تعدت الحدود على الرد وهو يضع قدمًا فوق أخرى ولا ينزل عينيه أو يعبث بهما في الأرجاء في أثناء النظر لأبويه أو من هم أكبر سنًّا منه!
في جلسات الأصدقاء والسمر، ستسمع باستمرار حكايات جيل متقارب العمر ممن تعدوا مرحلة الشباب أو لنقل أيضًا المراهقة، وهم يصفون تجربتهم مع آبائهم وكيف كان الخوف يسيطر عليهم بمجرد أن يرمق والد أحدهم ابنه، ليبدأ الأخير في الرجفان ودون أن ينبس الأب بكلمة. آهات حسرة حين يقارنوها بحالهم، وكيف تحولت ديموقراطية الحوار المتبعة لعناد من قبل الأبناء وتذمر من تمردهم. لكنهم إن طلبت من أحدهم تطبيق نفس مفهوم التربية الذي عاصره على أبنائه؛ رفض واستنكر وتشدق بالديموقراطية وبأسلوب التربية الحديث.
آخرون على النقيض تمامًا, وأقل ما يمكن أن تصفهم به هو الهمجية في التربية. يستعمل الضرب والشتيمة مع أبنائه. جل كلماته لهم هي لا وأحذرك وستضرب وتحرم!....أما إن كان حديثهم موجهًا لطفلِ صغير؛ فالنهي والزجر والصراخ كما هو وإن اختلف لفظه......"كخا" و "ددا". المحصلة أن تجد الرضيع ينطق كلمات النهي التي سمعها من أبويه قبل أن يقول ماما وبابا!
كم مرة مرّ بجانبك أب أو أم في السوق وأحدهما يطبق يده على رقبة ابنه أو ابنته ويجره نحو السيارة, واصفًا إياه بالحمار والغبي ومتوعدًا بحفلة ضرب حال ما يصل المنزل؛ غير مكترثٍ بنظرات من حوله له أو مراع لمشاعر طفله الذي سيقتل فيه كرامته وعزته واعتداده بنفسه, ليكبر وهو مهزوز الشخصية لا يثق بنفسه ولا يملك قراره.
أطفالنا تاهوا بأمانينا لهم وما نخططه لمستقبلهم. نحن من نختار لهم المدرسة والجامعة, ونحن من نجبرهم لدراسة تخصص قد لا يهواه, لكننا نراهم فيه, دون أن نمنحهم المجال ليصنعوا أنفسهم بأيديهم دون تدخلٍ مباشر. أغفلنا التوجيه واستبدلناه بالإجبار....إن ناقشونا, استعملنا وقتها سلطتنا كآباء وهددناهم إما بالدعاء عليهم والغضب الذي سيزلزلهم أو توعدناهم بالطرد والحرمان, ليخروا بعدها خانعين لنا ومنفذين لما ارتأيناه لهم لا ما يريدوه!


المصدر: مجلة فكر الثقافية - http://www.fikrmag.com/article_details.php?article_id=38

الأحد، 26 أبريل 2015

حزب الله.. الوجه الآخر.. المليشيا المأجورة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الجزيرة 25-04-2015



عادة ما يحرص المحلل والكاتب على الاستماع لشتى وجهات النظر حتى يكون ملماً بأي قضيةٍ من جميع أوجهها، ويعي جيداً مواقف الأطياف منها على اختلافها، وحتى يستطيع أن يكتب بموضوعية ويتحدث بحرفية، ويؤثر على القارئ أو من يستمع له وخصوصا في الحوارات الإخبارية المسموعة والمقروءة.
قد تُكسر هذه القاعدة، ويتجاهل المحلل أو الكاتب شخصية عامة أو سياسية إن توصل لقناعة مفادها أن خطاباته إما معادة ومكررة وإنشائية أو لا تحمل مضمونا جديدا، أو عبثية تدوم لفترات طويلة ولا موضوع معين لها ، وإنما هي أشبه بالهلوسات الشخصية، كما جرت علية العادة في خطابات القذافي، التي كانت تستمر لساعات وفي نهايتها يخرج من يحضرها كما دخلها دون فائدةٍ تذكر!
لست هنا بصدد سرد أنواع الخطاب الموجه للآخرين، وما دعاني للتطرق لهذا الشأن هو خطاب ما كان يُعرف يوما بالمقاومة والممانعة، الأمين العام لحزب الله اللبناني المجرم حسن نصر الله الذي خطب كثيرا ونظر خلف قلاع محصنة، وصفقت له أيدي المغيبين ظناً أنه صلاح الدين، لكنه وبعد الربيع السوري، فقد بريقه واتضحت حقيقته بعد أن انتهت أكذوبة «الموت لإسرائيل» التي استبدلها بقتال السوريين، وقمعهم بالتحالف مع نظام بشار البعثي المجرم. كلمته الأخيرة والتي كانت تعليقا على العملية العسكرية باليمن، كسر فيها الأعراف الدبلوماسية لحديث حزب محلي عن دولة أخرى، كانت وعلى مدار سنين حربها الأهلية لسلمها الهش أكبر داعمٍ اقتصاديٍ لها بمبلغ لا يقل عن المائتين مليار دولار، وضامن لسلمها الذي توجه اتفاق الطائف ثمانينات القرن المنصرم، والذي أنهى خمسة وعشرين سنة من الحرب الأهلية اللبنانية التي شُرِّد بسببها وأصيب وقُتل ثلث السكان!
راعي «بروبوجاندا أكذوبة المقاومة» التي غرر بها البسطاء من مذهبة ومن السنة على السواء، وجه رسائل ضمنية في خطابه. أكثر ما استرعى انتباهي فيها هو وصفه لضعف الرد الحوثي على عاصفة الحزم، وتسميته بالصبر الاستراتيجي، الذي أظنه عنى فيه أن يقول، إن أحد الخيارات التي سيعمد الحوثيون لها هو إثارة القلاقل والتفجيرات والاقدام على عمليات ارهابية تنال من الأمن والسلم المجتمعي السعودي، عبر خلايا نائمة لعناصر جندتها طهران وذراعها في لبنان حزب الله، لاستخدامها حين الحاجة لها في نقل الحرب الحوثية الايرانية في الأساس للداخل السعودي، وعلى شاكلة ما حدث في البحرين حديثاً، ومن قبلها في الكويت وحتى في المملكة عبر الأحداث المجرمة التي طالت عدة مواسم للحج، يُضاف له اضطرابات وعمليات إرهابية قام بها غوغائيون، واستهدفوا من خلالها رجال أمن في المنطقة الشرقية من المملكة، وأحداث العوامية تندرج في نفس الإطار.
لم يكن هذا فقط التهديد الوحيد الذي تضمنته كلماته، بل ألمح بأن الخيارات الحوثية للرد ستنال من المدن الحدودية السعودية اليمنية كنجران وجيزان، مثنيا على جماعة أنصار الله الحوثية وقائدها الشاب «كما سماه» عبدالملك الحوثي، ومتباكياً عليهم عبر وصفهم بالمظلومين الذين تعرضوا لاعتداء وتدخل سعودي، متناسيا أن الرئيس اليمني الشرعي والمُعترف به دولياً عبد ربه منصور هادي هو من استنجد بالجامعة العربية وبدول الخليج وبالسعودية، لإيقاف الانقلاب على الشرعية في اليمن، وللتصدي لأنصار الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، بعد أن توجه تحالفهم نحو صنعاء للاستيلاء عليها، وبعد رفضهم للحوار في الرياض والدوحة، وعقب انقلابهم على المبادرة الخليجية واستيلائهم على العاصمة، وانقضاضهم على شرعية الرئيس هادي وعزلهم لحكومته المشكلة حديثا وفرض الإقامة الجبرية على وزرائها وسجن آخرين!
حسن نصر الله عميل إيران طالب بوقف الغارات الجوية لقوات التحالف بحجة أنها لم تحقق أهدافها، وهو في هذا كاذب ويقول ما يخالف الواقع، فيما ميليشياته والحرس الثوري الإيراني وعصائب أهل الباطل العراقية تقاتل في سوريا إلى جانب نظامها البائد ولم تستطع حتى اللحظة حسم المعركة ولا توسيع مساحة ما زال تحت سيطرة النظام من أراضي لا تتجاوز في مساحتها ثلث الأراضي السورية!
حزب الله حزب مشبوه ترك حدود لبنان الشمالية التي كان يرابط فيها حسب ادعاءاته، وكرس جل قدراته لدعم النظام السوري الآيل للسقوط، بعد تلقيه تعليمات أسياده في طهران، نسي أنه من يتدخل في شأن الآخرين، وتغاضى عن كون ملالي إيران هم من يستخدموه لتغذية الطائفية في لبنان وغيرهم ممن على شاكلته في اليمن والعراق وسوريا ودول الخليج، وحتى في دول جاره كباكستان وأفغانستان، وفي كل مكان تسعى طهران لمد نفوذها له عبر أقليات شيعية استقطبت وجندت أفراد منها لتنفيذ أجنداتها وأطماعها!
لقد توقفت عاصفة الحزم بعد أن حققت أهدافها، وبدأت عملية إعادة الأمل لليمن الشقيق.


المصدر: جريدة الجزيرة - http://www.al-jazirah.com/2015/20150425/av8.htm

الثلاثاء، 21 أبريل 2015

الكذبة الإيرانية

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الرياض 20-04-2015

 


تعودنا ونحن أطفال حال تعرضنا للوعيد والتهديد من أهالينا إن ارتكبنا خطأً أن نخوف "بالبعبع"، فما كان من الأمر إلا أن نفغِر أفواهنا ويصيبنا الخوف والذعر الممزوج بالبكاء وبسراب وعود الطفولة البريئة بعدم إغضاب الوالدين وارتكاب ما ينهوننا عنه.
ما أثار في نفسي طمأنينة بأثرٍ رجعي وأعادني لمخاوف الطفولة الغابرة هو معرفتي حديثاً أن بعبعنا موجود بالصفة نفسها أيضاً عند الإنجليز ويسمونه "Boogeyman"، وبسببه ترتعد أوصال أطفالهم أيضاً، لكنهم وبخلافنا لما كبروا واشتد أزرهم وجدوا أن لا بعبع فعلياً، وما يخيفهم فقط هو ما هم مؤمنين بعدم مقدرتهم عليه ويأسهم من قهره، أما سواه من معضلات الدنيا، فمهما كبرت فيستطيعون مواجهته وحله بالعمل الدؤوب.
إيران هي البعبع والمارد المخيف هذه الأيام، أو هذا ما أريد لها أن تكون، لكونها طرف أدخل نفسه في نزاع مع الجميع من دون استثناء، عبر اصطفافها مع زمرة من القمعيين والانقلابيين الذين بما فعلوا ويفعلون يساهمون في تنفيذ خططها وأجندتها الإقليمية في منطقة الخليج العربي خصوصاً، وإن تعدتها تدخلاتها لما بعد الخليج.
وما القنبلة النووية التي تسعى لامتلاكها إلا الفزاعة التي اكتشفت أنها العصا السحرية التي ستفتح لها أبواب المفاوضات والتفاهم مع العالم والغرب، فالأخير لديه فوبيا من امتلاك أي دولة عقائدية من العالم الثالث وديكتاتورية قمعية لسلاح دمارٍ شامل وبأيدٍ غير أمينة قد تُقدم على استعماله يوماً من دون أن تحسب حساب عواقبه الوخيمة، ودماره الذي سيطال أثره العالم لعقود طويلة، وهو الذي تمثل أمامه ذكرى هيروشيما وناجازاكي اليابانية وكارثة تشيرنوبيل.
ربما يقاطعني رأيٌ مخالف، ويقول لي مؤكد أن إيران بالفعل "بعبع" ومارد مخيف، فهي تمتلك البوارج الحربية والغواصات والمدفعية وخمس قواعد حربية على الخليج العربي وعدد لا محدود من الصواريخ والطوربينات والزوارق السريعة، ومقاتلين معهم جوازات لدخول الجنة إن شاركوا في الحرب المقدسة، تحميهم فيها وتحفزهم فتاوى الملالي والمعممين، وهم يرددون على مسامعهم على الدوام عبارات الموت لإسرائيل وأمريكا، فيما قياداتهم السياسية تتفاوض مع الأخيرة بالسر والعلن، وتشاركهم المصالح، بل تتعاون معهم وتقدم خدماتها لهم كما فعلت سابقاً في أفغانستان والعراق!.
هي وجهة نظر لابد من أخذها في الاعتبار، لكن الأجدى هو أن نعي أن جميع ما ذكر من وسائل القوة في يد حكومة طهران لا تعدو أن تكون قنابل صوت، تخيف ولكن لا تحدث أي ضرر إن بادرنا فوراً بتطبيق استراتيجية عسكرية قائمة على زيادة عدد القواعد العسكرية الصغيرة والمتنقلة لدول الخليج العربي وعلى امتداده، وعدم الركون فقط على المركزية الكبيرة منها، التي قد يسبب استهدافها شللاً، وتزويد القواعد بأنظمة الإنذار المبكر، والأسلحة غير التقليدية والتكتيكية، وعدم الاعتماد فقط على البوارج الحربية والسفن الثقيلة سهلة الاستهداف، بل على منظومة الزوارق الحربية السريعة والصغيرة القادرة على المناورة والاستهداف، إضافة إلى تكثيف وجود كاسحات الألغام البحرية ونشرها، التي سيعمد الإيرانيون على زرعها بكثرة بعد أن عملوا طوال الفترات الماضية على تصنيع أعداد كبيرة جداً منها محلياً.
الطيران الحربي البحري يجب أن يحظى بعنايةٍ خاصة في العالم العربي وكذلك جنود البحرية المدربين وذوي الكفاءة العالية، فحروب الزمن الحاضر تكنولوجية أكثر منها تقليدية، ويسهم سلاح الجو فيها بالدور الأكثر فعالية في الضربات الاستباقية وتدمير أهداف العدو وشل إمداداته، كما يسهل لها ومن الجو ملاحقة التحركات البحرية للقوارب والسفن السريعة وتدميرها قبل أن تصل لأي هدف.
صحيح أن الجيش الإيراني كبير العدد، إلا أنه يفتقر إلى السلاح الجوي الحديث والفعال نتيجة الحصار المفروض عليه، كما أن التكنولوجيا المستخدمة في تسليحه لم تصل لدرجة المتطورة والمعقدة، فمنظومة راداراته رغم كثرتها إلا أنها لا تجاري الغربي الحديث، وكذلك ينطبق الحال على صواريخه، التي يمكن التصدي لها بمنظومة الدفاع الجوية المتقدمة التي يمتلكها الغرب ويجب أن تتسلح بها جيوش المنطقة، لتكون أكثر قدرة على خوض الحرب بأكثر من تكنيك، فيما  يشارك طيران البحرية من جهة أخرى وإلى جانبه انتشار مكثف لجنود البحرية في جميع نقاط اليابسة البحرية وفي الجزر الصغيرة المنتشرة في الخليج العربي.
لا حدود خليجية برية مع إيران إلا عبر العراق، وعداه هو الخليج العربي الذي يجب أن يكون محصناً بتطبيق الاستراتيجية العسكرية المناسبة للتعامل مع الحدث حال حصوله، هذا بعد استعادة النفوذ العربي مجدداً في العراق، ودعم الأطراف غير الموالية لطهران والوقوف مع العشائر، وإلغاء تقسيمة بريمر للسلطة التي كرست الطائفية وحولت بغداد لساحة خلفية لإيران تمارس فيها ومن خلالها أطماعها، بعد أن استطاعت التخلص من كونها بوابة الخليج الشرقية وأحد حصونها المنيعة.
يجب أن تترافق الاستراتيجية العسكرية المذكورة سابقاً، مع حرب إعلامية موجهة للداخل الإيراني تبرز معارضته وإثنياته وأقلياته المضطهدة، وعلى وجه الخصوص إقليم الأحواز المطل على الخليج العربي الذي يعد المزود الاقتصادي الأول لحكومة طهران بغناه بالنفط والمعادن والموارد الطبيعية، كما أن أهوازه وأنهاره تحول مياهها لتغذية الأقاليم الإيرانية.
وبالتالي، فإن أي ثورة في الداخل الإيراني قد تشل قدرات حكومته وتربكها، وستسهم إلى جانب الوسائل الأخرى في القضاء على أسطورة البعبع الإيراني المخيف، الذي صنعناه بتجاهلنا وعدم التصدي له من البداية، فيما هو وبسبب مشكلاته الداخلية العديدة وتشتته بتدخلاته المختلفة إقليمياً وعربياً.. أوهن من بيت العنكبوت.


المصدر: جريدة الرياض - http://www.alriyadh.com/1040975

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...