الأربعاء، 25 مايو 2016

إمرأةٌ بلا عنوان

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 25-05-2016



ما أجمل أن تعشق امرأةً ليس لها عنوان، والدليل لها فقط عبر خيالك الذي تغذيه أحلام يقظتك، وأنت تفكر فيها كل يوم وفي كل لحظة تخلو فيها مع نفسك، متأملا اللاوجود، ومبعثرا بقايا تركيزك في معرفة مهيتها وكيف تصل إليها، لكنك وبإصرار المحب المفتدي حبيبته، تغافل إصرارك فتهبط عزيمته، لتبقيها ذكرى في خيالك دون سبيل يوصلك لعنوانها.
 
تلك متعةٌ لا تضاهيها لحظات اللقاء بعد غياب، ولا الصلح بعد خصام، فاللهفة الكامنة في المجهول هي من يغذي لديك شوقاً دائماً لأن تكون هائما في ملكوت معشوقتك اللامتناهي، الذي تبقيك جاذبيته متمسكا بأرضك، فيما رغبتك هو أن تهيم في دروبه المظلمة أملا في لحظة لقاءٍ يتلامس فيها جسدك التائه بخصلة شعر غجريةٍ لها، هيجتها نسمة ربيع عطرة، فتراقصت معها وطربت بدورها، فثارت على مثيلاتها وهامت في بحور عطر عبق تهادت أنفاسه بالقرب منها.
 
من قال إن النهايات السعيدة هي ما يكمل الحب، ومن قال إن جماله يكمن في لبس الخواتم فقط، ومن قال إن اللوعة حاجز يجب اجتيازه والتغلب عليه، ومن قال إن السعادة هي في لقيا المحبوب؟
 
جميعها نتائج حقيقية، وإن كانت في نظر مدمن جنون الحب تقليدية، يراها تحمل نفس المشاهد والمعاني التي يتكرر حدوثها في كل قصة عشقٍ يكون طرفاها حاضرين؛ رجلٌ وامرأة!
 
لذاك المنتشي بحبه المجهول، من المتعة أن تكون وحيدا في عشقك ولا يعلم به أحد، حتى أنت وشخصك لم تستطع أن تحدد من هي محبوبتك، ولا تعرف شكلا واضحاً لها، فيما ملامحها الهلامية هي كل ما تملك من أثرٍ لها، يتعقبه في كل ثغرٍ وعيونٍ تمر أمامه، فيصرخ عقله سعادةً ليقول له هذه هي حبيبتك أو تشبهها، لكن مناجاته تتلاشى مع طيف أخرى يحمل محياها، ما يلفت نظره فينسيه السابقة، ليتناساهن جميعاً في لحظات بحثه المحمومة، فتتبخر ذكراهن من عقله أملا أن تكون الحبيبة ما لا يمكن للمتيم تخيله.
 
هذا ربما ما يبقيك تجفل من كل امرأة، وتتغنى بجنونٍ "بهي" التي تخشى أن تُسأل عن شكلها فتجهل الإجابة، لكنك وفي قرارة نفسك سعيدٌ أنك لم تجزم بمهيتها، فجمالها يكمن أساساً في غموضها بالنسبة إليك، كسرابٍ تتراءى حقيقته لناظره، لكنه ما يلبث أن يختفي حين يقترب منه!
 
كم في الألم متعةٌ، وفي اللوعة لذة، وفي الانتظار سكينة، وفي الدموع مناجاة، لا يعرف حلو مذاقها إلا من تغلب على مرارة طعمها، حين تصل بقاياه لفم ترك لها المجال أن تدخله، فأصبحت كندى يتساقط في جوفه فيزيل كل غصة وعطش.
 
ما أجمل أن تختلي بنفسك في مكان ليس فيه غيرك، تنام نهاره وتبقى ليله مستيقظاً تتأمل فيه واديا مخضرا أو صحراء سكنتها وحدك، لا تجد عيناك نهايةً لها، وليس بمقدورك مع سكونها إلا أن تبقى صامتاً لا تفكر في شيء، وكأنك تسبح في فضاءٍ خاو، تلك هي السكينة التي يمنحك إياها حبك المجهول، وذاك هو بريق امرأة أدمنت هواها مع أنك لا تعرفها!
 
ما أقسى الحياة حين تجبرنا على أن نستيقظ من أحلامنا التي أدمنا العيش فيها، بعيدا عن واقع مادي اختزلته الأنانية واستوطنت فيه، وقضت على المشاعر الجميلة التي صنعت منا بشرا من ذكر وأنثى، لا تكتمل إلا باتحادنا وانصهارنا ببعضنا، فيتكون قالب الخلود في المتعة التي نفتقدها في حياتنا اليومية الخالية من المشاعر والأحاسيس، والمليئة بترهات المدنية والحضارة، التي سرقت منا في ظل سعينا المجنون خلفها أجمل ما نملك، وهو كيف نستمتع بجنسنا الآخر دون نهاية.


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=369557

الثلاثاء، 24 مايو 2016

الحياة:زيارة أوباما للسعودية

بقلم عماد أحمد العالم

مشاركة في تقرير صحفي مع جريدة الحياة 21-04-2016



وأكد المحلل الكاتب السياسي عماد العالم أن زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما يجب ألا تندرج فقط في إطار ردم الهوة التي أحدثتها السياسات الخارجية الأميركية المتخبطة طوال السنوات الأخيرة، بل يجب أن تركز على الأحداث الحالية واستمرار التعاون الأمني بين البلدين. ورأى في تصريح لـ«الحياة» أن زيارة الرئيس ومشاركته في القمة الخليجية لن تنحصر على التصريحات السياسية الأميركية الأخيرة التي تسببت في زيادة التوجس السعودي، مما يفكر فيه الجانب الأميركي، الذي بدأت حساباته السياسية بالتغير تجاه المنطقة بعد الاتفاق النووي مع إيران، وإنما أيضاً ستركز على استمرار التعاون الأمني وتحفيز المملكة على أن تضطلع بالدور الأكبر في مواجهة جماعات التطرف مثل داعش والقاعدة في سورية والعراق واليمن، الذي تزايد فيه نفوذ القاعدة.
ولفت إلى أنه «لا بد من التذكير بحقيقة مهمة جداً بشأن الولايات المتحدة ومواقفها تجاه الدول المتحالفة معها، ونحن هنا نتحدث على وجه الخصوص عن الخليج العربي والسعودية، فبعض التصريحات العلنية من سياسيين ومشرّعين أميركيين وأعضاء في مجلس النواب والكونغرس، أو حتى أطراف منتمية للحزبين الديموقراطي والجمهوري، عموماً ما تكون موجهة للداخل الأميركي أكثر من كونها انعكاساً لسياسة ستنتهجها الحكومة الأميركية». مشيراً إلى أنه من المفترض إلى حدٍ ما أن نُدرج مثل هذه التصريحات تجاه المملكة ضمن هذا الإطار، مع الأخذ في الاعتبار أن الموقف الرسمي السعودي المتزن والعقلاني والعلمي تجاهها ولّد ضغوطاً، أسهمت في كبح جماح بعض الأطراف المغالية أميركياً، وإعادة التفكير مجداً في حجم الخطر الاقتصادي والأمني الناتج عن تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن حلفائها التقليديين في الشرق الأوسط والخليج، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.


المصدر: جريدة الحياة - http://www.alhayat.com/m/story/15181598

الأربعاء، 18 مايو 2016

أرض النفاق

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 18-05-2016

 
 
هل التطبيل عيب أو حرام؟ وهل يمكن أن نعتبره حرية شخصية، وإدراجه تحت باب المجاملة المشروعة والمحمودة، من أجل أن يفرح المصيبُ بما فعل، ويستمر بفعله الذي ظاهره الخير.
 
لماذا كلما قرأنا عن شخص امتدح عملا لمسؤول وصفناه بالمطبل؟ ولماذا لا نعده ببساطة امتنانا ومشاعر إنسانية راقية تعبر عن سمو خُلق المُطَبِّل والمُطَبَّل له؟
 
ألم نتعلم أن من لا يشكُر العبد لا يشكُر الله؟ ووجب علينا بناء على ذلك أن تلهج ألسنتا بجميل العبارات لامتداح من يستحق ذلك على عملٍ قام به، أليس هذا هو السلوك الذي ننظّر حوله ونشجعه "استخدام الكلمات السحرية"؛ أي شكرا، ويعطيك العافية، وسلمت يداك، وبوركت، ولا عدمنا فضلك، و..و..
 
المعنى الحرفي للكلمة أي (التطبيل)، رُبما "وهذا من تصوري" مشتقٌ من ضرب الطبول، الذي عامةً ما يُبادَرُ له للترحيب بشخصيةٍ اعتبارية دلالةً على الإعجاب بها، أو وحسب فهمٍ آخر هو مشتقٌ من القول "طبّلَ يُطَبِّلُ تطبيلاً"، أي يتقن ضرب الطبول، أما مفرداتها فتختلف بتنوع اللهجات، فهناك من يصف هذا السلوك بلعق الأحذية، وأُخرى بالنفاق والتزلف وحتى هزِّ الذنب، والعديد من الكلمات التي إن نُطق بها فالدلالة واحدة، وتعني تضخيم العمل ووصفه بأكثر من حقه، عبر إعطاء الانطباع بأن من قام به قد أتى على عملٍ فوق العادة!
 
أما عمر هذا السلوك، فهو مرتبط بوجود الإنسان، وفي كل أمةٍ وزمان سمعنا قصصاً له تروى عن شخصياتٍ أجادته وأُخرى أحبته واستحسنته، وكافأت من يقوم به، الشعراء -على سبيل المثال- ورد فيهم أنهم يتبعهم الغاوون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويصفون من لا يستحق بأحمد الصفات طلباً للعطايا والهبات، على سبيل المثال نذكر أحد أسوأ من مارس التطبيل في الشعر، وهو الشاعر الأندلسي ابن هانئ قال في مدح المعز لدين الله:
 
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
هذا الذي ترجى النجاة بحبه وبه يحط الإصر والأوزار
هذا الذي تجدي شفاعته غدا حقا وتخــــمد إن تراه النار
 
مثل هذا الفجور في المدح قد تعدى حسب الأبيات السابقة التطبيل ليصل في أوجهٍ منه للكفر، فقد وصف المادِحُ الممدوحَ بالواحد القهار، وهو وصفٌ لا يُطلقُ إلا على الله جلّ في عُلاه!
 
حين يتحول المدح طمعاً في المكافأة إلى كذبٍ ونفاقٍ وتضليل، ينحدر الأمر حينها بالبعض لتجاوز الحدود، التي لا تنطلي حتى على أبسط الناس، فكيف بمن يتم مدحه، مع أن بعضاً منهم قد يعجبه ما قيل فيه رغم يقينه بعدم صحته، نتيجةً لجنون العظمة أو لجبروت القوة الذي يُحب أن يرى فيه نفسه فوق كل البشر، في بقعة أرضٍ حولها الكاذب والمكذوب عليه إلى أرضٍ للنفاق!
 
 

المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=368615

الأحد، 15 مايو 2016

ثقافتنا في القيادة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 11-05-2016

 
 
حديثتا اليوم في جانبٍ منه عن أسوأ الاختراعات البشرية، ولا أقصد هنا أضر الاختراعات كالقنبلة النووية أو أسلحة الدمار الشامل والأسلحة البيولوجية والكيميائية، عافانا الله وإياكم منها، وإنما الابتكارات التي قدمها مخترعون وقصدوا من ورائها المنفعة العامة، فكانت كذلك لجزء من البشر، فيما آخرون وأغلبهم من "ربعنا" ودول العالم الثالث أساؤوا لها ولاستخداماتها، حتى بت، والحديث هنا عن نفسي، ناقما على من أوجدها.
 
البوق مثلاً، أو الهورن أو البوري أو الزمور، هو ما سأستفتح به الحديث، فهو أداة للتنبيه تم وضعها في المركبات بغرض التحذير أو الحديث بلغة الصوت الحاد، البعيد عن النغم الموسيقي، يستخدمه السائق في حال الضرورة فقط، لا للمتعة والإزعاج والاستعراض ومضايقة الآخرين. كما أن هناك أماكن يمنع فيها استخدامه، ويطلب من السائقين تجنب ذلك عبر إشارات مرورية تحذر منه، وغالبا ما تكون بجوار المستشفيات ودور العبادة وبعض الأماكن ذات الوضع الخاص.
 
هذه الأداة التي اخترعها الأميركي ميلر هتشيسون عام 1908، وهو كبير المهندسين في ما بعد لدى توماس أديسون، وعرفت وقتها بالعلامة التجارية المسماة "غلاكسون"، وربما جاء منها في ما بعد ما جرى المصريون على تسميته بـ "الغالاكس"؛ كان الغرض المُراد منها السلامة العامة، حتى إن وضعها في السيارات مقنن وواجب بحكم القانون، وبدأت يدوية وتطورت عبر الوقت لتصبح كهربائية، إلا أنها ورغم تقدم التكنولوجيا، لاتزال تصدر صوتاً غير محبب على الإطلاق، وفي ذلك دلالات واضحة على أن استخدامها للضرورة فقط، وللفت الانتباه لخطرٍ ما، هذا بالطبع في "العالم" المهذب ذي الذوق والأخلاق، أما "البشر" من ذوي الدماء الحارة والأعصاب المستفزة والعجولين وضيقي الخلق، فهم أساس كرهي للبوق، وحتى في الأغلب حقدي عليه، فقد تحول بأيديهم إلى أداة للاستفزاز والمضايقة، والتعبير عن الحنق والغضب، وفي عديد من الحالات مقدمة لاختلاق مشكلة قد تتحول من عراك بالسيارات إلى حلبة مصارعة بالأيدي في منتصف الشارع.
 
ما إن يشع اللون الأخضر من الإشارة الضوئية، وأحيانا قبله، إلا ويطرق السمع هدير أبواق السيارات، صابة لعناتها وغضبها على من في المقدمة، لأنه لم "يُقلع" بمركبته، ما قد يُحدث ارتباكاً للبعض من ذوي القلوب "الرهيفة"، فبدل أن تتحرك سيارته تنطفئ ويصاب بالارتباك، الذي يتحول لهلع بعد أن تتزايد الضربات الغاضبة ممن خلفه من السائقين على مقود مركباتهم استهجاناً منهم، وقد يصل الأمر إلى لعناتٍ وسباب وصراخ، لأنه أخّرهم بضع ثوانٍ لا فائدة منها فعلياً في عالمنا الذي هو في الأساس لا يحترم الوقت، ومعروفٌ عنه هدره في ما لا ينفع، لكنها العجلة التي ابتلينا بها، وقلة الصبر وسوء الخلق الذي يبدو السمة لكثير من السائقين الذين يعبرون عن غضبهم بخنق أبواق سيارتهم من شدة ضغطهم عليها من دون سببٍ في الأغلب يستحق ذلك.
 
في الهند مثلاً، من السمات البارزة لقائدي التاكسي، إرسال رشقات متواصلة من البوق دون داعٍ أو سبب، حتى بات صوته يطغى على أي صوت آخر في الطرقات المكتظة بالأمواج البشرية، في بلد المليار ونيف من البشر، وربما ألتمس لهم العذر في استخدامه، فشوارعهم فيها من كل الأصناف التي لا تقتصر على العربات فقط، وإنما الحيوانات أيضاً، لكن ما لا أغفره أبداً ولا أجد له مبررا ما في دولنا العربية، التي عديد من شوارعها كبيرة وفسيحة ومنظمة، ومع ذلك فإن من يقودون السيارات فيها لا يختلفون بأخلاقهم عن أسوأ قائدي المركبات والتاكسي في الهند.
 
 

المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=357612

الأربعاء، 4 مايو 2016

حراس الفضيلة

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 04-05-2016

 
 
ليس من سبيل لهلاك مجتمع وضياعه وتخبطه إلا بادعاء بعض أفراده الفضيلة، بينما يمارسون الرذيلة بداعي الدعوة للفضيلة!
بعض من يحاضر عن الفضيلة يجعل نفسه شرطياً على رقاب الناس، متناسيا أن وظيفته كمسلم قبل أي شيء هي الحُسنى، وافتراض الخير لا الشر وعدم التسلط، وهو ما يقودنا للتساؤل: ‏لماذا في المجتمعات المتسامحة إنسانيا يكون الفرد أكثر مسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه؟ بينما في المجتمعات المغلقة كل مسؤول وراعٍ من دون وجه حق، وبجبروت منحه إياه تشريع بحسن نية لأداء واجب تجاه مجتمعه، لكنه وكالعادة اعتبر التكليف تشريفا، فتحولت الممارسة إلى تسلط؟!
كما تعودنا وعرفنا سابقاً بوجود تُجّار للوهم من منتحلي صفة القرّاء والعطارين، فهناك أيضاً في مجتمعاتنا العربية تُجّار للفضيلة، يمارسون سلطتهم بديكتاتورية فرعون على حياة الناس، مستمدين ذلك من قدسية الدين ومكانته لدى المؤمنين، وخوفهم من عقاب من بيده سلطة لا رادع لها ولا محاسب إن أخطأ.
 
أحدهم مثلاً- وأمثاله مع الأسف كُثر- أعطى لنفسه الحق، فجعل من نفسه وصيّاً، ونصّبها لتكون الحاكم والجلاد والمصلح بصلاحيات مطلقة باسم الحفاظ على الدين، بأساليب الجبابرة والغُلاة، لتكون المحصلة خوفا وتنفيرا وارتدادا وعلامات استفهام يطرحها مَن في قلبه مرض، أو من لم يتمكن الإيمان منه، في حال وقوعه في مأزق مع متنطعٍ متشدد!
ما أسوأنا من أمةٍ كانت خير أُمة أخرجت للناس، وتحولت بفعل خوارج الفكر لدينا إلى متنطعين ومتشددين وغُلاة منفرين ومشوهين لدين الوسطية والتسامح، وما أوقحنا حين تناسينا أن في القرآن الكريم، وهو المصدر الأساسي للتشريع لنا كمسلمين، لم ترد آية واحدة تفرض النتيجة لتكون سببا لقبول العمل، بل على العكس، فالمعيار هو الاجتهاد والالتزام والأداء، ويبقى الإنجاز من أسباب الله عز وجلّ التي يمنحها لمن يشاء، كذلك يُقاس الأمر على الدعوة، فليس المطلوب من الدُعاة أن يروا في التو واللحظة نتيجة نصيحتهم، وإنما يكفيهم الترغيب والترهيب بالحُسنى، من دون فرض ذلك بالقوة، طالما لم يكن الأمر في الكبائر وفي العلن، وفيه ضرر على المصلحة العامة وأذى للحاضرين.
 
حبيبنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وفي أرقى مثال عن سماحة الإسلام، أتته "زانية" فأعرض عنها وتركها مع أنها اعترفت، بل صدّها، وهو الذي ورد عنه قوله في الحديث الشريف: ‏"شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره"، والحديث أو معناه "إذا ابتغى الراعي الريبة في الرعية أفسدهم"، كما أن نبينا لم يضرب شاباً، ولم يعنّف امرأة ولم ينتقص من قيمتها، كما أنه لم يُقر يوماً أن يُعتدى على صاحب تجارة بحجة الصلاة، ولم يُر يوماً عابساً، بل كان دوماً دائم البِشر، إلا إن انتُهكت حرمة من حرمات الله.
نقد الموروث الديني الخاطئ ليس نقدا للدين، ولن يكون كذلك، ومن يطرحه ليس علمانيا كافرا وليبراليا مُفسدا، وحاقدا على الإسلام والمسلمين، وإنما هو محاولة لإعادة الأمور لنصابها، ولمسارها الصحيح الذي كرّسه الشرع وليس المتشددون الذين بما فعلوا يعيدون للذاكرة محاولات "إكليريوس" الأمس، بإضفاء القداسة على طموحاتهم.
 
أمر آخر لابد من طرحه، هو ما نلاحظه من فرحة المجتمع بهداية وصلاح واستقامة أحد أفراده بعد ضلال، التي باتت تشكل ظاهرة يُمنح فيها ذاك "المُهتدي" منابر ليعرض فيها تجربته، من دون أن يكون مؤهلاً لذلك، فيوصل رسائل خاطئة عبر أقوال أو أفعالٍ وتصرفات سببها قلة وعيه وجهله وحماسه لوضعه الجديد.
 
فبمقدار ما يسعدنا صلاح الجميع، فإن المنطق والصواب يستوجبان ألا يُمنح أكبر من حجمه، وألا نحوله لداعية ومنظّر، بل الصواب أن يُمنح الوقت الكافي لتستتب أحواله، فنبقيه في مكانه الطبيعي حتى لا يتحول كل فرد صَلح بعد ضلال إلى داعية، رغم افتقاره للمقومات اللازمة لذلك، فيما شهادته الوحيدة التي مهدت الطريق له هي كونه تائبا أو ضالا سابقا!
 
 

المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=356622

الأربعاء، 27 أبريل 2016

حكاية "الست سموحة"

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 27-04-2016

 
 
في كندا، وكما تناقلت وكالات الأنباء، وفي حادثة ليست غريبة على بلد الإنسانية والقوانين، قيل إن بطة ولنسمها مثلاً "الست سموحة"، أتاها المخاض وشعرت بألم المبيض، فلم تتوجه لأي مستشفى أو مركز طبي لتتسول وتتوسل الدخول إليه "كونها ليست من بني البشر أو مواطنة"، بل اختارت زاوية واسعة النطاق في شارعٍ عام، وبدأت التبييض والتحضير فيها لحدثها السعيد، فما كان من "ابن حلال" صدف أن وجد بالموقع، أن رق قلبه لها وخشي عليها من الغادرين، فسارع بإبلاغ البوليس الذي هرع للمكان وطوقه بشريطٍ لاصق محروس من خيرة أفراده، حتى لا يزعج أحد "مدام سموحة" وينكد عليها أو يستهدفها، ويضايقها أثناء ممارستها لحقها الطبيعي في التكاثر وفي المكان الذي اختارته، ودون أن تقلق حيال حياة بيضها؛ من طامعٍ متلهف ومنتظر لأخذه بيد فيما الأخرى تحمل مقلاة مُجهزة لعمل عجةٍ منه، أو آخر من هواة الأذية سيتفنن في إرباكها وإزعاجها، ومن ثم سينشر فعلته مفتخراً على الإنترنيت!
 
البطة المذكورة آنفاً وللأمانة، مارست حقها الحيواني المُؤصل والمقنن بالدستور دون أن تُنتهك حيوانيتها، أو تُضرب وتُطرد ويُسرق بيضها، فهي التي ولدت وترعرعت في أرضٍ يكفل القانون فيها حقوق الكائن الحي أياً كان، بخلاف القطط والكلاب ومن على شاكلتهم من حيوانات الشوارع في دولنا العربية، التي من النادر جداً أن تجد إحداها كاملة وسليمة معافاة، بل على الأغلب إما عرجاء أو عوراء أو جرباء.
 
في مظهرٍ لا يخلو يومنا منه، ستشاهد مثلاً قطة وإحد عيناها "مفقوعة" وتنزف دماً، فيما إحدى أرجلها مفصولة عن الساق، ومع ذلك تغدو ذهاباً وإياباً تتمشى دون أن ينقص ذلك من عزيمتها في الحياة، ودونما حماية من أحد، وقصتها لمن لا يعرفها، أن صبية الحي ولا أستبعد بعضاً من كباره قد شاهدوها وهي تعبث بسطل النفايات لكي تقتات بفائض موائدنا العامرة، فصوبوا عليها وأطلقوا وابلا من علب المشروبات والحجارة والأحذية، مقرونة بسبابٍ ووعيد، فأصابتها أكثر من "قذيفة" أشعلت في قلوب "المغاوير" البهجة، فانطلقت الضحكات وسط أنينها، الذي لم يرحمها منهم، ولم يشفع لها سوى قطٍ آخر أجرب مرّ أمامهم على غير هدى دون أن يعلم ما سيحل به، وهو الذي كانت نهايته على يد جروٍ أحَدُهُم أطلقه عليه، فتشابهت روايته مع هرٍ آخر، ذكرني منظره وهو ملقى بالطريق ببيت شعر نبطي، كُنا نتغنى به ونردده ونحن صبيةٌ صغار ويافعون على السواء، ويقول:
 
"مرحوم قطوٍ على الخط مدعوس له ثلاث أيام ماحدٍ يشيله"
 
قد ينفعل أحد المنظرين لما يراه مبالغة مني ورفاهية عبر دعوتي لحفظ حقوق الحيوان، في العديد من دول العالم الثالث التي لا حقوق فيها أصلاً للإنسان، لكن ردي عليه لتنجلي الصورة، هو أنني لا أنادي ولا أطالب ولا أنظر لأكثر مما دعا له ديننا، حيث أوصانا بكل كائنٍ حيٍ، وبشر بالأجر والثواب لكل عمل خير قُدّم لذات كبدٍ رطبة، كما أنه توعد بالعقاب لمن يؤذيها في غير وجه حق!
 

المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=355622

الأربعاء، 20 أبريل 2016

تعليمهم

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 20-04-2016

 
 
يقول أحد الأكاديميين العرب الذين ساقهم حظهم للعمل في اليابان كأستاذ للغة العربية في إحدى الجامعات في ثمانينيات القرن المنصرم: إنه صُدم حين وجد أن راتبه أعلى مما يتقاضاه رئيس وزراء اليابان حينها، الأخ العربي وبعد أن وسوست له نفسه بما أوجعها، حيث صورت له أن هذا خطأ وقد يطالبونه برد الفرق بعد اكتشافهم له، وهو الذي كان قد حوله لبلاده؛ ارتأى أن يكشف هذا الخطأ للمسؤول المالي في جامعته، فهذه اليابان "كما خاطب نفسه" وليست بلادي الديمقراطية الجمهورية "اسما"، وعندهم قوانين لا تجدي معها الواسطة، ولا النوايا الحسنة التي نستخدمها ببلاهة للدلالة على براءة أفعالنا، المهم كان رد المحاسب في الجامعة عليه، أنه مُخطأ وما يتقاضاه صحيح، فيما استرسل شارحاً له "وسط ذهول أكاديمينا العربي"، بأن درجته العلمية أعلى من مثيلتها التي حصل عليها الرئيس الياباني، وبما أن سلم الرواتب موحد في اليابان حسب الدرجة العلمية، فإن ما يستحقه نظير عمله لديهم، وبما يمتلكه من مؤهلات وخبرات هو أعلى، وبالتالي لا صحة لظنون "صاحبنا"، ولن يطالبه أحد برد ينٍ واحد مما أعطوه له، حتى لو كان أجنبياً يعمل في غير دولته، فالمقياس عند "الجابانيز" هو المؤهل وليس جواز السفر ولا المواطنة، كما أن مهنة التعليم عندهم لها قداسة لا تضاهيها السياسة ولا التجارة، وبالتالي للمعلم قيمة الرسول كما قال أحمد شوقي، ورسالته هي بناء الأجيال وتأهيلها كي يتخرجوا من المدارس ويلتحقوا بالجامعات التي ستخرجهم لوظائفهم الحكومية الروتينية؛ ليس هذا فحسب، وإنما لتبني ولتؤكد من خلالهم استمرار حضارة أمة ورقيها وتطورها ونمائها وازدهارها وعلو مكانتها بين الأمم.
في أحدث الإحصائيات لأفضل الدول تعليماً عالمياً، حل اليابانيون ثانيا بعد كوريا الجنوبية، التي احتلت المركز الأول، كون طلابها قد حققوا أقوى نتائج الاختبارات، وتفوقوا باختبارات الذاكرة، وامتلكوا مهارات خاصة، لم يحصلوا عليها بسبب فسيولوجية أدمغتهم المختلفة، وإنما لحصولهم على نظام تعليمي متطور جدا ومدروس، أي متعوب عليه، وكان الغرض منه أن ينقل دولتهم التي كانت قبل أربعين عاما دولة نامية متوسطة الحال، ترسل عمالتها للخارج للعمل في شركات البناء والمقاولات؛ إلى مصاف الدول المتقدمة، وهو ما كان لها رغم أن ميزانية التعليم فيها، والبالغة حوالي 12 مليار دولار قد لا تتجاوز ما تخصصه إحدى الدول العربية الثرية بمواردها، والأقل بكثير منها من حيث التعداد السكاني، إلا أنها نجحت في أن تزيح فنلندا الإسكندنافية عن القمة لتحتلها بدلا منها، فيما رجعت الأخيرة للترتيب الخامس، تاركة المراكز الأربعة الأولى لآسيا على التوالي لكلٍ من كوريا الجنوبية، فاليابان، فسنغافورة، فهونج كونج.
في فنلندا كمثال آخر، لا يحظى بشرف التدريس عندهم إلا من يمتلك مواصفات خاصة جداً، فلا بد أن يكون حاصلاً أولاً على درجة الماجستير من كليات متخصصة لا تقبل إلا أفضل 10 بالمئة ممن تقدموا لها من الخريجين، اعتمد الفنلنديون نهجا خاصاً لمعلميهم لا يقتضي منهم قضاء أوقات طويلة في الفصول والمدرسة، وخصصتهم لأوقاتٍ إضافية لابتكار المناهج وتقييم الطلاب، فيما يشترط نظامهم التعليمي ألا تكون الواجبات المدرسية تستغرق من الطلبة أكثر من نصف ساعة لأدائها في المنزل يومياً، كما أن الاختبارات في مدارسهم أقل عدداً، أما من حيث مستوى وقيمة الدخل السنوي للمعلمين، فقد احتلت فنلندا المرتبة العاشرة عالمياً، ومع ذلك تربعت تلك الدولة على العرش لسنوات طويلة، وإن تخلت عنها مؤخرا فإنها لاتزال ضمن الدول العشر الأولى بالعالم، في قائمة خلت العشرون منها وربما حتى الخمسين من أي دولةٍ عربية، فتعليمهم مختلف عن تعليمنا، ومعلموهم هم صفوة الصفوة، لا خريجين جدد كبعض معلمينا، ممن يسعون لراتب آخر الشهر بغض النظر عما يقدمونه طوال الشهر من جهد أو جد ولعب لطلابهم، دون رقيب أو وازع وطني، يمثل لهم الضمير المُستتر والمسؤولية المُقدسة ليرتقوا بأبناء وطنهم لما تستحقه أوطانهم!
 
 

المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=354934

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...