الخميس، 28 يوليو 2016

حُلْمٌ آثر الهوى أن يطيله!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 28-07-2016


الحزن في صمت كلماته وفي سكونه وتوهانه وانفصاله عن الواقع الذي يكون حاضرا فيه بجسده الذي على ظاهره الحسن، هو ممزق ومشتت ومُبعثر في داخله، الذي أضنته أفكاره وجننته وساوسه، وتلاعبت به يمنة ويسرا دون أن يكون قادرا على السيطرة عليها، فهو كربان المركب الذي أيقن بفطنته ودرايته أن الأمواج التي تضرب بمركبه لا قدرة له على مقاومتها ولا المناورة معها، فأرخى العنان لها لتلطمه كما شاءت، وهو في كل موجة غضبٍ منها يقول إنها القاضية، فيما يتجاوزها منتظراً أخرى ربما تكون كذلك، لكنه في نهاية المطاف يجد جسده قد نجا ومعه مركبه بعد أن هدأت العاصفة وسكن البحر الغاضب، الذي استسلم لجبروته موقناً بهزيمته التي جعلته لا يبالي بما قد يؤول إليه مصيره، الذي أيقن أنه النهاية، فيما كانت نتيجته بداية جديدة له لم يرسم بعد ملامحها ولم يخطط لها، لتبدأ تلك الدراما التي يسمونا بالحياة تلعب لعبتها معه مجدداً، وترمي به في غياهبها دون أن يكون له رأي أو شأن بها، تاركا لها المجال لتقرر مصيره الذي لم تكن يوماً تكترث به.
 
هل من الممكن أن تكون تلك الكآبة التي تدمر غيره من البشر هي سر نجاته أو ربما حتى سعادته، التي لا يعرف معناها إلا بحصوله على لحظات من اللامبالاة المستقطعة بين ساعتي حزنٍ وبكاء؟!
 
لقد فقد البوصلة وأصبح كائناً بشريا لا يعرف معنى الحياة، فهي بالنسبة له تلك الروح التي تبقيه يتنفس فقط، أما ما حوله فلم يعد سوى كواكب خافتة في ليلٍ شديد الظلمة، لا فائدة ترجى منها لإنارة طريقه الموحش من كل الجهات.
 
مشكلته التي قد تكون ميزة له أن لا أحد يعرف ما يعتمر في ذاك العقل الضبابي، ففيما يراه البعض بائساً لا رجاء منه، يجده آخرون الخيميائي المتصوف الذي عرف سر الحياة وكشف أسرارها المخيفة، حيث كل كلمة ينطق بها لها مغزى، وكل حركة لها دلالة، في حديثه حكم وفي سكوته تأمل وصلوات يبتهل بها!
 
تناقضاته شديدة الغرابة، فحينما يسكن كل ما حوله بعد تمنيه ذلك؛ تشتعل الرغبة بداخله لتلك الفوضى والضوضاء التي طالما بعثرت تركيزه وأرقته، حتى إن حصلت انقلب على عقبيه كالفار من خطر اكتشف فجأة أنه مُحدق به، وعاد مجدداً يتمنى لحظة هدوء مطلق تروي ظمأه لسكينة تمنى فقدها، لكنها حين ابتعدت عنه لهث خلفها كَعَطِشٍ تراءى له طيف ماءٍ يعلم بأنه سراب لكنه يصر على اللحاق به رغم ما يفصله عنه من مسافة لامتناهية تجعل من الوصول إليه حُلُماً آثر الهوى أن يطيله!


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=372372

الأربعاء، 20 يوليو 2016

تركيا ما بعد الإنقلاب الخامس

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اليوم الإلكترونية 20-07-2016



هل سينطبق المثل الشائع “على الجاني تدور الدوائر” على من رعى الانقلاب الفاشل في تركيا ومن دعمه سواءً المعلوم منهم في الداخل التركي أو إقليمياً من جهات ودول علمت به من قبل وساهمت فيه ونسقت لتنفيذه, كما تشير إلى ذلك وباستمرار بعض التصريحات التركية الرسمية, أو تقارير تغمز وتلمز لذلك؟
 ربما تركيا الأمس الطامحة لعضويةٍ دائمة في الاتحاد الأوروبي والشريك الأساسي في حلف الناتو والمهددة فيهما إن طبقت حكم الإعدام بحق المدانين; لم تعد ولن تعود كما كانت من قبل, فالجرح هذه المرة غائر ولا يمكن الشفاء منه بسهولة, ليس لأن حكومة حزب العدالة والتنمية تشعر بالخذلان من حليفها الأمريكي الذي ظنت أنه تعامل معها بما لم يتعامل مع الحكومات المدنية قبلها, وإنما لأن فصول المؤامرة أكبر مما توقعت أو حتى خطر لها على بال, مقارنة بأربعة انقلابات عسكرية كان يفصل تقريباً بين كلٍ منها عشرون عاماً, وقام بها الجيش التركي, ربيب الأتاتوركية والمتذرع بها في كل مرةٍ أزاح بها الحكومات المدنية ليخلفها ويجثم بعدها على صدر شعبه ممارساً لديكتاتورية القتل والاعتقال ومدمراً للاقتصاد, ومبعدا وطنه عن بعده العربي والإسلامي عبر تتريك ممنهج وتغريبي لجميع مناحي الحياة والقوانين, وقمع لحرية الشعب وإجباره على القبول فقط بما يراه له العسكر, وهو الذي لم يكن يوماً فاتحة خيرٍ للبلد, بل دمره اقتصادياً وتنموياً ونشر الفساد به, إلى أن أتت رياح التغيير على يد عمدة اسطنبول الأسبق ورئيسها لاحقاً رجب طيب أردوغان, والذي عمل خلال توليه المنصب على جعلها المدينة النظيفة الدائنة والتي تغطي نفقاتها بنفسها, وتعطي الفائض لميزانية الدولة, حتى تآمر عليه العسكر ومتطرفو الأتاتوركية فيما بعد ليسجنوه عشرة أشهر بسبب استشهاده ببيت شعر في أحد خطبه!
جاء الانقلاب ليثير خلفه عاصفة من المواضيع لا تتعلق فقط بالأتراك وما جرى لهم ولا بحكومة العدالة والتنمية, وإنما إشكالات تمس الجميع وعلى الأخص من تطرق منهم للحادثة وكتب عنها وعلق, وانقسموا في مجملهم لفئتين لا حياد بينهما متمثلتين في من طار فرحاً بالخبر وبدء بالشماتة والتشفي, وبآخرين رافضين له ومعلنين عن دعمهم اللامحدود للتجربة التركية الديموقراطية وإعجابهم برئيسها أردوغان حداً ليظن فيه الغريب بأنهم ربما أتراك وليسوا عرباً من غير أهل القضية والأرض!
لنتفق أولاً وقبل الحديث على أن أي حركة عسكرية أياً كانت شعاراتها وما تدعوا له إن تدخلت في السياسة وانقلبت على حكومة مدنية منتخبة ديموقراطياً; غير مقبولة إطلاقاً ولا يجب الاعتراف بها ولا التبرير لها تحت أي ظرفٍ كان. لكن المُستغرب وقد ظهر جليا في الانقلاب الفاشل بتركيا أنه كشف فئة ممن صدعوا رؤوسنا من قبل عبر تنظيرهم ودعواتهم الليبرالية, فظهروا على واقع جلي لنا الآن بأنهم أكثر إقصائية وديكتاتورية من العسكر والانقلابين, فهم وعلى عكس ما يقولوا أكثر من يكرس مبدأ الاختلاف يفسد الود معهم, والذي سينتهي على الدوام باتهامك من قبلهم بالأخونة, مستغلين تجريم الحزب وتصنيفه في بعض الدول كإرهابي, ودون أن يكون لك أي ارتباطٍ به أو تأييد, حتى أن البعض تهكم على من اتهموه فقال لهم: أنا مسيحي, فيما تفاخر آخرون بإلحادهم وعلمانيتهم التي لم تنجهم من التهمة التي اخترعها منافقي الليبرالية ومدعيها لإقصاء كل من يخالفهم الرأي, وكأنهم أرادوا أن يكرسوا حقيقة مفادها أن كل من عارض الانقلاب هو إخوان وكل من تحدث بالخير عن أردوغان هو داعية له لأن يكون خليفة للمسلمين, متناسين أن من أفشل الانقلاب في تركيا هو شعبها العظيم الكاره أولا وأخيراً لحكم العسكر الذين عدوهم ربيباً للغرب لا يكترث إلا بمصالحه, ومكانه فقط يجب أن لا يتعدى الثكنات. لذا ثار وخرج للشوارع بمسلميه وعلمانيه, محافظه ومسيحيه وعلويه وبكافة أطياف عرقياته المتعددة. هم من وقفوا أما الدبابات وهم من جردوا الجنود من سلاحهم, وهم من جعلوا من أنفسهم اختيارياً وتطوعاً كدروع بشرية لحماية مقرات الحكومة والشرطة ولمنع الدبابات من التقدم إلا على أجساد العديد منهم التي مزقتها, فقضوا شهداء رفض حكم العسكر مجدداً في تركيا.
في البداية بدا أن الجيش سيطر على الأوضاع وأذاع بيانه الأول, إلا أن حديث الرئيس التركي مع أحد القنوات الخاصة عبر الهاتف ودعوته لشعبه للخروج قد غير معادلة تظافر لنجاحها بقاء قيادة الجيش الأول والشرطة والقوات الخاصة والاستخبارات بالولاء له, وكذلك رئاسة الأركان التي كانت سابقاً الراعي الأول للانقلابات, واستطاع أردوغان توطينها عبر جعلها تابعةً لرئاسة الوزراء, بقيادة أحد الشخصيات التي رغم اعتقالها من الانقلاب إلا أنها أسهمت في كشف خيوط المآمرة وتوحيد كلمة جزء من الجيش وقادته للبقاء مع الشرعية, حتى أن قائد الاستخبارات أمر أتباعه بالقتال حتى آخر واحدٍ منهم, أما الأحزاب الأربعة الرئيسية القومية والعلمانية فقد رفضت الانقلاب منذ اللحظة الأولى ودعت أتباعها للنزول للشارع وعقدت جلسة في البرلمان الذي استهدفته بالقصف مروحيات الانقلابين!
حين حكم العسكر تركيا كانت مدينة بما يعادل 80% من دخلها القومي لنادي باريس وصندوق النقد والبنك الدولي, وعملتها متدهورة ودخل الفرد فيها لا يتعدى 3500 دولار بالسنة والدعم الحكومي للزراعة لا يتجاوز النصف مليار دولا ونسبة الأمية عالية والتعليم والصحة متأخرة والصناعة في أدنى حالاتها, والحقوق المدنية والحريات هي الأسوأ, ولكم أن تعلموا أن الانقلاب سنة 1980 قد تسبب في إعدام المئات واعتقال أكثر من 650 الف معارض.
حين قادت حكومة العدالة عجلة البلاد, ركزت أكثر على الثلاثي الأساسي وهو الاقتصاد والصحة والتعليم, بل إنها خصصت أكبر ميزانية في الدولة لقطاع التعليم والبحث وإنشاء الجامعات والمدارس, فيما اهتمت أيضاً بدعم المزارعين وتوفير السكن والرعاية الصحية المجانية حتى الثامنة عشر من العمر, ليخلفها بعد ذلك التأمين الصحي الإجباري, لتتحول تلك الدولة الهامشية على الاقتصاد العالمي وفي غضون ثلاثة عشر سنة لواحدة من الدول الأقوى اقتصادياً على مستوى العالم والدائنة للعديد من الدول بعد أن دفعت بالكامل جميع القروض وفوائدها المتراكمة, وارتفعت بدخل الفرد لأكثر من عشرة الاف دولار في السنة, فيما قفز الناتج القومي الإجمالي بين عامي 2002- 2008 من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار، بمعدل نمو بلغ 6.8 %, وسجل في العام 2014  قيمة إجمالية تبلغ 798 مليار و400 مليون دولار, فيما انخفضت البطالة لأقل من 10%, ونسبة تضخم لا تتجاوز السبعة بالمائة تطمح الحكومة لتقليصها إلى 5% بحلول العام 2018.
انتصر الأتراك لرفاههم واقتصادهم وحريتهم ولم ينتفضوا فقط لأردوغان  ولحزب العدالة والتنمية, انتفضوا للحفاظ على مكتسباتهم التي حولتهم لأحد أقوى سبعة عشر اقتصاداً بالعالم, ولجواز سفرهم الذي مكنهم من دخول ثمانين دولةً دون سمة دخول, ولنظافة مدنهم وسياحتهم وصناعتهم وإعلامهم, لحريتهم التي ذاقوا نعيمها ولن يستبدلوها بعد اليوم أبداً بالذل والهوان الذي ينتج عن اعتلاء عسكري لرئاسة الدولة ووزاراتها ومحافظاتها, ويلبس عباءة قضاتها ليكون الخصم والقاضي والجلاد في دولة القمع والبطش الوحشي حيث لا عدالة وإنما فساد وخيانة!
متابعتي للإعلام الغربي أثناء الانقلاب وعقب محاولات إفشاله وفشله بعد ذلك, وتصريحات وزارة الخارجية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية وحلف الناتو والمفوضية الأوروبية, أكدت لي أن الانقلاب الفاشل لم يكن كما اُريد له أن يُصور بالانتفاضة وإنما كان مؤامرة كبيرة مكتملة الأركان كان منفذوها فقط من بعض القيادات الخائنة في الجيش, أي أركان الدولة العميقة التي تمتد جذورها إلى جميع المؤسسات والهيئات المدنية والسياسية والعسكرية والقضائية والعدلية, تجاوز ما تم اعتقالهم لحد اللحظة السبعة الاف, فيما القادم من الأيام ينذر بازدياد العدد, في لعبة على المكشوف باتت الآن وكما يراها سياسيو تركيا ضرورة للقضاء على الدولة الموازية وتطهير جميع مؤسساتها من اتباع فتح الله غولن, الذي نسب له المسؤولين الأتراك التخطيط للانقلاب والتآمر مع قوى غربية وعالمية واقليمية لتبديل نظام الحكم الذي لا يتوافق مع أجندتها ويرى في تركيا رغم علمانيتها الصارمة; القوة الإسلامية التي تهدد وجوده ونفوذه وتفرض طرفها في المعادلة كند لا تابع وعميل كما تريد وتشاء.
في التاريخ لنا عبره, من ماضيه البعيد لقريبه, ومنه نعلم أن العسكر لم يحكموا بلداً إلا وأفسدوه وقتلوا الشعب واستعبدوه وقمعوه, فيما دمروا الاقتصاد وأشاعوا الفساد المالي وتسببوا في مديونيةٍ عاليةٍ, واستجابوا صاغرين لمطالب المؤسسات المالية الدولية التي تفرض شروطاً ظالمة لمنح قروضٍ ضئيلة مقارنةً بما تسترجعه, لتغرق البلاد في نسب تضخم عالية جداً وازدياد للفقر وتقليص للدعم الحكومي وخصخصة للشركات الوطنية بأبخس ثمن لصالح الشركات متعددة الجنسيات الدولية, التي تتواجد عقب كل انقلاب لحصد الأرباح, كما جرى القرن الماضي في تشيلي والبرازيل والسلفادور والأرجنتين والعديد من دول القارة السمراء والآسيوية بما فيها العربية منها.
إصلاح الجيش وتطهير مؤسساته من التبعية للغرب ومن عقيدة المصلحة والسطوة مطلب لقيام دولة مدنية حديثة ديموقراطية, تلعب قوى الأمن فيها دور الراعي للديموقراطية وللحريات الفردية, وهذا من حق الحكومة التركية المصدومة من ضخامة ما تسميه بالخيانة المتمثلة بتمدد الدولة العميقة في البلاد لكنه يجب أن يكون ووفق نظام عدلي غير مسيس ونزيه ولا يتبع للحكومة التركية وغير انتقامي ومتسرع, وإنما يجري وفق الدليل وبدون التعذيب وانتهاك الحريات ومع الشفافية واطلاع الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني على مجريات التحقيق, مع الحفاظ على مفهوم دولة القانون وحقوق المعتقلين وتمثيلهم.
لا بد أن تدرك الحكومة التركية أيضاً أن جيشها ورغم تورط عناصر منه في العملية الانقلابية هو جيشها الوطني ولا بد من الحفاظ على كرامته دون امتهان حتى مع المخطئين منه مع عقابهم بمحاكمات حره ونزيه; حتى لا يحدث جرح يصعب التئامه وحاله من الحقد العسكري الفردي على القيادة السياسية والشعب ككل, مما قد يتسبب في حراك انتقامي يدعو للانقلاب مستقبلاً, إن نجح سيرتكب مجازر بحق شعبه ويعود ببلاده لعصور الظلمة والديكتاتورية.
لعب جهاز الشرطة التركي وقوات مكافحة الشغب وعناصر المخابرات حصان طروادة في التصدي للجيش إلى جانب الشعب, وقام باعتقال عناصر الجيش المتمردة وقياداتها في حادثة ربما هي الأغرب في تاريخ الصراعات, حيث شكلت قوات الأمن كياناً موازياً للجيش الوطني المعروف بكونه الأقوى والأكثر عتاداً وتسليحاً, لكن حكومة العدالة والتنمية قد نجحت وطوال عقد من حكمها في توزيع مراكز القوى مما أفقد تفرد الجيش في الساحة الداخلية وجعل من سيطرته المطلقة عليها في أي محاولة انقلابية محفوفة بمقاومة من قوى أمنية أخرى ولاؤها المطلق للحكومة وليس للقيادات العسكرية, هذا رغم ايقاف المئات من قوات الأمن لمشاركتها او لتغاضيها عن الانقلاب ورفضها لأوامر وزارة الداخلية بالتصدي له; إلا أن العدد لا يُقارن بحجم المعتقلين من السلك العسكري والقضائي, الذي تغلغلت فيه جماعة فتح الله غولن مشكلة حكومة الظل الطامحة للإطاحة بحزب العدالة والتنمية والتي كانت تنوي حسب التصريحات الرسمية في تركيا اعتقال وتصفية عشرات الالاف من منسوبي الحزب في خطوة منها لاجتثاثه بالكامل من المشهد السياسي التركي حال تمكنها من الحكم.
يبقى أن نشير إلى أن الشعب التركي بمختلف أطيافه هومن أفشل الانقلاب ومعهم الأحزاب السياسية المعارضة والمؤيدة التي اتخذت قرارها التاريخي بعدم التضحية بالديموقراطية في سبيل الانتقام من الحزب الحاكم, واستطاعوا جميعهم وبأساليب غير تقليدية القضاء على انقلاب محكم ومُعد له بتآمر ربما تكشف الأيام القادمة أن وراءه نفس قوى الظلام التي ترعى سفاراتها في الدول عادة الاضطرابات والانقلابات على الحكومات الشعبية المدنية المنتخبة ديموقراطياً.
نفس الشعب هو من سيُستفتى بشكل نظام الحكم في تركيا وهل يؤيد بقاءه برلمانياً أو رئاسياً, وهل سيتقبل شكلاً من الدولة الدينية أو يبقى علمانياً, وهو الشعب ذاته بكافة أطيافه من سيطيح بحكم رجب طيب أردوغان وحزبه إن وجد منه حياداً على المبادئ, ولن يغفر له سنوات إنجازه إن حاد عن إرادة الأمة التي باتت وعلى الأقل حتى الآن هي من تحدد مجرى الأحداث في تركيا.



صحيفة العرب اليوم الالكترونية - http://www.3orooba.com/?p=2520

الخميس، 14 يوليو 2016

فنّ الفتوى!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 13-07-2016

 


بدايةً، أؤكد احترامي للعلماء ورجال الدين الذين أجلهم، فهم قدوتنا ومرشدونا في أمور ديننا الإسلامي الحنيف وتعاليم شريعته، وما أذكره هنا ليس من باب الانتقاص منهم ولا من علمهم وبعض فتاواهم وتحجيمهم؛ وإنما محاولة لوضع الأمور بنصابها الصحيح، ونصيحة لابد من مناصحتها لبعضهم ممن يُستفتى من العامة في أمورٍ علميةٍ بحتة، ويصر أن يُجيب عليها مع جهله بها، ولكن وفق تصوره الديني الشخصي البحت، الذي يكون في الغالب غير موفق، ويُحدث ضجة تتعدانا ليتطرق لها العالم، ليس على سبيل ما تطرحه من أفكار جديدة؛ وإنما على سبيل السخرية والتندر!

لقد بات من الضرورة أن نعمل بمبدأ التخصص ونطبقه ونجعله ركيزة من ركائز الفتوى، حيث لا تتم إلا بعد استشارة المتخصصين، كل حسب مجاله، بحيث نصل إلى النتيجة التي بمقتضاها يتجنب غير المطلع من العلماء الشرعيين والدعاة على العلوم الدنيوية؛ أن يفتي فيها ويتركها لأهل الاختصاص، أو على الأقل تتم استشارتهم والتباحث معهم قبل الإجابة.
 
يجب أن نصل لمرحلة يكون فيها التخصص هو الأساس، فالعلم الشرعي ليس كالعلم الدنيوي، ولا علاقة له ببعض التخصصات العلمية كالفيزياء والفلك والرياضيات والصحة العامة، فيما الجهل به من رجال الدين لا يُلغي كونهم في المقام الأول من يؤخذ رأيهم من منظورٍ شرعي بجميع نواحي الحياة، وإنما يُحدث تكاملاً ويؤسس لهيئةٍ شرعيةٍ ومجمعٍ فقهي يطلع فقط بالفتوى، ويضُم في جنباته مختصين في جميع العلوم وعلى رأسها الدينية، ويستقطب وباستمرار الباحثين، ويبتعث المناسب منهم لأهم الجامعات ليواكبوا التطورات ويكونوا مطلعين على كل جديد.
 
لو أخذنا مثلاً ‏المقطع الذي يتم تداوله لأحد العلماء وهو ينفي فيه كروية الأرض، ويستدل على ذلك بآية أخطأ في الاستدلال بها لتأييد قوله؛ لأدركنا خطورة هذا الوضع وتبعاته السلبية علينا كمسلمين وليس فقط كيف ينظر الآخرون لنا، وهو الذي سينتج عنه تبني دُعاة لما سمعوه عن شيخهم وترويجهم لنفس فتواه، ما سيسهم في نشر قوله، ليحدث التصادم البشري بينهم وبين من يُفترض أن نكون جميعا منهم "العقلانيون"، الذين سيرفضون بالطبع ذاك المنطق الذي يُخالف العقل بحجة أن من أفتى به هو شيخ ليس له من العلوم الحديثة أيُ إدراك!
 
أحاديث ودردشات وأقوال وردت في عديد من البرامج الحوارية من دون اكتراثٍ لخطورتها وأثرها السيئ، حاول قائلوها عبرها إثبات وجهة نظرهم في أمرٍ ما، أذكر منها على سبيل المثال استشهاد أحدهم بدراسة من اختلاقه تقول إن قيادة المرأة للسيارة تؤثر على المبايض، لتتلقف قوله إحدى مقدمات برامج "التوك شو" الأميركية وتترجمها للإنجليزية وسط ضحكات الجمهور واستهزائها، يعني وببساطة تنطع البعض وتشددهم فيما اختُلف فيه جعلنا "مضحكة" للآخرين، وثبّت ما لديهم في نفوسهم من فكرة أننا إما بدو نعيش في الخيم ونركب الجمال أو دواعش مهتمون بالسبي وبالجواري!


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=371775

الثلاثاء، 12 يوليو 2016

ترجمة تقرير النيويورك تايمز بعنوان: داعية أخلاقي سعودي........

ترجمة تقرير النيويورك تايمز بعنوان: داعية أخلاقي سعودي يدعو لإسلامٍ أكثر وسطية, فيتعرض لتهديداتٍ بالقتل.

ترجمة: عماد أحمد العالم 

12-07-2016

 


قضى أحمد الغامدي أغلب سنوات شبابه في العمل وسط الدعاة الملتحين في السعودية, حيث كان عضواً دائماً يعمل مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (والتي تُسمى في الغرب بالشرطة الدينية), حيث كانت مهام عمله وفي الأساس تتمثل في حماية المملكة المسلمة من التغريب والعلمانية والحرص على التأكد من ممارسة التعاليم الإسلامية.
تلك المهام التي يُعدُ بعضها من صميم عمل الشرطة, كملاحقة مهربي ومروجي المخدرات والمشروبات الكحولية, في دولةٍ تمنع وتحرم تعاطي الكحول. لكن رجال الهيئة "كما يسميهم السعوديون" يقضوا معظم وقتهم في الحفاظ على المعايير العامة المتزمتة التي عزلت المملكة العربية السعودية ليس فقط عن الغرب وإنما معظم دول العالم الإسلامي.
أحد الجرائم الرئيسية وتُسمى الاختلاط, وتعني التجمع والالتقاء غير المسموح به بين الرجال والنساء, والذي حذر منه رجال الدين, ونبهوا إلى تبعاته التي تؤدي للزنا وخراب البيوت وولادة أطفال غير شرعيين, لتكون المحصلة انهياراً مجتمعياً.
كان السيد الغامدي ولسنواتٍ طويلة مُلتزماً ومُطبقاً لتلك المعايير التي يُدعى اليها, حتى أنه تولى رئاسة فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة, المكان الأكثر قدسية إسلامياً. حتى بدأت صحوته التي تسببت في طرحه لتساؤلاتٍ بشأن الأنظمة الدارجة, فعاد مُجدداً لدراسة القرآن الكريم وأحاديث النبي محمد وصحابته, الذين يُعدوا الحذوة لممارسي الدين الإسلامي وتعاليمه.
ما اكتشفه كان بالنسبة اليه صادماً ومُحذراً, حيث وجد خلطاً كبيراً بين الجيل الأول للمسلمين, الذي وعلى ما يبدو لم يلتفت اليه أحد, لذا بدأ بإثارتها والتحدث عنها عبر المشاركة في مقابلاتٍ تلفزيونية ومقالاتٍ, أشار فيها إلى أن العديد مما كان يُعدُ في السعودية كممارساتٍ مستنبطةٍ من الدين; ما هي إلا موروثاتٍ ثقافية وعادات تم خلطها ولصقها بالإيمان والعقيدة. مما تطرق اليه أن لا حاجة لإغلاق المحلات وقت الصلاة, وأن لا مانع شرعي يمنع المرأة من قيادة السيارة في المملكة, كما أشار إلى أن عهد النبي محمد شهد ركوب النساء للجمال وتجولهم بها, وهو ما رأى أنه أكثر استفزازيةً من مشهد نساءٍ منقبات يقُدن مركبات ذات دفعٍ رباعي. حتى أنه أكد على حق المرأة في تغطيتها لوجهها إن أرادت ذلك كما هو الحال مع تغطيتها لجسدها, وليؤكد على وجهة نظره وقناعته; ظهر إلى جوار زوجته جواهر في مقابلةٍ تلفزيونية مُبتسماً فيما هي كاشفة لوجهها ومستخدمة للمكياج.
هذا الظهور كان بمثابة القنبلة للوسط المحافظ في المملكة, حيث رأوا فيه تهديداً للانضباط المجتمعي, الذي جعل من المشايخ فقط القيمين على الصواب والمعرفين بالخطأ في جميع مناحي الحياة; ليهدد كمحصلة صلاحياتهم التي تمتعوا بها.
رفض زملاء السيد الغامدي في العمل التحدث اليه, كما غمرته الاتصالات الهاتفية ومنها ما توعده بالقتل عبر مجهولين غردوا بها في برنامج تويتر. حتى أن شيوخ بارزين ظهروا إعلامياً منددين به وداعينه بالجاهل المبتدئ الذي يجب محاكمته ومعاقبته وحتى تعذيبه.
المُجدد غير المتوقع:
كان أول لقاءٍ لي بالسيد الغامدي البالغ من العمر 51 عاماً, والذي عمل سابقاً كفردٍ في الشرطة الدينية; هذه السنة في شقته بمدينة جدة, المدينة الساحلية المُطلة على البحر الأحمر, وجلسنا في غرفة صُممت لتكون شبيهةُ بخيمة بدو, مُزينةً جدرانها بنسيجٍ (أو طلاء) بورجوندي وثريات ذهبيةٍ معلقةٍ في السقف, وسجادةٍ مفروشةٍ على الأرض كان السيد الغامدي يسجد عليها أثناء أدائه للصلوات أثناء حديثي معه.
تحدث الغامدي معي, كيف أثر الشيوخ والفتاوي والتطبيق الدقيق للدين على كل شيء وكيف حددت حياته. لكن ذلك العالم (عالمه) قد جمد حياته.
قليلٌ من الرجوع إلى ماضيه وخلفيته كان يُمكن أن يتنبأ له بأن يكون مصلحاً ومجدداً دينياً. حين كان طالباً في الجامعة وموظفاً لدى مصلحة الجمارك بميناء جدة, استفتى شيخاً في عمله فأفتى له بحرمة تحصيل الرسوم الجمركية فاستقال من عمله.
بعد تخرجه من الجامعة, درس الدين في وقت فراغه وعمل في وظيفة حكومية تتطلب منه التعامل مع حساباتٍ دولية والسفر لدول غير إسلامية.
يقول السيد الغامدي " في تلك الأيام أصدر رجال دين فتاوى تُحرم السفر للبلاد غير الإسلامية إلا وفقط للضرورة القصوى", لذا استقال من وظيفته. بعد ذلك قام بتدريس الاقتصاد بمدرسة تقنية بالمملكة العربية السعودية, ولم يُعجب بالمادة كونها فقط تتحدث عن الرأسمالية والاشتراكية, لذا أضاف اليها دروساً في التمويل الإسلامي, مما أزعج طلبته بذريعة ضخامة المنهج, ليستقيل على إثر ذلك من هذه الوظيفة, ويلتحق بالوظيفة التي رأى فيها ووجد أنها تتماشى مع قناعته الدينية; كعضو في هيئة الأمر بالمعروف بمدينة جدة, والتي انتقل منها لتقلد عدة مناصب ومهام في الهيئة بفرع مكة, حيث تم الكشف عن حالات زناً والقبض على سحرة من المُحتمل أن يُعدموا إن تمت إدانتهم. برزت تحفظاته فيما بعد على طريقة عمل زملاء له في الهيئة وحماستهم الدينية ومبالغتهم في ردة الفعل التي كانت تؤدي لاقتحام المنازل وسوء معاملة المعتقلين. يقول الغامدي: " لنفترض أن أحداً ما احتسى الخمر, فهذا لا يعني أنه اعتدى على الدين, وهذا لا يُبرر ردة الفعل المبالغ بها تجاه الناس".
في حالاتٍ بعينها, أُنيط بالغامدي مراجعة بعض القضايا, حاول ومن خلال منصبه الإبلاغ عن الانتهاكات, وإجبار بعض الأعضاء على إعادة بعض ما صادروه بطريةٍ غير نظامية. ويتذكر إحدى القضايا التي ورد فيها بلاغ للهيئة من جيرانٍ يشتكون فيها جارهم العازب والكبير في السن والذي لا يصلي الجماعة في المسجد ويستقبل في منزله امرأتين في نهاية الأسبوع, تبين فيما بعد الإغارة على منزله أنهما ابنتاه.
يضيف الغامدي " المعاملة غير الإنسانية للناس تسببت في جفولهم من الدين"

تولى الغامدي رئاسة هيئة مكة المكرمة في العام 2005 عقب وفاة رئيسها, واضطلع حينها بإدارة الهيئة التي تتعدى فروعها التسعين في المنطقة ذات الأهمية الدينية, وبذل قصارى جهده مع عميق قلقه من أن تحود الهيئة عن أهدافها.
في خلواته, كان يطلع على أحاديث النبي محمد ليستشف ويعرف الحلال والحرام, وكان يدون مرئياته. يقول الغامدي " تعودنا على سماع كلمة حرام من العلماء ولكن دون سماع الدليل منهم". مع إدراكه لخطورة رأيه هذا, التزم الصمت وترك جانباً ملاحظاته وآرائه التي لم تلبث فيما بعد أن خرجت للعلن.
في الوقت الذي اعتكف فيه للتفكير والتقييم أعلن الملك عبد الله عن قرار إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا, التي صدم خبر إنشائها المؤسسة الدينية بالمملكة كونها مختلطة ولا تفرض زياً موحداً على الطالبات, وفي نموذج مشابه لنمط أرامكو السعودية.
- - السطور التالية لم يتم ترجمتها لعدم اقتناعي بصدق محتواها عن المملكة وقادتها ولذا من واجبي كمحب للسعودية أن لا أُسهم في ترجمتها وأرى أنها لا تخدم الغرض وهو الحديث عن قصة وتجربة الشيخ الغامدي– "المترجم"
تابع الغامدي ردود فعل الغاضبين من إنشاء الجامعة التي كان مؤيداً لها, فنشر رأيه بمقالتين طويلتين بجريدة عكاظ في سنة 2009, حيث كانت المواجهة الأولى بين الغامدي والمؤسسة الدينية, التي واجه أفراداً منها في لقاءاتٍ تلفزيونية, حيث تعرض للشتم والإهانة من قبل الطرف الآخر الذي استشهد بأحاديث وروايات لتأكيد أقواله, في نفس الوقت, تعرض للنبذ من زملائه في الهيئة, التي اضطر لاحقاً للتقاعد المبكر منها وسط قبول وترحيب من خصومه.
بعد تركه وظيفته الرسمية, عرض رأيه بالممارسات الأخرى الجدلية المتعلقة بغطاء المرأة لوجهها وصلاة الجماعة وإغلاق المحلات وقت الصلاة وقيادة المرأة للسيارة. لتخلف آراؤه بعد ذلك جدلاً واسعاً.
سألته امرأة عبر تويتر عن جواز كشف الوجه ووضع المكياج فأفادها بأن لا مانع في ذلك, ليتعرض بعد ذلك لهجوم.
شارك الغامدي في العام 2014 في برنامجٍ تلفزيوني عرض تقريراً عنه وظهرت فيه زوجته كاشفة الوجه ومؤكدةً على دعمها له, لينتج عن التقرير نقد لاذع من المؤسسة الدينية, وهاجم العديد مؤهلاته العلمية وشككوا في كونه شيخ ورجل دين (دون أن يكون هناك معيار لذلك) ولكونه لم يحصل على إجازةٍ شرعية, كما أشاروا إلى أن شهادة الدكتوراه التي حصل عليها هي من جامعة "امباسدور", التي تمنح الشهادات بناءً على الخبرة العملية السابقة.
- - لم تتم ترجمة السطور اللاحقة التي تطرق فيها الكاتب لوجهة نظر عالم الدين الشيخ اللحيدان - - "المترجم"
في حين كان هجوم رجال الدين على الغامدي مؤلماً, إلا أن الأشد وقعاً كان من قبل قبيلته التي أصدرت بياناً تبرأت فيه منه ووصفته بالمزعج المشوش. تعرض لسيل من الاتصالات الهاتفية ليل نهار مستنكرة له, ولُطخ جدار منزله برسمٍ, في حين تجمع أشخاص عند باب بيته وطالبوا بالاختلاط بعائلته المكونة من تسعة أبناء, ليتم استدعاء الشرطة إثر ذلك من أحد أبنائه.
كان الغامدي خطيباً تدفع له الدولة أجر ذلك, إلى أن تم الشكوى عليه من بعض المصلين وفقد وظيفته.
لم يخرق الغامدي أي قانون, ولم يُحاكم قط, لكنه وبسب تكوينة المجتمع السعودي المغلقة, توالت عليه الضغوطات العائلية, وطالب أقارب خطيبة ابنه الأكبر بإلغاء الزواج وعدم رغبتهم بتزاوج عائلتهم بعائلته, حتى أن اخته تطلقت من زوجها بعد أن خيرها بينه وبين أخيها "السيد الغامدي", فاختارت أخاها فطلقها زوجها. سخر طالب زميلٌ لابنه عمار البالغ خمسة عشر عاماً واستنكر ظهور أمه في التلفزيون ووصفه بعديم الأخلاق, فرد عليه عمار بأن لكمه.


----------------------------------

تنويه من المترجم (رأيي الشخصي):
عناوين النص التي لم تتم ترجمتها:
صعوبة التقبل, ما هي الوهابية, موجه من الفتاوى, مكان لا تستطيع التحدث به, وصعوبة التغيير
لم يتم ترجمة النصوص الخاصة بهذه العناوين الذي يتحدث الكاتب فيها عن تجربته في السعودية ولقائه بشخصياتٍ دينية واعتبارية وصحفية ليس منها شخص الشيخ أحمد الغامدي (الذي يعنيني فقط ما ورد بشأنه في التقرير), مع اختلافي مع الكاتب في العديد مما أورده من فهم خاطئ لطبيعة العملية السياسية والاجتماعية في المملكة وقصور في فهمه للعلاقة الودية بين الشعب السعودي وحكامه, كما انحيازه لنظرية الشيطنة التي يتبناها الإعلام الغربي والتي لا تريد أن تتعمق في المجتمع السعودي لتدرك كينونته وخصوصيته, التي يرغب بها أفرادٌ من شعبها, كما أن بعض الآراء للكاتب مستقاة من عدم إدراكه بأن المملكة تعمل بالشريعة الإسلامية وتستقي قوانينها منها, لذا لا اعتراض على ذلك من أغلب شعبها الذي ارتضى قادته وحكومته, التي تحظى بتأييده واحترامه وتقديره ومحبته, بمن فيهم شخصي.
الشيخ أحمد الغامدي باحث ديني ودارس ورجل علم له اجتهاداته التي أجد نفسي مؤيدا له في جزءٍ منها ومعارضاً في أُخرى, ولاهتمامي الشخصي بضرورة تجديد الخطاب الديني وتحديثه وإطلاق الحرية الفكرية بما لا يتعارض مع ديننا الإسلامي وشرعه الحنيف, وجدت أنه من المفيد ترجمة المناسب "حسب رأيي" من هذا التقرير الصحفي الذي ورد بتاريخ 11-07-2016 لأحد أهم الصحف العالمية بالإنجليزية (النيويورك تايمز) وأكثرها انتشاراً وتأثيرا على صناع القرار والعامة على حدٍ سواء, مع حذف ما وجدته تحيزا من الكاتب أو سوء فهم للمجتمع السعودي الحبيب والقريب لقلبي قيادة وشعباً, فلم أخض فيه ولم أترجمه من هذا المنطلق, مع التأكيد على احترامي وإجلالي لرجال الدين والمؤسسة الدينية بالمملكة والمشايخ, الذين وردت مصطلحاتهم بالترجمة من قبل كاتب المقال الأصلي, أياً كان قصده ورأيه من وراء ذكرها والحديث عنها والاستشهاد بها.
كما التمس عذر السادة القراء عن أي خطأٍ محتمل في الترجمة, فجلَ من لا يسهو وأتمنى إفادتي به إن أمكن لتعديله, أما من أراد الرجوع لنص التقرير الأصلي بالإنجليزية فعليه الرجوع إلى الرابط التالي والاطلاع عليه مباشرةً:



http://www.nytimes.com/2016/07/11/world/middleeast/saudi-arabia-islam-wahhabism-religious-police.html?hp&action=click&pgtype=Homepage&clickSource=story-heading&module=photo-spot-region&region=top-news&WT.nav=top-news&_r=0

 

الأربعاء، 29 يونيو 2016

إلى السيد عدنان إبراهيم مع التحية

بقلم: عماد أحمد العالم

29-06-2016



لم أُعنون مقالتي هذه " بالصارم المبين ولا السيف الممدود في الرد على عدنان ابراهيم وتفنيد آرائه" ولا "تجميع الردود العلمية الجليّة على شبهات "عدنان إبراهيم" الخفيّة"، فمثل هذه العناوين لم تعد تصلح لزمننا هذا، ولم تعد ذات وقعٍ على عقل المتلقي ليس لأنها ركيكة,  ولكن لأن لكل زمانٍ لغته وبما يتماشى معه، هذا بالإضافة إلى أن الحوار يجب أن يكون وفق منهج المتلقي، وهو الذي لا أُنكر له اطلاعه ومعرفته وبلاغته وإجادته لطريقة الطرح التي اجتذبت العديد، ليس فقط لفصاحته ولكن لتطرقه لما كان في بعضٍ منه من المسلمات التي أُمر للأخذ بها كما هي والعمل دون نقاش، مع تغييبٍ للاختلاف فيها، حتى جاء عدنان ابراهيم كغيره وأعاد طرحها، وهو بما فعل لم يكن الأول ولن يكون الأخير، طالما الاجتهاد في الأحكام الشرعية قائم والإسلام على قدسيته وعظمته وكماله لم يمنع العقل من التفكير ولم يحجر عليه وإن كان حدد المسموح والممنوع والمكروه والمحبذ (وهنا يكمن أحد أسباب الخلاف)!

ابن رشد على سبيل المثال أثيرت عليه في زمنه علامات الاستفهام التي أدت لإحراق كتبه وتضليله، فهذا العالم مزج ما بين الفلسفة التي اتقنها وجعلها وسيلة للشرح والتطرق لبعض الأمور التي رأوا أنها تتعارض مع الدين، ففُسق وزُندق، وكذلك انتُقد ابن سينا والجاحظ والفارابي والعديد غيرهم، بسبب إبدائهم آراءً تتقاطع مع الدين، لكن الحال مع عدنان ابراهيم مختلف نوعاً ما، فهو ليس بالعالم المتخصص بأحد المجالات الطبية او الرياضية أو الفيزيائية، وإنما لنقل باحث بذل مجهودا لا بأس فيه في قراءة الكتب التي وفرت له وفرة في المعلومات بشأن مواضيع بعينها، شهدت اختلافاً بين العلماء وأثارت فضوله، فاعتنق من الرأي ما هو أقرب إلى نفسه، أو ربما أدعى لإثارة الجدل "أياً كان غرضه"، وتحدث بها في العلن، لتلامس على الفور هوى فئةٍ من العرب والمسلمين بمختلف اتجاهاتها، لتلقى قبولاً لديها وحماساً إما مرجعه أنه تحدث في المحظورات والمسلمات التي تربوا عليها والتزموا بها على الأقل ظاهرياً أو مجبرين رغم عدم اقتناعهم بها، واستشعارهم أنها محل خلافٍ ببن الأئمة والعلماء؛ فيما نزل وقع حديثه على الجانب الآخر مُزعجاً لما استخلصوا منه إما بثاً للفتنة أو تطاولاً على الدين ورموزه او ضلالاً وفساداً وإشاعةً للزندقة والأفكار الهدامة!
ما يثيره الرجل دعاني للبحث عنه والاستماع الى محاضراته ولقاءاته العديدة التي في أغلبها ركّز على مواضيع بعينها وتحدث عنها ونظر، واستشهد بما قرأه من مصادر مختلفة مع شرحٍ له مُسهب لوجهة نظره. بعض المواضيع التي تطرق لها هي قنبلة دائمة الانفجار بعلم الجميع وما زالت تُستخدم لزرع الشقاق بين طوائف المسلمين، كحديثه عن معاوية ويزيد، وقذفه للأخير تارة وحتى التلميح بأنه ربما ابن حرام، واتهامات لأبيه صفق لها الشيعة مثلاً لأنها تتطابق مع ما يكنونه من كره للرجلين، فيما طائفة أخرى من المسلمين تتمثل بأهل السنة ترا في معاوية صحابياً جليلاً وأحد كتبت الوحي لا يجوز الإساءة اليه أو الذم فيه، حتى يزيد ورغم ما قيل عنه إلا أن هناك من يُمجده ويروي مآثره.
مجرد تطرق عدنان ابراهيم لهذا الموضوع وتبنيه وجهة نظر تتطابق مع غير طائفته ومجاهرته الرأي أوجد حالة من النقمة عليه  لحديثه في شأنٍ له اكثر من الف وأربعمائة سنة وما زال سبباً في الفرقة والنزاع، الحديث عنه لن يُقدم أو يؤخر، وغير مفيد أبداً، بل ما لاحظته أنه كلما حاول البعض إخماد الفتنة، خرج علينا من يشعلها مجدداً بطرح رأيه في الحسين ويزيد ومعاوية وعلي، كما فعل قبله حسن المالكي وغيره ممن يطلقون على أنفسهم باحثين في التاريخ!
حين يتحدث عدنان ابراهيم عن الموسيقى وبكل أمانة أراه لم يأت بالجديد، فشخصياً أراها أمراً خلافياً أُختلف فيه، وأميل حتى لحلال غير الماجن منها "والله اعلم"، وسبقه حتى الشيخ عادل الكلباني الذي ارتأى حلال الغناء، فتعرض لعاصفة من النقد والتهكم، كانت شأن الاثنين من فئة معينة ترى في الغناء والمعازف حراما حُرمةً مُطلقةً لا شك فيها ولا نقاش وأيا كانت وطنية أو إنسانية أو عاطفية، وتعتبر عقابها عظيماً، ومارست الدعوة المستمرة  لبيان شديد جُرمها وركزت عليها وفي تحريمها ردحا من الزمن، وكانت من الموضوعات الأساسية التي ترتكز عليها دعوة البعض حتى صورت بأنها من عظائم الذنوب، فيما وكل ما فعله "ابراهيم" هو القول أنها حلال وبل غذاء للروح وأحد متع الحياة التي لا بد من التمتع بها، فتلقفها محبوها وعبر وسائل إعلامية لها ثقلها، فروجوا لقوله وكأنه قدم ما لم يجرؤ أحدٌ قبله قوله أو أوضح حقيقةً غائبة، فانتفض التيار المُحرم لها وبدأ النقاش والجدل، وانشغل متابعو السوشيال ميديا بالحديث وتضخيمه، فتارةً يصفه أحدهم بالعلامة المُحدث المعتدل، فيما آخر لا يتردد بإطلاق لقب "زنديق" عليه ودون حتى أن يعرف معناه، فيما آخرون قد أنشأوا "هاشتاج" للدفاع عنه وعرض مقاطع وحوارات له، قابلها آخرون ببيانات طويلة وصفحات تشرح ضلاله وفساده وشيطانيته، وبالطبع هلم جراً إلى معركة من التلاسن والتكفير والسب والمدح لم ولن تنهي بعد، مع أن ما قاله يردده العديد ولكن دون أن يُلتفت اليهم، لكنه نجح من جعل نفسه خلافياً وقادر على إثارة العواصف عقب حديثه في شأن مُكرر ومعروف وخلافي، أو ربما وجد من يدعمه ويبرزه ويستفيد منه في التنفيس عما في نفسه وقوله دون أن يضطر لقول ذلك بنفسه إما لضعف صوته أو خوفه!
مما لاحظته على السيد عدنان هو تضخم الأنا عنده، وشطحات له غير قابله للتصديق كقوله في أحدها أنه وبعمر الحادية عشر أفحم الماركسيين وأخافهم، فيما أسلم العديد على يده وهو مراهق، وكان عُرضة للقتل والاغتيال، وتحدث الجن من قبل معه وطلبوا منه أن يدعو لهم، والقلم الذي تكسر في الحج وعاد لما كان والرسالة التي وصلته من الله عز وجل "تحاشى وتعالى" بأن ماله حلال، هذا عدا عن حادثة المصباح والمال الذي وجد تحت قدمه والعديد من "الخراريف" التي يتحدث عنها ليظهر للناس كراماته التي يريدها أن تجعله من الأولياء والعلماء، الذين لا ارى في شخصه مرشحاً ليكون أحدهم، فلا يكفي أن تكون قارئا ممتازاً ومحدثا لبقاً لتكون عالما، فتلك صفة لا تُدرك إلا بتقديم الجديد الذي لم يُعرف قبله فقدمه واكتشفه، أما التنظير بأمور معروفة لكنها تكتسب أهمية بسبب ما تثيره من شقاق، فلا تحتاج لعلم بمقدار وجود الشخص المناسب وبالوسائل المتاحة الداعمة لإثارتها وخلق جدل لا ينتهي بطرحها.
مع الزوبعة المتعمدة لبرنامج "صحوة" الذي يقدمه أحمد العرفج عبر قناة روتانا ويستضيف فيه عدنان ابراهيم، تتكرر يوميا المجادلات المُختلقة وردود الفعل، التي كان آخرها من هيئة كبار العلماء في السعودية وحذرت فيه من ضلالاته وسبه لبعض الصحابة ونبهت لتضخم "الأنا" عنده وطالبت المختصين بكشفها، في تعليقٍ تمنيت الا يصدر عنها، كيلا نُعطيه أكبر من حجمه، رغم حق الهيئة بذلك كونها أحد أهم المرجعيات الإسلامية التي يتطلع لها ليس فقط السعوديون وإنما مسلمو العالم، فربما بما قالت ارتأت درأ فتنة أو بيان ضلالة، وقد يفعل الأزهر كذلك، لكني من قومٍ يرون أننا أحياناً من نشعل الفتيل عبر تكبير الصغير وجعل الحمقى مشاهير، مع إقراري بأن الأستاذ عدنان ليس بالصغير ولا الأحمق، وإنما دارس وباحث في العلم الشرعي صوّر له هوى نفسه أموراً وجمل له آراءً بشأن مواضيع بعضها جدلي وفيها اختلاف وأخرى لها تبعات طائفية، فتحدث عنها بأسلوبه المنمق دون أي جدوى أو فائدةٍ من طرحها، ودون تقديم الجديد فيها، فلا هو صحح حديثا ورد عن الرسول وتتبع سنده وأبان قوته من ضعفه، ولا هو أتى بالجديد بشأن فتاوى متباينة ولا هو أكد بالحق والصواب مظلومية الحسين وفساد يزيد وطغيان معاوية مثلاً كما تطرق لذلك أكثر من مرة، كما أنه لم يقدم الحل للتطرف عدا عن تكرير تلك الأسطوانة المكررة لاتهام السلفية والوهابية بأنهم نبع التطرف والإرهاب والدعشنة، مخصصا حديثه بطائفةٍ بعينها دون أخرى ترتكب من المجازر ما هو أسوأ من داعش كالحشد الشعبي العراقي والمليشيات الشيعية الطائفية المدعومة من طهران والتي تنشط في العراق وسوريا، وهو بتجاهله يمنح ايران صك البراءة التي قال فيه سابقاً بأنها ومنذ 150سنة لم تشن حربا على العرب ولم تعتدي عليهم وكأنها قوة سلام؛ عوضاً عن تغاضيه لتشكيلها محور الارتكاز للديكتاتورية في سوريا والنظام الطائفي بالعراق والإرهابي الحوثي باليمن، هذا فضلا عن احتلالها منذ العام ١٩٢٥ للأحواز  العربية، وما تلاها من جرائمها المعروفة ووقوفها على سبيل المثال لا الحصر خلف تفجيرات الحرم المكي، واحتلالها للجزر الإماراتية ودعمها لمليشيات الموت في العراق وسوريا ولبنان وووووو!
لا أنكر المعجزات ولا الكرامات، لكني أُشكك أن البعض منها قد تم اختلاقه وتهويله، لكني ودون شك موقن أن كرامات قدوة عدنان ابراهيم كما شخصه هي من محض اختلاقه، فيصعب على التصديق أن الحلقة الأسبوعية للشيخ عبدالقادر الجيلاني التي أشار اليها في أحد أحاديثه؛ تجاوز حضورها المائة الف شخص، كان الجيلاني فيها يُحدثُ الجمهور وهو يجلس في الهواء مرتفعا ومتكلما وسط بكاء الحضور واندهاشهم لهذه المعجزة الحية أمامهم.
أيغال "ابراهيم" في إضفاء القدسية على شخصه مبالغة وصلت لحد "الهبل" الذي ينطلي فقط على "الدراويش والسذج" المؤمنين بالخرافات لا الكرامات، وهي نقطة سوداء في سجله وسيل من الكذبات لا يُمكن تصديقه، رغم أنه وكما يقول من دُعاة تحكيم العقل ومحاربة الكهنوت والتقديس للشخصيات، في تناقض لا اقول بالفاخر، بل عذرا بالسطحي منه وهو يناقض ما يُنظِّر اليه!
السيد عدنان ابراهيم:
الوسطية لا تعني ابدا التشكيك في المسلمات ولا اقول الخلافيات، كما أنها لا تعني اتباع اهواء النفس في تفسير الأحكام، ولا تجعل من نفسها سلاحاً بيد دعوة أو طائفة أو فئة على حساب أُخرى؛ إنما هي تجسيد حقيقي لطبيعة الدين الإسلامي والأمة الإسلامية التي جُعلت وسطاً، أي لا مُفرطة ولا مُتشددة، وحقيقةً لا أرى في عدنان ابراهيم ومن مثله ممثلاً لها، بل أجده خارجاً عنها قد ضل طريقه بعد أن فقد بوصلة الصح والخطأ فيما عليه قوله والبحث فيه وتجنبه، شأنه كمتنطعين متشددين أساءوا للدين بجلافتهم وتصلبهم واتباعهم مبدأ التحريم الدائم والتخويف والترهيب بدلا من موازنته مع الترغيب. جميعهم أعداء للوسطية ومبتدعون كان لهم وما زال أثر لا يُمكن انكاره في حالة الضياع الفكري والتشتت الايديولوجي الذي يُعاني منه جزء لا بأس به، ارتأى أن يكون تابعا لأحد المتضادين دون أن يُحكم عقله ووفق ما أحله له دينه!

سياحتنا غير

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 22-06-2016



تخيلوا لو أن واحدة من دولنا العربية المحافظة والعامرة بالماء والخضرة والوجه الحسن والأجواء اللطيفة والقوانين المنظمة لشتى شؤون الحياة اشتهرت عالميا وأصبحت وجهة سياحية مستقطبة للسياحة من جميع دول العالم، وخصوصاً البلدان الغنية منها والمتطورة، أي العالم الأول كما يُسمى. المهم (ومازلنا نتخيل)، لو أن جموع السياح التي غزت ذاك البلد مارست الفوضى وعاثت خراباً وهمجية ولوثت الأخضر، فحولته إلى يابس ومارست هواية الشوي "الهشّ والنّش" في الحدائق العامة المخصصة للنزهة العائلية والممنوع إشعال النيران فيها، بل زادت على ذلك وقنصت بطاً بريئاً يسبح في البحيرة مرتاح البال وآمن وذبحته وعملت منه مندي أو مظبي أو متشبوس، أياً كان، وقامت بعد ذلك وصورت فعلتها الشنيعة وجاهرت بها بوسائل التواصل "السوشيال ميديا"، فيما آخرون منهم وباسم الحرية الفردية التي يتمتعون بها في دولهم؛ نزلوا على الشواطئ شبه عراة رجالاً أو بالبكيني نساءً، ولم يكتفوا بذلك، بل أشعلوا نيراناً وتجمعوا حولها ورقصوا وهم يدورون مقلدين الهنود الحمر، فيما قناني الشراب والخمور مرمية في كل مكان، وصوت موسيقى غريبة تصدع بالمكان دون مراعاةٍ لحرمة المستجمين والعائلات والأطفال ولا قوانين الدولة التي لا تسمح بالتعري في الأماكن العامة ولا تدخين الشيشة والنرجيلة ولا المسكرات.. تخيلوا ماذا سيحدث لهم؟ وهل سنعذرهم لارتكابهم الموبقات ولانتهاكهم القوانين وسنسجنهم ونقدمهم للمحاكمة، فيما عُذر دفاعهم عنهم وقتها إن حصل سيكون أنهم من الغرب مثلاً وهذا نمط حياتهم وليس من حق أحد تغييره، أو في مرافعة أخرى يُظهر فيها مدى عنصرية العرب والمسلمين الذين لا يتقبلون الآخر "الكافر" ويفسرون أي تصرف لأفراده من هذا المنطلق؟!
 
لنرجع الآن للواقع ونتوقف عن التخيل، ولنستعد وعينا وإدراكنا ونعيد الأمور لنصابها، أي لنعترف أن الغرب الذي تخيلناه في الموقف أعلاه وللأمانة قد تربى على احترام القوانين، وكتبعية لذلك حين يسافر للخارج "الأغلبية" تمتثل لقوانين البلد التي تنوي زيارته والسياحة به، فهي مثلا إما تلبس "عباية" أو تضع منديلاً على الرأس في الدول التي تجرّم خروج المرأة من دونهما، كما أنهم وبالتأكيد لن يمارسوا العري على الشواطئ ولن يشربوا الخمور في العلن، ولن يقوموا باصطياد الحيوانات والطيور في الحدائق والمحميات الطبيعية، ولن يرقصوا المكارينا ولا السالسا أمام المارة، بل وبكل بساطة سيلتزمون بقانون البلد المضيف، الذي أوضحته لهم إما وزارة خارجيتهم أو سفارة بلدهم فيه قبل حضورهم إليه، وأطلعتهم على المسموح به والمنهي عنه، والنتيجة ولنقل التزام ما لا يقل عن ٩٥ بالمئة‏ منهم، في نسبة لو قارناها بأفواج العرب السائحة لانعدمت إلى ما دون الربع أو يزيد، والشاهد ما يخرج من قوانين وتصريحات وكتابات وتقارير تلفزيونية من تلك الدول السياحية تستهجن ما يفعله السياح من ربعنا في أراضيهم، وانتهاكهم لأبجديات الأخلاق والحرية العامة والممتلكات، التي حولها "الربع" لمجالس لنفث سموم شيشتهم وشوائهم في هوائهم الطلق، منتهكين مثلا حُرمة ومكانة برج إيفيل لدى الفرنسيين أو الهايدبارك عند الإنجليز. لكنهم، وما إن يُمنعوا أو يُعاقبوا ويغرموا وتنتشر قصتهم إلا ويبدأ المنظرون باتهام الغرب بالعنصرية وبالعداء للعرب والمسلمين، متناسين أنهم حتى لو كانوا كذلك فمعهم حق بعد ما رأوا من أُمة المليار ما لا يقبله عقله ومنطقهم وقوانينهم الوضعية التي تربوا عليها من صغرهم، وسيصيبهم بالصدمة أن يرو الغريب ينتهكها بحجة السياحة في بلدانهم!
 
ملاحظة: أقر أني لست بتغريبي ولا أستشهد بالغرب إلا من باب إيضاح ما وصل إليه عالمنا العربي والإسلامي، ولا أرى فيهم مخلوقات فوق العادة أو من جنس آخر مختلف عنا، بل فيهم الصالح والطالح، فالمسألة بالنسبة إلي لا علاقة لها بالدين والعرق واللون، وإنما بالأخلاق والقوانين.


المصدر: جريدة الكويتية -  http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=371260

الثلاثاء، 14 يونيو 2016

كوكتيل الحب والظلم

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 15-06-2016



على مدار اليومين الماضيين شاهدت فلمين هنديين، بالطبع هما من مجموعة من العشرات من الأفلام الهندية التي شاهدتها، كمثيلاتها الامريكية والعربية وقلما تركت أيٌ منها انطباعا دائما أو أثراً في نفسي، وإنما كما يقولون لتمضية الوقت أو للضحك والتندر، وهو شعور عادةً ما أشعر به وبالأكيد الكثير غيري لنقل من عرب إن تابعوا فلماً هندياً، حيث نستخدم المصطلح للإشارة إلى كم الخيال والإسفاف والمبالغة فيها، سواءً من حيث القصة المكررة التي قوامها الطيب والشرير والغني والفقير وقصة الحب التي بطلاها شاب وفتاة أحدهما ثري والآخر غلبان.
 
النهاية في ٩٩،٩٪‏ (كنتائج الانتخابات العربية سابقاً) انتصار الخير على الشر ولم شمل الحبيبين وندم المعارضين السلميين وفناء المتجبرين، وتوته توته انتهت الحدوته!
 
يخرج جمهور المتابعين من صالات السينما في الهند فرحين بعد المشاهدة وهم غير نادمين على ما انفقوه ثمناً لثلاث ساعات من الرقص والغناء التي تتخللها نفس الأحداث والأكشن والدموع ومشاهد سفك الدماء والإيغال في الانتقام والتشفي، يتوجه كل منهم لحال سبيله وفي نيتهم نصح صديق او قريب لمشاهدة الفيلم أو حتى تكرار التجربة إن لامست في نفس المتلقي رغباته الداخلية، التي لا بد أن يكون بعضها واقعيا في بلد المليار، فمما عرفته عن هذا البلد الذي يعد أكبر ديموقراطية في العالم ولا يتدخل جيشه بالسياسة؛ أنه أيضاً وكر للفساد والرشاوى والإجرام والطبقية وانتشار رجال العصابات والاتجار بالبشر وبكل ما هو غير مشروع ومحرم، يقوم عليها رجال ذو نفوذ في المجتمع كما رجال عصابات يفرضون الاتاوات على الناس ولا يعترفون إلا بسلطة القوة والتجبر، وهو أمر شائع جدا في ذاك الركن من آسيا وسمة لمجتمعاتها، لذا ما يصنع من أفلام وإن كنا نراها مبالغة إلا أنها بالفعل حقيقة ولذلك تعبر عنها السينما علها تكون وسيلة لتفريغ الكبت في النفوس من انتشار قانون الغاب، الذي لا يستطيع قانون الدولة أن يلغيه، ليس لضعف قوى الأمن أو لقلة عددها، وإنما لأن تلك التصرفات تبررها أحيانا العادات والتقاليد والدين، الذي يوجد منه بالهند الكثير ليتجاوز الآلاف، والذي يبيح ما لا يقره عقل أو منطق، لكن رجاله والقائمون عليه قد سمحوا به وحبذوه، لذا فليس من المستغرب أن تجد أن وأد البنات وهن أحياء ما زال منتشرا بالهند وكذلك شنقهن وتعليقهن على أغصان الشجر، ورش وجوههن بماء النار، لأسبابٍ في الأغلب لا تبتعد عن "الشرف" الذي ربما لا يعدو أن يكون أن فتاة أحبت رجلا أو هربت معه وتزوجته. من هنا تقوم قيامة الأهل وتُرتكب المجازر في ظل صمت رجال القانون إن لم يكن ضلوع بعضهم فيه، فهم من نفس الخلفية ويعتنقون الدين ذاته، لذا تجدهم متعاطفين مع القتلة والمجرمين ومبررين لبعض أفعالهم!
 
لو كان افلاطون على قيد الحياة وشاهد بعض ما انتجه الهنود من افلام رومانسية لتوجه من فوره إلى ساحةٍ عامةٍ وتنازل عن "حبه الأفلاطوني" ولأقر للهند أنها تقدمت عليه ولسمى حبه "بالهندي" الذي يتجسد فيه اللوعة والحرمان والقهر والمنع والإصرار والوفاء وكل المشاعر الإنسانية التي نحلم بها ولا نستطيع تطبيقها في واقعنا. هو حب يمثل لإصحابه محور الكون وغايته وسعادته الأبدية، التي حولت مراهقي هذا الشعب "لحبيبة" غاية الكل منهم أن يُحِّب ويَنْحَّبْ وينال مناه في النهاية كما يشاهد في الأفلام التي تحقق له تلك الغاية في خياله وإن استحالت في واقعه.
 
إذن "كوكتيل الحب والظلم" هو جزء من واقع تلك الدولة وليسا خرافة مُختلفة، بل هو مرآة تعكس ما في مجتمعه الذي يقطنه الملايين من الفقراء الذي يعانون من القهر ويطمحون للحب عله يعوض ما في نفوسهم وهو بالمجان، وهم في ذلك اكثر صدقا منا نحن معشر العرب وحتى من الأمريكان، الذين لا نلومهم ولا نستغرب ما تنتجه لنا "هولويدهم"، رغم كمية الكذب والشطح والنطح فيها، من "رامبو" المبيد لجحافل جيوش الأعداء في فيتنام "لمجايفر" الذي يمتلك حلا لكل معضلة، لحرب الكواكب والنجوم، لأسطورة الجيش الأمريكي الذي لا يُقهر، وهي إن دققنا فيها سنرى أن "بوليود" أمام خرافات "هوليود" كالقزم الصغير أمام العملاق فارع الطول، لكن ذلك غربي أمريكي نصدقه ونصفق لإبداعه، وذاك هندي اسمر البشرة آسيوي نضحك عليه ونتندر!
 
مع كل ما ذكرته ومع ذلك أنصحكم كل فترة وأخرى أن تتابعوا فيلما هنديا عله يوقظ إنسانيتكم ويغمركم بقليل من الرومانسية والمشاعر تعوضكم عما تفتقدونه في حياتكم من جمود بالأحاسيس وقبول بالأمر الواقع على بشاعته وغبنه!


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=370974

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...