الجمعة، 13 مارس 2020

الرأي الواحد والاعتدال في الفكر الإسلامي

جريدة الرؤية
13-03-2020
عماد أحمد العالم


التكفير في حده الأقصى أو الرفض، بناءً على الممارسة الثقافية المميزة لبعض الشعوب والثقافات لا المعتقد، سلوك شاع بفترات متعددة من التاريخ الإسلامي، من أمثلته، أنه: «خروج عن نهج أهل السنة والجماعة»، وهي الجملة التي إن أُحيلت للرأي الواحد، تتحول لعبارة فضفاضة، تستخدم، خلافياً، بعد إسقاطها بشكل متعمد على ما يُمكن احتمال عدم الجزم بحلاله وحرامه أو صوابه وخطئه.
وهي بالفعل الحال التي صبغت عقوداً قديمة وقريبة، سابقة لعصرنا الحالي بأوجه لا تزال إلى اليوم، إلا أنه السمة البارزة التي قامت عليها تنظيمات وحركات عقائدية، بعضها دعوي سلطوي وآخر معارض مسلح بالدول الإسلامية، حيث يظهر فكرها المتشدد، جلياً في مفهومها لتقبل ثقافة الاختلاف في تفسير النصوص الدينية بما فيها من تشريعات وممارسات وعبادات، وأخذها من جانب واحد، ووفقاً لفهمها الأكثر تشدداً، ومن ثم إسقاطه بالقوة الدعوية أولاً، وبعد ذلك بالتحالف مع السلطة على الأغلبية من العامة في دولها أو الأقلية، دون فرق بينهما، أو إن كانت خارجة على الدولة بالقتال ضدها وشن حرب عليها.
فرض الرأي الواحد حمّال الأوجه، أضر بالأمة الإسلامية، مفضياً لنزاع ومشعلاً للجدل، ومُلهٍ عن قضايا الأمة الأهم، ومن عواقبه خلق الفتن المستنزفة للكيان الإسلامي والمُقصية والمبعدة عن الوحدة الدينية، فكان له بذلك الصوت الأعلى، وسط دعوات وسطية لم يحالفها الحظ، نادت بالتقارب والتعايش والمواءمة مع المختلف، وإحسان النية، منهم على سبيل الاستشهاد: العالم الإسلامي محمد عبده، الذي أقتبس منه قوله: «إذا صدر عن إنسان قول يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، يجب حمله على الإيمان».
فلا بد أن نشير إلى أن الانتشار والقوة التي حظيت بهما الدعوات المتشددة، لم تكن لها، لولا شقَّانِ، هما: الحاضنة الشعبية التي تبنت آراءها، ودعمتها ليس، اقتناعاً مطلقاً بآرائها الدينية والفقهية، وإنما نكايةً بالسلطات الحاكمة، ونقمةً من الفساد السياسي والمالي، ودولة القانون، هذا من جهة، ومن أخرى يتجلى الشق الثاني بالتحالف بين رجال الدين والسياسة، حيث يمنح الحكم زمام السلطة الدينية لرجال الدين، الذين بدورهم يتمتعون بقوة دعوية كافية، ومؤسسات لدعم مكانتهم وسلطتهم، الداعمة بدورها، لاستمرارية الحكم ورجاله عبر الخطاب الديني الموجه والمؤدلج.



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2119488-الرأي-الواحد-والاعتدال-في-الفكر-الإسلامي

التبني من وجهة نظر إسلامية

جريدة الرؤية
06-03-2020
عماد أحمد العالم



التبني من أعظم الممارسات الإنسانية التي توليها الشعوب المتحضرة والأمم الأخلاقية أهمية خاصة، وتشرف عليها جمعيات حكومية وأهلية لضمان حصول الأطفال المحرومين من كنف العائلة على عائلات بديلة، تسمح بانخراطهم معها وبناء أسر جديدة، لينتج عنها مواطنون أسوياء يكونون جزءاً من المجتمع لا عالة عليه، بنائين لا مغمورين وقابعين في السجون أو مشردين ونكرات نتيجة إهمالهم وتركهم لتتمكن منهم العقد النفسية والظروف القاهرة والخطرة لينغمسوا في الجريمة والرذيلة، يكرسها واقع غياب البيئة الأسرية عنهم وتوحدهم في دور الرعاية الاجتماعية التي لا يمكن أن تكون بديلاً عن أسرة مكونة من أبوين يلعب كل منهما دور الأب والأم أو من ينوب عنهما لإعداد النشء.
بالطبع، التبني في الإسلام محرم ولا خلاف عليه لحفظ حقوق الورثة وكرامة النسب للأب البيولوجي والحرص على عدم إشاعة البغضاء والحسد داخل العائلة الواحدة وبين الأبناء، لكن الإسلام الذي يحرص على الحق والعدل قد رعى التبني بمفهوم آخر لا يقل أهمية، وجعل أجره وثوابه أكثر من المتعة الدنيوية بأن يحظى زوجان بالأبناء، بل يمتد جزاؤه للآخرة، والمعني هنا رعاية الأيتام والأطفال الذين هم بلا مأوى وعائلة وكفالتهم والسعي خلف توفير كافة التزامات الحياة تجاههم، وحتى تربيتهم والعناية بهم، ليكونوا متساوين في الحظوظ والفرص مع نظرائهم، فيصبحوا جزءاً من المجتمع وعاملاً في بنائه وازدهاره دون تبعات نفسية وبيئية واجتماعية عليهم، ولكيلا يشعروا بأن فرصهم في الحياة الكريمة تقلصت بسبب يتمهم أو نبذهم من عائلاتهم التي تخلت عنهم.
لكل شعب طريقته في تحمل المسؤولية الدينية والمجتمعية والإنسانية تجاه أطفال بلا عائلة ومأوى، ففي حين جعل الإسلام التكفل بهم ذا أجر عظيم لا يُضاهى، دعت الأديان الأخرى والشعوب لتبنيهم ودمجهم بالعائلات التي ترغب في ذلك، وجميعها ممارسات إنسانية بامتياز، كما أنها روحانية وعاطفية واجتماعية تمثل التكاتف والتآزر المجتمعي وتظهر روح الأخلاق والقيم الحميدة التي يتحلى بها الأفراد تجاه من هم بأمس الحاجة للرعاية والعناية، دون ترك مسؤوليتهم على الدولة فقط، التي وفرت لهم دور الرعاية الاجتماعية، التي مهما كانت درجة مسؤوليتها والتزامها وأمانتها، إلا أنها لا تغني عن المشاركة المجتمعية للأفراد، فمن خلاله فقط تكون لبنات المجتمع قويمة وسليمة بديمومة الحياة وتخريج أفراد قادرين على الاستمرار بالحاضر وصناعة المستقبل. 


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2117833-التبني-من-وجهة-نظر-إسلامية

التاريخ وفق اللاهوتية والمثالية والمادية

جريدة الرؤية
28-02-2020
عماد أحمد العالم



من الذي يصنع الآخر.. التاريخ أم الإنسان؟ وهل يصح القول إن الإنسان فضلاً عن كونه من يكتب التاريخ هو من يصنعه، أم أن التاريخ هو اللبنة التي أنشأ عليها الإنسان مملكاته، وبنى عليها تراثه وحضاراته عبر تجاربه وخبراته، التي كونها بأفعاله وموروثه الفكري والاجتماعي والديني والسياسي، ومنها انبثقت مفاهيم التاريخ اللاهوتية والمثالية ومن ثم المادية؟.. حين يكون المعتقد المرجع للتاريخ وأحداثه، يتصادم العقل مع أجزاء منه يعدها لا تتوافق مع المنطق والدليل، بينما تشكل النصوص لاهوتياً أرشيفاً للأحداث التي امتزج العديد منها بالأساطير، وتضاربت أخبارها حسب الدين الذي سردها، والداعي بدوره للأخذ بها دون انتقائية كمسلمات غير قابلة للتشكيك مع الإيمان والتسليم، ويدخل معها بنفس إطار الماورائيات غير المادية الحسية، المُتحكم بها من قبل الإله وكلٌ حسب معتقده بما فيها الكائنات الغيبية الخارقة المتحكمة بتسيير عجلة الكون وما يجري به، وهو ما قوبل من قبل اللادينيين بالتشكيك، فبنظرهم الإنسان من يصنع التاريخ لا الأخير المُسير.
قدّرت التوراة عمر الكون بـ5000 عام، بناء على نصوص وردت بأسفارها، وحوالي 7500 سنة حسب الإنجيل، فيما لم يحدد الإسلام زمناً لعمر الأرض، أما العلم الحديث فيراه قياساً على عمر النجوم والانفجار العظيم المقدر بما بين 10 و20 مليار سنة، وأن الأرض وجدت قبل 4 مليارات عام، وعاش عليها الإنسان الحديث قبل 40 ألف عام.
وهذه جميعها أرقام بحثية لا يمكن الجزم بها، لكن العبرة من ذكرها تبيان التناقض بين الفهم التاريخي المبني على العلم والمادية واللاهوت.
تقوم المثالية التاريخية على أساس أن الإنسان مخير لا مسير لاختيار الخير أو الشر مستخدماً العقل، وهو الذي بناءً على ما يحمله واستخدامه تنتج أمم متقدمة صنعها رجال عظماء بأفكار عظيمة، ومن ثمّ بالأفعال بنت مجدها، وأخرى بدائية لم تستفد من منظومة العقل ولم تمتلك أفكاراً ترجمت لأفعال.

المعضلة التي يقوم عليها مفهوم المثالية هي إرجاعها الإنجاز للفكر المُشكل للتاريخ، ولكن دون معرفة مصدره ومن أين جاءت الأفكار من الأساس.
وتُرجع المادية التاريخية مفهومها لجميع أفعال الإنسان وأفكاره إلى البيئة المادية التي وُجد فيها، وهي التي لا يمكن إنكار منطقها من منطلقات إنجازات الدول المتقدمة، التي وفرت لشعوبها مقومات التطور والإبداع، فتقدمت بها بخلاف الدول المفتقرة لذلك.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2116090-وفق-اللاهوتية-والمثالية-والمادية

الأربعاء، 26 فبراير 2020

صانع الجمال والإيحاء

جريدة الرؤية
21-02-2020
عماد أحمد العالم



في تشبيه بسيط ومثال لشرح قدرة الأدب والفن على صنع الجمال من حولنا، وتحريك مشاعرنا تجاه أمر ما أو عمل فني بعينه، قد نراه عادياً غير ملفت للنظر، لنستحضر رسمة لفتاة على بورتريه كتب عن نظرتها المنكسرة الدامعة، ونحرها الصافي الرقراق، وكتفها الذي زل عنه ما يغطيه بحرج، كما خصلات غجرية شاردة تتهاوى على خدها المورد النمش، فيما فمها مكور كخاتم لازورد يحفظ خلفه أسنان كلؤلؤ مرصوص، لو أمعنا النظر في صورتها وهي مركونة في زاوية منسية من متحف ذي إضاءة خافتة غير مناسبة لا يتحلق حولها أحد، لوجدناها عادية جداً ولمررنا بجوارها مرور الكرام دون اكتراث.
في المقابل، لو وضعت ولن أقول في اللوفر بباريس ولكن في صالة عرض لفنان لوقف بجوارها فخوراً بإنجازه العظيم، مطوقاً بعدد من الصحافيين والمهتمين بالفنون، ومعهم جمهور من الزوار أثار فضولهم التجمع حولها، بأجواء هي مزيج من الإطراء والتحليل والنظرة الأعمق المستفيضة في أبعادها ومقاصدها والتمحيص والتفحص بأدق تفاصيلها، التي استلهمت شاعراً تصادف حضوره، فنظم بها بيتاً يعبر عن جمالها الأخاذ ولمحة الحزن والوميض بعينيها اللتين منحاها سحراً يسلب لب مُشاهدها، فكانت غلاف رواية لكاتب مشهور، وجوهر تقرير لصحافي بمجلة واسعة الانتشار يتحدث فيه عن امرأة منحت الجمال شرفاً بتصويرها، ليثير بعد ذلك فضول العامة والمختصين لرؤيتها وتصويرها والتغزل بفتنتها التي هي نفسها المنسية سابقاً!
السر في الاهتمام المفاجئ حولها وتغير نظرتنا لها هو ما أضفته مقدرة الفن، ورجاله على الإيحاء بصورة ذهنية مميزة لها التقطها الآخرون، فتشكلت بمخيلتهم بعد أن تدخّل الأدب بها، لتُمنح مكانة ملفتة للانتباه، فكُلئت بالرعاية مع هالة من الفرادة والمكانة جعلت منها أيقونة يتم التغني بها حاضراً ومن ثم على مر العصور.
الآن وبعد أن أدركنا ما للأدب من قوة مثيرة للخيال ومحفز للشغف الإنساني والعاطفي، لنستحضر مجدداً الموناليزا لليوناردو دا فينشي، ولوحة فتاة ذات قرط من اللؤلؤ أو كما يحلو للكثير وصفها «الموناليزا الهولندية» ليوهانس فيرمير، ولنمعن النظر فيهما بعيداً عن كل ما قيل عنهما، ولنتساءل: هل حقاً هما أسطورتا الجمال أم جمال بعين ناظره، رسمته ريشة فنان، نال حظاً وخلدت أعماله بعد تأثير الأدب صانع الجمال ودعمه له؟



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2114361-صانع-الجمال-والإيحاء

نظرية «الحدث التالي»

جريدة الرؤية
14-02-2020
عماد أحمد العالم



كثيراً ما نفترض أن لكل حدث سبب يسبقه، فنربطه به لا إرادياً دون الأخذ بالاعتبار مسببات أخرى ليست لها إطلاقاً علاقة مباشرة بالحدث، وقد يكون حدوثه كتوابع ظرفية لها، والتي لا تعني بدورها في حال حصولها مرة أخرى أنها ستقود إليه.
لنأخذ مثالاً يوضح المعنى، فقد نُسب لعالم النفس فلينسمارك قوله: «إن ظهور الأحذية في العالم الغربي قبل 1000 عام قد تبعه بوقت قصير ظهور أولى حالات المرض النفسي المعروف الفصام»، وبذلك صرح دون دليل علمي ودراسات بحثية معمقة ودقيقة على أن للأحذية دوراً بظهور الفصام، ومن دون أن يستدرك واضعاً بالاعتبار أسباباً أخرى أكثر منطقية كالتقدم والتحضر، وزيادة ضغوط الحياة والظروف المعيشية المستجدة والتقدم التكنولوجي والعلمي والحروب مثلاً.
ومن منطلق ومفاهيم علم النفس، تسمى مثل هذه الاعتقادات بفرضية «الحدث التالي»، حيث يؤمن العديد من الناس بأن وقوع أمر ما مرتبط حتماً بحدث يسبقه، وهو من الخرافات الدارجة بين البشر، والتي ترفضها الدراسات والأبحاث المتخصصة، نافية وجود ما يسمى بالرابط الوهمي، وداعية إلى رؤية الصورة من إطار أوسع، وتحليلها، بعيداً عن خرافة أخرى دارجة ومنتشرة، وحتى يخصص لها بعض المتخصصين دورات ونشرات يصفونها فيها بالحاسة السادسة والحدس، وربطوها بالظروف الزمانية والمكانية التي وقع بها الحدث.
والتشاؤم والتفاؤل، بدورهما لا بد من أن يكونا تطبيقاً عملياً واسع الانتشار بين شتى الشعوب والأمم، ففي الأذهان عادة ما يرتبط لدى النفس وقوع مكروه لشخص إن سبق رؤيته مثلاً ما درج عنده على أنه نذير شؤم، أو قيامه بعمل ستكون مآلاته حدوث أذية ستلحق بصاحبه.

والعين الشريرة والحاسدة لا تختلف كثيراً عما ذكرناه سابقاً، ومنها عمد البعض لردعها عبر التعويذات ولبس الخرزة الزرقاء، وبالطبع العديد والكثير غيرها من الطرق التي يسعى أصحابها من خلالها لرد أي ضرر ناتج عن نفس لا تتمنى لهم الخير.
في عصور الظلمة الأوروبية، كانت بعض هذه الممارسات أكثر تطرفاً ووحشية، فقد درج رجال الدين على وصف كل رأي مخالف لمعتقداتهم بالهرطقة والسحر، وجرى إيقاع عقوبات وحشية قاسية على من وُصموا بارتكابها، فكان مثلاً يُعمد لرمي من تُتهم بالسحر بالنهر، وهي مربوطة بحجارة؛ فإن طفت فهي ساحرة وستقتل، أما إن غرقت وهو الحاصل بسبب الأثقال المقيدة لها فهي بريئة، وبذلك ستموت بكلا الحالتين، دون أن يستدعي ذلك وعياً بخطأ تصرفهم.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2112603-نظرية-الحدث-التالي

الانعزاليون.. ماذا صنعوا بنا؟

جريدة الرؤية
07-02-2020
عماد أحمد العالم



الانطوائية ليست ـ كما يروَّج لها ـ عيباً وخللاً نفسياً منافياً للطبيعة الإنسانية، التي رسمتها مخيلتنا البشرية على صورة واحدة مقبولة تُرى فقط في الأشخاص الانبساطيين، الذين يملؤون الأجواء حولنا بالضجيج والحديث والفعاليات المثيرة للمتعة والضحك والانبساط، وهي الأحداث التي منحتهم تفوقاً طفيفاً من حيث العدد مع نظرائهم المختلفين عنهم من الجنس البشري المائل للهدوء والسكينة.
مع ذلك تكاد الكفة تميل للانعزاليين من حيث الإنجازات المقدمة للبشرية، فلولاهم لما عرفنا نظرية النسبية لألبرت أينشتاين وقانون الجاذبية لإسحق نيوتن، ولما استمتعنا بروايات وأفلام هاري بوتر لجوان رولينغ ومزرعة الحيوان لجورج أورويل، وقائمة شندلر لتشارلز شولتز، وغيرهم، حيث العامل المشترك بينهم جميعاً الانطوائية وإخوتها الخجل والجدية والتحسس ـ وإن لم تمثل الأغلبية بالضرورة ـ، فواقع الحال يقول: إن هناك انبساطياً هادئاً ومندفعاً، وكذلك انطوائياً، ومن غير المستغرب أن تجد انطوائياً غير خجول، وعلى النقيض منه، انبساطياً خجولاً.
الانطوائيون هم المفكرون الذين تنبع قراراتهم ورؤاهم من دواخلهم دون مؤثرات خارجية لإرضائها واكتساب ودها والتمظهر أمامها، عكس الانبساطي الذي يرى بالأضواء ساحته التي يجيد اللعب فيها، تعزز ذلك الصورة الذهنية المرسومة له حيث البشاشة والوسامة، بخلاف العبوس والقبح والضعف وعلامات المرض والشرود للانطوائي كما جرت عادة تصوره ووسمه.
بمقارنة بسيطة سنجد الانطوائي وسيماً أيضا وجذَّابا، ميالاً للهدوء والتأمل والفردية والتروي والاستماع قبل الحكم واتخاذ القرار، منجذباً لعالم الأفكار والمشاعر، تمنحه العزلة والخلوة وجوده وطاقته المتجددة، بينما الانبساطي يجنح للعمل والسرعة بالحكم والفعل والمخاطرة والتحدث أكثر من الإصغاء، كما أنه جماعي ميال لحياة الناس والأنشطة الخارجية، التي تمنحه وجوده وكينونته منعاً لخفوته وانكفائه ووهجه.

يقول لاو تسي: الذين يعرفون لا يتكلمون والذين يتكلمون لا يعرفون.. فهل يمكن إسقاط هذا القول على الانبساطيين والانطوائيين؟ ربما، ولكن دون الجزم، مع الوضع بالاعتبار الثقافات والبيئة وظروف أخرى حتمية، بالإضافة إلى ثقافة الطبع التي تتحكم بدورها بتكوين الشخصية، ومن غير المستبعد أيضاً أن تكون نواتها مرحلة الطفولة التي لا يجب أن تثير مخاوفنا إن صدف واستشعرت حواسنا كآباء شخصية هادئة لطفلنا، فذلك لا يعني أنه معقد ولا يمكن الحكم عليه إلا بالمخرجات لا ما يبدو لنا ونظن! 


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2111088-الانعزاليون-ماذا-صنعوا-بنا

الخميس، 6 فبراير 2020

الرواية والواقعية التشاؤمية

المجلة العربية
31-01-2020
عماد أحمد العالم



حين كتب نزار قباني: (الحب ليس روايةً شرقية بختامها يتزوج الأبطال).. هل كان يسير على نهج من سبقه ويدعو كما مَن كتبوا قبله لمذهبٍ أدبي يتجلى بالواقعية التشاؤمية في الكتابة والرواية على وجه الخصوص. لا أعلم إن كان هناك مصطلح في النقد الأدبي لهذا الوصف الذي أطلقته على سمة بارزة جداً في أغلب أهم الأعمال الأدبية العربية منذ قرن وحتى اليوم -وإن كان كذلك طال الأدب العالمي-، اتسمت بعدائها الشديد مع كل ما يجلب الانشراح للقارئ من أحداث ونهاية كانت على الدوام صادمة إما لإمعانها في حوادث أليمة أو غريبة أو لا معنى لها أو (كمن يقول) كما في ثلاثية نجيب محفوظ، للقصة بقية دون أن يكون لها في الواقع!
للرواية مدارس كما للصوفية طرق ومنها ما هو خيالي ووجداني سردي وكلاسيكي وكذلك واقعي يتحدث عن نمط حياة وأسلوب عيش وأحداث حقيقية وقضايا مجتمعية دون مواربة أو خجل وتلطيف، يجب أن تحتمل منطقياً شقي الحياة من تعاسة وفرح، فيما الظاهر منها والغالب عليها هو غلبة الشقاء، الذي لا ينكر أحد أنه من أساسيات الحياة في المجتمعات العربية الفقيرة أو تلك القابعة تحت وقع الظلم والجور والديكتاتورية والطبقية، إلا أنّ من المُنصِف أيضاً إظهارُ الطرف الآخر من المعادلة دون تغييب وهو الجانب المُفرح، الذي لا بُد من إدراك تغييبه المُتَعمد في مقابل الحزن والمصائب والأحداث المفجعة التي تم سبكها وسكبها في تسلسل من الصدمات التي تبعث الغم وتحيل الحياة لمنظومة تعيسة مما يُكدِّر رغم وجود ما يستحق الحياة فيها وإن قلّ وندر!
المدرسة الواقعية في الرواية العربية ضرورة حين يطمح الراوي لتصوير حالة بعينها أو مجموعة منها في مجتمع أو بيئات مختلفة، ولكن دون أن يطغى عليها عنصر دون آخر، فتصوير المشهد من بدايته لنهايته يتطلب ألا يكون على منوال واحد من القتامة التي لا بد أن يتخللها انفراجات ومسرات ليست من باب الخيال وإنما واقع لا بد من إظهاره أيضاً، فلا ظلام وإن اشتد دُمسه خالد، فللنور شعاع سيظهر وإن طال أمده، كما أن التفريق واجب بين نقد منطقي في السرد وبين آخر موغل في السوداوية التي طغت عليها التشاؤمية المفرطة، التي حلت مكان (الواقعية المنطقية) المنوط بها تصوير الفكرة دون إسراف في الجلد، وفرضها بالقوة على القارئ عبر إثارة السلبية لديه، مما سيؤدي به إلى قناعةٍ مسبقة ستبعده عن إدراك الغرض.
بعض الكُتّاب على سبيل الاستشهاد ارتبط نمطهم بنهج معين يسبقهم لمخيلة من أراد الاطلاع على أيٍ من إنتاجهم الأدبي، فكافكا مثلاً أحد من لن تتوقع سوى الكآبة والألم حياله، فروايته المحاكمة ستخرج من قراءتها بقناعة عن ماهية بقية إنتاجه الأدبي، أما (المسخ) فيقف كافكا فيها متوجاً بأعلى درجات الخيال الغارق بالبؤس، فيصور بطل العمل بالمتحّول إلى حشرة ينظر من خلال عيونها لبؤس العالم حتى تنتهي حياته. من الأعمال الأخرى الأشد قتامة أذكر رواية 1984 لجورج أورويل، ونكات للمسلّحين لمازن معروف، وشرق المتوسط لعبدالرحمن منيف، دون أن ننسى بالطبع الأبله لدوستويفسكي ورواية في بلاد الأشياء الأخيرة لبول أوستر التي ستفتح في وجهك عالماً موغلاً في القتامة!
الرواية ببساطة هي حدوته يريد راويها أن يطلعنا عليها وكلٌ حسب أسلوبه وخياله، تتنوع الأحداث فيها والنهايات وفق ما ارتأى كاتبها لترضي مختلف الأذواق التي لا تتفق على هوىً واحد، لذا فربما تلك الكئيبة تلامس شغفاً ما لدى مطلع لا يجد آخر مناقضٌ له فيها سوى الغمّ والنكد على خلاف أخرى بنمطٍ شرقي كما تصوره نزار قباني بختامها يتزوج المحبان!!



المصدر: صحيفة الرؤية - www.arabicmagazine.com/Arabic/ArticleDetails.aspx?id=7227

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...