الجمعة، 3 أبريل 2020

صناعة التفاهة

جريدة الرؤية
01-04-2020
عماد أحمد العالم



مقارنة بالسابق وتحديدا بعقود قد مضت، باتت صناعة التفاهة وأنظمة التهريج في عصرنا الحالي هي من تشكل الذائقة لغالبية جمهور المشاهدين من مختلف الأعمار، وإن كانت أكثر بكثير بين الفئات الشابة وربّات المنازل والأطفال، المكونين بدورهم للعملاء المحتملين والمرغوبين للشركات المعلنة والراعية للبرامج، والتي تقوم بدورها على سياسة الكم والعدد وليس الكيف وجودة المحتوى، فليس المهم ما يخلق أثرا راقيا ويرتقي بالذائقة الجماهيرية، وإنما المجدي اقتصاديا والمحفز لسرعة دوران العجلة التجارية المدرة للأرباح، في سلسلة حلقاتها هي المستهلك سواء كان المتفرج في منزله أو الشركة التي تدفع مبلغا ماليا للقناة التلفزيونية كي تعلن لها أثناء عرض أحد البرامج التلفزيونية.
أما أكاديميا، باتت الجامعات والمعاهد البحثية وحتى بعض الرصين منها تابعة لقوى المال الراعية لكراسٍ بحثية فيها لأغراض معينة، والمساهمة عبر أعضاء منها مُعينين في مجالس الإدارة الجامعية، لاستقطابها صوب المواضيع والآراء الداعمة لعمالقة الصناعة والتجارة والتعدين والزراعة وغيرها في العالم، لتسهم كنتيجة بتأكيد وجهات نظر الرعاة الماليين، من خلال ما ينشر ويصدر من أبحاث أكاديمية ومخبرية تنفي شكوك المنظمات الدولية والمجتمعية وغير الربحية المثيرة لها ودفنها بحجج ملفقة، والتي أصبحت الطرف الأضعف في المواجهة بسبب فقدانها قدرتها على استقطاب المتخصصين، وخصوصا بعد التحول الجذري الاقتصادي الذي يشهده التعليم والذي أمسى مؤثرا على استقلاليته، من لحظة ما بات جزء من ميزانياته يتحصل عبر المساهمات والتبرعات من أقطاب الصناعة ولوبيات ضغطها وتأثيرها، المستفيدة بدورها من الجانب الأكاديمي في سبغ المصداقية على بياناتها ومنشوراتها كلما ظهرت احتجاجات مشككة بها ومطالبة بردعها ومعاقبتها والحد من أنشطتها.
صناعة الترفيه هي الأخرى رهينة لسطوة التجارة والمال، بما في ذلك الفن والفنانين، وأحد أهم المسهمين بصناعة التفاهة والإسفاف والانحدار بذائقة العامة الشعبية للحضيض، عبر استغلال النفوذ والمكانة والحضور لتمرير أجندة المنتجين وأغراضهم الربحية.
في هوليوود، صناعة الترفيه ليست فقط مادية بحتة، وإنما أيضا هي أيدولوجية تتعمد تكريس أفكار وقناعات ومفاهيم للمشاهد عن مواضيع بعينها تتناولها بتكرار متعمد وبصورة سواء كانت سلبية أو إيجابية مقصودة لما يُراد الحديث عنه والإشارة اليه.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2125111-صناعة-التفاهة

الأنا المتحولة من الصورة

جريدة الرؤية
27-03-2020
عماد أحمد العالم



استوقفتني كلمة سيلفي التي احتفل بها قاموس أوكسفورد ككلمة السنة في عام 2013، لأبحث عنها من باب الفضول لمعرفة تاريخها، حيث اتضح لي وكما قرأت ظهورها لأول مرة عام 2002 في موقع أسترالي، أما الاسم المضاف له حرفا «ie» لإضفاء البعد العاطفي فمشتق من كلمة «self» الإنجليزية التي تعني نفسي، أي «أنا نفسي» وربما تعني «أنا وحدي» ومع تحوير قليل من قبلي سيخدم المعنى الذي أريد إيصاله؛ ستعني «الأنا» المتحولة من الصورة التي نحب أن نرى أنفسنا فيها، ويجدنا عبرها الآخرون كما نريد لهم أن يفكروا عنا؛ للنرجسية والذاتية المفرطة المفتعلة والبعيدة عن الواقع حتى لو تعارضت معه، وشكلت تناقضاً بين المؤمن به والظاهر المرئي للآخرين، الذي لم يعد يقود لواءه الشباب والمراهقون وإن كانوا في طليعة مستخدميه حالياً، فقد انضمت إلى عاصفته جميع الفئات العمرية والمجتمعية الطامحة بتدوين اللحظة للاحتفاظ بها، ربما بقدر يقل بكثير عن غاية أخرى وهي نشرها والاستعراض بها في العوالم الافتراضية المحيطة بنا من كل جانب، والمسيطرة على حياتنا دون أن نستطيع الاستغناء عن وهجها وهالتها المحكمة قبضتها علينا يوماً بعد آخر.
ربما أصبح من الصحيح القول: إن التكنولوجيا الرقمية لم تغير العالم بمقدار ما غيرتنا نحن مستخدميها بعد أن اختلف فهمنا لهذا الكون مفتوح الحدود، والذي يعد السمارت فون وإخوته التابليت والحواسيب المحمولة وسيلة تواصلنا مع بعضنا، ولساننا الذي استبدلناه برمزية الإيموجي اليابانية، حيث الصورة تتحدث دون أن تنطق، وحيث كلمة «مودتي» «وشكراً» نعبر عنها بباقة ورد، «وأشعر بالخجل» بوجه محمر الوجنتين، وغيرها من رمزيات أفقدتنا جمال عواطفنا الإنسانية الصادقة، فباتت جامدة مستهلكة المعنى وإن كانت رسمت له إلا أنها كحال السيلفي خالية من المشاعر، وربما استعراضية أكثر من كونها وجدانية، وتنبع من الذات في ظل خرسنا الإرادي، الذي فرضته الصورة الرمز التي تحمل في طياتها ما يرتسم على وجوهنا، ونريد قوله وفعله وإظهاره لمن في الطرف الموازي من العالم الآخر الافتراضي السريع الوتيرة والعملي مقارنة بالحقيقي، من حيث الاختصار المجرد من كل ما تتسم به طبيعتنا الإنسانية المختلفة عن الآلة، التي بتنا نعرف بها، وأضحت من تَسِمنا وتعرفنا برقم يسمى الآيبي (IP) فريد، ويمثل اسمنا في بحر الإنترنت لا نهائي الحدود.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2123151-الأنا-المتحولة-من-الصورة


الشفافية.. وجهة نظر أخرى

جريدة الرؤية
20-03-2020
عماد أحمد العالم



كثيراً ما تمر بنا كلمة الشفافية محدثة تلك الرعشة اللذيذة لنسيم ربيعي في يوم صيف لاهب، وقرصة برد مؤلمة ذات شتاء قارص، بمرورها الذي يحمل الضدين من الترحيب والرفض، ندرك جيداً أننا لسنا من العالم الأول الذي يقدسها، وجعلها سمة حياته السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ولا تلك الكيانات القابعة في آخر القائمة من دول تمثل الشفافية بالنسبة إليها، ضحكة تثير القهقهات بدلاً من الخوف من العقاب، إذا نحن في منتصف البين وبين، حيث نتمنى أن نرقى لأعلى درجات السُّلم، وفي الوقت نفسه نخشى مآلات هذا الرُّقي وما يمكن أن يُكشف من سوءات نراها فتنة ملعون من يوقظها من سباتها العميق، فطالما هي غارقة في ظلماتها، فدعوها فربما تكون منتنة، ومن الأسلم عدم كشفها حتى لا تزكم الأنوف رائحتها.
بعيداً عن المثالية في الطرح وأحلام المدينة الفاضلة، دعونا ننظر للشفافية من وجهة نظر أقل إجلالاً، ولنرى إن كانت بالفعل مطلوبة بالمطلق، أم يجب أن تطبق، فقط، وفق حدود مرسومة، حتى لا تتحول من سلاح للنزاهة والأمانة إلى وسيلة لإلغاء الخصوصية والسبق الإعلامي والسياسي، وطريقة يلجأ لها الأضداد في كل مجال، للنيل من خصومهم عبر إثارة علامات استفهام حول شؤون، من العبث السعي للكمال فيها، فوجود أخطاء وتجاوزات أمور يجب أن تُغتفر طالما نحن بشر معرضون للخطأ والزلل، ولا مانع من تجاوزها، طالما لم تؤدِّ إلى الضرر.
تشكيك الشفافية في كل شأن لا يُعلن عنه، يجعل منها عنيفة وظالمة أحياناً، ومنتهكة للخصوصية أحياناً أخرى، وبالذات حين تَعد ما هو غير مرئي، مثيراً للريبة، والذي بدوره قد يكون، فقط، غير مستدعٍ للظهور نتيجة عدم أهميته، فالغموض لا يعني السلبية التي تحاربها الشفافية المتسمة بالإيجابية، بل هو ربما ما يخفي الجمال، الذي لن نُغرم به طالما كان مكشوفاً لناظره دون إخفاء المثير فيه.
بقدر ما للشفافية من أهمية لا يمكن إنكارها في صنع المجتمعات المتقدمة فكرياً وإنسانياً، والتي أوجدتها الليبرالية الجديدة، بقدر ما يتوجب تطبيقها، الأخذ بالاعتبار ألا تقضي على الخصوصية والسمات الإنسانية الحميدة، والقيم الاجتماعية، كالثقة والسرية والخجل.
وفي هذا السياق، يقول عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني جورج سيمل: «إننا لا نحتاج إلى نسبة معينة من الحقيقة والخطأ، فقط، كأساس لحياتنا، لكننا أيضاً في حاجة إلى قدر من الوضوح والغموض»


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2121174-الشفافية-وجهة-نظر-أخرى

الجمعة، 13 مارس 2020

الرأي الواحد والاعتدال في الفكر الإسلامي

جريدة الرؤية
13-03-2020
عماد أحمد العالم


التكفير في حده الأقصى أو الرفض، بناءً على الممارسة الثقافية المميزة لبعض الشعوب والثقافات لا المعتقد، سلوك شاع بفترات متعددة من التاريخ الإسلامي، من أمثلته، أنه: «خروج عن نهج أهل السنة والجماعة»، وهي الجملة التي إن أُحيلت للرأي الواحد، تتحول لعبارة فضفاضة، تستخدم، خلافياً، بعد إسقاطها بشكل متعمد على ما يُمكن احتمال عدم الجزم بحلاله وحرامه أو صوابه وخطئه.
وهي بالفعل الحال التي صبغت عقوداً قديمة وقريبة، سابقة لعصرنا الحالي بأوجه لا تزال إلى اليوم، إلا أنه السمة البارزة التي قامت عليها تنظيمات وحركات عقائدية، بعضها دعوي سلطوي وآخر معارض مسلح بالدول الإسلامية، حيث يظهر فكرها المتشدد، جلياً في مفهومها لتقبل ثقافة الاختلاف في تفسير النصوص الدينية بما فيها من تشريعات وممارسات وعبادات، وأخذها من جانب واحد، ووفقاً لفهمها الأكثر تشدداً، ومن ثم إسقاطه بالقوة الدعوية أولاً، وبعد ذلك بالتحالف مع السلطة على الأغلبية من العامة في دولها أو الأقلية، دون فرق بينهما، أو إن كانت خارجة على الدولة بالقتال ضدها وشن حرب عليها.
فرض الرأي الواحد حمّال الأوجه، أضر بالأمة الإسلامية، مفضياً لنزاع ومشعلاً للجدل، ومُلهٍ عن قضايا الأمة الأهم، ومن عواقبه خلق الفتن المستنزفة للكيان الإسلامي والمُقصية والمبعدة عن الوحدة الدينية، فكان له بذلك الصوت الأعلى، وسط دعوات وسطية لم يحالفها الحظ، نادت بالتقارب والتعايش والمواءمة مع المختلف، وإحسان النية، منهم على سبيل الاستشهاد: العالم الإسلامي محمد عبده، الذي أقتبس منه قوله: «إذا صدر عن إنسان قول يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، يجب حمله على الإيمان».
فلا بد أن نشير إلى أن الانتشار والقوة التي حظيت بهما الدعوات المتشددة، لم تكن لها، لولا شقَّانِ، هما: الحاضنة الشعبية التي تبنت آراءها، ودعمتها ليس، اقتناعاً مطلقاً بآرائها الدينية والفقهية، وإنما نكايةً بالسلطات الحاكمة، ونقمةً من الفساد السياسي والمالي، ودولة القانون، هذا من جهة، ومن أخرى يتجلى الشق الثاني بالتحالف بين رجال الدين والسياسة، حيث يمنح الحكم زمام السلطة الدينية لرجال الدين، الذين بدورهم يتمتعون بقوة دعوية كافية، ومؤسسات لدعم مكانتهم وسلطتهم، الداعمة بدورها، لاستمرارية الحكم ورجاله عبر الخطاب الديني الموجه والمؤدلج.



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2119488-الرأي-الواحد-والاعتدال-في-الفكر-الإسلامي

التبني من وجهة نظر إسلامية

جريدة الرؤية
06-03-2020
عماد أحمد العالم



التبني من أعظم الممارسات الإنسانية التي توليها الشعوب المتحضرة والأمم الأخلاقية أهمية خاصة، وتشرف عليها جمعيات حكومية وأهلية لضمان حصول الأطفال المحرومين من كنف العائلة على عائلات بديلة، تسمح بانخراطهم معها وبناء أسر جديدة، لينتج عنها مواطنون أسوياء يكونون جزءاً من المجتمع لا عالة عليه، بنائين لا مغمورين وقابعين في السجون أو مشردين ونكرات نتيجة إهمالهم وتركهم لتتمكن منهم العقد النفسية والظروف القاهرة والخطرة لينغمسوا في الجريمة والرذيلة، يكرسها واقع غياب البيئة الأسرية عنهم وتوحدهم في دور الرعاية الاجتماعية التي لا يمكن أن تكون بديلاً عن أسرة مكونة من أبوين يلعب كل منهما دور الأب والأم أو من ينوب عنهما لإعداد النشء.
بالطبع، التبني في الإسلام محرم ولا خلاف عليه لحفظ حقوق الورثة وكرامة النسب للأب البيولوجي والحرص على عدم إشاعة البغضاء والحسد داخل العائلة الواحدة وبين الأبناء، لكن الإسلام الذي يحرص على الحق والعدل قد رعى التبني بمفهوم آخر لا يقل أهمية، وجعل أجره وثوابه أكثر من المتعة الدنيوية بأن يحظى زوجان بالأبناء، بل يمتد جزاؤه للآخرة، والمعني هنا رعاية الأيتام والأطفال الذين هم بلا مأوى وعائلة وكفالتهم والسعي خلف توفير كافة التزامات الحياة تجاههم، وحتى تربيتهم والعناية بهم، ليكونوا متساوين في الحظوظ والفرص مع نظرائهم، فيصبحوا جزءاً من المجتمع وعاملاً في بنائه وازدهاره دون تبعات نفسية وبيئية واجتماعية عليهم، ولكيلا يشعروا بأن فرصهم في الحياة الكريمة تقلصت بسبب يتمهم أو نبذهم من عائلاتهم التي تخلت عنهم.
لكل شعب طريقته في تحمل المسؤولية الدينية والمجتمعية والإنسانية تجاه أطفال بلا عائلة ومأوى، ففي حين جعل الإسلام التكفل بهم ذا أجر عظيم لا يُضاهى، دعت الأديان الأخرى والشعوب لتبنيهم ودمجهم بالعائلات التي ترغب في ذلك، وجميعها ممارسات إنسانية بامتياز، كما أنها روحانية وعاطفية واجتماعية تمثل التكاتف والتآزر المجتمعي وتظهر روح الأخلاق والقيم الحميدة التي يتحلى بها الأفراد تجاه من هم بأمس الحاجة للرعاية والعناية، دون ترك مسؤوليتهم على الدولة فقط، التي وفرت لهم دور الرعاية الاجتماعية، التي مهما كانت درجة مسؤوليتها والتزامها وأمانتها، إلا أنها لا تغني عن المشاركة المجتمعية للأفراد، فمن خلاله فقط تكون لبنات المجتمع قويمة وسليمة بديمومة الحياة وتخريج أفراد قادرين على الاستمرار بالحاضر وصناعة المستقبل. 


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2117833-التبني-من-وجهة-نظر-إسلامية

التاريخ وفق اللاهوتية والمثالية والمادية

جريدة الرؤية
28-02-2020
عماد أحمد العالم



من الذي يصنع الآخر.. التاريخ أم الإنسان؟ وهل يصح القول إن الإنسان فضلاً عن كونه من يكتب التاريخ هو من يصنعه، أم أن التاريخ هو اللبنة التي أنشأ عليها الإنسان مملكاته، وبنى عليها تراثه وحضاراته عبر تجاربه وخبراته، التي كونها بأفعاله وموروثه الفكري والاجتماعي والديني والسياسي، ومنها انبثقت مفاهيم التاريخ اللاهوتية والمثالية ومن ثم المادية؟.. حين يكون المعتقد المرجع للتاريخ وأحداثه، يتصادم العقل مع أجزاء منه يعدها لا تتوافق مع المنطق والدليل، بينما تشكل النصوص لاهوتياً أرشيفاً للأحداث التي امتزج العديد منها بالأساطير، وتضاربت أخبارها حسب الدين الذي سردها، والداعي بدوره للأخذ بها دون انتقائية كمسلمات غير قابلة للتشكيك مع الإيمان والتسليم، ويدخل معها بنفس إطار الماورائيات غير المادية الحسية، المُتحكم بها من قبل الإله وكلٌ حسب معتقده بما فيها الكائنات الغيبية الخارقة المتحكمة بتسيير عجلة الكون وما يجري به، وهو ما قوبل من قبل اللادينيين بالتشكيك، فبنظرهم الإنسان من يصنع التاريخ لا الأخير المُسير.
قدّرت التوراة عمر الكون بـ5000 عام، بناء على نصوص وردت بأسفارها، وحوالي 7500 سنة حسب الإنجيل، فيما لم يحدد الإسلام زمناً لعمر الأرض، أما العلم الحديث فيراه قياساً على عمر النجوم والانفجار العظيم المقدر بما بين 10 و20 مليار سنة، وأن الأرض وجدت قبل 4 مليارات عام، وعاش عليها الإنسان الحديث قبل 40 ألف عام.
وهذه جميعها أرقام بحثية لا يمكن الجزم بها، لكن العبرة من ذكرها تبيان التناقض بين الفهم التاريخي المبني على العلم والمادية واللاهوت.
تقوم المثالية التاريخية على أساس أن الإنسان مخير لا مسير لاختيار الخير أو الشر مستخدماً العقل، وهو الذي بناءً على ما يحمله واستخدامه تنتج أمم متقدمة صنعها رجال عظماء بأفكار عظيمة، ومن ثمّ بالأفعال بنت مجدها، وأخرى بدائية لم تستفد من منظومة العقل ولم تمتلك أفكاراً ترجمت لأفعال.

المعضلة التي يقوم عليها مفهوم المثالية هي إرجاعها الإنجاز للفكر المُشكل للتاريخ، ولكن دون معرفة مصدره ومن أين جاءت الأفكار من الأساس.
وتُرجع المادية التاريخية مفهومها لجميع أفعال الإنسان وأفكاره إلى البيئة المادية التي وُجد فيها، وهي التي لا يمكن إنكار منطقها من منطلقات إنجازات الدول المتقدمة، التي وفرت لشعوبها مقومات التطور والإبداع، فتقدمت بها بخلاف الدول المفتقرة لذلك.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2116090-وفق-اللاهوتية-والمثالية-والمادية

الأربعاء، 26 فبراير 2020

صانع الجمال والإيحاء

جريدة الرؤية
21-02-2020
عماد أحمد العالم



في تشبيه بسيط ومثال لشرح قدرة الأدب والفن على صنع الجمال من حولنا، وتحريك مشاعرنا تجاه أمر ما أو عمل فني بعينه، قد نراه عادياً غير ملفت للنظر، لنستحضر رسمة لفتاة على بورتريه كتب عن نظرتها المنكسرة الدامعة، ونحرها الصافي الرقراق، وكتفها الذي زل عنه ما يغطيه بحرج، كما خصلات غجرية شاردة تتهاوى على خدها المورد النمش، فيما فمها مكور كخاتم لازورد يحفظ خلفه أسنان كلؤلؤ مرصوص، لو أمعنا النظر في صورتها وهي مركونة في زاوية منسية من متحف ذي إضاءة خافتة غير مناسبة لا يتحلق حولها أحد، لوجدناها عادية جداً ولمررنا بجوارها مرور الكرام دون اكتراث.
في المقابل، لو وضعت ولن أقول في اللوفر بباريس ولكن في صالة عرض لفنان لوقف بجوارها فخوراً بإنجازه العظيم، مطوقاً بعدد من الصحافيين والمهتمين بالفنون، ومعهم جمهور من الزوار أثار فضولهم التجمع حولها، بأجواء هي مزيج من الإطراء والتحليل والنظرة الأعمق المستفيضة في أبعادها ومقاصدها والتمحيص والتفحص بأدق تفاصيلها، التي استلهمت شاعراً تصادف حضوره، فنظم بها بيتاً يعبر عن جمالها الأخاذ ولمحة الحزن والوميض بعينيها اللتين منحاها سحراً يسلب لب مُشاهدها، فكانت غلاف رواية لكاتب مشهور، وجوهر تقرير لصحافي بمجلة واسعة الانتشار يتحدث فيه عن امرأة منحت الجمال شرفاً بتصويرها، ليثير بعد ذلك فضول العامة والمختصين لرؤيتها وتصويرها والتغزل بفتنتها التي هي نفسها المنسية سابقاً!
السر في الاهتمام المفاجئ حولها وتغير نظرتنا لها هو ما أضفته مقدرة الفن، ورجاله على الإيحاء بصورة ذهنية مميزة لها التقطها الآخرون، فتشكلت بمخيلتهم بعد أن تدخّل الأدب بها، لتُمنح مكانة ملفتة للانتباه، فكُلئت بالرعاية مع هالة من الفرادة والمكانة جعلت منها أيقونة يتم التغني بها حاضراً ومن ثم على مر العصور.
الآن وبعد أن أدركنا ما للأدب من قوة مثيرة للخيال ومحفز للشغف الإنساني والعاطفي، لنستحضر مجدداً الموناليزا لليوناردو دا فينشي، ولوحة فتاة ذات قرط من اللؤلؤ أو كما يحلو للكثير وصفها «الموناليزا الهولندية» ليوهانس فيرمير، ولنمعن النظر فيهما بعيداً عن كل ما قيل عنهما، ولنتساءل: هل حقاً هما أسطورتا الجمال أم جمال بعين ناظره، رسمته ريشة فنان، نال حظاً وخلدت أعماله بعد تأثير الأدب صانع الجمال ودعمه له؟



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2114361-صانع-الجمال-والإيحاء

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...