الثلاثاء، 5 مايو 2020

القراءة والصورة والرمزية

جريدة الرؤية
31-04-2020
عماد أحمد العالم



من مآثر الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية ‏ ‏توماس جيفرسون شغفه بالقراءة وتشجيعه عليها وهو القائل عنها: «إن الذين يقرأون فقط هم الأحرار، لأن القراءة تطرد الجهل والخرافة، وهما من ألد أعداء الحرية».
وتماشت عبارته مع ‏رد فيلسوف فرنسا فولتير حين سئل عمن سيقود الجنس البشري، ليجيب: «الذين يعرفون كيف يقرؤون»، وكلا القولين ينطبق عليهما الوصف: «المعركة من أجل القراءة هي نفس المعركة من أجل الديموقراطية».
في العالم العربي وحسب أحد الإحصائيات الصادرة عن اليونسكو؛ ينشر 35 كتابا لكل مليون عربي، بينما الرقم هو 558 في أوروبا لكل مليون نسمة، وهو ما يقودنا للتساؤل: هل تدني نسبة القراءة في العالم العربي في عصرنا الحديث نتيجة لتفشي ظاهرة حضارة الصور المتمثلة بالمطبوعات المصورة والتلفزيون مقابل مرجعية الكتب، لتتسبب بعزوف الفئات الشابة عن الاطلاع واستبدالها بالمشاهدة، التي توفر المعلومة في زمن ومجهود أقل لجمعها بين السمع والبصر بآن واحد، مسهمتان بذلك في الحصول على تفاصيل أكثر لا تحتاج لنفس درجة التركيز والخيال لدى القارئ؟
نفى بعض المتخصصين «عن الشاشة» قدرتها على توسيع المدارك، وأكدوا محدوديتها بسبب اعتمادها على الصورة والحركة مع القليل من الكلام فيما تعرضه، وبالتالي لا يمكن أن تكون المنافس للمعرفة ومن باب أولى للقراءة، التي تعمل على توسيع المدارك والأفق، مع الإقرار دون تجاهل بأن ثقافة الصورة ستسهم في إدخال تعديلات على الكتب مما سيمنحها قبولا أكثر لدى الأطفال وصغار السن عبر تفعيل الصورة المكتوبة في المنشورات الموجهة إليهم، والمازجة بين الاثنين فيما تنشره.

التشجيع على القراءة يقابله اصطدام بعوامل مجتمعية تكبح الشغف بها نتيجة تردي الأوضاع السياسية والحقوقية في الدول، محبطة مواطنيها ومشكلة بالنسبة إليهم حاجزا نفسيا بين الفكرة والواقع، وهي التي تتطلب توفير مناخ من الحرية والتعبير عن الرأي، وممارسة النقد دون الخوف من عواقب ذلك.
وللتعليم دور مهم في تكريس منهجية محبذة للقراءة عند النشأ والشباب في المراحل المتقدمة، عبر إعادة تحرير الكتب المدرسية وجعلها مستقطبة للطلبة ومتوائمة مع تطلعاتهم واحتياجاتهم العمرية، فتخاطب خيالهم وتثير شغفهم، بدلا من أن تكون منفرة ورتيبة معتمدة على الحفظ والتلقين، لتُستبدل بالمعلومة الرمز التي ترسل أفكارا مرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل، مساعدة بذلك على التفاعل مع البيئة والمنزل، وصاقلة ومهذبة للأفكار والتطلعات.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-86/2132863-القراءة-والصورة-والرمزية

ثورة التشكيك

جريدة الرؤية
24-04-2020
عماد أحمد العالم



يقول عالم الفلك كارل ساغان: «الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية»، وبناء على ذلك قد يصح القول: «أنا أفكر إذا أنا موجود وأنا أشكك فأنا يقظ»، ولا تعني أبداً أنني متغطرس وأنظر للآخرين بفوقية نتيجة ما أمتلكه من معلومات ومعرفه.
صحيح أن التشكيك سلوك مستهجن اجتماعياً ومرفوض من قبل الغالبية التي تصف فاعلها بالنرجسية والاستكبار، لكن من الواجب أن نعطي التشكيك حقه ونمنحه النصف الإيجابي المتغافل عنه، بعيداً عن خوفنا من أن نوسم بالمشككين، فهذا العالم الذي لا يعد البشر فيه سواء من حيث القيم والأخلاق الحقة، يشهد تزايداً ملحوظاً في النصب والاحتيال والشائعات والأخبار المغلوطة والمعلومات المضرة، حيث لم تمنع القوانين والأديان البشر من التجرد من الشرور، حتى إن بعض أهل المكانة قد استغلها لتضليل الأفراد لتحقيق غايات شخصية غير قويمة ومضرة.
التشكيك يستمد فاعليته من التفكير، الذي بدوره يغذيه السؤال والتأمل والنباهة والمواجهة والمحاججة بغرض إجلاء الحقيقة، فحين يتحدث شخص ما في مجلس عن حكاية خرافية طعّمها بما يزغزغ عاطفة وخوف من حوله لتصديقها وتقبلها، ينبغي هنا على العاقل أن يواجهه ويطرح عليه رأيه المشكك في روايته، ولتحقيق ذلك ينبغي طرح الأسئلة التي يتحتم أن تكون إجاباتها منطقية تدعمها الأدلة والبراهين، مع مشاركة الحضور الفكرة وتقديم ما يؤكد منطقيتها بعيداً عن إعطاء الإيحاء السلبي بكون المشكك يفرض الرأي بالقوة مستحقراً الآخر ومقللاً من شأنه، حينها ستكون أنت المشكك اللئيم ومقابلك المتحدث المسكين، وخصوصاً إن كانت مكانتك الاجتماعية ودرجاتك العلمية أعلى منه، فوقتها سيظن الجميع أنك مزهو بنفسك، وسيمطروك بهجوم من قبيل: «أن الحياة أعظم جامعة في الكون، وأن الخبرات بها أكثر قيمة من الشهادة الكرتونية التي حصلت عليها»، كما أن الجهل باللغات الأخرى وعدم معرفة قانون نيوتن في النسبية لا يعني الجهل والسذاجة، فهناك من لم يكملوا دراستهم لكنهم أنبه من خريجي الجامعات والباحثين.
من الإنصاف التذكير هنا بأن الحقيقة والصواب لا يقومان على المراتب المجتمعية، وقد ينبعان من البسطاء والأقل حظاً في التعليم على حساب الكذب والخطأ، الذي يتصدره أحياناً الأعلى مرتبة وفق التصنيفات الوضعية، فالجوهر المتمثل بالصواب هو الرسالة الأهم لا الخطأ الذي يتمثل بالمظهر، كما يصفه المثل القائل: «المظاهر تكذب وكذلك العدالة عمياء لأنها لا ترى المظاهر».



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-85/2130961-ثورة-التشكيك

اللغة.. بين مفهومين

جريدة الرؤية
17-04-2020
عماد أحمد العالم



الفيلولوجيا أو علم اللغة المقارن هو فرع من اللسانيات التاريخية، التي تندرج تحت الأنثروبولوجيا الثقافية، المعنية بمقارنة ودراسة الأصول والعوامل المشتركة للغات وتطورها ونشوئها، وعلاقتها بأخريات تنتمي معها للعائلة ذاتها وتتميز كل منها بسمات خاصة بها حسب المنطقة التي ظهرت بها.
ظهور اللغات لم يكن على درجة الكمال التي تحظى بها في حاضرها، فقد بدأت أولاً كمنطوقة نتاج تفاعل الحواس البشرية مع البيئة المحيطة بها، ومن ثم استقبال الدماغ البشري لمرئيات الحواس الخمس لترجمتها لكلمات وعبارات منطوقة بالتزامن من مخارجها مع انتقال الإنسان من البدائية المطلقة الفردية للجماعة، وتزايدت الحاجة للتعبير لديه ومن ثم استطاع تطوير قدراته لتجاري ما استُحدث في حياته، التي رويداً ما نقلته لمنظومة اللغة المتكاملة الأركان من حيث النطق والكتابة، لكنها ورغم ذلك كانت على صورتها الأبسط، التي لم تتطور إلا مع مرور السنين وازدياد الحاجة لأن تتزامن مع ثورة العقل المعرفية، فاللغة لا تولد بالفطرة وإنما هي استجابة لبيئة الكائن البشري وما حوله، فهي مكتسبة بفعل التلقين منذ الصغر، الذي يسمح للدماغ بمواءمة الفرد مع حواسه، وبالتحديد النطق ومخارج الحروف ومعانيها المرتبطة بالصورة والإحساس والحاجة والرغبة وغيرها من مقومات معيشته.
تأثرت اللغات ببعضها البعض بفعل الهجرات البشرية والتجارة والحروب والعلاقات الدبلوماسية، ولذلك من الشائع جداً حتى في حالات اللغات غير المنتمية لشجرة العائلة الواحدة، أن تجد بها كلمات مستخدمة في لغات أخرى تفصلها عن بعضها قارات، ففي الإنجليزية مثلاً، يتداول متحدثوها أيام الأسبوع التي ترجع أصول أسمائها مع بعض التحريف لكلمات مستقاة من مسميات لأساطير ومعتقدات أسكندنافية وأوروبية غربية، فيوم الأحد يرمز ليوم إله الشمس والاثنين ليوم إله القمر، أما الأربعاء فهو يوم أودِن رئيس آلهة الفايكنغ، والخميس يوم ثور «Thor» ابن الإله أودِن سالف الذكر والجمعة يوم فريا زوجة أودين، أما السبت فيرمز ليوم الإله ساتورن إله الخصوبة والزراعة الروماني، الذي جرت عادتهم على الاحتفال به في 17 ديسمبر من كل عام ولمدة أسبوع، ومنه كما يظن بعض الباحثين استقيت العادات المتبعة الآن في أعياد الميلاد كإقامة الولائم ومنح الهدايا.
اللغات السامية بدورها تمتلك هي الأخرى منظومة لغوية واحدة، تفرعت لمجموعات منطوقة ومكتوبة على يد ولسان شعوب عديدة، طورتها وفقاً لبيئتها وأماكن تواجدها على مر العصور والأزمنة. 



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-86/2129069-اللغة-بين-مفهومين

الساميّون.. والكتابة

جريدة الرؤية
10-04-2020
عماد أحمد العالم



ابتكر السومريون الذين سكنوا بلاد الرافدين قبل أكثر من 3500 عام قبل الميلاد الكتابة التي يطلق عليها العلماء المسمارية أو الوتدية (التصويرية)، وكانت أولى استخداماتها من قبل التجار لتدوين تعاملاتهم، وذلك بالضغط بقطع معدنية على صلصال مبلل، لتتحول بعد ذلك لصور على الألواح تمثل أسماء للأشياء، لتُخلق لغة الكتابة المكونة من 3000 حرف والممثلة لمقاطع الكلمات.
تمكن العلماء من فك لغز غموض الكتابة المسمارية، وقد أرشدتهم تراتيل وترانيم دينية وملاحم كانت متداولة مثل: ملحمة البطل جلجامش، التي حسب باحثي الميثولوجيا قد وردت قصة مشابهة لها في سفر التكوين ولكن بمسمى مختلف وهو الطوفان، جلجامش هو الملك السومري الشجاع الذي خاض حروباً ونزالات أحدها مع الآلهة عشتار التي أرادت حسب الأسطورة الزواج منه فرفضها، فيما سعى لعشبة الحياة التي تمنحه الخلود في قاع المحيط، لكنه بعد أن وجدها أخذتها منه الحية (الثعبان).
وظهرت الكتابة الهيروغليفية بمصر بعد ذلك حوالي 3200 قبل الميلاد وقيل إنها سبقت المسمارية، لكن الكتابة الأبجدية ظهرت لأول مرة في البلاد السامية، وخصوصاً بلاد الشام من قبل الفينيقيين الذين اعتمدوا تخصيص الحرف الواحد كرمز لكل صوت، ومنها استنبطت اللغة العربية بعد ذلك وتطورت، وكذلك الآرامية والعبرية، وبذلك تكون الشعوب السامية أول من ابتكر منظومة اللغة الحديثة المتكاملة المكتوبة كما هي منطوقة.
أما اليونان والحضارة الإغريقية فآراء الباحثين المحايدة النزيهة أثبتت أنها استفادت من الأبجدية الفينيقية في صياغة حروفها الأبجدية مع إضافة بعض الحروف لها، وبهذا يكون الساميون أصحاب فضل على حضارات العالم القديم ليس فقط اليونانية وإنما الرومانية أيضاً. 



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-86/2127104-الساميون-والكتابة

الجمعة، 3 أبريل 2020

صناعة التفاهة

جريدة الرؤية
01-04-2020
عماد أحمد العالم



مقارنة بالسابق وتحديدا بعقود قد مضت، باتت صناعة التفاهة وأنظمة التهريج في عصرنا الحالي هي من تشكل الذائقة لغالبية جمهور المشاهدين من مختلف الأعمار، وإن كانت أكثر بكثير بين الفئات الشابة وربّات المنازل والأطفال، المكونين بدورهم للعملاء المحتملين والمرغوبين للشركات المعلنة والراعية للبرامج، والتي تقوم بدورها على سياسة الكم والعدد وليس الكيف وجودة المحتوى، فليس المهم ما يخلق أثرا راقيا ويرتقي بالذائقة الجماهيرية، وإنما المجدي اقتصاديا والمحفز لسرعة دوران العجلة التجارية المدرة للأرباح، في سلسلة حلقاتها هي المستهلك سواء كان المتفرج في منزله أو الشركة التي تدفع مبلغا ماليا للقناة التلفزيونية كي تعلن لها أثناء عرض أحد البرامج التلفزيونية.
أما أكاديميا، باتت الجامعات والمعاهد البحثية وحتى بعض الرصين منها تابعة لقوى المال الراعية لكراسٍ بحثية فيها لأغراض معينة، والمساهمة عبر أعضاء منها مُعينين في مجالس الإدارة الجامعية، لاستقطابها صوب المواضيع والآراء الداعمة لعمالقة الصناعة والتجارة والتعدين والزراعة وغيرها في العالم، لتسهم كنتيجة بتأكيد وجهات نظر الرعاة الماليين، من خلال ما ينشر ويصدر من أبحاث أكاديمية ومخبرية تنفي شكوك المنظمات الدولية والمجتمعية وغير الربحية المثيرة لها ودفنها بحجج ملفقة، والتي أصبحت الطرف الأضعف في المواجهة بسبب فقدانها قدرتها على استقطاب المتخصصين، وخصوصا بعد التحول الجذري الاقتصادي الذي يشهده التعليم والذي أمسى مؤثرا على استقلاليته، من لحظة ما بات جزء من ميزانياته يتحصل عبر المساهمات والتبرعات من أقطاب الصناعة ولوبيات ضغطها وتأثيرها، المستفيدة بدورها من الجانب الأكاديمي في سبغ المصداقية على بياناتها ومنشوراتها كلما ظهرت احتجاجات مشككة بها ومطالبة بردعها ومعاقبتها والحد من أنشطتها.
صناعة الترفيه هي الأخرى رهينة لسطوة التجارة والمال، بما في ذلك الفن والفنانين، وأحد أهم المسهمين بصناعة التفاهة والإسفاف والانحدار بذائقة العامة الشعبية للحضيض، عبر استغلال النفوذ والمكانة والحضور لتمرير أجندة المنتجين وأغراضهم الربحية.
في هوليوود، صناعة الترفيه ليست فقط مادية بحتة، وإنما أيضا هي أيدولوجية تتعمد تكريس أفكار وقناعات ومفاهيم للمشاهد عن مواضيع بعينها تتناولها بتكرار متعمد وبصورة سواء كانت سلبية أو إيجابية مقصودة لما يُراد الحديث عنه والإشارة اليه.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2125111-صناعة-التفاهة

الأنا المتحولة من الصورة

جريدة الرؤية
27-03-2020
عماد أحمد العالم



استوقفتني كلمة سيلفي التي احتفل بها قاموس أوكسفورد ككلمة السنة في عام 2013، لأبحث عنها من باب الفضول لمعرفة تاريخها، حيث اتضح لي وكما قرأت ظهورها لأول مرة عام 2002 في موقع أسترالي، أما الاسم المضاف له حرفا «ie» لإضفاء البعد العاطفي فمشتق من كلمة «self» الإنجليزية التي تعني نفسي، أي «أنا نفسي» وربما تعني «أنا وحدي» ومع تحوير قليل من قبلي سيخدم المعنى الذي أريد إيصاله؛ ستعني «الأنا» المتحولة من الصورة التي نحب أن نرى أنفسنا فيها، ويجدنا عبرها الآخرون كما نريد لهم أن يفكروا عنا؛ للنرجسية والذاتية المفرطة المفتعلة والبعيدة عن الواقع حتى لو تعارضت معه، وشكلت تناقضاً بين المؤمن به والظاهر المرئي للآخرين، الذي لم يعد يقود لواءه الشباب والمراهقون وإن كانوا في طليعة مستخدميه حالياً، فقد انضمت إلى عاصفته جميع الفئات العمرية والمجتمعية الطامحة بتدوين اللحظة للاحتفاظ بها، ربما بقدر يقل بكثير عن غاية أخرى وهي نشرها والاستعراض بها في العوالم الافتراضية المحيطة بنا من كل جانب، والمسيطرة على حياتنا دون أن نستطيع الاستغناء عن وهجها وهالتها المحكمة قبضتها علينا يوماً بعد آخر.
ربما أصبح من الصحيح القول: إن التكنولوجيا الرقمية لم تغير العالم بمقدار ما غيرتنا نحن مستخدميها بعد أن اختلف فهمنا لهذا الكون مفتوح الحدود، والذي يعد السمارت فون وإخوته التابليت والحواسيب المحمولة وسيلة تواصلنا مع بعضنا، ولساننا الذي استبدلناه برمزية الإيموجي اليابانية، حيث الصورة تتحدث دون أن تنطق، وحيث كلمة «مودتي» «وشكراً» نعبر عنها بباقة ورد، «وأشعر بالخجل» بوجه محمر الوجنتين، وغيرها من رمزيات أفقدتنا جمال عواطفنا الإنسانية الصادقة، فباتت جامدة مستهلكة المعنى وإن كانت رسمت له إلا أنها كحال السيلفي خالية من المشاعر، وربما استعراضية أكثر من كونها وجدانية، وتنبع من الذات في ظل خرسنا الإرادي، الذي فرضته الصورة الرمز التي تحمل في طياتها ما يرتسم على وجوهنا، ونريد قوله وفعله وإظهاره لمن في الطرف الموازي من العالم الآخر الافتراضي السريع الوتيرة والعملي مقارنة بالحقيقي، من حيث الاختصار المجرد من كل ما تتسم به طبيعتنا الإنسانية المختلفة عن الآلة، التي بتنا نعرف بها، وأضحت من تَسِمنا وتعرفنا برقم يسمى الآيبي (IP) فريد، ويمثل اسمنا في بحر الإنترنت لا نهائي الحدود.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2123151-الأنا-المتحولة-من-الصورة


الشفافية.. وجهة نظر أخرى

جريدة الرؤية
20-03-2020
عماد أحمد العالم



كثيراً ما تمر بنا كلمة الشفافية محدثة تلك الرعشة اللذيذة لنسيم ربيعي في يوم صيف لاهب، وقرصة برد مؤلمة ذات شتاء قارص، بمرورها الذي يحمل الضدين من الترحيب والرفض، ندرك جيداً أننا لسنا من العالم الأول الذي يقدسها، وجعلها سمة حياته السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ولا تلك الكيانات القابعة في آخر القائمة من دول تمثل الشفافية بالنسبة إليها، ضحكة تثير القهقهات بدلاً من الخوف من العقاب، إذا نحن في منتصف البين وبين، حيث نتمنى أن نرقى لأعلى درجات السُّلم، وفي الوقت نفسه نخشى مآلات هذا الرُّقي وما يمكن أن يُكشف من سوءات نراها فتنة ملعون من يوقظها من سباتها العميق، فطالما هي غارقة في ظلماتها، فدعوها فربما تكون منتنة، ومن الأسلم عدم كشفها حتى لا تزكم الأنوف رائحتها.
بعيداً عن المثالية في الطرح وأحلام المدينة الفاضلة، دعونا ننظر للشفافية من وجهة نظر أقل إجلالاً، ولنرى إن كانت بالفعل مطلوبة بالمطلق، أم يجب أن تطبق، فقط، وفق حدود مرسومة، حتى لا تتحول من سلاح للنزاهة والأمانة إلى وسيلة لإلغاء الخصوصية والسبق الإعلامي والسياسي، وطريقة يلجأ لها الأضداد في كل مجال، للنيل من خصومهم عبر إثارة علامات استفهام حول شؤون، من العبث السعي للكمال فيها، فوجود أخطاء وتجاوزات أمور يجب أن تُغتفر طالما نحن بشر معرضون للخطأ والزلل، ولا مانع من تجاوزها، طالما لم تؤدِّ إلى الضرر.
تشكيك الشفافية في كل شأن لا يُعلن عنه، يجعل منها عنيفة وظالمة أحياناً، ومنتهكة للخصوصية أحياناً أخرى، وبالذات حين تَعد ما هو غير مرئي، مثيراً للريبة، والذي بدوره قد يكون، فقط، غير مستدعٍ للظهور نتيجة عدم أهميته، فالغموض لا يعني السلبية التي تحاربها الشفافية المتسمة بالإيجابية، بل هو ربما ما يخفي الجمال، الذي لن نُغرم به طالما كان مكشوفاً لناظره دون إخفاء المثير فيه.
بقدر ما للشفافية من أهمية لا يمكن إنكارها في صنع المجتمعات المتقدمة فكرياً وإنسانياً، والتي أوجدتها الليبرالية الجديدة، بقدر ما يتوجب تطبيقها، الأخذ بالاعتبار ألا تقضي على الخصوصية والسمات الإنسانية الحميدة، والقيم الاجتماعية، كالثقة والسرية والخجل.
وفي هذا السياق، يقول عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني جورج سيمل: «إننا لا نحتاج إلى نسبة معينة من الحقيقة والخطأ، فقط، كأساس لحياتنا، لكننا أيضاً في حاجة إلى قدر من الوضوح والغموض»


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-87/2121174-الشفافية-وجهة-نظر-أخرى

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...