السبت، 22 أكتوبر 2022

أخلاقيات الغرب في اللجوء

موقع سواليف
01-03-2022
عماد أحمد العالم


بعيدا عن المعركة الجارية رحاها بين روسيا وأوكرانيا، أو الغزو الروسي، أو استدراج الغرب وأمريكا على وجه الخصوص لبوتين للمستنقع الأوكراني، أجد ربما من غير المجدي الكتابة عما يجري على الأرض كون المشهد يتغير في كل لحظة، وتختلف معطياته باستمرار، ولذلك سيكون حديثي عن ظاهرة باتت واضحة ولن تتغير معطياتها مهما سيق من تبريرات تلطيفها لاحقا، وتخفيف وقعها الصادم، المتنافي بدوره مع منظومة حقوق الإنسان الغربية، والمواثيق الدولية والأممية في تعاملها مع اللاجئ أيا كان عرقه ودينه ولغته.
بشكل لا لبس فيه، ظهرت مقاطع عديدة لمراسلين ومذيعين ومسؤولين رسميين من أوكرانيا ودول أوروبية على قنوات تلفزيونية بما فيها الأمريكية، وهم يعبرون صراحة عن ضرورة مساعدة الشعب الأوكراني، ذو الأصول الأوروبية المسيحية، والخلفية المتحضرة المتعلمة، متماثلة القيم مع الغرب المتمدن، والذي يجب الوقوف إلى جانبه بمحنته، وتسهيل لجوء مواطنيه لدول الجوار والعالم دون تعقيدات، دون أن يضطروا ليكونوا بموقف مشابه لشعوب أخرى تعرضت لأزمات سابقا وحاضرا، بمن فيهم السوريين والعراقيين والأفغان، وبمقارنة فجة واضحة، وعنصرية تنتقص من قيمتهم مقابل الأوكرانيين. هذا بالإضافة لمقاطع مصورة وشهادات صادرة عن صحافيين بولنديين وغيرهم أظهرت رفض سلطات الأمن البولندية دخول غير اللاجئين الأوكرانيين لبلادهم، وتعمدها مع حرس الحدود الأوكرانيين منح الأولوية في الدخول والرعاية للأوكرانيين فقط، مع الإصرار على إهانة وتجاهل دونهم بمن فيهم الأفارقة والطلبة الأجانب، ومعاملتهم بلا إنسانية تصل لحد الايذاء البدني واللفظي.
مثل هذه المواقف بما فيها التصريحات والعبارات العنصرية، وإن كانت صادمة لتظهر بهذه الفجاجة والصراحة المطلقة دون مواربة، لم تكن مستغربة بالنسبة لي، فرغم كوني منذ بداية الأزمة وأنا أتبنى موقفا إنسانيا متعاطفا دون شروط ومقارنات سلبية مع أوكرانيا كدولة مستقلة وكيان وجغرافيا، ومع شعبها من مدنيين عزل لا ذنب لهم، إلا أن هذا لا يعني التغاضي عن هذه العنصرية الفجة اللاإنسانية، وازدواجية المعايير الغربية، والتصريحات المشينة، والمواقف المعلنة على الصعيد الرسمي والشعبي والإعلامي المتحيزة للاجئ الأوكراني على حساب كل ما لا ينتمي للعرق الأبيض الصافي.
من المهم تبيان منذ أن بدأت الحرب في سوريا، استقبلت دول الجوار وأوروبا وأمريكا الشمالية ملايين اللاجئين السوريين دون شروط، بل بتعاطف كبير رسمي وشعبي، تكشفت سوءاته بعد وضوح الفجوة الثقافية، وتزايد هوة اندماج اللاجئين السوريين بدول المهجر، لتتحول الأنظمة المتساهلة لشديدة التعقيد، مع تزايد الأصوات الرافضة والمطالبة بتقييد اللجوء. فبين بداية متعاطفة، ووسط متفهم ساعيٍ لدمجهم، لنهاية متشددة ترفضهم، استكمل السوريون مراحل اللجوء الثلاث، التي حتما يمر الأوكرانيون الآن بمرحلتها الأولى، دون أدنى شك بأن الأزمة لو طالت، ستخضعهم للمرحلتين اللاحقتين. لذلك لن أستغرب أن تظهر أصوات أوروبية غربية بعد فترة، عنصرية تجاه الأوكرانيين الأوروبيين الشرقيين، غير المتوائمين مع قيم أوروبا الغربية، بعد انقضاء فترة التعاطف، والتعامل على أرض الواقع بعقلانية مصلحية بحتة.
بداية، ألتمس العذر لكل من تتعرض بلاده للغزو والاحتلال، وسأفترض أن معاييره الأخلاقية شعبيا ورسميا تضمحل مع المعاناة، فإن صرخ طالبا الغوث متذرعا بكونه أوروبي مسيحي من أبناء جلدته، فهذا من منطلقات عفوية تفرضها اللحظة لاستدرار عطف من ينتمي لهويته. فالجميع يمارس الأسلوب نفسه، ونحن كعرب ومسلمين رددناها مرارا وتكرارا، مستصرخين وطالبين العون من إخوة الدين والعرق بكل أزمة مر بها أحد شعوبنا، ولذلك لا يمكنني لوم الآخرين إن قاموا بها. أما ما لا يمكن تقبله هو طلب النجدة على حساب الاستنقاص من الآخر، والاستخفاف بآدميته ومآسيه التي لا تقل عنه سوء. وهذا ينطبق على الأوكرانيين والغرب بصفة عامة بكافة مؤسساتهم وأفرادهم كما سمعنا وشاهدنا. وهو ما يشير إلى تلك العقيدة من الذات الاستعلائية الغربية المترسخة في اللاوعي الأوروبي، بفوقيتها وعلو مكانتها عرقا ودينا وحضارة على سواها، وهي بواقعها من لم تغب عن وجدانهم خلاف ما يدعون ونصت دساتيرهم. فهي وإن توارت، فسرعان ما تظهر حال نشوء الأزمات، كما شاهدناها الآن جلية دون تجميل.
مرة أخرى، سأحاول أن أكون واقعيا بطرحي، موضوعيا بعيدا عن العاطفة. مفترضًا أن ظاهر المقاطع والتصريحات المذكورة آنفاً عنصري كباطنه، ولكن ألا يجدر بنا القول إن نظرة الشعوب إلينا نابعة مما تسببنا به أولاً لأنفسنا، فنحن كشعوب من يعلي مكانتها ويخفضها. كما أننا كعرب ومسلمين، وشعوب العالم الثالث لسنا بعيدين عنها، ممارسين بتفوق للعنصرية والاقصاء والتصنيف نفسه وأقسى على بعضنا، فلو كنا أمة عربية مسلمة ذات مكانة وقيمة عليا بين الأمم لما تجرأ أحد توصيفنا بما يقلل من قدرنا ومكانتنا.
علماً أنني لا أنكر عنصريتهم الظاهر منها والباطن، وازدواجية المعايير لديهم، فقد مررنا بأزمات أثبتتها على مدار عقود، ولكن ألا يجدر بنا مرة أخرى من باب المكاشفة ألا نلقي باللائمة على عنصرية الآخرين وإقصائيتهم بتعاملهم معنا دون الأخذ بالاعتبار كونها تشكل نظرتهم لنا منذ قرون. أليس الأجدى بنا أن نثبت لهم ولأنفسنا عمليا لا افتراضا بأننا قيمة عليا لا تقل عنهم مكانة. حينها، أغلب الظن ألا أحد سيجرؤ على ازدرائنا واستنقاصنا.
‏لماذا لا نقر قبل لعن الغرب ولومه بأن العلة فينا قبل الآخرين. ومن هنا يكمن الحل والنهج إن شئنا أن نعامل بما نستحق!


المصدر: موقع سوالف - أخلاقيات الغرب في اللجوء - سواليف (sawaleif.com)

كلنا راح نفرط، أصحاب ولا أعز!

 موقع صفحة أخيرة
05-06-2022
عماد أحمد العالم


عادة ما تحملني الدعايات الموجهة ضد أي فيلم عربي إلى الابتعاد طويلا عن مشاهدته والتحدث بشأنه، ليس لسلبية لا أدعي تمتعي بها في ظل انحطاط ثقافي يعتري المشهد العربي على كافة المستويات؛ وإنما لأنني أدركت مبكراً أن الحراك الشعبي العربي تجاه أي عمل فني عادة ما يكون موجهاً. بمعنى، تلجأ الجهة المنتجة للفيلم لاختلاق عاصفة نقد موجهة لاستثارة فضول المشاهد العربي عبر المس بما يعده مسلمات ذات قيمة تتقاطع مع هويته العرفية والدينية. مجرد الإشارة ولو من بعيد لها أو المساس، أو التصادم مع قيمها المترسخة في اللاوعي العربي الشعبي رغم الظاهر المتضارب; ربما كفيل بأن يستثير ذلك الكبت بداخله تجاه أمور أخرى في الواقع بعيدة كل البعد عن قيمه المقدسة.
الاستثناء لما فرضته أعلاه على نفسي، رغم أنني قد نسيت إخباركم بأنني ومنذ العشر سنوات الماضية قد اعتزلت الفن العربي ومشاهدته مع بضع مشاهدات محدودة انتقائية لكسر الجمود ولزيادة اليقين تجاه العزلة؛ كان لمشاهدة الفيلم المصري، اللبناني فعليا "أصحاب ولا أعز". ليس لأنه إضافة نوعية لمشاهداتي المتواضعة، ولكنه ذلك الفضول الذي حطم قناعات صاحبه.
المهم، شاهدت الفيلم ولم أستغرب ما استثاره من غضب، ففيه ألفاظ جنسية خارجة، وتوصيفات حميمة، وأحضان وقبلات بين رجال الأصدقاء ونسائهم "بعفوية"، ولقطات ذات إيحاءات في غير سياق، وتلفظ بالأعضاء التناسلية البشرية بلحظات المزح والجد، نرفض قراءتها روائياً، ومشاهدتها تلفزيونيا وسينمائيا، رغم أن الكثير في الواقع عربيا يتلفظ بها من الصباح إلى المساء، وفي لحظات الغضب والفرح، بل حتى أثناء النوم والاسترخاء. كما أنني وأدعي الآن "لم أصب بصدمة" من حالة التحرر في اجتماع الأصدقاء، والقبلات المتبادلة بين رجالهم ونسائهم، والأحضان المشتركة، والتلامس الجسدي الاخوي البريء، والتحدث بأريحية بأمور زوجية خاصة جدا بالعلن، ومشاركتهم هموم البرود الزوجي، وحالة المظهر الجسدي المتجرد على طبيعته وكما خلق، مع تبادل النخوب وقرع الكؤوس، فتلك جميعها حالة طبيعية في مجتمعاتنا العربية العلمانية الليبرالية المادية المتحررة الطبيعية، التي لم تنتمي يوما لدين أو قبيلة وعائلة وعرف وتقاليد، وتعيش في الحالة الطبيعية من القيم الأخلاقية للإنسان البدائي بغابات الأمازون!
الفيلم نخبوي بامتياز، فالمنازل والديكور والملابس "والريد واين" والسيارات والأثاث تشير لانتماء أبطال الفيلم لطبقة لا يمكن أن تكون متوسطة فضلا عن كونها فقيرة، بدول نسبة خط الفقر فيها بازدياد مضطرد، والعملة منهارة، وسعر صرفها مقابل الدولار في تزايد، والسولار والبنزين إن لم ينقطع من محطات توزيعه فتعرفة لتراته بارتفاع، والمنتجات الأساسية المفقودة من السوق إلى جانب الخبز والطحين تشهد تضخم، والدعم الحكومي يتناقص.
أما السياسة والمشاركة بها والقائمين عليها والحراك الرسمي إن تحدثنا عن لبنان، البلد الذي جرى تصوير الفيلم فيه وأغلب الأبطال منه، فيشهد حالة غير مسبوقة من الانهيار السياسي والاقتصادي والمجتمعي. لم يتطرق الفيلم لأيٍ من مشاكله، ولا لمعضلات الدول العربية الأخرى اللامتناهية بدلا من لعبة الهواتف النقالة، وطرح ما فيها من أسرار للعلن أمام الأصدقاء حال وصول أي رسالة أو اتصال وأمام الجميع، فخبرتي المتواضعة بالحياة توحي لي بأن أقل هموم المجتمع العربي "بأغلبه" لا يكترث بمشاعر الطبقة المخملية البعيدة كل البعد عن توفير قوت يومها، وبمنح بناتها الأقل من ثمانية عشر سنة أو خمسين سنة حق الاختيار بممارسة العلاقات الجنسية الغير شرعية خارج إطارها المعروف. فضلا عن عدم الاكتراث إن وجدوا بعد حملة تفتيش أبوية "واقيات حماية جنسية" لدى بناتهم.
أما بشأن طرح الفيلم لمشاكل الشذوذ الجنسي، والخيانة الزوجية، والحمل خارج إطار الزواج، وعلاقات المراهقين الجنسية، والمراهقة الزوجية المتأخرة، والبرود العاطفي، فذاك واقع لا يمكن إنكاره ووجوده. فجميع ما ذكر، مشاكل مجتمعية حقيقية لا ننكرها وإن لم تكن الغالبة والمعضلة الأكبر. فقد تحدث عنها الإعلام والكتاب والمثقفين والفلاسفة والأكاديميين، ورجال الدين وخطباء المساجد، والسياسيين والمعلمين وأرباب السوابق، وحتى ربما مرتادي المقاهي، وسواقي التكاسي، ومراهقي الحواري المجتمعين يوميا بعد العصر للعب كرة القدم في شوارع الحي. رغم ذلك، أجدها جميعا ورأيي مردودٌ عليه، لا ترقى لحقيقة أن العديد من دولنا العربية دون تحديد أي منها؛ تعيش بواقع مزري من الفقر، وغياب العدالة الاجتماعية، والجمود السياسي، والنقمة الشعبية، وضعف للمنظومة الصحية والتعليم، وبطالة متفشية، ورشاوي وفساد مستشري، وانعدام للأمن، وظلم مجتمعي غير مسبوق للمرأة، ليس ابتداءً من التحرش بها في وسائل النقل والعمل، وفي الشارع وبالعالم الافتراضي، دون الانتهاء بهضم حقوق الأنثى بالميراث، وجرائم "الشرف"، والعضل الأبوي، والزواج القسري، والحقوق الأدنى، والمعاملة التفضيلية للرجل بغير وجه حق، واللامساواة، والعنف الزوجي، والخطف والاغتصاب والتعذيب. إلى آخر القائمة الطويلة التي لم تسترعي انتباه لا السيناريست والمخرج، وبالطبع نيتفليكس الجهة المنتجة للعمل. وكذلك الممثلين، وجميع القائمين على هذا المنتج السينمائي، الذي للحق وللأمانة لم يصل لحالة الانحلال الاخلاقي الذي عرفته بعض من أفلام الستينات والسبعينات العربية المصور العديد منها بلبنان، وفيها حالة من التعري والجنسانية من غير الملائم التحدث عنها، فقد مضت لذلك الركن المنسي في حاوية التاريخ.
لعبة فضائح الهاتف المبتذلة سينمائيا من كثرة تكرار فكرتها عالمياً، هي محور الفيلم من بدايته لنهايته، وفيها تم تصوير رسالة الفيلم وأحداثه، ولكن بنهايته غادر جميع الأصدقاء السهرة وكأن شيئا لم يكن، فقد صورها المخرج كافتراض تخيلي ومكاشفة لما كان سيحدث فعليا لو قاموا بها، وحينها ستظهر حقيقة الأصدقاء والزوجات من حيث خيانتهم الزوجية، وحتى مع بعضهم أنفسهم، وشذوذ أحدهم، وعلاقاتهم وتصرفاتهم الغير أخلاقية، وغيرها التي منع حصولها إصرار الزوج المضيف للسهرة رفض لعبها منذ البداية، لإدراكه سهولة فضح التكنولوجيا وكشفها للمستور من الممارسات الغير أخلاقية!
العبرة والنصيحة المقدمة من فيلم "أصحاب ولا أعز" في نهاية الفيلم على يد أحد أبطاله أثناء مخاطبة زوجته، قبل أن ترسل هي نفسها رسالة خيانة من هاتفها لعشيقها الذي هو في الأساس صديق زوجها، وزوج صديقتها الحاضر في السهرة معهما وزوجته: "الهواتف النقالة فضيحة، فكل أسرارنا بداخله، "وكلنا راح نفرط، صحيح في ناس بتفرط أبل ناس، ولكن كلنا راح نفرط".
أتوقع أن مصممي برنامج بيغاسوس سيء الذكر، قد شعروا بالفخر بعد سماعهم النصيحة السابقة، ولم يغب عنهم أثناء صناعة برنامجهم أن العديد "هيفرط" بعد اختراق هواتفهم!


المصدر: موقع صفحة أخيرة - كلنا راح نفرط، أصحاب ولا أعز! | صفحة أخيرة (saf7a-a5era.com)

الأربعاء، 1 يونيو 2022

أحمد الصراف: ما من داعٍ لأن تكون إسرائيلياً!

 بقلم: عماد أحمد العالم
01-06-2022
أحمد الصراف: ما من داعٍ لأن تكون إسرائيلياً!

ردا على مقالة الكاتب أحمد الصراف في جريدة القبس الكويتية بعنوان: "لو كنت إسرائيليا... ماذا كنت سأفعل؟"، والمنشورة بتاريخ 31-05-2022 الرابط: https://www.alqabas.com/article/5885010


ليطمئن قلب "أحمد الصراف"، لو كُنتَ إسرائيلياً، ولك "أن تكون" طالما تخيلت ذلك، واكترثت لما يُفكر به المجرم، وسعيت لإظهاره على خلاف حقيقته، فلن تحتاج لإثبات أن العرب شعوب لا تستحق الاحترام. فكمنتمي لدولة الاحتلال "إسرائيل"، وببساطة سترى أنهم شعوب لا تستحق الحياة. وبالتالي، هدفك الأساسي إبادتهم دون أي اعتبار. وهو ما دأبت فعله منذ أن مكنك الانجليز من احتلال فلسطين وتشريد شعبها، وارتكاب المجازر بحقهم. بالطبع بنت القدس شيرين أبو عاقلة، التي اغتالتها رصاصة غدر إسرائيلية، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة من الإعلام أو من عموم الفلسطينيين، مسيحيين كانوا أو مسلمين. فرصاص غدر الكيان يعي جيدا أن في فلسطين، الجميع يحمل دم الأرض وهمومها دون أي نزعات طائفية أو عرقية أو مذهبية. وبالتالي الهم الفلسطيني ألغى جميع الاعتبارات التي فرقت الدول العربية سابقا وحاضراً، ليوحدهم فلسطينيتهم، أي القضية الجامعة.
سأفترض جدلا أنّ "أحمد الصراف"، ومن حقي الافتراض كما منح ذاته حق التفكير كإسرائيلي مدافعاً عنه -وهذه ليست المرة الأولى-، أخذته الحماسة، أو العزة بالإثم، أو السباحة عكس التيار، عن علمٍ، أو جهلٍ كما دأب، ليكتب عن فكرة يجهل تمام الجهل حيثياتها، ولذلك سأمنحه ما يثري معلوماته ببعضٍ ما أعقب ارتقاء شيرين -اغتيالها-، حين نعاها مسلمي فلسطين ومسيحيها، علماؤهم وقساوستهم ورهبانهم.
في القدس، دقت أجراس الكنائس، بالتزامن مع غزة وجنين وبيت لحم في وداع شيرين، فيما حمل جثمانها على أكتافهم في مشهد مهيب مسلمي فلسطين، دون أن يخشوا الصليب القابع على نعشها أن يلامس أكتافهم المسلمة، بل دافعوا عنه وحموه بأجسادهم وأرواحهم حين تعمدت قوات الإجرام الصهيوني إسقاطه. لكنه لم يسقط، بل بقي شامخاً كشموخ شيرين. ساروا به في وداعٍ مبجل ووقور ورصين عبر أزقة جنين والضفة الغربية. في الوقت الذي خرجت به خطب الجمعة في عموم فلسطين، وغزة أولاها ترثي شهيدة الوطن شيرين، زهرة الإعلام المسيحية التي أوصلت صوت فلسطين للعالم طوال ما يقارب الثلاثة عقود، ختمتها برسالة مفادها بأن الجميع في فلسطين، فلسطينيين أياً كانت ديانتهم، وبأن خير مثال لتعايش مسيحيي الشرق مع مسلميه هو في فلسطين، التي لا تعرف الخلافات الدينية التي مزقت سابقا بعض الدول العربية. أما من خرج وانشغل بيجوز أو لا يجوز، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، فمنهم البسطاء الذين يجب إرشادهم، ومنهم من أوعز له فيما يعرف بالحرب النفسية، التي عادة ما يلجأ لها الاحتلال ومؤيديه من العرب الرعاع لإلهاء العامة عن الحدث الأهم، بغية صرف الأنظار عن الجريمة، التي يبدوا أن السيد "أحمد الصراف" قد وقع بفخها عن طيب خاطر، أو جهل، وكلاهما سيان لمن ينتمي للنخب المثقفة. مغفلاً أن مسلمي فلسطين بغالبيتهم العظمى بما فيها التيارات الأكثر تدينا قد أبّنت شيرين المسيحية، مقيمةً لها سرادق العزاء، ورثتها بخطب الجمعة، التي خصصتها للحديث عن مسيحية فلسطينية قدمت روحها فداء لأقصى المسلمين، الذي صدف وأن تواجد في قدسه كنيسة القيامة، التي توافقت الطائفتين الكاثوليكية والأرثوذكسية على أن تعهد بمفتاح بوابتها لعائلة جودة المسلمة، كمثالٍ على روح التعايش والتقبل بين مختلف الملل في فلسطين، التي يجهل واقعها الديموغرافي والديني، الكاتب الصراف!
لو كان أحمد الصراف إسرائيلياً، فآخر ما يكترثُ له العرب وما يقولون ويفعلون، فجميعهم بالنسبة إليه عرب أعداء يلعنهم كل صباح ومساء. وسواء كان الترحم على شيرين أو وصفها بالشهيدة، فذلك آخر ما يهتمُ له، وهو المدرك جيدا أن العديد من القيادات الفلسطينية والأفراد المنضوين للمقاومة كانوا من المسيحيين العرب والفلسطينيين، في تصاهر نضالي جمعهم مع شركاء الوطن المسلمين، حيث الهم الفلسطيني لا الانتماء الديني هو المعيار.
على مدار تاريخ فلسطين الحديث، لم يسبق أن حدثت مشاكل دينية أو طائفية بين مسلمي فلسطين ومسيحيها، ولم يُعرف أبدا حادثة واحدة تعرض فيها مسيحي فلسطيني للأذى بسبب معتقده وإيمانه. وما هجرة عشرات الآلاف المبكرة منهم من فلسطين إلا كامتداد لسياسة التهجير القسري والتطهير العرقي التي تعرض لها الفلسطينيون بكافة مكوناتهم منذ العام 1947، وليست حكراً على المسلمين بل المسيحيين أيضاً، الذي تعمد الاحتلال تهجيرهم لإفراغ فلسطين منهم بشتى الطرق، ومنها القمع الممنهج، والضرائب الباهظة على ممتلكات الكنائس. وما ادعاء الصراف بمعاناة مسيحيي فلسطين إلا هرطقات جاهل، يكتب بما لا يعرف، أملاً أن تساهم ترهاته بالترويج لفكرته المزيفة والمغلوطة!
لو تفكر الصراف قليلا، لاستذكر المسيحي إدوارد سعيد، الذي ناضل ودافع عن فلسطين في الغرب وبلغته، ومثله المسيحي وائل حلاق الذي أنصف العرب والمسلمين، وحنان عشراوي، وجورج حبش، والمطران كابوتشي، ووديع حداد، والأب مانويل مسلم، والذي أقتبس عنه قوله " إذا منع الاحتلال الأذان في مساجد القدس، ارفعوا الأذان فوق أجراس كنائسنا". وغيرهم العشرات ممن لا يسعني ذكرهم هنا. جميعهم من أبناء فلسطين المسيحيين، مثقفين ومثقفات حملوا الهم الفلسطيني على أكتافهم سواء في غربتهم الجبرية وحياة الشتات، أو بين أكناف بيت لحم والقدس والناصرة وبقية مدن وقرى فلسطين المحتلة.
إن كان "الصراف" يكترث لما سيقوله القاتل، مانحاً الاسرائيلي الحق بالتساؤل إن كان من الحكمة الثقة بنا، وعقد صفقات «سلام الدولة الواحدة» معنا، فيجدر بالصراف أن يستخدم ضمير المفرد لا الجمع ويتحدث عن نفسه، فالكويت لا نية لها لا في القريب العاجل ولا البعيد عقد اتفاق سلام مع دولة لا ترغب بالسلام، كما أنها تجرم التطبيع، وتسمي الأسماء بمسمياتها، واصفة هذا الكيان بدولة الاحتلال، الذي غاب عن الصراف أن هذا الكيان الفوقي يمارس العنصرية والتصنيف على مكوناته اليهودية ذاتها. فاليهودي الغربي أعلى مكانة من الشرقي والأفريقي والعربي. وبالتالي، يصنف مكونات دولته الغاصبة بناء على العرق واللون!
لا يمكن أن تطلب العدل من فاقده، ومن العبث عقد السلام مع منتهكه، ومن الغباء الثقة بمن لا يستحقها. هذه أساسيات التعامل مع دولة الاحتلال الذي تقمص الصراف نفسه كأحد مواطنيها، مستشعرا نظرتها لشيرين التي قام أحد جنوده باغتيالها، ليروج لفكرة أن فلسطين والعرب بغالبهم تجاهلوا شيرين المسيحية، فيما المشهد على الأرض أثبت أن فلسطين والعالم العربي والإسلامي رثى وترحم على شهيدة الحق الفلسطيني، زهرة الإعلام شرين أبو عاقلة، التي وريت الثرى في زهرة المدائن، القدس الشريف!

السبت، 6 نوفمبر 2021

الترفيه والإعلام.. السطحية والإثارة

 جريدة الرؤية
25-10-2021
عماد أحمد العالم


الإعلام الترفيهي أو الإعلام والترفيه والمعروف بالإنجليزية «Infotainment»، تم استخدامه لأول مرة في عام 1980، والذي اختصاراً يعني الأخبار الخفيفة التي جرى التفريق بينها وبين الأخبار التقليدية الرزينة، التي دأبت وسائل الإعلام على بثها على مدار سنوات.
هي وسيلة تم استحداثها لجدواها الاقتصادية ولدرِّ الأرباح المتزايدة من جهة، ومن أخرى تماشياً مع تغير الذوق العام لدى الشعوب وتوجهها الذي بات ملولاً من الجدية، التي تسببت بها الأحداث التاريخية التي مرّ بها العالم من الحرب الباردة والانقلابات بشتى الأقطار والكوارث المختلفة والأوبئة، وجميعها أوصلت المشاهدين لحالة من النكران تجلت بإقبالهم على نوع مُستحدث خفيف ضمن استمرارية جذب المشاهد أياً كان الحدث بوليسياً أو ثقافياً أو حتى فضائحياً - وهو الأكثر رغبةً وجذباً للمشاهدة - فتم تضخيمها جميعاً، وصناعة حدث شعبي منها لاستقطاب المشاهدين أياً كانت فئاتهم واتجاهاتهم وأهواؤهم، حيث عناصر التشويق متكاملةً به، مع خبر تم تضخيمه وإبراز ما به من أشخاص، كوسيلة لتسويقه للمشاهد الذي تمت إثارة الفضول لديه، والذي يمثل بدوره السلعة التي تم تسويقها للشركات، للفوز بعقود إعلانية معها أثناء البرامج.
بالطبع لا يزال السبق الصحفي والأحداث السياسية على أهميتها المعتادة، وإن أظهرت استطلاعات الرأي اكتراثاً أقل بها، وإنما المقصود هنا الأحداث المصطنعة والقضايا السطحية ذات الهالة الإعلامية التي غيّرت من مفهوم الترفيه الرزين، وأعطت الترفيه الخبري مذاقاً سطحياً للمشاهدين، ولو كان عبر الإسفاف والتشهير والسذاجة في الرأي والإثارة المُختلقة، الغرض منها جميعاً الأرباح السهلة والحصول على أعلى نسب المشاهدة والمترتب عليها بالطبع من زيادةٍ في الإعلانات والدخل.


المصدر: صحيفة الرؤية - الترفيه والإعلام.. السطحية والإثارة - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

القرصنة.. سلاح وطني أم انتهاك دولي؟

 جريدة الرؤية
11-10-2021
عماد أحمد العالم


القرصنة أو الهاكينج، هي امتداد لمسمى اللصوصية المعلوماتية، ذات التعريف الحامل لأوجه عدة من جهة تفسيره، فبالرغم من الإجماع المؤسساتي الدولي على اعتبارها انتهاكاً لخصوصية الأفراد والمؤسسات والحصول على معلومات بدون حق لاستخدامات غير مشروعة، إلا أن لها أوجهاً أخرى لا يمكن إغفالها!
يعتبرها آخرون شراً لا بد منه، بل من الواجب اعتباره أحياناً عملاً وطنياً ذا سيادة يجب القيام به، بما يدعم مصالح الأوطان، فهي السلاح الفعال في التأكيد على سيادة الدول وحماية خصوصية المعلومات، وحماية بيانات مواطنيها من تبعات حروب التجسس المستقبلية، والتي تساعد أيضاً باختراق تحصينات العدو الافتراضية، ومن ثم معرفة خططه وتحصيناته لاستباق أي حدث أو للتخطيط له وبما يضمن نجاحه، وخصوصا أن الخصوصية كمفهوم أمني بات مهدداً بالخطر مع العولمة الرقمية التي أتاحت للشعوب التواصل دون حدود بأي وقت وبكل مكان بشرط مشاركة معلوماتها رقمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحتفظ بها بقواعد بياناتها مع وعود بعدم بيعها ومشاركتها لأطراف تجارية أو فعل ذلك بحجة تقديمها خدمات مجانية للمستخدمين مقابل بيع بياناتهم للمعلنين.
في الحالتين، باتت الخصوصية دوماً محلاً للتساؤل عن مدى قدرة مقدمي الخدمات على حمايتها، وهو ما يظهر على الدوام في حالات سرقة البيانات أو تسريبها، وهو ما كلف مليارات الدولارات من الخسائر التي تهدد اقتصادات الدول، وشركات «التك» العملاقة المضطرة لتحسين خدماتها من ناحية حماية ما تمتلكه من معلومات المستخدمين، كي لا تتضرر سمعتها فينعكس ذلك سلباً على قيمتها السوقية وأسهمها بأسواق البورصة العالمية التي تتأثر دوماً بأخبار الاختراق.


المصدر: صحيفة الرؤية - القرصنة.. سلاح وطني أم انتهاك دولي؟ - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

التقنية.. أثمن من النفط

 جريدة الرؤية
27-09-2021
عماد أحمد العالم


‏نيجيريا، التي تعد أحد أكبر منتجي النفط بأفريقيا، أدرت عليها مبيعاتها منه مليارات معدودة، لا تكفيها حتى لتغطية ميزانيتها السنوية، أما فنزويلا التي لا تقل عنها أهميةً فتسير بركبها، وكذلك العديد من الدول التي تعتمد اقتصاداتها على الذهب الأسود، التي رغم ثرائها به إلا أنه لم يستطع اقتيادها للرفاه الاقتصادي.
في المقابل، حققت غوغل بعام 2020 حوالي 183 مليار دولار من الأرباح، أما شركة أبل فقد تجاوزت إيراداتها التراكمية التريليون دولار منذ طرحها لهاتف آيفون عام 2007، مع تحقيقها 274 مليار دولار من المبيعات في العام 2020، نصفها من مبيعات أجهزة الآيفون.
ألمانيا قدّرت حسابات معهد «إيفو» الفائض بميزان معاملاتها الجاري، والذي يقيس تدفق السلع والخدمات والاستثمارات، عند نحو 293 مليار دولار في 2019، علماً بأنها لا تمتلك نفط تحت أرضها.

من حيث القيمة السوقية لشركات «التك» العملاقة، قيمة «مايكروسوفت» السوقية تقترب من تريليوني دولار، فيما حلت شركة أبل بالمرتبة الأولى بما قيمته 2.1 تريليون دولار.
ألفابيت وهي الشركة الأم لـ«غوغل» وغيرها من الشركات التقنية وصلت قيمتها السوقية إلى 1.4 تريليون دولار، في حين بلغت قيمة عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك نحو تريليون دولار.
وفقاً للغة الأرقام كمحصلة وبحسبة بديهية، فالمعلومة والتقنية أثمن من النفط، وكذلك القطاع الخاص أغنى من الحكومات التي جعلت اقتصاداتها رهينة بما تستخرجه من باطن أرضها، والذي مهما بلغت احتياطاتها منه فلا بد أن ينضب، فيما التكنولوجيا والعالم الافتراضي والمعلومة متجددة ومتطورة ولن تنتهي، بل ستتطور لتكون رائدة الاقتصاد، بعد أن بنت أسسه وسعت لاستمرار عجلة تطويره.


المصدر: صحيفة الرؤية - التقنية.. أثمن من النفط - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

مشتركاتنا رغم اختلافنا

 جريدة الرؤية
13-09-2021
عماد أحمد العالم


مهما اختلفنا كشعوب بالعرق والدين واللون، ومهما فرقتنا صراعاتنا وحروبنا التي لن تنتهي ما دمنا بشراً يسعى كل منا أن يفرض عضلاته على الآخر، باستغلاله جسدياً واقتصادياً ومادياً أو فكرياً ودينياً، إلا أنه سيبقى بين الشعوب ما ستحتفظ به دوماً ليكون صلاة مشتركة تجمعهم حتى لو لم يشاؤوا ذلك.
تلك فطرة وغريزة مبرمجة ولا يمكن محيها أو تغييرها، والحال ذاته ينطبق على نساء العالم، فمهما اختلفن وتعددت درجة الانفتاح والثقافة والحرية والمعيشة الاقتصادية لديهن، إلا أنهن سيبقين إناثاً يتشاطرن صفات بذاتها، وسترى بعينيك وتشاهد ردة فعل طبق الأصل لامرأةٍ في القطب الشمالي مع أخرى في أقاصي غابات أفريقيا إن تعلق الأمر بالغيرة مثلاً!
من جهة أخرى وبعالم الجريمة، يبدو أن اللصوص والمجرمين من مختلف المرجعيات والبلدان أيضاً لديهم سمات مشتركة في مفهوم السرقة والجريمة، ومبررات لاحترافهم إياها واستيلائهم على أموال الناس بالباطل.
المنطق هنا ذاته، وقد مر عليّ من قبيل الصدفة أحد الأمثلة أثناء مشاهدتي لفيلم أجنبي، تحدثت فيه قاتلة مأجورة أنها قد جمعت مبلغاً يكفيها لتقاعدها لكنها كلما أرادت ذلك تراجعت لإيمانها بأن «اليد البطالة نجسة»!
طبعاً الجملة السابقة كانت الترجمة العربية لما قالت نصاً: «Idle hands do the devils work»، والتي تعني مجازاً الترجمة السابقة نفسها.
بصراحة استوقفتني الجملة وبقدر ما أثارت ضحكي، إلا أنها لفتت نظري إلى أن مجرمينا ومجرمي الغرب، ولنقل المتحدثين منهم بالإنجليزية على الأقل لديهم مفهوم واحد عن البطالة، وضرورة العمل حتى لو كان سبباً لتعاسة الآخرين إما عبر سرقتهم أو إيذائهم.


المصدر: صحيفة الرؤية - مشتركاتنا رغم اختلافنا - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...