الأحد، 25 سبتمبر 2016

مشاركة في تقرير مع الحياة بعنوان " «جاستا» يفتح أبواب مقاضاة أميركا..."

بقلم عماد أحمد العالم

تقرير تم نشره في جريدة الحياة 23-09-2016



قال المحلل والكاتب السياسي عماد العالم لـ«الحياة»، إن قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب، يعد خطوة من قبيل إقرار الولايات المتحدة، لتبعات خطرة على الأميركان أنفسهم من دول تضررت كثيراً من تدخلاتها وسياساتها العسكرية، مشيراً إلى أنه سيدفع لتنشيط مؤسسات المجتمع المدني وهيئاتها التشريعية إلى سن قوانين تسمح لعائلات الضحايا في بلدانها التي تضررت من الهجمات والعمليات العسكرية الأميركية فيها، برفع دعاوى تجريم وتعويض على الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يسبب حرجاً ديبلوماسيا في حال عدم اعتراف الأخيرة، أو رفضها لهذه المحاكم.
وأكد العالم أن قائمة الدول المتضررة من الإرهاب الأميركي كثيرة، وقال: «لن تكون أفغانستان والعراق على رأس القائمة فحسب، بل ستسعى أيضاً دول أميركا اللاتينية التي عانت في القرن الماضي الانقلابات العسكرية الدموية التي رعاها جهاز المخابرات الأميركية، إلى الانتقام وفضح الدور الأميركي فيها، ففي تشيلي مثلاً وبرعاية من سي آي آيه، قام بينوشيه بانقلابه الذي أطاح بحكم الرئيس المنتخب ديموقراطياً سيلفادور الليندي، وارتكب مجازر دموية، وقمعاً غير مسبوق بحق المعارضة، مع تعطيلٍ كامل للحياة الديبلوماسية، وكذلك جرى الأمر في الأرجنتين والبرازيل والإكوادور وهاييتي وكوبا والسلفادور، وجميعها عانت من الحكم العسكري الانقلابي الذي نجح بدعم ومؤازرة أميركية، كما حدث بالتمام في إندونيسيا، حين انقلب سوهارتو على الزعيم سوكارنو، ليُخلف نتيجة لذلك نحو مليون قتيل وعشرات الآلاف من السجناء».
وأضاف: «هذه الجرائم الدموية التي تمت برعاية أميركية مكشوفة، لا تسقط بالتقادم، وفيها من جرائم الحرب ما يصعب حصره، وحال البدء في مقاضاتها ستدخل أميركا في دوامة قضائية عالمية ستزيد من كراهية الشعوب لها، وستصعب من ادعاءاتها المتكررة بحرصها على العدالة، فيما كانت سابقاً وما زالت راعياً رئيساً لديكتاتوريات منتهكة لحقوق الإنسان، وتجرم بحق شعوبها». وتابع: «أما العراق وأفغانستان وباكستان، فعلى رغم فداحة الضرر الذي حدث بهم إلا أن حكوماتهم الحالية التي تخشى التصادم مع الأميركان، وقد تعطل أية دعاوى ضدهم مشابهة، لكن هذا لا يمنع أن يحدث مستقبلاً إن قامت ثورات شعبية متوقعة تطيح بحكومات دولهم، التي ملت من تبعيتها، وعدم سعيها للمصلحة الوطنية وفسادها».
وأكد أن أميركا في خطر إن لم توازن بين مصالحها الداخلية والتزاماتها وعلاقاتها الدولية، وخسارة العلاقة الحسنة مع دولة بحجم المملكة العربية السعودية ستكون تبعاتها خطرة اقتصادياً على أميركا، وسينزع ذلك منها ورقة حليفٍ استراتيجي، ومن أكبر منتجي النفط في العالم، وستستعى بدورها إلى الرد بإجراءات احترازية سريعة لتسييل أموالها وسحبها قبل أن تتعرض للتجميد، كما يتوقع إن قبلت المحاكم الأميركية دعاوى التعويضات المزمع التقدم بها!
وتابع: «تتلاعب الهيئات التشريعية في الولايات المتحدة بالدول الأجنبية، وقد يكون ذلك عن قصد، نتيجة لسياسة الحكومة الأميركية الخفية، أو أنها تمارس أجندة ناتجة مباشرة عن رغبات لوبيات الضغط في الولايات المتحدة، أو لأهداف انتخابية.
كما تحدث عن ذلك في أكثر من كتاب النائب الأميركي السابق لـ20 عاماً متتالية بوب فندلي، الذي كشف أن الكونغرس ومجلس النواب الذي يحتفظ بالسلطة التشريعية، يتعمد على مدار أعوام سن قوانين تتعارض فعلياً مع المصلحة الدولية لحكومة بلاده، من دون الأخذ بالاعتبار ما قد ينتج عنها من ضرر للمصلحة القومية، في تصرف فج يهدف فقط لمطامع ضيقة على المدى القصير».
واستطرد: «هذا ينطبق الآن على القانون الذي أُقِرّ حديثاً، الذي سيسمح للمحاكم الأميركية بالنظر في دعاوى تعتزم عائلات ضحايا الـ11 من سبتمبر رفعها، طلباً للتعويضات من المملكة العربية السعودية، التي تسعى فئات سياسية أميركية إلى الزج بها في المسؤولية عن الهجمات، على رغم التقرير الذي صدر أخيراً، وأُعلنت بموجبه براءة المملكة من هذه الاتهامات». وأكد أن الغرض يمكن أن يكون الابتزاز المالي أو السياسي، وقد يكون استجابة للوبيات الضغط الإسرائيلية والإيرانية في أميركا، إلا أن المؤكد أن المملكة، التي تستثمر مئات البلايين في الولايات المتحدة، في شكل سندات وأرصدة أو استثمارات مباشرة، قد تتعرض لتجميدها حال موافقة قاض في محكمة ابتدائية في أصغر مدينة أميركية، إن ارتأى قبول الدعوى، وهو ما سيلحق ضرراً كبيراً بهذه الموارد السعودية، التي يصعب التكهن بالزمن التي ستبقى فيه مجمدة، أو حتى يُقتص منها لدفع التعويضات المزعومة.
وأشار إلى أن رفض وزارة الخارجية الأميركية هذا القرار واعتزام البيت الأبيض استخدام «الڤيتو» الرئاسي عليه، قد يُسهم في تعطيله موقتاً، لكن الكونغرس قادر بحسب الدستور على إعادة طرحه مرةً وأخرى، واعتماده بأقل نسبة تصويت، وهو ما سيجعله سارياً ويلغي «الڤيتو» الرئاسي، الذي لن يحول بعد ذلك دون تطبيقه!


المصدر: جريدة الحياة - http://www.alhayat.com/Articles/17524224

مشاركة في تقرير مع الحياة بعنوان " الاتحاد يتطلب أن نتجاوز الخلافات ......"

بقلم عماد أحمد العالم

تقرير تم نشره في جريدة الحياة 17-05-2016



على أعتاب الذكرى الـ35 لإنشاء مجلس التعاون الخليجي يبدو جلياً تزايد التحديات التي تهدد هذا المجلس، وتحفز الدول الأعضاء إلى بناء شراكة متكاملة، يجب أن يكون محصلاً لها الاتحاد السياسي والاقتصادي، في ظل أجواء دولية وشرق أوسطية غير مستقرة، بدأتها إيران في استفادتها من التدخل الأميركي في العراق بعد إطاحتها بحكم الرئيس السابق صدام حسين، وليس انتهاءً بدعمها «حزب الله» في لبنان، و«الحوثيين» في اليمن، وجهودها الحثيثة للإبقاء على النظام السوري، ووقوفها معه عسكرياً ومالياً وسياسياً في وجه ثورة شعبية طالبت بالتغيير.
وقال المحلل السياسي عماد العالم لـ«الحياة»: «إن تزايد حمى التسليح العسكري وتعزيز قدرات البحرية الإيرانية التي يدعمها النظام الراداري الجديد القادر على رصد الأهداف المعادية لمسافةٍ تمتد إلى ألف كيلومتر، يزيد من القلق الخليجي»، لافتاً إلى تزايد نفوذ «القاعدة» و«داعش» في اليمن، والأخير التي باتت خلاياه في الخليج تنفذ عمليات إرهابية، وتهدد بإثارة القلاقل وتعكير صفو النسيج الاجتماعي لدول الخليج عبر عملياتها ذات الطابع الطائفي.
وأوضح العالم أنه في ظل جميع هذه التحديات، «يقفز دوماً أمام صناع القرار الخليجي ضرورة توحيد المواقف المشتركة في السياسة الخارجية، والتي لن تتم إلا عبر توافقٍ تام في ما يخص إيران وبعض الجماعات، ومنها «الإخوان المسلمين» الذين تتباين المواقف معهم ما بين متقبلٍ لهم من جهة، وأخرى مصنفين فيها جماعةٍ إرهابية، جميعها تتطلب أن يكون الخليجيون قادرون على تجاوز خلافاتهم البينية وتحديد أولوياتهم وأهدافهم المشتركة والمخاطر المحيطة في الخليج والمنطقة عموماً».
ودعا دول الخليج إلى اتخاذ «قرارات وخيارات مؤلمة، كان ينبغي اتخاذ غالبيتها قبل زمن بعيد لكن ذلك لم يحدث، ومنها تفاقم المشكلات السكانية والاقتصادية في الداخل، وارتفاع نسبة البطالة في ظل سياسةٍ لم تثمر بعد عن نتائج حقيقية في تفعيل التوطين، يُضاف لها غياب الحوافز الاقتصادية الضرورية للنمو والتوظيف، والأهمية الحيوية للقطاع الخاص والحاجة إلى إحداث توازن دقيق بين النزعة المحافظة ومتطلبات القرن الـ21، الذي تعمد فيه الدول لبناء اقتصادٍ صناعي لا استهلاكي ومنفعي مدعوم من الموازنة العامة للدول، التي تأثرت كثيراً بانخفاض أسعار النفط والطلب العالمي عليه».

المصدر: جريدة الحياة - http://www.alhayat.com/Articles/15643668/العالم--الاتحاد-يتطلب-أن-نتجاوز-الخلافات-ونتخذ-قرارات-مؤلمة

الخميس، 8 سبتمبر 2016

دولة الأخلاق

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 08-09-2016



الأيام دول، وهذا الزمان على ما يبدو وحتى اللحظة ليس زماننا كمسلمين، أعلم بأن ما أقوله قد قاله قبلي كثير، ويبدو أنه من كثرة ما رددناه أصبح القول كئيباً رتيباً مملاً، إلا أن تكرار قولي لعله يوقظ ضميراً واحدا من بين أمة المليار، فيكون بما فعل قد خطا الخطوة الأولى نحو الإصلاح المنشود لعالم الأخلاق، الذي ذهب عنا فذهبنا ليس معه وإنما للنقيض منه!
 
ذات يوم، استيقظ العالم الآخر الموازي لنا في الطريق والمتقدم علينا في أغلبه، فطبق ما نادى به الإسلام ودعت إليه تعاليمه من دون أن يحول دينه، فتقدم علينا ونبذ عصور ظلمته وبدأ ثورة أخلاقية إنسانية، نتج عنها قوانين وضعية تسير شتى شؤون الحياة ولم تدع صغيرة ولا كبيرة فيها إلا غطتها، فيما نحن مازلنا مشغولين "بالهياط" والمفاخرة بالأصل والفصل وبالقبيلي والحضيري والعبد والفلاح والصعيدي والمدني والقروي والمواطن والأجنبي.
 
ثقافة مجتمعاتنا محتاجة لغربلة وتصفية، فحين يكون هم المجتمع وسلوكه وحياته وقرارته وتفكيره في بضع شؤون كقوله مثلاً: هل غطاء الوجه حلال أم حرام؟، وما يثيره من خلافات ذات شجون، حيث قائل بالحرية الفردية وآخر متهم بأن من تكشف عن وجهها فإن لها زوجا ديوثا، فيما آخرون في دوامة سعارهم الجنسي، ونفر ليس بالقليل جل همه التصنيف، فذاك إخوان وسلفي وليبروجامي، ووهابي وليبرالي وسروري، ولا ننسى طبعا المتنطعون ومعهم من يستفتي هل يجوز النظر لعورة الفضائيين او الوضوء من المريخ؟، وفيهم من يفتي في علم لا يعيه ويقول إن الأرض مسطحة.
 
القائمة طويلة ولن يختلف حالنا إلا إذا نبذناها جميعها، من دون أن ننسى منها طبعا أتباع مذهب "أحب الصالحين ولست منهم"، وتحولهم لصالحين بدل التمسح بهم فقط، والدفاع عنهم، حينها فقط تأكدوا أننا سنكون كالنرويج، وفنلندا، والسويد، وكندا والنمسا وبقاع العالم التي نتمنى الهجرة اليها والعيش فيها آمنين سالمين مكرمين معززين!
 
لو عدنا لرشدنا كبشر قبل أن نكون حتى مسلمين، لوجدنا ديننا الحنيف الذي أهملناه وتجاهلناه وقصرنا فيه؛ هو أساس المنظومة الأخلاقية التي تحترم حقوق الإنسان وتراعي الجميع وتكفل العدالة والنظام وتؤطر للقانون وتكرس النزاهة والشفافبية.
 
في دول العالم التي تولي أهمية لمنظومة الأخلاق، يتعلمون السلوكيات أو ما يسمى:
 
(Good manners and Right conduct) من المراحل التعليمية الأدنى حتى الأعلى، ويدرسون تعليم القيم (Values Education)، بينما يركز تعليمهم الجامعي والأكاديمي على الأخلاق (Ethics)، بينما نحن العرب والمسلمون المتفاخرون بفلان وعلان نتجاهلها!
 
في شوارعنا، دوما ما تحيطك النظرات الغاضبة، فإن أسديت لأحدهم معروفاً أو أديت له خدمة أو أحسنت التصرف تجاه موقف ما، تجاهلك، بينما في دول الغرب "الكافر"، عامة ما يبادرك بالكلمات السحرية (magic words)، أي شكراً، ولو سمحت ومن فضلك وهلا تكرمت وأرجوك......


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=376282

الخميس، 1 سبتمبر 2016

جريمة بحجة الشرف!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 01-09-2016



اسمحوا لي اليوم أن أكتبها صراحة حين أصف القانون الوضعي المعمول به في عديد من الدول، الذي يبرئ قاتلاً بحجة صونه الشرف، بأنه عديم شرف وليس من الدين ولا الأخلاق من شيء، وأفضل وصفٍ له بعيدا عن النعت بالرجعية والتخلف هو "البربرية"، التي تُبرر لذكر في أسرة أو قريب أن يسفك دم أنثى تنتمي لنفس الأسرة، لأسباب "يروجوا" أنها تتعلق بارتكابها "عمل غير أخلاقي" كالزنا والعلاقات غير الشرعية والصداقة موضع الشكّ، من اجل الحفاظ على ما يسموه شرف العائلة عبر غسل العار! 
هذا القانون الذي يوفر السبيل للسفاح كي ينفذ بجلده، يطبق فقط وتتهدج به الصدور حين يكون من أخطأ أنثى، وقتها تتفجر حمية الذكر وكل من يمت لها بصلة قرابة، وبدعمٍ من مجتمعٍ مصاب بفوبيا المرأة والجنس، فيقوم جلاد العرف والعادات والتقاليد البالية بانتهاك روح الآدمية أياً كانت الطريقة، شنقا أو خنقا أو ضربا أو بالسكين والسلاح، لأنها وكما يتذرعون انتهكت شرف العائلة و "مرمغت" سمعتها بالتراب، لذا وجب الاقتصاص منها على يد أقرب الناس إليها من الذكور وحتى لو كان هذا الأخ أو القريب القاتل بالأمس ربيبها الذي كانت تطعمه وتربيه وتسعى لسلامته وراحته وتمسح عنه قذارته! 
حالنا كعرب في هذا الشأن القبيح كعديد من الشعوب الأخرى الإسلامية وغيرها، التي تتشارك جميعها رغم الفقر بالحميّة التي لا نراها منها حين تنتهك آدميتها وتستعبد؛ بل فقط حين ترتكب أنثى خطأً لا أحد معصوم منه، ولكن لأن جنسها ما يميزها عن الذكر ويجعلها دونه وفق العُرف الجاهلي، فجريمتها لن تغتفر ولن تُمحى من الذاكرة إلا بإلغاء وجودها الذي باستمراره سيكون وصمة العار الأزلية. بينما ذكور العائلة ومنهم المُدمن والفاجر والسكير والعربيد والمُغتصب والسارق والزاني؛ مهما فعل فذنبه مغفور والدعاء له واجب وتوبته مقبولة مقدماً، والخطأ مهما كان حجمه ليس بذنبه، بل إثم شيطانة اسمها فتاة أغوته فمارس معها الخطيئة بعد أن وعدها بزواج لاحق وعلاقةٍ شرعية.  
هي حتى وإن غرر بها مُدانة ومتهمة وسيطلق عليها الفاجرة الفاسقة ولن تجد من يترحم عليها ويدعو لها ويلتمس العذر أو حتى يقبل توبتها، فالذنب ذنبها وهي الضعيفة التي سمحت لذاك الوديع البريء أن يدنس عفتها، التي لا يُسأل عنها سواها، فإن فقدتها في لحظة طيش أو عاطفة فقدت معها حقها في الحياة، ويجب عليها أن تدفع روحها ثمنا لا يكفي. 
أستغرب من البلدان التي ما زالت محاكمها تبرئ القتلة وتخفف العقوبة عنهم فيما يُسمى بجرائم الشرف، التي يُمارس فيها المجرم قانون الغاب على صلة رحمه بدعمٍ ممن حوله ودونما شعورٍ بالإنسانية، فبدلاً من أن يُقتص منه، يتم تبرير فعلته ويُحتفل به رغم كونه سفاحا أحل دماً حرم الله سبحانه وتعالى قتلها إلا بالحق!
الأغرب من القانون ذاته هو استماتة الأغلبية من ممثلي الشعب وقادته وقانونيه وبرلمانيه ومثقفيه في الدفاع عنه ومنع إلغائه وقمع أي محاولةٍ تهدف للاقتصاص من مرتكبي هذه الهمجية والرجعية والإجرام غير المُبرر! 
إحصائياً، تشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى ارتكاب 5000 جريمة قتل بحق النساء تحت ذريعة شرف العائلة في العالم بشكل عام، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا بشكل خاص، أي بمعدل أربع عشرة جريمة يوميا، علما بأن الرقم الحقيقي لابد أن يكون أكبر بكثير مما هو معلن، وسط غطاء وحماية من العائلة وتخاذل السلطات التي تحتل دولها النسبة الأكبر من هذه الجرائم، دون إشارات على محاولات جدية من حكوماتها لتعديل القانون المتواطئ مع القتلة، والذي يشجع عدم عقابهم على ممارسة القتل بذريعة الشرف!


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=375451

الأربعاء، 24 أغسطس 2016

سيرة الحب.. من درويش إلى نزار

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 24-08-2016



ما أروع درويش حين علمنا مُبكراً درساً يجب ألا ننساه، حين نفى وأكد أن الحب ليس بالرواية الشرقية، التي بختامها يتزوج الأبطال، كما جرت العادة ودأب مخرجو الأفلام العربية وكتّابها على تصويره، فيما أفنى ومن جهةٍ أخرى فيه نزار عمره دون أن يجده بعد فقدانه لبلقيسه التي نال منها غدر المتحاربين، لكنه ومع ذلك خلد لنا ماءً فراتاً يروي ظمأنا لتلك الأنثى العبقة بجنون الهوى، التي نلهث خلفها على غير درايةٍ بطريق الظفر بها، ودونما أي أملٍ بأن نجدها، لكننا ومع ذلك انتشينا للتيهان في غياهب سكرها، الذي لا يُروى منه من ذاق رحيق قطرات تجمعت على شفاهها، وسقطت بعد أن تناغم فيها وتثاءب متوردا في صباح يومٍ يافٍ تتعانق فيه أمواج البحر مع غيوم سمائه، ونسمات هوائه التي أعلنت عن غجريتها وجنونها حين لامست خصلاتٍ من شعرها المجنون المنسدلة دون نظامٍ على كتفيها!
 
مع درويش مجددا، الذي تنبأ بحسه الإنساني بنا وبما سيؤول إليه حالنا حين قال لنا "بالأمس كنا نفتقد الحرية.. واليوم نفتقد المحبة.. لكنني خائفٌ من الغد لأننا سنفتقد الإنسانية!".
 
بالفعل فقد ضاعت منا وذهب معها أجمل ما يجعل منا بشرا نُحِّب ونُحَّب، وتحولنا لكائناتٍ غليظة جلفة أنانية، في لحظات قوتها تُمارس سطوتها وجبروتها، وفي أناتها وانكسارها تُبالغ في وداعتها وتذللها، وتُظهر حنانها، وتلهث خلف هوى الآخر وحبه، ممرغة جسدها في مبالغاتٍ تظن أنها لما تفعل ستجعل منها عاطفية رومانسية تكتسب ود نصفها الآخر الذي أهملته في جنون عظمتها لحظة تبسم الدنيا لها، لكنها الفانية التي أشاحت لها ظهرها، وتركتها ترجو غفراناً لن يكون لنفسٍ بشريةٍ أنانية ظنت نفسها قد ظفرت فيما خسرت وخابت ظنونها.
 
في جعبة هذين الشاعرين العربيين الراحلين قصصٌ تُروى سطراها بأشعارٍ جعلت كلاً منهما رمزاً تُميز به وعُرف، فغنى لهما من تغنى بأبياتهما وبقت البقية العظمى منها ترددها الألسن كلما حظرتها حادثة أو موقف، أو نمى لمخيلتها ما يثير شجنها فرددتها مراراً وتكراراً وكأنها تستمد منها الشغف والحنين والرغبة، التي ندرت رغم ادعائنا وجودها وتغير شكلها مع زحمة الحياة وما أكسبتنا إياه من غلاظةٍ وجلفة أبعدتنا عن أجمل ما يجب أن يكون فينا كبشرٍ خلقنا كذكر وأنثى.


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=374771

الأربعاء، 10 أغسطس 2016

رومانتيكيون!!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 10-08-2016



عجزت أن أفهم وأستوعب ما هي الرومانسية، ولماذا تشكل بطريقة غير مباشرة محور حياتنا؟ ولست مخطئاً إن وصفتها بأنها الشيء الأكثر استهلاكا لوقتنا، وإن نفينا ذلك عنا أو استهجنه البعض منا
 
كيف يكون ذلك؟ لنبحث معا ونراجع أحداث يومنا.. حين تنطلق بسيارتك، لابد لك أو ربما لغيرك أن تطرب لأغنية، فتنسجم وتعيش في جوٍ من أحلام يقظتك لما تسمعه وتردده، فيما شريط من ذكريات مجهولة يتراءى أمامك، لأحداث حصلت أو ربما تتخيل حدوثها أو تتمنى.
 
هل من الممكن أن نصف ما جرى للتو لك بالرومانسية، وألا تُعدُ تلك اللحظات التي انقطعت بها عن الدنيا شكلا من الشاعرية، أم هي ربما فقط مشاعر جميلة تلطف جفاء الروح وتبعد عنك رتابة ما حولك؟
 
حين نشاهد فيلما، أياً كان، وحتى لو كان مرعباً أو حربياً، ننتظر المقاطع التي تصدح بالعاطفة رغم قسوة الظروف المحيطة بها، ونتفاعل معها، ونشعر بوقعها على أنفسنا وكأنها حقيقة تحدث معنا، متناسين أن ما شاهدناه للتو وزلزل جبل الجليد الكامن بداخلنا هو تمثيل، أو بلغة أكثر صراحة "كذب جميل"، صنعناه بأيدينا ومن ثم صدقناه وتفاعلنا معه، ليصبح ما يحرك فينا الرياح الخاملة التي تتولد لتعصف بالجمود، فتحدث أثراً نحس به باللوعة التي نستمتع بها، رغم ما تحدثه من ـلم لنا، إلا أنها كمدمن العلقم الذي يكمن سبب حياته في إدمانه عليه رغم مرارته!
 
سألت صديقاً: هل أنت رومانسي؟ فأقسم أغلظ الأيمان أنه كذلك، ومن دلائله التي استدل بها، تلك الليلة المطابقة لعيد زواجه، حيث استأجر غرفةً في فندق دون علم زوجته، التي على حد وصفه كاد يغمى عليها حين دخلتها مغمضةً عينيها، وما إن أبصرت بها مجدداً حتى رأت طريقاً من الورد الأحمر المنتهي بزخاتٍ منه على سرير النوم!
 
روى لي آخر (والرجال سرُ بعضهم)، أنه من واقع خبراته وممارسته وجد أفضل سبيلٍ لها عبر الورد، فهو الذي يتحدث لغة القلوب وقادر على احتواء أعتاها وأكثرها صلابة، ويكفي أن تهديه لمن تُحب لتتملكه!
 
بالفعل هناك من يرى الرومانسية بدباديب وقلوب وهدايا فاخرة ووجبة عشاءٍ وسط أجواء رائعة، وهناك من يراها مودة ورحمة، فيما آخرون يجدون لذتها في الهمسات واللمسات وسط أضواء الشموع.
 
هي روح المحبة التي ولدت مع البشر منذ الأزل وليس لها عمر أو تاريخٌ تُعرفُ به، فحتى رجل الجليد والغابة والجاهلي عرفوها طريقاً للتلذذ بالحب، ومارسوها بطريقتهم الخاصة، وكذلك الأجداد ممن زرعوا الحقول ورعوا الغنم وجابوا الأرض على دابتهم طلباً للرزق وسعيا لتوفير مكارم الحياة، شعروا بها وربما تفننوا فيها أكثر من رومانسيي زمننا هذا، الذين اختلطت مفاهيم البعض حولها فربطوها بالغنى والثراء والمظاهر المبالغ فيها والهدايا الفاخرة ، فيما يفترض بنا أن نراها بالمزيج مما سبق وصفه، ولكن بتلقائيةٍ ودون اصطناع وبنفسٍ طيبة متعلقةٍ روحها بشريكها الآخر رغم كل ما قد يُعكرُ صفو الحياة بينهما.


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=373372

الأحد، 7 أغسطس 2016

هل نكره السعودية؟؟

بقلم عماد أحمد العالم


سؤال بات من الملح علي أن أطرحه واتحدث عنه للعلن، بل أكتب عنه في ظل هوجاء مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت وسيلة الإعلام الأسرع تأثيراً والأكثر انتشاراً وسط شعبيتها بين الجميع، عامتهم ومثقفيهم، بسيطهم ومتكلفهم؛ هذا رغم كونها أيضا المصدر المؤرق للشائعات وذات المصداقية الأقل أوقاتاً، إلا أنها وللأمانة عكست ما فينا وابانت ما يعتمر في نفوسنا، وباتت كالصفحة البيضاء متناهية المسافة التي تستطيع أن تكتب فيها ما تشاء ووقتما شئت!
لم اتردد للحظة في فكرة المقالة, ولطالما أردت كتابتها, لكن ما أخرني عنها هو حرصي أن أنفي عنها صفة العاطفية, وأن تكون عملية مُصاغةً بصدق, وتكون مقبولةً لدى القارئ العربي والسعودي على وجه الخصوص, لأجلي فيها وأُجيب عن تساؤلاته المشروعة تجاه مشاعر غريبة يكنها الكثير من العرب أو بعضهم (ولن ارجح كفةً على الأخرى) تجاه المملكة وشعبها، فيها الإيجابي وهو المطلوب الذي لا يقلقني, وإنما السلبي الذي سيكون تركيزي وحديثي عنه.
يشعر السعوديون بأنهم أحياناً مغبوطون من أقرانهم العرب، ولكن كثيراً بأنهم محسودون ومتهمون في إنسانيتهم, ومطعونٌ في عروبتهم, ومشككٌ في مراعاتهم لحقوق الآخرين, ومنتقصةٌ مكانتهم من بعض الذين يرون فيهم بدواً رُحلاً, سكنوا القصور بعد نعمة النفط, وهجروا خيام الصحاري ليقيموا لها صروحا في بيوتهم، وتعلموا بعد أن كان الأغلبية منهم أميين لا يعرفون القراءة والكتابة.
تتكرر على مسامعهم جمل من قبيل "نحن من علمكم"، "ونحن من شيد طرقكم ومدارسكم ومستشفياتكم"، "ونحن من جعل بلادكم مأهولة تضج بالحياة بعد أن كانت قاحلة"، وغيرها الكثير التي أحدثت شرخاً في علاقة السعودي بشقيقه العربي, الذي بات يتشكك في أخوة الدم معه ويلعنه، فهي التي لم تقربهم لبعضهم كالمفترض, وإنما زرعت البغضاء والضغينة بينهم، حتى سادت مشاعر الحسد لا الغبطة, والنقمة لا المحبة, وتصيد الأخطاء والمسارعة في الملامة والتشفي; حداً وصلت فيه مُثخنةً للجراح ومهيجةً للمشاعر التي وإن أخفت حنقها في العلن وأسرته؛ إلا انه ما يلبث أن يطفوا على السطح ويظهر جلياً في كل ازمة تقع ولو لأتفه الأسباب. حينها تفصح الصدور عما بها ولا تخفي الأنفس كينونتها، فتشتعل حروب السباب والشتم والقذع، ويلتف أنصار كل فريقٍ حوله وأغلبهم للتشنيع لا التقريب وتهدئة النفوس!!
يقول المنطق أن المملكة دولةٌ حديثة نسبياً في عُرف تاريخ الدول، وذو مساحة شاسعة جدا أغلبها صحراوي، يُحسب لها لا عليها أنها استطاعت في ظرف عقودٍ قليلة وصلت لما وصلت اليه من تطور في جميع قطاعاتها التعليمية والصحية والإنشائية وحتى لو كان ذلك بسبب الطفرة النفطية، التي امتلكتها دول أخرى في العالم ذات تاريخ ضارب في القدم لكنها ما زالت فقيرة ومتأخرة، وليس بمعيبٍ لها أنها استفادت من الخبرات العربية والعالمية في إنشاء كيانها المرجو حتى تمكنت من تقليل نسب الأمية وتأهيل كوادرها الوطنية للاضطلاع بمهامها في مواصلة مسيرة التطور، فهذا حال الأمم التي تسعى للأفضل، ولكم في أوروبا التي كانت حتى قبيل الثورة الفرنسية تعيش في عصور الظلمة، لكنها أكبت على ابتعاث طلبتها للدول المسلمة آنذاك وعلى ترجمة العلوم بمختلف اتجاهاتها، حتى تمكنت بعد ذلك من تأسيس أوروبا الحديثة المتطورة والإنسانة ودولة القانون والحقوق والحريات والنظام، بعد أن كانت همجية ومتناحرة وضائعة ثرواتها في حروبها الدينية الداخلية ومطامعها التوسعية وحملاتها العسكرية. حين قامت واستوت على قدميها وطورت انظمتها، استعانت بأبنائها للاستمرار في النهضة، وكذلك الحال بالنسبة للسعودية، التي حين وحدها الملك عبدالعزيز كانت رقعا جغرافية واسعة وممتدة، المتمدن منها مناطق بعينها فيما الأغلبية العظمى تجمعات صغيرة لبدوٍ رحل تم توطينهم في الهجر والقرى، ومن ثم وبعد اكتشاف النفط استُثمر في الطفرة العمرانية والتعليمية التي نتج عنها ازدياد ثقافة التعليم وسط السعوديين ذكورهم وإناثهم، حتى تم الاكتفاء ذاتياً بمجالاتٍ بعينها ووصلت نسبة الأمية لأدنى مستوياتها، التي وإن قارناها بدول عربية عريقة كانت ترسل معلميها وتبتعثهم لها ستجدها أقل منها بكثير.
حين خرجت المانيا من الحرب العالمية الثانية مدمر ومنهارة، استعانت باليد العاملة من تركيا، التي اسهمت في بناء المانيا الحديثة، وكذلك فعلت المملكة، فهل يُقال مثلاً للألمان من قبل الأتراك "نحن من بنينا وطنكم وسكناكم", أم أن بعد الشكر والتقدير والامتنان لكل عمل ثمنه، وقد تقاضاه كل من قام به.
حين كانت الحياة التعليمية في السعودية ببدايتها، استقدمت المدرسين والمدرسات (وأنا أحد أبنائهم) للعمل في كافة الصروح التعليمية، وحين زاد الاقبال على الأقسام التربوية، أصبح أبناء البلد من يطلعون بهذه المهمة، التي تشهد اكتفاءً ذاتياً في الغالبية العظمى من تخصصاتها، وأظهروا فيها تميزا ملحوظاً رغم بعض الملاحظات التي يتم التحدث عنها، ولا يخلوا منها بلد في أي دول العالم، وإن كانت الآن تتعرض لحملاتٍ مكثفة لتطويرها عبر البرامج البحثية والمؤسساتية التي أنشأتها الدولة لهذا الغرض.
على مستوى المثقفين وحتى العامة من غير السعوديين، إن تحدث أحدهم عالياً ولام فريقه على موقفه من المملكة وأبدى حبه وتقديره لها، شُنت عليه حروب التخوين، واتُهم في ذمته، التي غالباً ما سيصفه البعض بأنها قد تم شراؤها واسترضاؤها، في طريقة مبتذلة عقيمة مللنا منها، ليس فقط لسخافتها ولكن لأن من يطلق هذا القول الأرعن يظن أن الهدف الأول للحكومة السعودية هو شراء الذمم والمديح لكي يُطرى عليها، وكأنها وشعبها في حاجة لذلك كي تخفي عاراً متدثراً بعيداً عن الأعين، ولديها من الفائض الذي يصعب تعداده لتنثره في الهواء كي تُبيض صفحتها، التي إن دققوا فيها سيجدونها بيضاء ناصعة مهما كان فيها من أخطاء، وقولهم "جلّ من لا يسهو"، فهي لا تدعي الكمال ولن تناله حتى، لكنها وفي مجملها مكونة من بشر يخطؤوا ويصيبوا، لهم مالهم وعليهم ما عليهم، لكن المقياس في النهاية والحكم عليهم تُرجحه الكفة اليُمنى التي أثقلت بميزانها اليسرى لما فيها من عمل خير وفعال حق ومواقف إنسانية ووطنية ودينية وشعب طيب عروبي صادق ذو نخوة وعزة، يُكرم الضيف والجار واللاجئ، وحكومة ساهمت على مدار عقود ودعمت ودفعت أكثر من ١٠٠ مليار ريال كمساعدات خارجية للدول وللأفراد، وقفت معها حين تخلى العالم عنها، وساندتها حين بخل الآخرون، ومدت يد العون دون حساب، ولم ترتجي حمداً ولا شكوراً من عبدٍ فيه الحامد والكثير من الجاحد، الذي نسي أن من لا يشكر العبد لا يشكر الله، ومن لا يقر للملكة بأفعالها الطيبة هو كالجاحد المنافق الذي لا يعي أن عمل الخير يقي مصارع السوء، وهو الذي يميز السعودية التي رغم كثرة الحاقدين ومكر الماكرين وغلبة الجمع على التصيد لها، إلا أنها وبفضل الله وتقديره محمية ومرعية ومرزوقة بخير من الله، تلتحفها دعوة إبراهيم عليه السلام لها بأن تكون بلدا آمناً مستقراً، ينعم جميع قاطنيها من مواطنيها ومن جميع الجنسيات والأعراق والأديان، ببركة ما رزقهم الله فيها، ويفيدون اهلهم وذويهم في دولهم عبر دعمهم مادياً، كما يسهمون في تخفيف الحمل عن دولهم بخفض نسب البطالة وبتحويل العملة الصعبة وبإنشاء المشاريع التجارية والسكنية.
من بعض ما يُفهم خطأً عن السعودية هو دعوات توطين الوظائف التي يتم استنكارها من غير السعوديين العاملين بها، والتي يجب أن يعي كل مقيم على أرض المملكة أن لا عنصرية في المُنصف منها البعيد عن المُبالغة، فهذه الأرض لهذا الشعب ومن حقه أن ينعم بخيراته ومقدراته، ومن باب أولى أن يجد أبناؤه عملاً لائقاً فيه، وما زاد منه فالأبواب مفتوحةٌ فيه لكل وافد، ومنهم الملايين المقيمين فيها بأسرهم، واستفادوا من عملهم فيها ببناء مستقبلهم في أوطانهم.
السياسة الخارجية للملكة أحد أكثر ما ينتقده البعض، ومنهم من باب العشم فيما آخرون من ضيق الأفق، محملينها فوق طاقتها ومتناسين انها ورغم مكانتها العالمية والإسلامية إلا أنها تبقى واحدة في مقابل عالمٍ بأجمعه حتى لو امتلكت النفط والنقد، ففي عالم اليوم الغلبة للتكتلات الأقوى التي يمثلها الغرب، فيما تصارع المملكة لكي تبقى متماسكة في وسط هوان عربي وتخاذل إسلامي وتشتت، يفقدها في كثير من الأحيان من تحقيق ما تتمناه، فاليد الواحدة عاجزة أحياناً على فرض مواقف تمثلها أيادي معادية متشابكة، وحدتها المصالح واختلفت فيها مع السعودية التي بإمساكها للعصى من الوسط؛ ظن العديد أنها تخاذلت فيما هي تحاول أن تحمي الصديق وتحيد العدو.
لكم مثلا أن تتخيلوا أن الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة وعشرون عاما وقُتل فيها وشُرد وأصيب ثلث الشعب اللبناني وعجز العالم المتخاذل عن إيقافها قد تم إنهاؤها بعد مشيئة الله باتفاق الطائف الذي رعاه الملك فهد رحمه الله، ولكم أن تستذكروا أن من وقف مع صدام حسين طوال حربه مع إيران هي السعودية، وأن من تحمل الفاتورة الاكبر في تحرير الكويت هي، كما أن من شكل الداعم الرئيسي الأكبر لمنظمة التحرير الفلسطينية مادياً وسياسياً ومعنويا هي المملكة، التي يحكمها الآن الملك سلمان بن عبدالعزيز والذي كان رئيسا للجنة السعودية لمساندة ومساعدة الشعب الفلسطيني طوال فترة حياته السياسية، وهو الذي ترك ابوابه مفتوحةً دوماً للفلسطينيين، وكان يسمي المقيم منهم في وطنه "هذولا عيالنا وأهلنا"، وكان دوما الراعي لاحتفالات ذكرى انطلاقة الثورة والانتفاضة بالعاصمة الرياض.
المواقف السعودية لا تقتصر على ما ذكرته, بل من الصعب حصرها, وإن كان منها ايضا دعمها للبحرين, التي أحاطت بها يد المكر الإيراني فأرادت خلق القلاقل بها, فوقفت لها المملكة بالمرصاد, وكان للجيش السعودي والحرس الوطني موقفه الذي لا يُنسى في القضاء على الفتنة وإعادة الاستقرار.
حين توفي الملك حسين بن طلال، سارعت السعودية لمد الأردن بودائع ملياريه لدعم اقتصاده تجنبا للانهيار, وكذلك فعلت دوماً مع المغرب ولبنان واليمن والسودان ومصر. أما الموقف السعودي الداعم لثورة الشعب السوري فكان منذ اللحظة الأولى واضحاً، وكذلك تدخلها في اليمن حفاظاً على الشرعية والوحدة، واستقبالها ملايين اليمنيين والسوريين والبورميين وفتحها لهم ابواب العمل والتعليم المجاني والعلاج الصحي.
للملكة فضلٌ علينا كفلسطينيين ولدنا على أراضيها وأنا منهم، وتعلمنا وعملنا وتزوجنا وكونا أُسراً وحظينا بحياةٍ كريمة لا ينكرها إلا ضال قد أعمى الباطل قلبه، لذا وشخصياً ومن باب الدقة والصراحة أيضاً، سأتحدث عن شعبي الفلسطيني (الذي رغم هواي السعودي الذي افتخر به حيث مسقط رأسي ومعيشتي) إلا أنني أنتمي له كهوية وعنه سأتحدث. منهم من هم للأسف قد فقدوا جادة الصواب في مشاعرهم تجاه المملكة وأبدوا بغضاً لها وغضباً يصعب تبريره. هو امر لا أُنكره وأُقرُ آسفاً وجوده، وكثيرا ما حدثني عنه أصدقاء سعوديون ابدوا امتعاضهم من مشاعر سلبيه يظهرها فلسطينيون تجاه السعودية على مستوى الأفراد والمواقف ايضاً، آخرها بدر من ثُلة من جماعة وأنصار حزب التحرير في الأقصى عقب وفاة الملك عبدالله رحمة الله عليه حين استنكروا من خطيب المسجد الأقصى الدُعاء له. حينها ثارت حمية الكثير، منهم من استهجن دون أن يُعمم ومنهم سعوديون أخذوا القاصي بالداني، وصبوا جام غضبهم على الفلسطينيين في لحظة غضب، لم ولن الومهم فيها، فما بدر جدير بالحنق ومُخجل ومُخزي وأشعر بالمرارة منه كلما تذكرته، ولا الوم شعباً فيه كُلِمَ بزعيمه, ووجد تشفيا من بعضٍ فيه بدل عزاء ومواساة. حينها كتبت مقالةً أبري فيها ذمتي وغالبية الفلسطينيين من ذاك الموقف السيء، ولست هنا كي أعيد ما كتبته حينها، ولكن لأؤكد لكم, وليكن أولكم أبناء الحي الذي ولدت فيه في السعودية ومنهم من شارك معي مقاعد الدراسة وآخرون الزمالة والصداقة، لمعلمي مدرستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية ولا أنسى منهم من أسس قوام لغتي العربية وشجعني الأستاذ سعود المقبل، لصديقة والدتي نورة الزامل رحمها الله وسارة ناصر حفظها الله, وأم صقر التي وبخت ابنها الذي يعمل في المرور لأنه أوقفني وكاد يخالفني لقيادتي وانا في السابعة عشر من عمري بدون رخصة، لجيراننا الذين تعودت الاجتماع معهم كل سنة برفقة والدي وإخوتي عقب صلاة عيد الفطر، وتشاركنا افطارنا الأول في المسجد، للرجال ومنهم من هم في مقام أبي من شيبان الحي، وصديقات والدتي الحميمات الاتي يتناوبن فيما بينهن كل صباح وطوال الأسبوع على الاجتماع في ببت إحداهن وتحضير الفطور الذي كان القرصان أهم مكوناته. هن من دأبن على زيارة أمي حال علمهن بعودتي من السفر أثناء دراستي، محملات بدلال القهوة وترامس الشاي والتمر للترحيب بي، "بعماد" الذي طالما وصفنه "ولدنا"، لجامعة الرياض "الملك سعود" التي تخرج منها والدي معلما قضى في سلك التعليم أربعين سنةً،  ولكل المدارس التي درست فيها أُمي، هذا طبعا بالإضافة إلى أهلي وأحبتي من الشعب السعودي وقيادته الغالية؛ أؤكد لهم جميعا على بيعتي لقيادتها الرشيدة، وعلى ولائي المطلق لهم ولأرضهم ولترابهم ولشوارعهم ومدارسهم وحدائقهم ومزارعهم، لحضرهم وبدوهم، لهم ولمن يقطن مدنهم فرداً فرداً، لهم جميعا أقول أنتم منا كسعوديين، ونحن منكم كفلسطينيين، وسنبقى أبناءً لكم وإخوة واحبه، يسيؤنا ما يسوؤكم, ويفرحنا ما يغبطكم، عدوكم عدونا, وصديقكم صديقنا، من يضمر لكم الشر يُضمره لنا، ومن يبدي الخير نوده ونقربه منا، عدا ذلك، أدعوكم أن تتناسوا أخطاء البعض منا وتغضوا عنها النظر، ولتبقوا كما عهدناكم دوما شعباً طيب القلب، ابيض السريرة، شهماً محباً لعمل الخير وكعبة للمضيوم وملجأً لمن شُرد من وطنه، وحصنا منيعا للإسلام ودولةً تتوجه صلواتنا صوب الكعبة فيها، نحميها بأرواحنا، ونتشارك معكم في كل ما يقلقكم، ويسعدنا أن نكون سندكم في أزماتكم.
أتوقع أني اجبت على عنوان المقالة وليست ذراً للرماد, وإنما هو قولٌ اعتمر في صدري ووجدت أن من التخاذل إخفاؤه، بل الواجب إيضاحه وتبيانه وقوله للعلن، فهو وعملاً بنصح حبيبنا ومرشدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين أمرننا بالتهادي، وهو الذي أهديه لشعبي السعودي ولقيادتي السعودية ولوطني التوأم مع فلسطين......المملكة العربية السعودية.

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...