الأربعاء، 24 أغسطس 2016

سيرة الحب.. من درويش إلى نزار

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 24-08-2016



ما أروع درويش حين علمنا مُبكراً درساً يجب ألا ننساه، حين نفى وأكد أن الحب ليس بالرواية الشرقية، التي بختامها يتزوج الأبطال، كما جرت العادة ودأب مخرجو الأفلام العربية وكتّابها على تصويره، فيما أفنى ومن جهةٍ أخرى فيه نزار عمره دون أن يجده بعد فقدانه لبلقيسه التي نال منها غدر المتحاربين، لكنه ومع ذلك خلد لنا ماءً فراتاً يروي ظمأنا لتلك الأنثى العبقة بجنون الهوى، التي نلهث خلفها على غير درايةٍ بطريق الظفر بها، ودونما أي أملٍ بأن نجدها، لكننا ومع ذلك انتشينا للتيهان في غياهب سكرها، الذي لا يُروى منه من ذاق رحيق قطرات تجمعت على شفاهها، وسقطت بعد أن تناغم فيها وتثاءب متوردا في صباح يومٍ يافٍ تتعانق فيه أمواج البحر مع غيوم سمائه، ونسمات هوائه التي أعلنت عن غجريتها وجنونها حين لامست خصلاتٍ من شعرها المجنون المنسدلة دون نظامٍ على كتفيها!
 
مع درويش مجددا، الذي تنبأ بحسه الإنساني بنا وبما سيؤول إليه حالنا حين قال لنا "بالأمس كنا نفتقد الحرية.. واليوم نفتقد المحبة.. لكنني خائفٌ من الغد لأننا سنفتقد الإنسانية!".
 
بالفعل فقد ضاعت منا وذهب معها أجمل ما يجعل منا بشرا نُحِّب ونُحَّب، وتحولنا لكائناتٍ غليظة جلفة أنانية، في لحظات قوتها تُمارس سطوتها وجبروتها، وفي أناتها وانكسارها تُبالغ في وداعتها وتذللها، وتُظهر حنانها، وتلهث خلف هوى الآخر وحبه، ممرغة جسدها في مبالغاتٍ تظن أنها لما تفعل ستجعل منها عاطفية رومانسية تكتسب ود نصفها الآخر الذي أهملته في جنون عظمتها لحظة تبسم الدنيا لها، لكنها الفانية التي أشاحت لها ظهرها، وتركتها ترجو غفراناً لن يكون لنفسٍ بشريةٍ أنانية ظنت نفسها قد ظفرت فيما خسرت وخابت ظنونها.
 
في جعبة هذين الشاعرين العربيين الراحلين قصصٌ تُروى سطراها بأشعارٍ جعلت كلاً منهما رمزاً تُميز به وعُرف، فغنى لهما من تغنى بأبياتهما وبقت البقية العظمى منها ترددها الألسن كلما حظرتها حادثة أو موقف، أو نمى لمخيلتها ما يثير شجنها فرددتها مراراً وتكراراً وكأنها تستمد منها الشغف والحنين والرغبة، التي ندرت رغم ادعائنا وجودها وتغير شكلها مع زحمة الحياة وما أكسبتنا إياه من غلاظةٍ وجلفة أبعدتنا عن أجمل ما يجب أن يكون فينا كبشرٍ خلقنا كذكر وأنثى.


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=374771

الأربعاء، 10 أغسطس 2016

رومانتيكيون!!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 10-08-2016



عجزت أن أفهم وأستوعب ما هي الرومانسية، ولماذا تشكل بطريقة غير مباشرة محور حياتنا؟ ولست مخطئاً إن وصفتها بأنها الشيء الأكثر استهلاكا لوقتنا، وإن نفينا ذلك عنا أو استهجنه البعض منا
 
كيف يكون ذلك؟ لنبحث معا ونراجع أحداث يومنا.. حين تنطلق بسيارتك، لابد لك أو ربما لغيرك أن تطرب لأغنية، فتنسجم وتعيش في جوٍ من أحلام يقظتك لما تسمعه وتردده، فيما شريط من ذكريات مجهولة يتراءى أمامك، لأحداث حصلت أو ربما تتخيل حدوثها أو تتمنى.
 
هل من الممكن أن نصف ما جرى للتو لك بالرومانسية، وألا تُعدُ تلك اللحظات التي انقطعت بها عن الدنيا شكلا من الشاعرية، أم هي ربما فقط مشاعر جميلة تلطف جفاء الروح وتبعد عنك رتابة ما حولك؟
 
حين نشاهد فيلما، أياً كان، وحتى لو كان مرعباً أو حربياً، ننتظر المقاطع التي تصدح بالعاطفة رغم قسوة الظروف المحيطة بها، ونتفاعل معها، ونشعر بوقعها على أنفسنا وكأنها حقيقة تحدث معنا، متناسين أن ما شاهدناه للتو وزلزل جبل الجليد الكامن بداخلنا هو تمثيل، أو بلغة أكثر صراحة "كذب جميل"، صنعناه بأيدينا ومن ثم صدقناه وتفاعلنا معه، ليصبح ما يحرك فينا الرياح الخاملة التي تتولد لتعصف بالجمود، فتحدث أثراً نحس به باللوعة التي نستمتع بها، رغم ما تحدثه من ـلم لنا، إلا أنها كمدمن العلقم الذي يكمن سبب حياته في إدمانه عليه رغم مرارته!
 
سألت صديقاً: هل أنت رومانسي؟ فأقسم أغلظ الأيمان أنه كذلك، ومن دلائله التي استدل بها، تلك الليلة المطابقة لعيد زواجه، حيث استأجر غرفةً في فندق دون علم زوجته، التي على حد وصفه كاد يغمى عليها حين دخلتها مغمضةً عينيها، وما إن أبصرت بها مجدداً حتى رأت طريقاً من الورد الأحمر المنتهي بزخاتٍ منه على سرير النوم!
 
روى لي آخر (والرجال سرُ بعضهم)، أنه من واقع خبراته وممارسته وجد أفضل سبيلٍ لها عبر الورد، فهو الذي يتحدث لغة القلوب وقادر على احتواء أعتاها وأكثرها صلابة، ويكفي أن تهديه لمن تُحب لتتملكه!
 
بالفعل هناك من يرى الرومانسية بدباديب وقلوب وهدايا فاخرة ووجبة عشاءٍ وسط أجواء رائعة، وهناك من يراها مودة ورحمة، فيما آخرون يجدون لذتها في الهمسات واللمسات وسط أضواء الشموع.
 
هي روح المحبة التي ولدت مع البشر منذ الأزل وليس لها عمر أو تاريخٌ تُعرفُ به، فحتى رجل الجليد والغابة والجاهلي عرفوها طريقاً للتلذذ بالحب، ومارسوها بطريقتهم الخاصة، وكذلك الأجداد ممن زرعوا الحقول ورعوا الغنم وجابوا الأرض على دابتهم طلباً للرزق وسعيا لتوفير مكارم الحياة، شعروا بها وربما تفننوا فيها أكثر من رومانسيي زمننا هذا، الذين اختلطت مفاهيم البعض حولها فربطوها بالغنى والثراء والمظاهر المبالغ فيها والهدايا الفاخرة ، فيما يفترض بنا أن نراها بالمزيج مما سبق وصفه، ولكن بتلقائيةٍ ودون اصطناع وبنفسٍ طيبة متعلقةٍ روحها بشريكها الآخر رغم كل ما قد يُعكرُ صفو الحياة بينهما.


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=373372

الأحد، 7 أغسطس 2016

هل نكره السعودية؟؟

بقلم عماد أحمد العالم


سؤال بات من الملح علي أن أطرحه واتحدث عنه للعلن، بل أكتب عنه في ظل هوجاء مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت وسيلة الإعلام الأسرع تأثيراً والأكثر انتشاراً وسط شعبيتها بين الجميع، عامتهم ومثقفيهم، بسيطهم ومتكلفهم؛ هذا رغم كونها أيضا المصدر المؤرق للشائعات وذات المصداقية الأقل أوقاتاً، إلا أنها وللأمانة عكست ما فينا وابانت ما يعتمر في نفوسنا، وباتت كالصفحة البيضاء متناهية المسافة التي تستطيع أن تكتب فيها ما تشاء ووقتما شئت!
لم اتردد للحظة في فكرة المقالة, ولطالما أردت كتابتها, لكن ما أخرني عنها هو حرصي أن أنفي عنها صفة العاطفية, وأن تكون عملية مُصاغةً بصدق, وتكون مقبولةً لدى القارئ العربي والسعودي على وجه الخصوص, لأجلي فيها وأُجيب عن تساؤلاته المشروعة تجاه مشاعر غريبة يكنها الكثير من العرب أو بعضهم (ولن ارجح كفةً على الأخرى) تجاه المملكة وشعبها، فيها الإيجابي وهو المطلوب الذي لا يقلقني, وإنما السلبي الذي سيكون تركيزي وحديثي عنه.
يشعر السعوديون بأنهم أحياناً مغبوطون من أقرانهم العرب، ولكن كثيراً بأنهم محسودون ومتهمون في إنسانيتهم, ومطعونٌ في عروبتهم, ومشككٌ في مراعاتهم لحقوق الآخرين, ومنتقصةٌ مكانتهم من بعض الذين يرون فيهم بدواً رُحلاً, سكنوا القصور بعد نعمة النفط, وهجروا خيام الصحاري ليقيموا لها صروحا في بيوتهم، وتعلموا بعد أن كان الأغلبية منهم أميين لا يعرفون القراءة والكتابة.
تتكرر على مسامعهم جمل من قبيل "نحن من علمكم"، "ونحن من شيد طرقكم ومدارسكم ومستشفياتكم"، "ونحن من جعل بلادكم مأهولة تضج بالحياة بعد أن كانت قاحلة"، وغيرها الكثير التي أحدثت شرخاً في علاقة السعودي بشقيقه العربي, الذي بات يتشكك في أخوة الدم معه ويلعنه، فهي التي لم تقربهم لبعضهم كالمفترض, وإنما زرعت البغضاء والضغينة بينهم، حتى سادت مشاعر الحسد لا الغبطة, والنقمة لا المحبة, وتصيد الأخطاء والمسارعة في الملامة والتشفي; حداً وصلت فيه مُثخنةً للجراح ومهيجةً للمشاعر التي وإن أخفت حنقها في العلن وأسرته؛ إلا انه ما يلبث أن يطفوا على السطح ويظهر جلياً في كل ازمة تقع ولو لأتفه الأسباب. حينها تفصح الصدور عما بها ولا تخفي الأنفس كينونتها، فتشتعل حروب السباب والشتم والقذع، ويلتف أنصار كل فريقٍ حوله وأغلبهم للتشنيع لا التقريب وتهدئة النفوس!!
يقول المنطق أن المملكة دولةٌ حديثة نسبياً في عُرف تاريخ الدول، وذو مساحة شاسعة جدا أغلبها صحراوي، يُحسب لها لا عليها أنها استطاعت في ظرف عقودٍ قليلة وصلت لما وصلت اليه من تطور في جميع قطاعاتها التعليمية والصحية والإنشائية وحتى لو كان ذلك بسبب الطفرة النفطية، التي امتلكتها دول أخرى في العالم ذات تاريخ ضارب في القدم لكنها ما زالت فقيرة ومتأخرة، وليس بمعيبٍ لها أنها استفادت من الخبرات العربية والعالمية في إنشاء كيانها المرجو حتى تمكنت من تقليل نسب الأمية وتأهيل كوادرها الوطنية للاضطلاع بمهامها في مواصلة مسيرة التطور، فهذا حال الأمم التي تسعى للأفضل، ولكم في أوروبا التي كانت حتى قبيل الثورة الفرنسية تعيش في عصور الظلمة، لكنها أكبت على ابتعاث طلبتها للدول المسلمة آنذاك وعلى ترجمة العلوم بمختلف اتجاهاتها، حتى تمكنت بعد ذلك من تأسيس أوروبا الحديثة المتطورة والإنسانة ودولة القانون والحقوق والحريات والنظام، بعد أن كانت همجية ومتناحرة وضائعة ثرواتها في حروبها الدينية الداخلية ومطامعها التوسعية وحملاتها العسكرية. حين قامت واستوت على قدميها وطورت انظمتها، استعانت بأبنائها للاستمرار في النهضة، وكذلك الحال بالنسبة للسعودية، التي حين وحدها الملك عبدالعزيز كانت رقعا جغرافية واسعة وممتدة، المتمدن منها مناطق بعينها فيما الأغلبية العظمى تجمعات صغيرة لبدوٍ رحل تم توطينهم في الهجر والقرى، ومن ثم وبعد اكتشاف النفط استُثمر في الطفرة العمرانية والتعليمية التي نتج عنها ازدياد ثقافة التعليم وسط السعوديين ذكورهم وإناثهم، حتى تم الاكتفاء ذاتياً بمجالاتٍ بعينها ووصلت نسبة الأمية لأدنى مستوياتها، التي وإن قارناها بدول عربية عريقة كانت ترسل معلميها وتبتعثهم لها ستجدها أقل منها بكثير.
حين خرجت المانيا من الحرب العالمية الثانية مدمر ومنهارة، استعانت باليد العاملة من تركيا، التي اسهمت في بناء المانيا الحديثة، وكذلك فعلت المملكة، فهل يُقال مثلاً للألمان من قبل الأتراك "نحن من بنينا وطنكم وسكناكم", أم أن بعد الشكر والتقدير والامتنان لكل عمل ثمنه، وقد تقاضاه كل من قام به.
حين كانت الحياة التعليمية في السعودية ببدايتها، استقدمت المدرسين والمدرسات (وأنا أحد أبنائهم) للعمل في كافة الصروح التعليمية، وحين زاد الاقبال على الأقسام التربوية، أصبح أبناء البلد من يطلعون بهذه المهمة، التي تشهد اكتفاءً ذاتياً في الغالبية العظمى من تخصصاتها، وأظهروا فيها تميزا ملحوظاً رغم بعض الملاحظات التي يتم التحدث عنها، ولا يخلوا منها بلد في أي دول العالم، وإن كانت الآن تتعرض لحملاتٍ مكثفة لتطويرها عبر البرامج البحثية والمؤسساتية التي أنشأتها الدولة لهذا الغرض.
على مستوى المثقفين وحتى العامة من غير السعوديين، إن تحدث أحدهم عالياً ولام فريقه على موقفه من المملكة وأبدى حبه وتقديره لها، شُنت عليه حروب التخوين، واتُهم في ذمته، التي غالباً ما سيصفه البعض بأنها قد تم شراؤها واسترضاؤها، في طريقة مبتذلة عقيمة مللنا منها، ليس فقط لسخافتها ولكن لأن من يطلق هذا القول الأرعن يظن أن الهدف الأول للحكومة السعودية هو شراء الذمم والمديح لكي يُطرى عليها، وكأنها وشعبها في حاجة لذلك كي تخفي عاراً متدثراً بعيداً عن الأعين، ولديها من الفائض الذي يصعب تعداده لتنثره في الهواء كي تُبيض صفحتها، التي إن دققوا فيها سيجدونها بيضاء ناصعة مهما كان فيها من أخطاء، وقولهم "جلّ من لا يسهو"، فهي لا تدعي الكمال ولن تناله حتى، لكنها وفي مجملها مكونة من بشر يخطؤوا ويصيبوا، لهم مالهم وعليهم ما عليهم، لكن المقياس في النهاية والحكم عليهم تُرجحه الكفة اليُمنى التي أثقلت بميزانها اليسرى لما فيها من عمل خير وفعال حق ومواقف إنسانية ووطنية ودينية وشعب طيب عروبي صادق ذو نخوة وعزة، يُكرم الضيف والجار واللاجئ، وحكومة ساهمت على مدار عقود ودعمت ودفعت أكثر من ١٠٠ مليار ريال كمساعدات خارجية للدول وللأفراد، وقفت معها حين تخلى العالم عنها، وساندتها حين بخل الآخرون، ومدت يد العون دون حساب، ولم ترتجي حمداً ولا شكوراً من عبدٍ فيه الحامد والكثير من الجاحد، الذي نسي أن من لا يشكر العبد لا يشكر الله، ومن لا يقر للملكة بأفعالها الطيبة هو كالجاحد المنافق الذي لا يعي أن عمل الخير يقي مصارع السوء، وهو الذي يميز السعودية التي رغم كثرة الحاقدين ومكر الماكرين وغلبة الجمع على التصيد لها، إلا أنها وبفضل الله وتقديره محمية ومرعية ومرزوقة بخير من الله، تلتحفها دعوة إبراهيم عليه السلام لها بأن تكون بلدا آمناً مستقراً، ينعم جميع قاطنيها من مواطنيها ومن جميع الجنسيات والأعراق والأديان، ببركة ما رزقهم الله فيها، ويفيدون اهلهم وذويهم في دولهم عبر دعمهم مادياً، كما يسهمون في تخفيف الحمل عن دولهم بخفض نسب البطالة وبتحويل العملة الصعبة وبإنشاء المشاريع التجارية والسكنية.
من بعض ما يُفهم خطأً عن السعودية هو دعوات توطين الوظائف التي يتم استنكارها من غير السعوديين العاملين بها، والتي يجب أن يعي كل مقيم على أرض المملكة أن لا عنصرية في المُنصف منها البعيد عن المُبالغة، فهذه الأرض لهذا الشعب ومن حقه أن ينعم بخيراته ومقدراته، ومن باب أولى أن يجد أبناؤه عملاً لائقاً فيه، وما زاد منه فالأبواب مفتوحةٌ فيه لكل وافد، ومنهم الملايين المقيمين فيها بأسرهم، واستفادوا من عملهم فيها ببناء مستقبلهم في أوطانهم.
السياسة الخارجية للملكة أحد أكثر ما ينتقده البعض، ومنهم من باب العشم فيما آخرون من ضيق الأفق، محملينها فوق طاقتها ومتناسين انها ورغم مكانتها العالمية والإسلامية إلا أنها تبقى واحدة في مقابل عالمٍ بأجمعه حتى لو امتلكت النفط والنقد، ففي عالم اليوم الغلبة للتكتلات الأقوى التي يمثلها الغرب، فيما تصارع المملكة لكي تبقى متماسكة في وسط هوان عربي وتخاذل إسلامي وتشتت، يفقدها في كثير من الأحيان من تحقيق ما تتمناه، فاليد الواحدة عاجزة أحياناً على فرض مواقف تمثلها أيادي معادية متشابكة، وحدتها المصالح واختلفت فيها مع السعودية التي بإمساكها للعصى من الوسط؛ ظن العديد أنها تخاذلت فيما هي تحاول أن تحمي الصديق وتحيد العدو.
لكم مثلا أن تتخيلوا أن الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة وعشرون عاما وقُتل فيها وشُرد وأصيب ثلث الشعب اللبناني وعجز العالم المتخاذل عن إيقافها قد تم إنهاؤها بعد مشيئة الله باتفاق الطائف الذي رعاه الملك فهد رحمه الله، ولكم أن تستذكروا أن من وقف مع صدام حسين طوال حربه مع إيران هي السعودية، وأن من تحمل الفاتورة الاكبر في تحرير الكويت هي، كما أن من شكل الداعم الرئيسي الأكبر لمنظمة التحرير الفلسطينية مادياً وسياسياً ومعنويا هي المملكة، التي يحكمها الآن الملك سلمان بن عبدالعزيز والذي كان رئيسا للجنة السعودية لمساندة ومساعدة الشعب الفلسطيني طوال فترة حياته السياسية، وهو الذي ترك ابوابه مفتوحةً دوماً للفلسطينيين، وكان يسمي المقيم منهم في وطنه "هذولا عيالنا وأهلنا"، وكان دوما الراعي لاحتفالات ذكرى انطلاقة الثورة والانتفاضة بالعاصمة الرياض.
المواقف السعودية لا تقتصر على ما ذكرته, بل من الصعب حصرها, وإن كان منها ايضا دعمها للبحرين, التي أحاطت بها يد المكر الإيراني فأرادت خلق القلاقل بها, فوقفت لها المملكة بالمرصاد, وكان للجيش السعودي والحرس الوطني موقفه الذي لا يُنسى في القضاء على الفتنة وإعادة الاستقرار.
حين توفي الملك حسين بن طلال، سارعت السعودية لمد الأردن بودائع ملياريه لدعم اقتصاده تجنبا للانهيار, وكذلك فعلت دوماً مع المغرب ولبنان واليمن والسودان ومصر. أما الموقف السعودي الداعم لثورة الشعب السوري فكان منذ اللحظة الأولى واضحاً، وكذلك تدخلها في اليمن حفاظاً على الشرعية والوحدة، واستقبالها ملايين اليمنيين والسوريين والبورميين وفتحها لهم ابواب العمل والتعليم المجاني والعلاج الصحي.
للملكة فضلٌ علينا كفلسطينيين ولدنا على أراضيها وأنا منهم، وتعلمنا وعملنا وتزوجنا وكونا أُسراً وحظينا بحياةٍ كريمة لا ينكرها إلا ضال قد أعمى الباطل قلبه، لذا وشخصياً ومن باب الدقة والصراحة أيضاً، سأتحدث عن شعبي الفلسطيني (الذي رغم هواي السعودي الذي افتخر به حيث مسقط رأسي ومعيشتي) إلا أنني أنتمي له كهوية وعنه سأتحدث. منهم من هم للأسف قد فقدوا جادة الصواب في مشاعرهم تجاه المملكة وأبدوا بغضاً لها وغضباً يصعب تبريره. هو امر لا أُنكره وأُقرُ آسفاً وجوده، وكثيرا ما حدثني عنه أصدقاء سعوديون ابدوا امتعاضهم من مشاعر سلبيه يظهرها فلسطينيون تجاه السعودية على مستوى الأفراد والمواقف ايضاً، آخرها بدر من ثُلة من جماعة وأنصار حزب التحرير في الأقصى عقب وفاة الملك عبدالله رحمة الله عليه حين استنكروا من خطيب المسجد الأقصى الدُعاء له. حينها ثارت حمية الكثير، منهم من استهجن دون أن يُعمم ومنهم سعوديون أخذوا القاصي بالداني، وصبوا جام غضبهم على الفلسطينيين في لحظة غضب، لم ولن الومهم فيها، فما بدر جدير بالحنق ومُخجل ومُخزي وأشعر بالمرارة منه كلما تذكرته، ولا الوم شعباً فيه كُلِمَ بزعيمه, ووجد تشفيا من بعضٍ فيه بدل عزاء ومواساة. حينها كتبت مقالةً أبري فيها ذمتي وغالبية الفلسطينيين من ذاك الموقف السيء، ولست هنا كي أعيد ما كتبته حينها، ولكن لأؤكد لكم, وليكن أولكم أبناء الحي الذي ولدت فيه في السعودية ومنهم من شارك معي مقاعد الدراسة وآخرون الزمالة والصداقة، لمعلمي مدرستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية ولا أنسى منهم من أسس قوام لغتي العربية وشجعني الأستاذ سعود المقبل، لصديقة والدتي نورة الزامل رحمها الله وسارة ناصر حفظها الله, وأم صقر التي وبخت ابنها الذي يعمل في المرور لأنه أوقفني وكاد يخالفني لقيادتي وانا في السابعة عشر من عمري بدون رخصة، لجيراننا الذين تعودت الاجتماع معهم كل سنة برفقة والدي وإخوتي عقب صلاة عيد الفطر، وتشاركنا افطارنا الأول في المسجد، للرجال ومنهم من هم في مقام أبي من شيبان الحي، وصديقات والدتي الحميمات الاتي يتناوبن فيما بينهن كل صباح وطوال الأسبوع على الاجتماع في ببت إحداهن وتحضير الفطور الذي كان القرصان أهم مكوناته. هن من دأبن على زيارة أمي حال علمهن بعودتي من السفر أثناء دراستي، محملات بدلال القهوة وترامس الشاي والتمر للترحيب بي، "بعماد" الذي طالما وصفنه "ولدنا"، لجامعة الرياض "الملك سعود" التي تخرج منها والدي معلما قضى في سلك التعليم أربعين سنةً،  ولكل المدارس التي درست فيها أُمي، هذا طبعا بالإضافة إلى أهلي وأحبتي من الشعب السعودي وقيادته الغالية؛ أؤكد لهم جميعا على بيعتي لقيادتها الرشيدة، وعلى ولائي المطلق لهم ولأرضهم ولترابهم ولشوارعهم ومدارسهم وحدائقهم ومزارعهم، لحضرهم وبدوهم، لهم ولمن يقطن مدنهم فرداً فرداً، لهم جميعا أقول أنتم منا كسعوديين، ونحن منكم كفلسطينيين، وسنبقى أبناءً لكم وإخوة واحبه، يسيؤنا ما يسوؤكم, ويفرحنا ما يغبطكم، عدوكم عدونا, وصديقكم صديقنا، من يضمر لكم الشر يُضمره لنا، ومن يبدي الخير نوده ونقربه منا، عدا ذلك، أدعوكم أن تتناسوا أخطاء البعض منا وتغضوا عنها النظر، ولتبقوا كما عهدناكم دوما شعباً طيب القلب، ابيض السريرة، شهماً محباً لعمل الخير وكعبة للمضيوم وملجأً لمن شُرد من وطنه، وحصنا منيعا للإسلام ودولةً تتوجه صلواتنا صوب الكعبة فيها، نحميها بأرواحنا، ونتشارك معكم في كل ما يقلقكم، ويسعدنا أن نكون سندكم في أزماتكم.
أتوقع أني اجبت على عنوان المقالة وليست ذراً للرماد, وإنما هو قولٌ اعتمر في صدري ووجدت أن من التخاذل إخفاؤه، بل الواجب إيضاحه وتبيانه وقوله للعلن، فهو وعملاً بنصح حبيبنا ومرشدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين أمرننا بالتهادي، وهو الذي أهديه لشعبي السعودي ولقيادتي السعودية ولوطني التوأم مع فلسطين......المملكة العربية السعودية.

الخميس، 28 يوليو 2016

حُلْمٌ آثر الهوى أن يطيله!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 28-07-2016


الحزن في صمت كلماته وفي سكونه وتوهانه وانفصاله عن الواقع الذي يكون حاضرا فيه بجسده الذي على ظاهره الحسن، هو ممزق ومشتت ومُبعثر في داخله، الذي أضنته أفكاره وجننته وساوسه، وتلاعبت به يمنة ويسرا دون أن يكون قادرا على السيطرة عليها، فهو كربان المركب الذي أيقن بفطنته ودرايته أن الأمواج التي تضرب بمركبه لا قدرة له على مقاومتها ولا المناورة معها، فأرخى العنان لها لتلطمه كما شاءت، وهو في كل موجة غضبٍ منها يقول إنها القاضية، فيما يتجاوزها منتظراً أخرى ربما تكون كذلك، لكنه في نهاية المطاف يجد جسده قد نجا ومعه مركبه بعد أن هدأت العاصفة وسكن البحر الغاضب، الذي استسلم لجبروته موقناً بهزيمته التي جعلته لا يبالي بما قد يؤول إليه مصيره، الذي أيقن أنه النهاية، فيما كانت نتيجته بداية جديدة له لم يرسم بعد ملامحها ولم يخطط لها، لتبدأ تلك الدراما التي يسمونا بالحياة تلعب لعبتها معه مجدداً، وترمي به في غياهبها دون أن يكون له رأي أو شأن بها، تاركا لها المجال لتقرر مصيره الذي لم تكن يوماً تكترث به.
 
هل من الممكن أن تكون تلك الكآبة التي تدمر غيره من البشر هي سر نجاته أو ربما حتى سعادته، التي لا يعرف معناها إلا بحصوله على لحظات من اللامبالاة المستقطعة بين ساعتي حزنٍ وبكاء؟!
 
لقد فقد البوصلة وأصبح كائناً بشريا لا يعرف معنى الحياة، فهي بالنسبة له تلك الروح التي تبقيه يتنفس فقط، أما ما حوله فلم يعد سوى كواكب خافتة في ليلٍ شديد الظلمة، لا فائدة ترجى منها لإنارة طريقه الموحش من كل الجهات.
 
مشكلته التي قد تكون ميزة له أن لا أحد يعرف ما يعتمر في ذاك العقل الضبابي، ففيما يراه البعض بائساً لا رجاء منه، يجده آخرون الخيميائي المتصوف الذي عرف سر الحياة وكشف أسرارها المخيفة، حيث كل كلمة ينطق بها لها مغزى، وكل حركة لها دلالة، في حديثه حكم وفي سكوته تأمل وصلوات يبتهل بها!
 
تناقضاته شديدة الغرابة، فحينما يسكن كل ما حوله بعد تمنيه ذلك؛ تشتعل الرغبة بداخله لتلك الفوضى والضوضاء التي طالما بعثرت تركيزه وأرقته، حتى إن حصلت انقلب على عقبيه كالفار من خطر اكتشف فجأة أنه مُحدق به، وعاد مجدداً يتمنى لحظة هدوء مطلق تروي ظمأه لسكينة تمنى فقدها، لكنها حين ابتعدت عنه لهث خلفها كَعَطِشٍ تراءى له طيف ماءٍ يعلم بأنه سراب لكنه يصر على اللحاق به رغم ما يفصله عنه من مسافة لامتناهية تجعل من الوصول إليه حُلُماً آثر الهوى أن يطيله!


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=372372

الأربعاء، 20 يوليو 2016

تركيا ما بعد الإنقلاب الخامس

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في صحيفة العرب اليوم الإلكترونية 20-07-2016



هل سينطبق المثل الشائع “على الجاني تدور الدوائر” على من رعى الانقلاب الفاشل في تركيا ومن دعمه سواءً المعلوم منهم في الداخل التركي أو إقليمياً من جهات ودول علمت به من قبل وساهمت فيه ونسقت لتنفيذه, كما تشير إلى ذلك وباستمرار بعض التصريحات التركية الرسمية, أو تقارير تغمز وتلمز لذلك؟
 ربما تركيا الأمس الطامحة لعضويةٍ دائمة في الاتحاد الأوروبي والشريك الأساسي في حلف الناتو والمهددة فيهما إن طبقت حكم الإعدام بحق المدانين; لم تعد ولن تعود كما كانت من قبل, فالجرح هذه المرة غائر ولا يمكن الشفاء منه بسهولة, ليس لأن حكومة حزب العدالة والتنمية تشعر بالخذلان من حليفها الأمريكي الذي ظنت أنه تعامل معها بما لم يتعامل مع الحكومات المدنية قبلها, وإنما لأن فصول المؤامرة أكبر مما توقعت أو حتى خطر لها على بال, مقارنة بأربعة انقلابات عسكرية كان يفصل تقريباً بين كلٍ منها عشرون عاماً, وقام بها الجيش التركي, ربيب الأتاتوركية والمتذرع بها في كل مرةٍ أزاح بها الحكومات المدنية ليخلفها ويجثم بعدها على صدر شعبه ممارساً لديكتاتورية القتل والاعتقال ومدمراً للاقتصاد, ومبعدا وطنه عن بعده العربي والإسلامي عبر تتريك ممنهج وتغريبي لجميع مناحي الحياة والقوانين, وقمع لحرية الشعب وإجباره على القبول فقط بما يراه له العسكر, وهو الذي لم يكن يوماً فاتحة خيرٍ للبلد, بل دمره اقتصادياً وتنموياً ونشر الفساد به, إلى أن أتت رياح التغيير على يد عمدة اسطنبول الأسبق ورئيسها لاحقاً رجب طيب أردوغان, والذي عمل خلال توليه المنصب على جعلها المدينة النظيفة الدائنة والتي تغطي نفقاتها بنفسها, وتعطي الفائض لميزانية الدولة, حتى تآمر عليه العسكر ومتطرفو الأتاتوركية فيما بعد ليسجنوه عشرة أشهر بسبب استشهاده ببيت شعر في أحد خطبه!
جاء الانقلاب ليثير خلفه عاصفة من المواضيع لا تتعلق فقط بالأتراك وما جرى لهم ولا بحكومة العدالة والتنمية, وإنما إشكالات تمس الجميع وعلى الأخص من تطرق منهم للحادثة وكتب عنها وعلق, وانقسموا في مجملهم لفئتين لا حياد بينهما متمثلتين في من طار فرحاً بالخبر وبدء بالشماتة والتشفي, وبآخرين رافضين له ومعلنين عن دعمهم اللامحدود للتجربة التركية الديموقراطية وإعجابهم برئيسها أردوغان حداً ليظن فيه الغريب بأنهم ربما أتراك وليسوا عرباً من غير أهل القضية والأرض!
لنتفق أولاً وقبل الحديث على أن أي حركة عسكرية أياً كانت شعاراتها وما تدعوا له إن تدخلت في السياسة وانقلبت على حكومة مدنية منتخبة ديموقراطياً; غير مقبولة إطلاقاً ولا يجب الاعتراف بها ولا التبرير لها تحت أي ظرفٍ كان. لكن المُستغرب وقد ظهر جليا في الانقلاب الفاشل بتركيا أنه كشف فئة ممن صدعوا رؤوسنا من قبل عبر تنظيرهم ودعواتهم الليبرالية, فظهروا على واقع جلي لنا الآن بأنهم أكثر إقصائية وديكتاتورية من العسكر والانقلابين, فهم وعلى عكس ما يقولوا أكثر من يكرس مبدأ الاختلاف يفسد الود معهم, والذي سينتهي على الدوام باتهامك من قبلهم بالأخونة, مستغلين تجريم الحزب وتصنيفه في بعض الدول كإرهابي, ودون أن يكون لك أي ارتباطٍ به أو تأييد, حتى أن البعض تهكم على من اتهموه فقال لهم: أنا مسيحي, فيما تفاخر آخرون بإلحادهم وعلمانيتهم التي لم تنجهم من التهمة التي اخترعها منافقي الليبرالية ومدعيها لإقصاء كل من يخالفهم الرأي, وكأنهم أرادوا أن يكرسوا حقيقة مفادها أن كل من عارض الانقلاب هو إخوان وكل من تحدث بالخير عن أردوغان هو داعية له لأن يكون خليفة للمسلمين, متناسين أن من أفشل الانقلاب في تركيا هو شعبها العظيم الكاره أولا وأخيراً لحكم العسكر الذين عدوهم ربيباً للغرب لا يكترث إلا بمصالحه, ومكانه فقط يجب أن لا يتعدى الثكنات. لذا ثار وخرج للشوارع بمسلميه وعلمانيه, محافظه ومسيحيه وعلويه وبكافة أطياف عرقياته المتعددة. هم من وقفوا أما الدبابات وهم من جردوا الجنود من سلاحهم, وهم من جعلوا من أنفسهم اختيارياً وتطوعاً كدروع بشرية لحماية مقرات الحكومة والشرطة ولمنع الدبابات من التقدم إلا على أجساد العديد منهم التي مزقتها, فقضوا شهداء رفض حكم العسكر مجدداً في تركيا.
في البداية بدا أن الجيش سيطر على الأوضاع وأذاع بيانه الأول, إلا أن حديث الرئيس التركي مع أحد القنوات الخاصة عبر الهاتف ودعوته لشعبه للخروج قد غير معادلة تظافر لنجاحها بقاء قيادة الجيش الأول والشرطة والقوات الخاصة والاستخبارات بالولاء له, وكذلك رئاسة الأركان التي كانت سابقاً الراعي الأول للانقلابات, واستطاع أردوغان توطينها عبر جعلها تابعةً لرئاسة الوزراء, بقيادة أحد الشخصيات التي رغم اعتقالها من الانقلاب إلا أنها أسهمت في كشف خيوط المآمرة وتوحيد كلمة جزء من الجيش وقادته للبقاء مع الشرعية, حتى أن قائد الاستخبارات أمر أتباعه بالقتال حتى آخر واحدٍ منهم, أما الأحزاب الأربعة الرئيسية القومية والعلمانية فقد رفضت الانقلاب منذ اللحظة الأولى ودعت أتباعها للنزول للشارع وعقدت جلسة في البرلمان الذي استهدفته بالقصف مروحيات الانقلابين!
حين حكم العسكر تركيا كانت مدينة بما يعادل 80% من دخلها القومي لنادي باريس وصندوق النقد والبنك الدولي, وعملتها متدهورة ودخل الفرد فيها لا يتعدى 3500 دولار بالسنة والدعم الحكومي للزراعة لا يتجاوز النصف مليار دولا ونسبة الأمية عالية والتعليم والصحة متأخرة والصناعة في أدنى حالاتها, والحقوق المدنية والحريات هي الأسوأ, ولكم أن تعلموا أن الانقلاب سنة 1980 قد تسبب في إعدام المئات واعتقال أكثر من 650 الف معارض.
حين قادت حكومة العدالة عجلة البلاد, ركزت أكثر على الثلاثي الأساسي وهو الاقتصاد والصحة والتعليم, بل إنها خصصت أكبر ميزانية في الدولة لقطاع التعليم والبحث وإنشاء الجامعات والمدارس, فيما اهتمت أيضاً بدعم المزارعين وتوفير السكن والرعاية الصحية المجانية حتى الثامنة عشر من العمر, ليخلفها بعد ذلك التأمين الصحي الإجباري, لتتحول تلك الدولة الهامشية على الاقتصاد العالمي وفي غضون ثلاثة عشر سنة لواحدة من الدول الأقوى اقتصادياً على مستوى العالم والدائنة للعديد من الدول بعد أن دفعت بالكامل جميع القروض وفوائدها المتراكمة, وارتفعت بدخل الفرد لأكثر من عشرة الاف دولار في السنة, فيما قفز الناتج القومي الإجمالي بين عامي 2002- 2008 من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار، بمعدل نمو بلغ 6.8 %, وسجل في العام 2014  قيمة إجمالية تبلغ 798 مليار و400 مليون دولار, فيما انخفضت البطالة لأقل من 10%, ونسبة تضخم لا تتجاوز السبعة بالمائة تطمح الحكومة لتقليصها إلى 5% بحلول العام 2018.
انتصر الأتراك لرفاههم واقتصادهم وحريتهم ولم ينتفضوا فقط لأردوغان  ولحزب العدالة والتنمية, انتفضوا للحفاظ على مكتسباتهم التي حولتهم لأحد أقوى سبعة عشر اقتصاداً بالعالم, ولجواز سفرهم الذي مكنهم من دخول ثمانين دولةً دون سمة دخول, ولنظافة مدنهم وسياحتهم وصناعتهم وإعلامهم, لحريتهم التي ذاقوا نعيمها ولن يستبدلوها بعد اليوم أبداً بالذل والهوان الذي ينتج عن اعتلاء عسكري لرئاسة الدولة ووزاراتها ومحافظاتها, ويلبس عباءة قضاتها ليكون الخصم والقاضي والجلاد في دولة القمع والبطش الوحشي حيث لا عدالة وإنما فساد وخيانة!
متابعتي للإعلام الغربي أثناء الانقلاب وعقب محاولات إفشاله وفشله بعد ذلك, وتصريحات وزارة الخارجية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية وحلف الناتو والمفوضية الأوروبية, أكدت لي أن الانقلاب الفاشل لم يكن كما اُريد له أن يُصور بالانتفاضة وإنما كان مؤامرة كبيرة مكتملة الأركان كان منفذوها فقط من بعض القيادات الخائنة في الجيش, أي أركان الدولة العميقة التي تمتد جذورها إلى جميع المؤسسات والهيئات المدنية والسياسية والعسكرية والقضائية والعدلية, تجاوز ما تم اعتقالهم لحد اللحظة السبعة الاف, فيما القادم من الأيام ينذر بازدياد العدد, في لعبة على المكشوف باتت الآن وكما يراها سياسيو تركيا ضرورة للقضاء على الدولة الموازية وتطهير جميع مؤسساتها من اتباع فتح الله غولن, الذي نسب له المسؤولين الأتراك التخطيط للانقلاب والتآمر مع قوى غربية وعالمية واقليمية لتبديل نظام الحكم الذي لا يتوافق مع أجندتها ويرى في تركيا رغم علمانيتها الصارمة; القوة الإسلامية التي تهدد وجوده ونفوذه وتفرض طرفها في المعادلة كند لا تابع وعميل كما تريد وتشاء.
في التاريخ لنا عبره, من ماضيه البعيد لقريبه, ومنه نعلم أن العسكر لم يحكموا بلداً إلا وأفسدوه وقتلوا الشعب واستعبدوه وقمعوه, فيما دمروا الاقتصاد وأشاعوا الفساد المالي وتسببوا في مديونيةٍ عاليةٍ, واستجابوا صاغرين لمطالب المؤسسات المالية الدولية التي تفرض شروطاً ظالمة لمنح قروضٍ ضئيلة مقارنةً بما تسترجعه, لتغرق البلاد في نسب تضخم عالية جداً وازدياد للفقر وتقليص للدعم الحكومي وخصخصة للشركات الوطنية بأبخس ثمن لصالح الشركات متعددة الجنسيات الدولية, التي تتواجد عقب كل انقلاب لحصد الأرباح, كما جرى القرن الماضي في تشيلي والبرازيل والسلفادور والأرجنتين والعديد من دول القارة السمراء والآسيوية بما فيها العربية منها.
إصلاح الجيش وتطهير مؤسساته من التبعية للغرب ومن عقيدة المصلحة والسطوة مطلب لقيام دولة مدنية حديثة ديموقراطية, تلعب قوى الأمن فيها دور الراعي للديموقراطية وللحريات الفردية, وهذا من حق الحكومة التركية المصدومة من ضخامة ما تسميه بالخيانة المتمثلة بتمدد الدولة العميقة في البلاد لكنه يجب أن يكون ووفق نظام عدلي غير مسيس ونزيه ولا يتبع للحكومة التركية وغير انتقامي ومتسرع, وإنما يجري وفق الدليل وبدون التعذيب وانتهاك الحريات ومع الشفافية واطلاع الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني على مجريات التحقيق, مع الحفاظ على مفهوم دولة القانون وحقوق المعتقلين وتمثيلهم.
لا بد أن تدرك الحكومة التركية أيضاً أن جيشها ورغم تورط عناصر منه في العملية الانقلابية هو جيشها الوطني ولا بد من الحفاظ على كرامته دون امتهان حتى مع المخطئين منه مع عقابهم بمحاكمات حره ونزيه; حتى لا يحدث جرح يصعب التئامه وحاله من الحقد العسكري الفردي على القيادة السياسية والشعب ككل, مما قد يتسبب في حراك انتقامي يدعو للانقلاب مستقبلاً, إن نجح سيرتكب مجازر بحق شعبه ويعود ببلاده لعصور الظلمة والديكتاتورية.
لعب جهاز الشرطة التركي وقوات مكافحة الشغب وعناصر المخابرات حصان طروادة في التصدي للجيش إلى جانب الشعب, وقام باعتقال عناصر الجيش المتمردة وقياداتها في حادثة ربما هي الأغرب في تاريخ الصراعات, حيث شكلت قوات الأمن كياناً موازياً للجيش الوطني المعروف بكونه الأقوى والأكثر عتاداً وتسليحاً, لكن حكومة العدالة والتنمية قد نجحت وطوال عقد من حكمها في توزيع مراكز القوى مما أفقد تفرد الجيش في الساحة الداخلية وجعل من سيطرته المطلقة عليها في أي محاولة انقلابية محفوفة بمقاومة من قوى أمنية أخرى ولاؤها المطلق للحكومة وليس للقيادات العسكرية, هذا رغم ايقاف المئات من قوات الأمن لمشاركتها او لتغاضيها عن الانقلاب ورفضها لأوامر وزارة الداخلية بالتصدي له; إلا أن العدد لا يُقارن بحجم المعتقلين من السلك العسكري والقضائي, الذي تغلغلت فيه جماعة فتح الله غولن مشكلة حكومة الظل الطامحة للإطاحة بحزب العدالة والتنمية والتي كانت تنوي حسب التصريحات الرسمية في تركيا اعتقال وتصفية عشرات الالاف من منسوبي الحزب في خطوة منها لاجتثاثه بالكامل من المشهد السياسي التركي حال تمكنها من الحكم.
يبقى أن نشير إلى أن الشعب التركي بمختلف أطيافه هومن أفشل الانقلاب ومعهم الأحزاب السياسية المعارضة والمؤيدة التي اتخذت قرارها التاريخي بعدم التضحية بالديموقراطية في سبيل الانتقام من الحزب الحاكم, واستطاعوا جميعهم وبأساليب غير تقليدية القضاء على انقلاب محكم ومُعد له بتآمر ربما تكشف الأيام القادمة أن وراءه نفس قوى الظلام التي ترعى سفاراتها في الدول عادة الاضطرابات والانقلابات على الحكومات الشعبية المدنية المنتخبة ديموقراطياً.
نفس الشعب هو من سيُستفتى بشكل نظام الحكم في تركيا وهل يؤيد بقاءه برلمانياً أو رئاسياً, وهل سيتقبل شكلاً من الدولة الدينية أو يبقى علمانياً, وهو الشعب ذاته بكافة أطيافه من سيطيح بحكم رجب طيب أردوغان وحزبه إن وجد منه حياداً على المبادئ, ولن يغفر له سنوات إنجازه إن حاد عن إرادة الأمة التي باتت وعلى الأقل حتى الآن هي من تحدد مجرى الأحداث في تركيا.



صحيفة العرب اليوم الالكترونية - http://www.3orooba.com/?p=2520

الخميس، 14 يوليو 2016

فنّ الفتوى!

بقلم عماد أحمد العالم

مقاله تم نشرها في جريدة الكويتية 13-07-2016

 


بدايةً، أؤكد احترامي للعلماء ورجال الدين الذين أجلهم، فهم قدوتنا ومرشدونا في أمور ديننا الإسلامي الحنيف وتعاليم شريعته، وما أذكره هنا ليس من باب الانتقاص منهم ولا من علمهم وبعض فتاواهم وتحجيمهم؛ وإنما محاولة لوضع الأمور بنصابها الصحيح، ونصيحة لابد من مناصحتها لبعضهم ممن يُستفتى من العامة في أمورٍ علميةٍ بحتة، ويصر أن يُجيب عليها مع جهله بها، ولكن وفق تصوره الديني الشخصي البحت، الذي يكون في الغالب غير موفق، ويُحدث ضجة تتعدانا ليتطرق لها العالم، ليس على سبيل ما تطرحه من أفكار جديدة؛ وإنما على سبيل السخرية والتندر!

لقد بات من الضرورة أن نعمل بمبدأ التخصص ونطبقه ونجعله ركيزة من ركائز الفتوى، حيث لا تتم إلا بعد استشارة المتخصصين، كل حسب مجاله، بحيث نصل إلى النتيجة التي بمقتضاها يتجنب غير المطلع من العلماء الشرعيين والدعاة على العلوم الدنيوية؛ أن يفتي فيها ويتركها لأهل الاختصاص، أو على الأقل تتم استشارتهم والتباحث معهم قبل الإجابة.
 
يجب أن نصل لمرحلة يكون فيها التخصص هو الأساس، فالعلم الشرعي ليس كالعلم الدنيوي، ولا علاقة له ببعض التخصصات العلمية كالفيزياء والفلك والرياضيات والصحة العامة، فيما الجهل به من رجال الدين لا يُلغي كونهم في المقام الأول من يؤخذ رأيهم من منظورٍ شرعي بجميع نواحي الحياة، وإنما يُحدث تكاملاً ويؤسس لهيئةٍ شرعيةٍ ومجمعٍ فقهي يطلع فقط بالفتوى، ويضُم في جنباته مختصين في جميع العلوم وعلى رأسها الدينية، ويستقطب وباستمرار الباحثين، ويبتعث المناسب منهم لأهم الجامعات ليواكبوا التطورات ويكونوا مطلعين على كل جديد.
 
لو أخذنا مثلاً ‏المقطع الذي يتم تداوله لأحد العلماء وهو ينفي فيه كروية الأرض، ويستدل على ذلك بآية أخطأ في الاستدلال بها لتأييد قوله؛ لأدركنا خطورة هذا الوضع وتبعاته السلبية علينا كمسلمين وليس فقط كيف ينظر الآخرون لنا، وهو الذي سينتج عنه تبني دُعاة لما سمعوه عن شيخهم وترويجهم لنفس فتواه، ما سيسهم في نشر قوله، ليحدث التصادم البشري بينهم وبين من يُفترض أن نكون جميعا منهم "العقلانيون"، الذين سيرفضون بالطبع ذاك المنطق الذي يُخالف العقل بحجة أن من أفتى به هو شيخ ليس له من العلوم الحديثة أيُ إدراك!
 
أحاديث ودردشات وأقوال وردت في عديد من البرامج الحوارية من دون اكتراثٍ لخطورتها وأثرها السيئ، حاول قائلوها عبرها إثبات وجهة نظرهم في أمرٍ ما، أذكر منها على سبيل المثال استشهاد أحدهم بدراسة من اختلاقه تقول إن قيادة المرأة للسيارة تؤثر على المبايض، لتتلقف قوله إحدى مقدمات برامج "التوك شو" الأميركية وتترجمها للإنجليزية وسط ضحكات الجمهور واستهزائها، يعني وببساطة تنطع البعض وتشددهم فيما اختُلف فيه جعلنا "مضحكة" للآخرين، وثبّت ما لديهم في نفوسهم من فكرة أننا إما بدو نعيش في الخيم ونركب الجمال أو دواعش مهتمون بالسبي وبالجواري!


المصدر: جريدة الكويتية - http://www.alkuwaityah.com/Article.aspx?id=371775

الثلاثاء، 12 يوليو 2016

ترجمة تقرير النيويورك تايمز بعنوان: داعية أخلاقي سعودي........

ترجمة تقرير النيويورك تايمز بعنوان: داعية أخلاقي سعودي يدعو لإسلامٍ أكثر وسطية, فيتعرض لتهديداتٍ بالقتل.

ترجمة: عماد أحمد العالم 

12-07-2016

 


قضى أحمد الغامدي أغلب سنوات شبابه في العمل وسط الدعاة الملتحين في السعودية, حيث كان عضواً دائماً يعمل مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (والتي تُسمى في الغرب بالشرطة الدينية), حيث كانت مهام عمله وفي الأساس تتمثل في حماية المملكة المسلمة من التغريب والعلمانية والحرص على التأكد من ممارسة التعاليم الإسلامية.
تلك المهام التي يُعدُ بعضها من صميم عمل الشرطة, كملاحقة مهربي ومروجي المخدرات والمشروبات الكحولية, في دولةٍ تمنع وتحرم تعاطي الكحول. لكن رجال الهيئة "كما يسميهم السعوديون" يقضوا معظم وقتهم في الحفاظ على المعايير العامة المتزمتة التي عزلت المملكة العربية السعودية ليس فقط عن الغرب وإنما معظم دول العالم الإسلامي.
أحد الجرائم الرئيسية وتُسمى الاختلاط, وتعني التجمع والالتقاء غير المسموح به بين الرجال والنساء, والذي حذر منه رجال الدين, ونبهوا إلى تبعاته التي تؤدي للزنا وخراب البيوت وولادة أطفال غير شرعيين, لتكون المحصلة انهياراً مجتمعياً.
كان السيد الغامدي ولسنواتٍ طويلة مُلتزماً ومُطبقاً لتلك المعايير التي يُدعى اليها, حتى أنه تولى رئاسة فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة, المكان الأكثر قدسية إسلامياً. حتى بدأت صحوته التي تسببت في طرحه لتساؤلاتٍ بشأن الأنظمة الدارجة, فعاد مُجدداً لدراسة القرآن الكريم وأحاديث النبي محمد وصحابته, الذين يُعدوا الحذوة لممارسي الدين الإسلامي وتعاليمه.
ما اكتشفه كان بالنسبة اليه صادماً ومُحذراً, حيث وجد خلطاً كبيراً بين الجيل الأول للمسلمين, الذي وعلى ما يبدو لم يلتفت اليه أحد, لذا بدأ بإثارتها والتحدث عنها عبر المشاركة في مقابلاتٍ تلفزيونية ومقالاتٍ, أشار فيها إلى أن العديد مما كان يُعدُ في السعودية كممارساتٍ مستنبطةٍ من الدين; ما هي إلا موروثاتٍ ثقافية وعادات تم خلطها ولصقها بالإيمان والعقيدة. مما تطرق اليه أن لا حاجة لإغلاق المحلات وقت الصلاة, وأن لا مانع شرعي يمنع المرأة من قيادة السيارة في المملكة, كما أشار إلى أن عهد النبي محمد شهد ركوب النساء للجمال وتجولهم بها, وهو ما رأى أنه أكثر استفزازيةً من مشهد نساءٍ منقبات يقُدن مركبات ذات دفعٍ رباعي. حتى أنه أكد على حق المرأة في تغطيتها لوجهها إن أرادت ذلك كما هو الحال مع تغطيتها لجسدها, وليؤكد على وجهة نظره وقناعته; ظهر إلى جوار زوجته جواهر في مقابلةٍ تلفزيونية مُبتسماً فيما هي كاشفة لوجهها ومستخدمة للمكياج.
هذا الظهور كان بمثابة القنبلة للوسط المحافظ في المملكة, حيث رأوا فيه تهديداً للانضباط المجتمعي, الذي جعل من المشايخ فقط القيمين على الصواب والمعرفين بالخطأ في جميع مناحي الحياة; ليهدد كمحصلة صلاحياتهم التي تمتعوا بها.
رفض زملاء السيد الغامدي في العمل التحدث اليه, كما غمرته الاتصالات الهاتفية ومنها ما توعده بالقتل عبر مجهولين غردوا بها في برنامج تويتر. حتى أن شيوخ بارزين ظهروا إعلامياً منددين به وداعينه بالجاهل المبتدئ الذي يجب محاكمته ومعاقبته وحتى تعذيبه.
المُجدد غير المتوقع:
كان أول لقاءٍ لي بالسيد الغامدي البالغ من العمر 51 عاماً, والذي عمل سابقاً كفردٍ في الشرطة الدينية; هذه السنة في شقته بمدينة جدة, المدينة الساحلية المُطلة على البحر الأحمر, وجلسنا في غرفة صُممت لتكون شبيهةُ بخيمة بدو, مُزينةً جدرانها بنسيجٍ (أو طلاء) بورجوندي وثريات ذهبيةٍ معلقةٍ في السقف, وسجادةٍ مفروشةٍ على الأرض كان السيد الغامدي يسجد عليها أثناء أدائه للصلوات أثناء حديثي معه.
تحدث الغامدي معي, كيف أثر الشيوخ والفتاوي والتطبيق الدقيق للدين على كل شيء وكيف حددت حياته. لكن ذلك العالم (عالمه) قد جمد حياته.
قليلٌ من الرجوع إلى ماضيه وخلفيته كان يُمكن أن يتنبأ له بأن يكون مصلحاً ومجدداً دينياً. حين كان طالباً في الجامعة وموظفاً لدى مصلحة الجمارك بميناء جدة, استفتى شيخاً في عمله فأفتى له بحرمة تحصيل الرسوم الجمركية فاستقال من عمله.
بعد تخرجه من الجامعة, درس الدين في وقت فراغه وعمل في وظيفة حكومية تتطلب منه التعامل مع حساباتٍ دولية والسفر لدول غير إسلامية.
يقول السيد الغامدي " في تلك الأيام أصدر رجال دين فتاوى تُحرم السفر للبلاد غير الإسلامية إلا وفقط للضرورة القصوى", لذا استقال من وظيفته. بعد ذلك قام بتدريس الاقتصاد بمدرسة تقنية بالمملكة العربية السعودية, ولم يُعجب بالمادة كونها فقط تتحدث عن الرأسمالية والاشتراكية, لذا أضاف اليها دروساً في التمويل الإسلامي, مما أزعج طلبته بذريعة ضخامة المنهج, ليستقيل على إثر ذلك من هذه الوظيفة, ويلتحق بالوظيفة التي رأى فيها ووجد أنها تتماشى مع قناعته الدينية; كعضو في هيئة الأمر بالمعروف بمدينة جدة, والتي انتقل منها لتقلد عدة مناصب ومهام في الهيئة بفرع مكة, حيث تم الكشف عن حالات زناً والقبض على سحرة من المُحتمل أن يُعدموا إن تمت إدانتهم. برزت تحفظاته فيما بعد على طريقة عمل زملاء له في الهيئة وحماستهم الدينية ومبالغتهم في ردة الفعل التي كانت تؤدي لاقتحام المنازل وسوء معاملة المعتقلين. يقول الغامدي: " لنفترض أن أحداً ما احتسى الخمر, فهذا لا يعني أنه اعتدى على الدين, وهذا لا يُبرر ردة الفعل المبالغ بها تجاه الناس".
في حالاتٍ بعينها, أُنيط بالغامدي مراجعة بعض القضايا, حاول ومن خلال منصبه الإبلاغ عن الانتهاكات, وإجبار بعض الأعضاء على إعادة بعض ما صادروه بطريةٍ غير نظامية. ويتذكر إحدى القضايا التي ورد فيها بلاغ للهيئة من جيرانٍ يشتكون فيها جارهم العازب والكبير في السن والذي لا يصلي الجماعة في المسجد ويستقبل في منزله امرأتين في نهاية الأسبوع, تبين فيما بعد الإغارة على منزله أنهما ابنتاه.
يضيف الغامدي " المعاملة غير الإنسانية للناس تسببت في جفولهم من الدين"

تولى الغامدي رئاسة هيئة مكة المكرمة في العام 2005 عقب وفاة رئيسها, واضطلع حينها بإدارة الهيئة التي تتعدى فروعها التسعين في المنطقة ذات الأهمية الدينية, وبذل قصارى جهده مع عميق قلقه من أن تحود الهيئة عن أهدافها.
في خلواته, كان يطلع على أحاديث النبي محمد ليستشف ويعرف الحلال والحرام, وكان يدون مرئياته. يقول الغامدي " تعودنا على سماع كلمة حرام من العلماء ولكن دون سماع الدليل منهم". مع إدراكه لخطورة رأيه هذا, التزم الصمت وترك جانباً ملاحظاته وآرائه التي لم تلبث فيما بعد أن خرجت للعلن.
في الوقت الذي اعتكف فيه للتفكير والتقييم أعلن الملك عبد الله عن قرار إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا, التي صدم خبر إنشائها المؤسسة الدينية بالمملكة كونها مختلطة ولا تفرض زياً موحداً على الطالبات, وفي نموذج مشابه لنمط أرامكو السعودية.
- - السطور التالية لم يتم ترجمتها لعدم اقتناعي بصدق محتواها عن المملكة وقادتها ولذا من واجبي كمحب للسعودية أن لا أُسهم في ترجمتها وأرى أنها لا تخدم الغرض وهو الحديث عن قصة وتجربة الشيخ الغامدي– "المترجم"
تابع الغامدي ردود فعل الغاضبين من إنشاء الجامعة التي كان مؤيداً لها, فنشر رأيه بمقالتين طويلتين بجريدة عكاظ في سنة 2009, حيث كانت المواجهة الأولى بين الغامدي والمؤسسة الدينية, التي واجه أفراداً منها في لقاءاتٍ تلفزيونية, حيث تعرض للشتم والإهانة من قبل الطرف الآخر الذي استشهد بأحاديث وروايات لتأكيد أقواله, في نفس الوقت, تعرض للنبذ من زملائه في الهيئة, التي اضطر لاحقاً للتقاعد المبكر منها وسط قبول وترحيب من خصومه.
بعد تركه وظيفته الرسمية, عرض رأيه بالممارسات الأخرى الجدلية المتعلقة بغطاء المرأة لوجهها وصلاة الجماعة وإغلاق المحلات وقت الصلاة وقيادة المرأة للسيارة. لتخلف آراؤه بعد ذلك جدلاً واسعاً.
سألته امرأة عبر تويتر عن جواز كشف الوجه ووضع المكياج فأفادها بأن لا مانع في ذلك, ليتعرض بعد ذلك لهجوم.
شارك الغامدي في العام 2014 في برنامجٍ تلفزيوني عرض تقريراً عنه وظهرت فيه زوجته كاشفة الوجه ومؤكدةً على دعمها له, لينتج عن التقرير نقد لاذع من المؤسسة الدينية, وهاجم العديد مؤهلاته العلمية وشككوا في كونه شيخ ورجل دين (دون أن يكون هناك معيار لذلك) ولكونه لم يحصل على إجازةٍ شرعية, كما أشاروا إلى أن شهادة الدكتوراه التي حصل عليها هي من جامعة "امباسدور", التي تمنح الشهادات بناءً على الخبرة العملية السابقة.
- - لم تتم ترجمة السطور اللاحقة التي تطرق فيها الكاتب لوجهة نظر عالم الدين الشيخ اللحيدان - - "المترجم"
في حين كان هجوم رجال الدين على الغامدي مؤلماً, إلا أن الأشد وقعاً كان من قبل قبيلته التي أصدرت بياناً تبرأت فيه منه ووصفته بالمزعج المشوش. تعرض لسيل من الاتصالات الهاتفية ليل نهار مستنكرة له, ولُطخ جدار منزله برسمٍ, في حين تجمع أشخاص عند باب بيته وطالبوا بالاختلاط بعائلته المكونة من تسعة أبناء, ليتم استدعاء الشرطة إثر ذلك من أحد أبنائه.
كان الغامدي خطيباً تدفع له الدولة أجر ذلك, إلى أن تم الشكوى عليه من بعض المصلين وفقد وظيفته.
لم يخرق الغامدي أي قانون, ولم يُحاكم قط, لكنه وبسب تكوينة المجتمع السعودي المغلقة, توالت عليه الضغوطات العائلية, وطالب أقارب خطيبة ابنه الأكبر بإلغاء الزواج وعدم رغبتهم بتزاوج عائلتهم بعائلته, حتى أن اخته تطلقت من زوجها بعد أن خيرها بينه وبين أخيها "السيد الغامدي", فاختارت أخاها فطلقها زوجها. سخر طالب زميلٌ لابنه عمار البالغ خمسة عشر عاماً واستنكر ظهور أمه في التلفزيون ووصفه بعديم الأخلاق, فرد عليه عمار بأن لكمه.


----------------------------------

تنويه من المترجم (رأيي الشخصي):
عناوين النص التي لم تتم ترجمتها:
صعوبة التقبل, ما هي الوهابية, موجه من الفتاوى, مكان لا تستطيع التحدث به, وصعوبة التغيير
لم يتم ترجمة النصوص الخاصة بهذه العناوين الذي يتحدث الكاتب فيها عن تجربته في السعودية ولقائه بشخصياتٍ دينية واعتبارية وصحفية ليس منها شخص الشيخ أحمد الغامدي (الذي يعنيني فقط ما ورد بشأنه في التقرير), مع اختلافي مع الكاتب في العديد مما أورده من فهم خاطئ لطبيعة العملية السياسية والاجتماعية في المملكة وقصور في فهمه للعلاقة الودية بين الشعب السعودي وحكامه, كما انحيازه لنظرية الشيطنة التي يتبناها الإعلام الغربي والتي لا تريد أن تتعمق في المجتمع السعودي لتدرك كينونته وخصوصيته, التي يرغب بها أفرادٌ من شعبها, كما أن بعض الآراء للكاتب مستقاة من عدم إدراكه بأن المملكة تعمل بالشريعة الإسلامية وتستقي قوانينها منها, لذا لا اعتراض على ذلك من أغلب شعبها الذي ارتضى قادته وحكومته, التي تحظى بتأييده واحترامه وتقديره ومحبته, بمن فيهم شخصي.
الشيخ أحمد الغامدي باحث ديني ودارس ورجل علم له اجتهاداته التي أجد نفسي مؤيدا له في جزءٍ منها ومعارضاً في أُخرى, ولاهتمامي الشخصي بضرورة تجديد الخطاب الديني وتحديثه وإطلاق الحرية الفكرية بما لا يتعارض مع ديننا الإسلامي وشرعه الحنيف, وجدت أنه من المفيد ترجمة المناسب "حسب رأيي" من هذا التقرير الصحفي الذي ورد بتاريخ 11-07-2016 لأحد أهم الصحف العالمية بالإنجليزية (النيويورك تايمز) وأكثرها انتشاراً وتأثيرا على صناع القرار والعامة على حدٍ سواء, مع حذف ما وجدته تحيزا من الكاتب أو سوء فهم للمجتمع السعودي الحبيب والقريب لقلبي قيادة وشعباً, فلم أخض فيه ولم أترجمه من هذا المنطلق, مع التأكيد على احترامي وإجلالي لرجال الدين والمؤسسة الدينية بالمملكة والمشايخ, الذين وردت مصطلحاتهم بالترجمة من قبل كاتب المقال الأصلي, أياً كان قصده ورأيه من وراء ذكرها والحديث عنها والاستشهاد بها.
كما التمس عذر السادة القراء عن أي خطأٍ محتمل في الترجمة, فجلَ من لا يسهو وأتمنى إفادتي به إن أمكن لتعديله, أما من أراد الرجوع لنص التقرير الأصلي بالإنجليزية فعليه الرجوع إلى الرابط التالي والاطلاع عليه مباشرةً:



http://www.nytimes.com/2016/07/11/world/middleeast/saudi-arabia-islam-wahhabism-religious-police.html?hp&action=click&pgtype=Homepage&clickSource=story-heading&module=photo-spot-region&region=top-news&WT.nav=top-news&_r=0

 

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025 عماد العالم رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، و...