عماد العالم
لم يبدأ "داء بارتلبي" بكافكا ولن ينتهي بمن جاء بعده. فجميعهم والمشترك بينهم، هو هجر الكتابة والنأي عنها حد اللعن والابتعاد بالمطلق.
أما البداية، فمنذ ظهور الفكر والكتابة، ليصاحبها نماذج "بارتلبي" عبر شخصيات رافضة انعزالية نأت وانسحبت، وأعلنت "اللا" كمانيفستو للعزلة ورفض الكتابة والتأليف والنشر الأدبي. ربما كانت البداية مع سقراط؛ أول من وصلتنا أخبار انعزاله ورفضه التدوين، لينقل لنا تلميذه أفلاطون تراثه الفلسفي، ولتستمر الحالة لعصرنا الحديث، مرورا "بالنسّاخ بارتلبي" بطل رواية هيرمان ملفيل (بنفس الاسم)، وصولا لروائي النأي خوان رولفو، الذي كتب بواقعية سحرية سبقت الجميع رواية «بيدرو بارامو»، فاعتزل عقبها رافضاً أن يكون راويا مجددا.
القائمة طويلة، ومن أشهر من انضم لها من كتّاب ومؤلفين ورواة كتبوا واشتهروا لكنهم فجأة توقفوا وامتنعوا عن الكتابة؛ ج. د. سالينجر؛ صاحب "الحارس في حقل الشوفان"، وتيسير السبول، الأردني الذي قضى منهكا بعروبته، فمزّق قبل انتحاره أعماله كيلا تُنشر. ومثله في قائمة البارتلبيين الرافضين لهذا العالم وقوانينه والمتوقفين عن الكتابة والمعتزلين؛ هاربر لي، ومارغريت ميتشل، وسيلفيا بلاث، والسويسري روبرت والسر، القائل: «لست هنا لأكتب، بل لأكون مجنونًا»، ليطبق مقولته عمليا، فيعتزل فجأة الكتابة لصالح مصحة احتضنته صوب عالم الجنون.
"داء بارتلبي"، رغم قدمه واستمراريته التي لا تعرف التوقف، لم يبدأه الروائي الأمريكي هيرمان ملفيل، رغم أنه أول من سمى بطل روايته "بارتلبي" في النوفيلا القصيرة "بارتلبي النسّاخ"، ليتحول المسمى بعده لمصطلح توسع ليشمل أصحاب "اللاّ في الأدب"، من قبل الروائي والكاتب الإسباني أنريكه بيلا ماتاس، في كتابه "بارتلبي وأصحابه".
حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم الروايات في التاريخ، لكن هذا الإنصاف وبرأيي لن يكتمل إلا بإشادة مستحقة لروايته المميزة "بارتلبي النسّاخ". الرواية التي أراد ملفيل الإعلان فيها عن سياسية الانسحاب والسوداوية والعدمية، التي ربما قاده لها خوفه الدائم من الفشل واستشعاره له والعيش في كنفه حتى رحيله!
لست من محبي رواية موبي ديك، كما أنني جاهل بالحيتان، ولست مهتما بتقنياتها ولا رحلات البحر الخطرة لاستخلاص الزيوت منها، وقراءتي لها جاءت بمرحلة عمرية ارتأيت فيها أن أقرأ أعظم ١٠٠ رواية صنفت بالأهم في التاريخ. لكن رواية بارتلبي النسّاخ؛ كانت الصدفة من قادتني لقراءتها!
أما ما أراد ملفيل التأكيد عليه، فيمكن اختصاره بفلسفته الرافضة التفاعل مع المجتمع ومن حوله، وقراره الاعتزال والانسحاب، ومقته كليشيهات السؤال والجواب القصري لتبرير ما نفعل بعد أن فقدت معناها البشري بالنسبة إليه، ليتخذ من الصمت والتأمل أداته للاعتراض!
"أفضل ألاّ"، كانت العبارة التي تدور حولها الحبكة الأساسية لرواية "بارتلبي النسّاخ" لهيرمان ملفيل. والتفضيل هنا ليس جوابا، بل سلاح بارتلبي للاعتراض المقرون بالانسحاب والعزلة الطوعية المقرونة بالصمت والتأمل، بعد استشعاره عبث الاستمرار وعدمية الواقع وضرورة الانفصام عنه.
لو كان للعدمية والسوداوية مؤسس فلن يكون كامو ولا كافكا عرابيها، بل ملفيل الذي يستحق أن يكون رائدها الأول، وواضع أسسها أدبيا في رواية بارتلبي النسّاخ، حيث لا جدوى الحياة ورفض روتينها وقوانينها؛ هي سمة أطّرها، قبل الغريب لكامو، وقبل المحاكمة والمتحول (المسخ) لكافكا!
بارتلبي النساخ، نوفيلا قصيرة تجاوزت تقنيات دوستويفسكي للغوص بالنفس البشرية، واعتراض آلاف صفحات تولستوي على الحرب. هي نص ناقد برمزية محكمة ذكية تعلن عن فلسفة الانسحاب والاعتراض واللا اكتراث والصمت احتجاجا لمواجهة لعالم. هي فيتو ضد الروتين، وسخرية من الحياة وعبثها!
هل أراد ملفيل عبر شخص بطله "بارتلبي"، استخدام "أفضّل ألا أفعل"؛ كأداة مقاومة ضد السلطة وإملاءاتها، رافضا ما يطلب منه بدون خوض في التفاصيل، بعد اكتشاف عبثية الحوار، مع استخدام الصمت والتأمل والاعتزال كوسيلة للمواجهة والاعتراض. أم أن عبثية الوجود وعدميته هو ما اكتشفه وعبر عنه هيرمان ملفيل في نوفيلا "بارتلبي النسّاخ"؟
أم ربما هو استشعاره المبكر لإرهاصات الحداثة وإشكالاتها، وهي التي كانت الثورة الصناعية أبرز منتوجاتها، حيث تحول الإنسان فيها بفعل الرأسمالية لآلة مستعبدة دون أن يكون له أي اعتبار؛ يفعل ما يُطلب منه ولا يستحق الحق بإبداء الاعتراض!
تأمل بارتلبي المستمر ومواجهته للعالم بإعطاء ظهره له وتركيزه المستمر بنظرات صامتة لجدار أمامه -في الرواية-، كانت الحافز لاكتشافه؛ ألاّ فرق بينه والآلة، وتحديدا روتين عمله الخالي من المشاعر الإنسانية طوال الوقت وكأنه فقط خلق لهذا العمل، مع عدم السماح له بألاّ يصدر منه أي اعتراض. وهنا قد يكون هيرمان ملفيل ارتأى لبطل روايته "بارتلبي" أن يكون رمزا للمهمشين المستعبدين المنسيين في الأنظمة الحديثة والاقتصاديات الصناعية التي أعادت تشكيل مفهوم الإنسان ليكون كالآلة بلا مشاعر، منفذا ما يُطلب منه دون نقاش.
ومع هذه الرؤية المالفيلية للانسحاب والاعتراض، أصبح "بارتلبي" وتحول عبر السنين لرمزية أعمق تتعلق بالعزلة ورفض الاستمرار والانسحاب والتوقف، ليؤمن به ويتطبّع أدباء وكتاب جاؤوا بعده، فكانوا نموذجا لبارتلبي النسّاخ بانسحابهم وتوقفهم عن العطاء بعد استشعارهم الفراغ الذي يوجب عليهم التوقف.
في البداية كان كافكا وسوداويته المفرطة ورغبته بطمس تراثه وعدم نشره، فكان نموذجا لبارتلبي المنسحب المعتزل، الرافض للنشر والراغب التخلص من تراثه الأدبي. ثم تلاه العديد غيره، كالشاعر الفرنسي رامبو، والشاعر السوداني إدريس جماع الذي يقال أنه كان يكتب شعرا ومن ثم يتخلص منه.
القائمة طويلة، والأسباب قد لا تكون متعددة بمقدار الرغبة في الصمت والتوقف والابتعاد والرفض. بحث فيها مطولا الكاتب والأديب الإسباني أنريكه بيلا ماتاس في روايته "بارتلبي وأصحابه"، ووصفها بداء بارتلبي، انطلاقا من بناء درامي لروايته، قام على أساس كاتب نشر رواية وتوقف بعدها لمدة خمس وعشرين عاما عن الكتابة، ثم عاد لها بكتاب درس فيه الظاهرة، متتبعا نماذج من الواقع لمن أسماهم "بارتلبيين" ممتنعين من أصحاب حزب "اللا"، تحدث عنهم من خلال دفتر يوميات وملاحظات، محورها كُتّاب أدب "اللا" للكتابة مجددا، لأسباب واضحة وأخرى مجهولة وغامضة، وسط نأيهم عن الرد وتوضيحها. مكونين جميعا وما كتب عنهم في دفاتر يومياته، متن روايته "بارتلبي وأصحابه".
استقى أنريكه بيلا ماتاس مفهومه من بطل رواية هيرمان ملفيل "بارتلبي النسّاخ"، التي يتحدث فيها عن كاتب مهمته النسخ في مكتب محامي، يتوقف فجأة عن أداء المهام الموكلة له في عمله ويرفض القيام بها، وفي نفس الوقت يرفض مغادرة مقر عمله، ويقضي جميع وقته في غرفته بالمكتب مديرا ظهره للآخرين وواقفا قبالة حائط ينظر للفراغ. وكلما طلب منه أداء عمل ما أو ترك العمل ومغادرة المكتب، يجيب "أفضل ألاّ أفعل"!
استخدم ماتاس هذا المفهوم لوصف الكتاب الرافضين الكتابة بعد الإبداع فيها، بما فيه التكريم والشهرة والمال والجوائز والتكريم؛ بكتّاب "اللا"، أي البارتلبيين المصابين بداء بارتلبي.