الخميس، 9 يوليو 2026

بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام
06-2026


حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية في التاريخ، لكن هذا الإنصاف وبرأيي لن يكتمل إلا بإشادة لا تقل عظمة مستحقة عن روايته المميزة "بارتلبي النسّاخ".
الرواية التي أراد ملفيل الإعلان فيها عن سياسية الانسحاب والسوداوية والعدمية!
بداية، لست من محبي رواية موبي ديك، كما أنني جاهل بالحيتان، ولست مهتما بتقنياتها ولا رحلات البحر الخطرة لاستخلاص الزيوت منها. وقراءتي لها جاءت بمرحلة عمرية ارتأيت فيها أن أقرأ أعظم ١٠٠ رواية صنفت بالأهم في التاريخ. لكن رواية بارتلبي النسّاخ؛ كانت الصدفة من قادتني لقراءتها!
أما ما أراد ملفيل التأكيد عليه، فيمكن اختصاره بفلسفته الرافضة التفاعل مع المجتمع ومن حوله، وقراره الاعتزال والانسحاب، ومقته كليشيهات السؤال والجواب القصري لتبرير ما نفعل بعد أن فقدت معناها البشري بالنسبة إليه، ليتخذ من الصمت والتأمل أداته للاعتراض!
"أفضل ألاّ"، كانت العبارة التي تدور حولها الحبكة الأساسية لرواية "بارتلبي النسّاخ" لهيرمان ملفيل. والتفضيل هنا ليس جوابا، بل سلاح بارتلبي للاعتراض المقرون بالانسحاب والعزلة الطوعية المقرونة بالصمت والتأمل، بعد استشعاره عبث الاستمرار وعدمية الواقع وضرورة الانفصام عنه.
لو كان للعدمية والسوداوية مؤسس فلن يكون كامو ولا كافكا عرابيها، بل ملفيل الذي يستحق أن يكون رائدها الأول، وواضع أسسها أدبيا في رواية بارتلبي النسّاخ، حيث لا جدوى الحياة ورفض روتينها وقوانينها؛ هي سمة أطّرها، قبل الغريب لكامو، وقبل المحاكمة والمتحول (المسخ) لكافكا!
بارتلبي النساخ، نوفيلا قصيرة تجاوزت تقنيات دوستويفسكي للغوص بالنفس البشرية، واعتراض آلاف صفحات تولستوي على الحرب. هي نص ناقد برمزية محكمة ذكية تعلن عن فلسفة الانسحاب والاعتراض واللا اكتراث والصمت احتجاجا لمواجهة لعالم.
هي فيتو ضد الروتين، وسخرية من الحياة وعبثها!
هل أراد ملفيل عبر "بارتلبي"، استخدام "أفضّل ألا أفعل"؛ كأداة مقاومة ضد السلطة وإملاءاتها، رافضا ما يطلب منه بدون خوض في التفاصيل، بعد اكتشاف عبثية الحوار، مع استخدام الصمت والتأمل والاعتزال كوسيلة للمواجهة والاعتراض.
أم أن عبثية الوجود وعدميته هو ما اكتشفه وعبر عنه هيرمان ملفيل في روايته المهمة "بارتلبي النسّاخ"؟
أم ربما هو استشعار ملفيل المبكر لإرهاصات الحداثة وإشكالاتها، وهي التي كانت الثورة الصناعية أبرز منتوجاتها، حيث تحول الإنسان فيها بفعل الرأسمالية لآلة مستعبدة دون أن يكون لها أي اعتبار. تفعل ما يُطلب منها ولا تستحق الحق بإبداء الاعتراض!
تأمل بارتلبي المستمر ومواجهته للعالم بإعطاء ظهره له وتركيزه المستمر بنظرات صامتة لجدار أمامه، كانت الحافز لاكتشافه؛ ألاّ فرق بينه والآلة، وتحديدا روتين عمله الخالي من المشاعر الإنسانية طوال الوقت وكأنه فقط خلق لهذا العمل، مع عدم السماح له بألاّ  يصدر منه أي اعتراض!
أراد مالفيل لبارتلبي أن يكون رمزا للمهمشين المستعبدين، المنسيين في الأنظمة الحديثة والاقتصاديات الصناعية التي أعادت تشكيل مفهوم الإنسان ليكون كالآلة بلا مشاعر، منفذا ما يُطلب منه دون نقاش وتمنع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام 06-2026 حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية ف...