الثلاثاء، 21 يوليو 2020

اقرؤوا.. تصحوا

جريدة الرؤية

29-05-2020
عماد أحمد العالم



ما الفرق بين الأمم التي تقرأ والعازفة عن القراءة؟ وهل هو في كون الأولى متقدمة إنسانياً ومعرفياً حقيقي وواقعي، أم أن المسألة لا تعدو أن تكون ثانوية في مقاييس التطور؟ بل ربما هي كما يبرر المشككون المقللون من شأنها بينهم.

وهل هي عادة وطبع وفضول غير ذي بال، ولا يرقى لهالة الأهمية التي تمنح لها، ولا تُقدم في كلا المثالين في السؤال السابق من حيث معايير أخرى حقيقية وواقعية كالأمية والشفافية والنزاهة والرفاه؟ فهم - على حد قولهم - المعيار الحقيقي لتقدم الأمم، وبالتالي مواطنوها هم الأكثر وعياً ورقياً، وليست القراءة هي التي قادتهم لما هم فيه بل الوعي والعدل والأمن والاستقرار الاقتصادي!

القراءة والثقافة والوعي والرفاه والأمان.. جميعها على حد كبير من الأهمية التي تكمن بترابط الناس، فهم حلقات في السلسلة ذاتها تقود جميعها لبعضها، مُشكلة ومُكونة قوتها وتماسكها، فبغياب إحداها تتفكك وتهوى البقية، لذا لا يمكن الحديث إلا عنها مُجتمعاتٍ، وإن كانت القراءة برأيي المشكل الأول والأساسي لأولى الحلقات، فالوعي مثلاً لا يتحقق إلا بالاطلاع ولا يكفيه الاستماع فقط والمشاهدة، كما أن الثقافة بدورها لا تتحصل إلا بالقراءة، ‏ومن هنا تكمن أهميتها بكونها المعيار الأساسي لكل ما هو متقدم وخير ونفعي وإنساني، فهي التي تهذب السلوك عبر إثرائها المعرفة، وتسهم في التطور الذي يتحصل بعد توسيع المدارك وخلق آفاق فكرية واحتياجات جديدة، ومن ناحية صحية لها فوائد علاجية، فهي تجعل للحياة متعة، وللأداء فيها صبر وللكلام خلالها جمال ووقع حميد على النفس.
الإنسان الذي يقرأ وإن مر بمراحل انهزام وكبوة، لا بد له أن يقف مجدداً وأن يواصل حياته، وإن فاتته علوم ومعارف إلى حين نتيجة ظروف معينة فسيتحصل عليها لاحقاً بالقراءة، كما أنه وإن كان جزءاً من بوتقة اجتماعية معينة إلا أنه يبقى محافظاً على الوعي الفردي وغير منقاد بالكامل لثقافة الجموع بدون دور بها، بل يحظى بتأثير فيها عبر امتلاكه للمعلومة والفكرة، كما أنه ومهما كانت درجة تعليمه وواسع اطلاع لديه حصيلة وافرة من المعلومات، تمكنه من فهم ما يدور حوله والمشاركة برأيه فيه.

القراءة عوالم لا حدود لها، يبحر فيها ويجول من يملك سلطانها مستمتعاً، متنعماً بنعيمها، أما خاسرها فلا عزاء يكفيه وإن امتلك الدنيا وما فيها.


هاجس السرعة

جريدة الرؤية
22-05-2020
عماد أحمد العالم



«بسرعة، لا تتأخر، مشغول، مستعجل..»، كلمات عادة ما نسمعها من أفراد وهم يقفون في طابور بانتظار إنهاء معاملاتهم، سواء في بنك أو دائرة حكومية أو حتى متجر لبيع البقالة، أما الذين لم يتفوهوا بها فغالباً ما تتحدث وجوههم بها دون أن تنطق، ويمكن ملاحظتها بتململهم ووقفتهم المضطربة، وهرش للرأس وبحلقة بالعين غاضبة، وبتمتمات غير منطوقة ترتعش بها الشفاه مشيرة لما يعتمر في النفوس بالانتظار، والمستعجلة في أغلبها بعد أن تطّبعت بالسرعة دون أعذار منطقية للعجلة من أمرها.

في الشارع، وحيث تقود بتأنٍ في شارع ضيق قصير ينتهي بإشارة ضوئية، يمر بجانبك مسرعاً أحدهم لتنتهي به الحال بالوقوق بجانبك بعد ثوانٍ سبقك بها بجانب الإشارة، التي ما إن يخرج ضوؤها الأخضر معلناً السماح بالقيادة حتى تتعالى أصوات بوق سيارته في أوامر غير منطوقة متبرمة مطالبة من سبقه بالتحرك، ولكن مرة أخرى صوب الإشارة المقبلة، في مشهد لا مبرر فيه للعجلة سوى اللّهم كرهه لانتظار مستحق، يدل إن تحلَّى به، على احترامه للآخرين ولنفسه قبلهم، ولقبولها بدقائق مسروقة منّا جميعاً دون استثناء، في زحمة الشوارع والمكتظة دونما حل لها طالما نعيش في المدن الكبيرة الممتلئة بالسيارات ووسائل النقل المختلفة، ليس فقط لسكانها، وإنما لمن جاورها من الضواحي والقرى ومن قدموا إليها للعمل والمتعة.

ثقافة السرعة التي كانت أولى بوادرها مع اختراع الساعات بشكلها الحديث، باتت السمة لطبائع البشر ونمط حياتهم التي لا نُعد فيها الوحيدين، فالاستثناءات وإن بدأت بالظهور مع حركات البطء في العالم، إلا أنها في بداياتها، رغم وجود بوادر إيجابية مدللة على رغبة بتخفيف حدة الإيقاع، والدعوة للاستمتاع بالوقت في جميع المناحي، من الطعام للنزهة والرياضة وحتى العمل والعلاقات الحميمة.
جميعها جرفتنا في تيارها حتى تحوَّلنا لآلات بشرية مبرمجة على أنماط سلوكية محسوبة، اتسمنا بها ونمارسها، مفتقدين لمتعة التأني والإبطاء، وعدم الخوف من انقضاء الوقت دون القيام بأعمال أخرى تداخلت مع بعضها في جدول مواعيدنا المزدحم بالضروري وغير المهم.

العشوائية على ما تبدو عليه من صفة غير حميدة، كونها ارتبطت بأذهاننا بعدم النظام، ضرورية بل مهمة لبشريتنا وإنسانيتنا المحتاجة للانعتاق مما يكبلها ويجعلها حرة بالاستمتاع باللحظة دون الخوف من هاجس انقضاء الوقت بسرعة!


«الحضرنة».. بناء أم هدم؟

جريدة الرؤية

15-05-2020
عماد أحمد العالم



أصبح أفراد وقاطنو المدن الجديدة والمستحدثة على أنقاض القديمة والتاريخية، نتيجة التوسع الكبير في الحضرنة المعمارية والاقتصادية والثقافية التي تسببت بتغيير أسلوب ونمط حياتهم، أكثر انعزالية وقلقاً وعرضة للاضطرابات العصبية والضغوط والمشكلات النفسية والاجتماعية رغم مظاهر الرفاه والنعيم البادية.

فقد غدت وأصبحت مقسمة ومشرذمة وعرضة للصراعات دوماً، مكونة من أحياء غنية تتوافر فيها جميع مقومات الحياة من نظافة ومتعة وأمن، ومدارس مثالية وحدائق نخبوية ومرافق خدمية وصحية، فيما تفتقر الأحياء الفقيرة إلى أدنى المقومات السابقة التي يحظى بها الفريق الأقل عدداً والأوفر حظاً، ويمكن ملاحظة ذلك كمثال حي بإلقاء نظرة على ناطحات السحاب التجارية والسكنية الحديثة في مدينة مومباي الهندية، والتي يقابلها آلاف المنازل العشوائية المركبة من الصفيح والخيام، والتي تفتقر إلى الخدمات العامة كالكهرباء والصرف الصحي والمياه، وليس بمختلف عنها مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، التي تضج بنقيضي الحياة من عصرية مترفة، وفقيرة معدمة!

عملية الحضرنة، الرأسمالية الطابع، والاقتصادية المتسرعة للمدن والمناطق، قامت باقتلاع الطبقات الشعبية والبسيطة والفقيرة من بعض الأماكن، التي استوطنتها لفترات طويلة وسكنتها عبر أجيال عديدة، فهدمتها وأعادت تخطيطها لإعادة إنشائها وبنائها بحجة المصلحة العامة والتنظيم والاستفادة المثلى من المكان وإلغاء العشوائيات التي توصف بتشويهها للوجه الحضري للمكان، كما تمّ تحسين البنية التحتية وتطويرها، واستغلال المكان لأغراض تجارية أو سياحية ذات طابع عصري، لكنها لم تولِ في الوقت ذاته العامل الإنساني ما يستحقه من أهمية تماثل أغراض التطوير، فتركته بدون تأهيل ساكنيها لحياة كريمة تنقلهم على الأقل للطبقة المتوسطة، أو ضمن نطاق ما فوق خط الفقر والحد الأدنى للأجور والمعيشة، بل قامت بزجهم بأماكن جديدة مستحدثة سريعاً لإسكانهم بشكل عشوائي، لم يتم التخطيط له ليكون توطيناً مدروساً بتأنٍ وبنظرة مستقبلية تضمن عدم بروزه كبؤرة تحمل في طياتها، وتتسبب بظروفهم السابقة ذاتها في أحيائهم التي تم تهجيرهم منها إن لم يكن أسوأ!
العديد من مدننا العربية حديثة نسبياً بمقياس الزمن والنشوء، ومع الطفرة الاقتصادية يتحتم علينا عدم الانجراف صوب الحضرنة المهتمة فقط والحريصة على المظاهر الجمالية والعمرانية غير المدروسة، وإنما مزامنتها مع الأصالة والحفاظ على الهوية الروحية الإنسانية، التي تضمن تماسك المجتمع فيها والعدالة في توزيع الخدمات والتمسك بطابعها الثقافي.


الفن.. والأدب

جريدة الرؤية

08-05-2020
عماد أحمد العالم



للفن علاقة بالأدب، وأفضل تشبيه يمكن وصفهما به كالتابع الحر والمتمرد للسيد النبيل، حيث يستفيد أحدهم من الآخر في علاقة مصلحية غير متكافئة، يُكافح الأدب فيها لشق طريقه كي يرى النور في ظلمة سرمدية إن انجلت للمحظوظين فيه؛ ينبري لهم الفن سارقاً أو -ربما بلفظ أكثر تهذيباً- مستغلاً ذاك النجاح المستحق، بعد جهد جهيد لم يكن ليكون له لولا عظمة أسبغت عليه فنال استحسان النقاد والمتخصصين، ولاقى إقبالاً جماهيرياً كبيراً على اقتنائه وقراءته.

هناك فرق بين الأعمال الروائية التي تكتب لتكون سينمائية وتليفزيونية وبين تلك التي سطرتها أيدي رواتها لتقرأ فقط دون أن يضعوا في اعتبارهم تحولها لأعمال مرئية، ومع ذلك وبسبب ما نالته من شهرة تم تحويلها لفيلم على يد مخرج لا يمكن مقارنته بالطبع مع الراوي، فكلاهما وإن كانا من عرابي العمل، إلا أن من كتبه وسرد تفاصيله وعبر عما فيه من مشاعر وأحاسيس ورسائل بجمل وعبارات وكلمات مكتوبة لكن متصورة لقارئها؛ سيختلف عن تصوير مخرج قرأ العمل، فعمد على انتقاء ما يناسب الرؤية السينمائية مع اقتباسات محددة لنصوص منها معروف وقعها المسبق وتأثيرها على المشاهد، وضعها جميعاً بساعتين أو أقل لتكون مرئية، وهو ما قد يتسبب بصدمة بالذات لمن قرأ العمل سابقاً، وعاش طوال تفاصيله ساعات من الخلوة معه، والتخيل الذاتي لمجراه وحواراته ومشاهده، والعزلة مع شخصياته، بضمائرهم وما يعتري نفوسهم، بأفكارهم وظنونهم، بشرهم وخيرهم، بتأنيب الضمير وصحوته، وباستحضار للبيئة المحيطة بأجوائها وطقسها وزمانها ومكانها وتفاعل الآخرين معها، ودورها في التأثير بهم وعليهم، جميعها قد تظهرها الصورة، ولكن ستكون فعلياً مجردة من الإحساس الفريد من نوعه الذي يعتري القارئ حال قراءتها، ويصعب استحضار مثيله بالنظر فقط.

العديد من الأعمال السينمائية المستوحاة من روايات عالمية فريدة وعظيمة؛ طواها النسيان وتجاهلها المشاهدون، وغابت عن الذاكرة، ليبقى العمل الأدبي وحيداً وبعيداً عنها متفرداً بأصالته، ومجسداً لما أراد كاتبه روايته، لا ما ظهر عبر طاقم فني من مخرج بارع جداً، ومصورين محترفين، وممثلين أداؤهم بلا روح رغم ما في الصورة من جودة، والأداء من إبداع، والموسيقى التصويرية من أذن موسيقية لم تكن كافية رغم جمال وقعها في إحداث أثر يشبه ذلك الذي اعترى قارئاً صامتاً.


الثلاثاء، 5 مايو 2020

القراءة والصورة والرمزية

جريدة الرؤية
31-04-2020
عماد أحمد العالم



من مآثر الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية ‏ ‏توماس جيفرسون شغفه بالقراءة وتشجيعه عليها وهو القائل عنها: «إن الذين يقرأون فقط هم الأحرار، لأن القراءة تطرد الجهل والخرافة، وهما من ألد أعداء الحرية».
وتماشت عبارته مع ‏رد فيلسوف فرنسا فولتير حين سئل عمن سيقود الجنس البشري، ليجيب: «الذين يعرفون كيف يقرؤون»، وكلا القولين ينطبق عليهما الوصف: «المعركة من أجل القراءة هي نفس المعركة من أجل الديموقراطية».
في العالم العربي وحسب أحد الإحصائيات الصادرة عن اليونسكو؛ ينشر 35 كتابا لكل مليون عربي، بينما الرقم هو 558 في أوروبا لكل مليون نسمة، وهو ما يقودنا للتساؤل: هل تدني نسبة القراءة في العالم العربي في عصرنا الحديث نتيجة لتفشي ظاهرة حضارة الصور المتمثلة بالمطبوعات المصورة والتلفزيون مقابل مرجعية الكتب، لتتسبب بعزوف الفئات الشابة عن الاطلاع واستبدالها بالمشاهدة، التي توفر المعلومة في زمن ومجهود أقل لجمعها بين السمع والبصر بآن واحد، مسهمتان بذلك في الحصول على تفاصيل أكثر لا تحتاج لنفس درجة التركيز والخيال لدى القارئ؟
نفى بعض المتخصصين «عن الشاشة» قدرتها على توسيع المدارك، وأكدوا محدوديتها بسبب اعتمادها على الصورة والحركة مع القليل من الكلام فيما تعرضه، وبالتالي لا يمكن أن تكون المنافس للمعرفة ومن باب أولى للقراءة، التي تعمل على توسيع المدارك والأفق، مع الإقرار دون تجاهل بأن ثقافة الصورة ستسهم في إدخال تعديلات على الكتب مما سيمنحها قبولا أكثر لدى الأطفال وصغار السن عبر تفعيل الصورة المكتوبة في المنشورات الموجهة إليهم، والمازجة بين الاثنين فيما تنشره.

التشجيع على القراءة يقابله اصطدام بعوامل مجتمعية تكبح الشغف بها نتيجة تردي الأوضاع السياسية والحقوقية في الدول، محبطة مواطنيها ومشكلة بالنسبة إليهم حاجزا نفسيا بين الفكرة والواقع، وهي التي تتطلب توفير مناخ من الحرية والتعبير عن الرأي، وممارسة النقد دون الخوف من عواقب ذلك.
وللتعليم دور مهم في تكريس منهجية محبذة للقراءة عند النشأ والشباب في المراحل المتقدمة، عبر إعادة تحرير الكتب المدرسية وجعلها مستقطبة للطلبة ومتوائمة مع تطلعاتهم واحتياجاتهم العمرية، فتخاطب خيالهم وتثير شغفهم، بدلا من أن تكون منفرة ورتيبة معتمدة على الحفظ والتلقين، لتُستبدل بالمعلومة الرمز التي ترسل أفكارا مرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل، مساعدة بذلك على التفاعل مع البيئة والمنزل، وصاقلة ومهذبة للأفكار والتطلعات.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-86/2132863-القراءة-والصورة-والرمزية

ثورة التشكيك

جريدة الرؤية
24-04-2020
عماد أحمد العالم



يقول عالم الفلك كارل ساغان: «الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية»، وبناء على ذلك قد يصح القول: «أنا أفكر إذا أنا موجود وأنا أشكك فأنا يقظ»، ولا تعني أبداً أنني متغطرس وأنظر للآخرين بفوقية نتيجة ما أمتلكه من معلومات ومعرفه.
صحيح أن التشكيك سلوك مستهجن اجتماعياً ومرفوض من قبل الغالبية التي تصف فاعلها بالنرجسية والاستكبار، لكن من الواجب أن نعطي التشكيك حقه ونمنحه النصف الإيجابي المتغافل عنه، بعيداً عن خوفنا من أن نوسم بالمشككين، فهذا العالم الذي لا يعد البشر فيه سواء من حيث القيم والأخلاق الحقة، يشهد تزايداً ملحوظاً في النصب والاحتيال والشائعات والأخبار المغلوطة والمعلومات المضرة، حيث لم تمنع القوانين والأديان البشر من التجرد من الشرور، حتى إن بعض أهل المكانة قد استغلها لتضليل الأفراد لتحقيق غايات شخصية غير قويمة ومضرة.
التشكيك يستمد فاعليته من التفكير، الذي بدوره يغذيه السؤال والتأمل والنباهة والمواجهة والمحاججة بغرض إجلاء الحقيقة، فحين يتحدث شخص ما في مجلس عن حكاية خرافية طعّمها بما يزغزغ عاطفة وخوف من حوله لتصديقها وتقبلها، ينبغي هنا على العاقل أن يواجهه ويطرح عليه رأيه المشكك في روايته، ولتحقيق ذلك ينبغي طرح الأسئلة التي يتحتم أن تكون إجاباتها منطقية تدعمها الأدلة والبراهين، مع مشاركة الحضور الفكرة وتقديم ما يؤكد منطقيتها بعيداً عن إعطاء الإيحاء السلبي بكون المشكك يفرض الرأي بالقوة مستحقراً الآخر ومقللاً من شأنه، حينها ستكون أنت المشكك اللئيم ومقابلك المتحدث المسكين، وخصوصاً إن كانت مكانتك الاجتماعية ودرجاتك العلمية أعلى منه، فوقتها سيظن الجميع أنك مزهو بنفسك، وسيمطروك بهجوم من قبيل: «أن الحياة أعظم جامعة في الكون، وأن الخبرات بها أكثر قيمة من الشهادة الكرتونية التي حصلت عليها»، كما أن الجهل باللغات الأخرى وعدم معرفة قانون نيوتن في النسبية لا يعني الجهل والسذاجة، فهناك من لم يكملوا دراستهم لكنهم أنبه من خريجي الجامعات والباحثين.
من الإنصاف التذكير هنا بأن الحقيقة والصواب لا يقومان على المراتب المجتمعية، وقد ينبعان من البسطاء والأقل حظاً في التعليم على حساب الكذب والخطأ، الذي يتصدره أحياناً الأعلى مرتبة وفق التصنيفات الوضعية، فالجوهر المتمثل بالصواب هو الرسالة الأهم لا الخطأ الذي يتمثل بالمظهر، كما يصفه المثل القائل: «المظاهر تكذب وكذلك العدالة عمياء لأنها لا ترى المظاهر».



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-85/2130961-ثورة-التشكيك

اللغة.. بين مفهومين

جريدة الرؤية
17-04-2020
عماد أحمد العالم



الفيلولوجيا أو علم اللغة المقارن هو فرع من اللسانيات التاريخية، التي تندرج تحت الأنثروبولوجيا الثقافية، المعنية بمقارنة ودراسة الأصول والعوامل المشتركة للغات وتطورها ونشوئها، وعلاقتها بأخريات تنتمي معها للعائلة ذاتها وتتميز كل منها بسمات خاصة بها حسب المنطقة التي ظهرت بها.
ظهور اللغات لم يكن على درجة الكمال التي تحظى بها في حاضرها، فقد بدأت أولاً كمنطوقة نتاج تفاعل الحواس البشرية مع البيئة المحيطة بها، ومن ثم استقبال الدماغ البشري لمرئيات الحواس الخمس لترجمتها لكلمات وعبارات منطوقة بالتزامن من مخارجها مع انتقال الإنسان من البدائية المطلقة الفردية للجماعة، وتزايدت الحاجة للتعبير لديه ومن ثم استطاع تطوير قدراته لتجاري ما استُحدث في حياته، التي رويداً ما نقلته لمنظومة اللغة المتكاملة الأركان من حيث النطق والكتابة، لكنها ورغم ذلك كانت على صورتها الأبسط، التي لم تتطور إلا مع مرور السنين وازدياد الحاجة لأن تتزامن مع ثورة العقل المعرفية، فاللغة لا تولد بالفطرة وإنما هي استجابة لبيئة الكائن البشري وما حوله، فهي مكتسبة بفعل التلقين منذ الصغر، الذي يسمح للدماغ بمواءمة الفرد مع حواسه، وبالتحديد النطق ومخارج الحروف ومعانيها المرتبطة بالصورة والإحساس والحاجة والرغبة وغيرها من مقومات معيشته.
تأثرت اللغات ببعضها البعض بفعل الهجرات البشرية والتجارة والحروب والعلاقات الدبلوماسية، ولذلك من الشائع جداً حتى في حالات اللغات غير المنتمية لشجرة العائلة الواحدة، أن تجد بها كلمات مستخدمة في لغات أخرى تفصلها عن بعضها قارات، ففي الإنجليزية مثلاً، يتداول متحدثوها أيام الأسبوع التي ترجع أصول أسمائها مع بعض التحريف لكلمات مستقاة من مسميات لأساطير ومعتقدات أسكندنافية وأوروبية غربية، فيوم الأحد يرمز ليوم إله الشمس والاثنين ليوم إله القمر، أما الأربعاء فهو يوم أودِن رئيس آلهة الفايكنغ، والخميس يوم ثور «Thor» ابن الإله أودِن سالف الذكر والجمعة يوم فريا زوجة أودين، أما السبت فيرمز ليوم الإله ساتورن إله الخصوبة والزراعة الروماني، الذي جرت عادتهم على الاحتفال به في 17 ديسمبر من كل عام ولمدة أسبوع، ومنه كما يظن بعض الباحثين استقيت العادات المتبعة الآن في أعياد الميلاد كإقامة الولائم ومنح الهدايا.
اللغات السامية بدورها تمتلك هي الأخرى منظومة لغوية واحدة، تفرعت لمجموعات منطوقة ومكتوبة على يد ولسان شعوب عديدة، طورتها وفقاً لبيئتها وأماكن تواجدها على مر العصور والأزمنة. 



المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-86/2129069-اللغة-بين-مفهومين

بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام 06-2026 حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية ف...