الخميس، 8 أكتوبر 2020

الديمقراطية.. الزائفة والحقيقية

 جريدة الرؤية
24-07-2020
عماد أحمد العالم


السطحية في فهم معنى الديمقراطية يقود البعض لنبذها والتشهير بها، بناء على معطيات سابقة يراها فيها غائبة عن قيادة دولهم للعدالة والرفاه، أما أهم هذه الاستنتاجات فمردها الانتخابات التي يعبر الشعب من خلالها عن ممثليهم في السلطة التنفيذية والتشريعية، بنسب عادة وحتى بأعتى الديمقراطيات بالعالم تتراوح بين 50 و70% من مجمل من يحق لهم الانتخاب إن لم يكن أقل من ذلك، فيما تغيب البقية طوعاً عن ممارسة حقها بالاقتراع لأسباب عدة وإن كان أهمها: غياب الأمن والحروب والجهل والحالة الاقتصادية وغياب التسهيلات الحكومية الضرورية لتنقلاتهم وتوعيتهم بأهمية انتخابهم وإدلائهم بأصواتهم، كما القنوط من الحالة السياسية وفقدان الأمل بالسياسيين والأحزاب والنقمة عليهم.

جميعها اعتبارات تقود الأغلبية الصامتة للعزوف عن المشاركة، رغم ما تحمله من مخرجات قد تؤدي في حضرة البيئة النزيهة والرقابة لطيف سياسي يمثل الإرادة الشعبية، لكن لامبالاتها تتسبب بتكتلات برلمانية فائزة بفضل من اقترعوا لها ليس لأنها تحظى بإجماع شعبي، وبالتالي تحظى بفرصة تشكيل الحكومة والحصول على مقعد الرئاسة وفق تفاهمات وتنازلات من كل طرف لإنجاح العملية السياسية.

لا بد من الإشارة لحالة دارجة ديمقراطياً، وبالتحديد حين يحصل مرشح أو تيار سياسي على أغلبية كبيرة بالانتخابات تمكنه من أن يشكل الحكومة منفرداً، دون أن يضطر للتوافق مع منافسيه، عاكساً تفويضاً شعبياً أوصله إلى سدة الحكم وفق المفهوم الديمقراطي، إلا أنه لا يعني بالضرورة جميع جماهير الشعب ممن تمتلك حق التصويت، والتي غاب ولنقل نصفها على سبيل المثال عن الاقتراع.

الديموقراطية، وقبل أن تطبق يجب أن تسبقها توعية فكرية وثقافية وسياسية لجميع أطياف المجتمع، حتى يدرك الفرد فيه ما له وعليه تجاه الحكم، وحتى يعلم الجميع أن الانتخابات ليست إلا جزئية من الحياة الديمقراطية التي تشمل ما قبل وبعد الانتخابات، أي العقد الاجتماعي الذي يكرس الحقوق والواجبات، وإلا فما الفائدة من حكومة منتخبة ديمقراطياً وبنزاهة في ظل مجتمع جاهل غارق بالفساد والمحسوبية ومراكز القوى الرديفة للدولة وانعدام الأمن؟ وماذا ستكون النتيجة إن حاول الحكام مواجهتها في ظل غياب الوعي والإدراك للجماهير وحتى النخب؟

الجهل هو العدو الأول والأقسى للديمقراطية وضامن فشلها، أما الوعي والإدراك فهما محفز نجاحها وضامن استمراريتها، إلى جانب فصل السلطات، ومؤسسات المجتمع المدني واستقلالية القضاء وحرية الإعلام.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/119-85/2153874-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D9%81%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9

الثلاثاء، 21 يوليو 2020

حروب من نوع آخر

جريدة الرؤية
17-07-2020
عماد أحمد العالم



لم تعد الحروب بمفهومها العام، ذلك الشكل التقليدي لخصام الدول والكيانات السياسية، حيث باتت التجارة حرباً وكذلك الصيدلة والأمراض.. جميعها حروب من نوع آخر تهدف للربح وتحقيق المكاسب، وبأشكال أكثر جدوى للرفاه وأسرع للغنى والسيطرة التي لا تعدو كونها اقتصادية فقط، وإنما تتعداها للتحكم والتوجيه ومن ثم ضمان التبعية.
فالقوي الذي يسيطر على الضعيف لا يحتويه بل يبتلعه ليضمن عدم خروجه عن الخط المرسوم له والمتوجب عليه اتباعه، في تكريس للإمبريالية الجديدة الهادفة لاستمرار الاستعمار الجيوسياسي والاقتصادي بدل القديم، الذي بات لا يلائم روح العصر الحديث، حيث لا المجتمع الدولي والشعوب ستقبل بالوصاية الدولية، التي مثلتها عصبة الأمم المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، والمستغلة لظفرها ففرضت وصايتها أولاً بالمفهوم القانوني، ومن ثم تحول ذلك لاستنزاف الأرض، وما فيها لصالح القوى العظمى، التي وإن منحت الدول استقلالها إلا أنها لم تتخلَّ عن مطامعها، لتعمد للرأسمالية المتوحشة التي نظرت لها مدرسة «شيكاغو».
وكان البنك الدولي ومؤسسة النقد ومنظمة التجارة العالمية، وقبلها اتفاقية الجات أهم منتجاتها، التي تولت بدورها عقد الاتفاقيات الثنائية والإقليمية مع دول العالم، التي بظاهرها تشجيع الدول النامية ومنحها مزايا تفضيلية، إلا أن الواقع يحمل خلاف ذلك، فبنودها مكرسة لسلطة الشمال القوي وضامنة لتدفق بضائعه ومنتجاته بدون قيود جمركية، تخفف من سيطرته على الأسواق، مع رفع الدعم الحكومي عن المنتج المحلي، ما يجعله غير قادر على المنافسة مع الأجنبي المستورد.
في الطب تحولت صناعة الدواء لتجارة مربحة أكثر من السلاح، ويكفي أن نعلم بأن أرباح إحدى الشركات الصيدلانية الكبرى تفوق الميزانية السنوية لعدة دول أفريقية مجتمعة، أما نفوذها فكبير جداً عبر لوبياتها الإعلامية القادرة على نشر الذعر الشعبي من مرض أو فيروس ما، فتهرع الدول لشراء اللقاح والدواء المعالج بالمليارات، لكنها ما تلبث أن تتلفه بعد سنوات من عدم استخدامه وتخزينه، لتعقب ذلك حرب فيروسية أخرى من صنع البشر، تثير بدورها استنفاراً عالمياً لمواجهتها، لتستمر عجلة الربح في الدوران جالبة مكاسب هائلة لشركات الأدوية، التي وإن كانت مملوكة للقطاع الخاص في الدول المتقدمة إلا أنها تخضع لسياساتها وقوانينها، وتسهم في اقتصاداتها عبر تشغيلها للقوى العاملة من المواطنين ودفع الضرائب.


سباق السرعة.. والبطء

جريدة الرؤية
03-07-2020
عماد أحمد العالم



ليس كل فكر سريع حميداً وإيجابياً، والمثل كمحصلة ينطبق على من يعتنقه، أي المفكر السريع، والذي لا يعني بالضرورة كما سيتبادر لأذهانكم الأشخاص ذوي الفطنة والمقدرة على استحضار الحلول والأجوبة، فالمعني هنا ثقافة العجلة والسرعة التي ألغت الرويَّة والتمهل من حياتنا وجعلتنا دوماً في عجلة من أمرنا، فنحن مشغولون ولا وقت لدينا، ونتذرع بضيق الوقت وقصره رغم أننا نقضي في غير المفيد ساعات طوال، ومع ذلك عادة ما نشير للساعة كعذر نسوقه دوماً للتدليل على تقصيرنا واستعجالنا غير المبرر في كثير منه وإن كان بعضه حقاً.
غير أن الطابع العام بات عصر السرعة لنا في كل شيء، فحين نتحدث ستلاحظون سيلاً من الكلمات دون منصت، أما في العمل فستجدون الوتيرة المتسارعة، الصفة التي يروج لها المديرون التنفيذيون في تنظيرهم وخبراء التنمية البشرية، حاضين الموظفين على الإبداع الخلاق، ونبذ الخمول العملي الذي يرونه في الإحجام عن القبول بالمزيد من المسؤوليات دون الأخذ بالاعتبار الصحة الجسدية والنفسية، ومآلات عبادة العمل على الحياة الشخصية.
«كلاوس شواب» مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ورد عنه قوله: «إننا ننتقل من عالم يأكل فيه الكبير الصغير إلى عالم يأكل فيه السريع البطيء»، فلم تعد القوة والجبروت صفة الغالب، بل باتت السرعة معياراً للتقدم والإنجاز، دون الأخذ بالاعتبار المجمل وليس المحصلة الآنية فقط، التي في باطنها مفيدة لقلة على حساب الأغلبية الضائعة في رتم الحياة السريع من بداية يوم أفرادها، حيث استيقاظهم في ساعة محددة للذهاب إلى العمل وإيصال الأبناء إلى المدرسة، ومن ثم الانصراف بسرعة عند نهايته والعودة إلى المنزل لتناول وجبة الغداء وقيلولة، يليها التسوق مساء، ومن ثم العودة بسرعة إلى المنزل لتناول العشاء ومشاهدة فيلم أو زيارة أصدقاء.
علينا القول إذن: «لا تكتف بالفعل، اجلس» ، فالاسترخاء والتأمل وأحياناً في الفراغ أو في سقف الغرفة ـ كما دأب ألبرت أينشتاين ـ فعله مفيد جداً للعقل ومحفز للإنتاجية وصاقل للذكاء، فليس الانشغال والسرعة دلائل النجاح والتفوق والإنجاز، بل العكس، فربما البطء والخمول الخلاَّق هما لبنتا البناء والتطور وفوق ذلك كله الاستمتاع بالحياة واللحظة والأجواء والبيئة المحيطة، وحتى الطعام الذي بتنا نمارسه كعادة بدلاً من أن يكون متعة وعافية.


التواصل الاجتماعي ودوره في التغيير

جريدة الرؤية
26-06-2020
عماد أحمد العالم



كثيراً ما يُعزى لوسائل التواصل الاجتماعي السبب بإشعال ثورات الربيع العربي بموجتها الأولى والثانية، لكن من النادر جداً أن تجد أحداً يتحدث بواقعية علمية عن أسباب فشل البعض منها وحتى الناجح عن الاستمرار وتحقيق المطالب المرجوة منها.
إن التكنولوجيا والتواصل الفوري التي وفرته الهواتف الذكية، كالإنترنت والمواقع الاجتماعية والأخبار لم ولن تصنع ثورة حقيقية، وإن بات يُنسب لها الفضل في التحشيد، والسبب ببساطة لهذا اللبس يكمن في عدم فهم طبيعة الثورة وارتكازها أساساً على المكونين المتمثلين بالثقافة الجمعية والفردية لجماهيرها ووعيها حيث قوة الفرد من الجمع، وكذلك تستقي الجماهير قوتها من أفرادها، التي ستتمكن التكنولوجيا من تسهيل المهمة عليها عبر سرعة جمعها وتحفيزها ونشر الأنباء ذات الصلة بها، لكنها لن تصنع بالمطلق من الجماهير ذاتها صاحبة وعي مدرك وقادر على التخطيط لمرحلة ما بعد الثورة بعقلانية تحقق التغيير المرجو والمطلوب، بل ستجد نفسها تدور بحلقة مغلقة من الفراغ الثوري بشعارات ترددها عبر مظاهرات وتجمعات تفتقر للفكر، وهو العامل الأساسي والفارق بين شعوب واعية تدرك ما تريد حين تنتفض وكيف تحققه وتحافظ عليه، وبين أخرى عاطفية انفعالية آنية يثيرها حدث وظرف ما، أو حالة اقتصادية متردية وانعدام للأمن، لكنها وبعد نفاذ مخزونه تنطفئ حدته وتسلم أمرها مجدداً لمن يتمكن من تطويعها واستغلالها عاطفياً للسيطرة عليها، بخلاف الجموع التي خضعت لسنين وعقود لتيار لا ينقطع من الإعداد الفكري التوعوي المشكل لكينونتها والحريص على حضور الوعي الفردي فيها القائم على العقل والإدراك، والناتج كذلك كمحصلة عن حرص جمعي على الاطلاع والقراءة والبحث عبر النقاشات الجادة والكتب الرصينة التي تقدم الأفكار وتطرح المشكلة ومن ثم تتطرق لأسبابها وطرق حلها، كما عمل على ذلك جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي الذي قدَّم مبحثاً للعلاقة بين الفرد ودولته، وواجباتها تجاهه وحقوقه المفروضة عليها، ليمهد الطريق بعد ذلك للثورة الفرنسية التي استلهم مفكروها ومنظروها من كتاباته أسس ثورتهم.
لذا، فقد سهَّلت التكنولوجيا حشد الجماهير ونقل ما يجري معها للعالم، لكن افتقارها للوعي هو ما يجعلها غير كافية لأن تنجز المهمة المنوطة طالما افتقر الثائرون لثورة فكرية تحضرهم لبناء الأسس القويمة لتغيير ما ينشدونه، يقوم عليها كتاب ومفكرون، فالأمة التي تحترم الفكر وترعاه يكون صداها جماهير واعية.


نكديون.. بلا حدود

جريدة الرؤية

19-06-2020

عماد أحمد العالم



ما هي مشكلتنا مع الفرح، ولماذا نتفنن في إظهار مظاهر الحزن، التي تعيدنا لاختراع طرق فريدة من نوعها في زرع الكآبة.
النكد هو الصنعة التي يجيدها الكثير والعديد منا، وهم بما يفعلون يظنون أنهم يحسنون صنعاً، بينما هم مفسدون ومخربون وقتلة لمظاهر السعادة المرتبطة بالبشر، والتي يجب أن يتحلوا بها ويستمتعوا! في مقاطع الفيديو المنتشرة عبر أثير الإنترنيت، ستجد الخلفيات مصحوبة بهمهمات وأصوات مبحوحة وعواصف تُبشر بنوعية ما أنت مُقبل على رؤيته وسماعه! بعضهم يظن أنه بما يفعل يُضيف المؤثرات الصوتية اللازمة لذاك المحتوى، الذي أنفر منه فأقوم بتجاوزه ومسحه أياً كان محتواه، فقد مللنا وعفنا مثل هذا النمط الترهيبي! نحن احترفنا الغمّ بامتياز بخلاف شعوب أخرى سعيدة ترقص طرباً ومرحاً، وتحيي ليالي سنواتها احتفالاً وضحكاً، أوقاتها مقسمة بين الجد واللعب والمرح والحزن، لينعكس ذلك على كل ما حولها، من معابدها لمدارسها ودوائرها الحكومية لشوارعها المزدحمة المليئة بالمتناقضات التي لم تنجح في تحويلها لشعوب غاضبة مكفهرة، وإنما على النقيض لأمم مُحبة للحياة رغم ما فيها! العديد من دعاتنا وعلمائنا تَغلب على مُحيّاهم مظاهر الجدية المُبالغ فيها، وتغيب عنهم الابتسامة ويندر أن ترى منهم خفة ظلة وممازحة، بل شدة وصرامة وكأن محبة الحياة والاستمتاع بها ذنب عقابه شديد.
أحاديثهم يغلب على الكثير منها الترهيب دون ترغيب وكأن الدين وُجد للعقاب فقط، بينما هو ومن جماله اصطفاه الله سبحانه وتعالى وأوجده وسطاً معتدلاً غير مفرِّط ولا متشدد، يمزج في محتواه بين ترغيب العباد لعمل الصواب وترهيبهم من عمل الخطأ ليجتنبوه، فينعموا برحمة المولى الكريم! إذا مشى الغريب في طرقاتنا يسهل معرفته حتى لو كانت سماته ولون بشرته مماثلة لنا، فنحن أصحاب كشرة وكأننا نتأبط شراً، نمتعض لأقل نظرة، فالبحلقة ولو كانت غير مقصودة في مفهومنا بداية لاشتباك بالكلمات قد يتطور لحرب وتشابك، بينما في بلاد أخرى لن تجد أحداً إلا ما ندر يقضي وقته في المقهى مثلاً أو المطعم أو أي مكانٍ عام وهو ينظر لما حوله، فيركز في هذا ويكاد تبتلع عيناه تلك، وإن صادف أن تلاقت نظرات عيناكما، سيبادرك بابتسامة لطيفة، بخلاف ما قد ينتج عن ذاك التلاقي غير المقصود لدينا من تبعات عافانا ربنا وإياكم منها!


السيلفي.. وصناعة الواقع

جريدة الرؤية

12-06-2020
عماد أحمد العالم



كثيراً ما استوقفتني مشاهد أشخاص «السيلفي» وهم يحركون هواتفهم وكاميراتهم يمنة ويسرة بغية التقاط صورة، في خلفيتها يقبع مبنى أو شارع تجاري أو معلم أثري، لا يلبثون بعد توثيق وجودهم بجواره وزيارتهم له تركه لأخذ سيلفي آخر في يومهم القصير الحافل بالصور، التي ما تلبث بدورها التوجه مسرعة صوب نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي.
حيث أغلبها ليس لقبيل طرح نقاش جاد أو نشر معلومة، وإنما لقول: «لقد كنت هنا بينما أنتم قابعون في بيوتكم خلف شاشات حواسبكم وهواتفكم تتابعون ما أنشر لكم، ومرسلين عشرات اللايكات والإعجاب لما عرضته لكم»، وبذلك يكون المرسل والمستقبل جزءاً من عالم افتراضي موازٍ للواقع، ولكنه مختلف عنه من حيث المبادئ المشكلة لأخلاقياته وتعاليمه الإنسانية والقانونية والعرفية، فزِر الإعجاب الممثل افتراضياً للاستحسان بات وسيلة مجاملة رقمية أكثر من كونه مشاعر بشرية حسية صادقة تلهج بها الألسن وتظهر بها الوجوه، فيما عدم الإتيان به يثير السخط والغضب والنقمة، ليشعل حروباً افتراضية فحواها الأنا الغارقة في الشهرة والتمظهر بما لا يعكس الواقع.
التكنولوجيا الرقمية التي صنعتها رغبة في مشاركة المعلومة حين بدأت؛ تحولت لمنجم يدر ماساً على الشركات الكبرى في العالم التي تسيره، فكل شيء بات لتسويق منتج، لا يقتصر وجوده على السلعة الاستهلاكية بمعناها المجرد، فالفكرة والأيديولوجيا وحتى التاريخ والعلم والثقافة تمت رقمنتها لا لنشر المعرفة، وإنما للتوجيه والاستقطاب وبث الشائعة والكراهية وتحقيق الانتصارات بعيداً عن حروب تقودها جيوش تقليدية.
في العالم الافتراضي الذي غزته برامج الدردشة والحوار المصطنعة بات الكلام من أجل الكلام لا في سبيل النقاش، وأضحت الصورة رمزاً للابتذال بدلاً من الذكرى، التي أُفرغت من فحواها الماس لجوهر أرواحنا التواقة لنوستالجيا الماضي، ليدخل على حسابها فئات من المشاهير الجدد للساحة حاملين معهم خصوصياتهم التافهة، ومستعرضين بها للجموع المتفاعلة معها بالمشاهدة والتقدير الافتراضي، الذي ينال جزءاً يسيراً منه حاملو لواء التفاهة الذين يظهرون بها، فيما المستفيد الفعلي هو القوة الحاضنة للوسط الذي يظهرون فيه، والمليء الدعايات والإعلانات، التي بدورها تحرك الدولاب كل يوم بوسيلة جديدة تضمن لها انتشار التفاهة المستقطبة لجيل التكنولوجيا السطحي، والمهمشة في الوقت ذاته لأصحاب العقول والفكر الذين انحسرت إضاءاتهم وسط الإيقاع السريع.


اقرؤوا.. تصحوا

جريدة الرؤية

29-05-2020
عماد أحمد العالم



ما الفرق بين الأمم التي تقرأ والعازفة عن القراءة؟ وهل هو في كون الأولى متقدمة إنسانياً ومعرفياً حقيقي وواقعي، أم أن المسألة لا تعدو أن تكون ثانوية في مقاييس التطور؟ بل ربما هي كما يبرر المشككون المقللون من شأنها بينهم.

وهل هي عادة وطبع وفضول غير ذي بال، ولا يرقى لهالة الأهمية التي تمنح لها، ولا تُقدم في كلا المثالين في السؤال السابق من حيث معايير أخرى حقيقية وواقعية كالأمية والشفافية والنزاهة والرفاه؟ فهم - على حد قولهم - المعيار الحقيقي لتقدم الأمم، وبالتالي مواطنوها هم الأكثر وعياً ورقياً، وليست القراءة هي التي قادتهم لما هم فيه بل الوعي والعدل والأمن والاستقرار الاقتصادي!

القراءة والثقافة والوعي والرفاه والأمان.. جميعها على حد كبير من الأهمية التي تكمن بترابط الناس، فهم حلقات في السلسلة ذاتها تقود جميعها لبعضها، مُشكلة ومُكونة قوتها وتماسكها، فبغياب إحداها تتفكك وتهوى البقية، لذا لا يمكن الحديث إلا عنها مُجتمعاتٍ، وإن كانت القراءة برأيي المشكل الأول والأساسي لأولى الحلقات، فالوعي مثلاً لا يتحقق إلا بالاطلاع ولا يكفيه الاستماع فقط والمشاهدة، كما أن الثقافة بدورها لا تتحصل إلا بالقراءة، ‏ومن هنا تكمن أهميتها بكونها المعيار الأساسي لكل ما هو متقدم وخير ونفعي وإنساني، فهي التي تهذب السلوك عبر إثرائها المعرفة، وتسهم في التطور الذي يتحصل بعد توسيع المدارك وخلق آفاق فكرية واحتياجات جديدة، ومن ناحية صحية لها فوائد علاجية، فهي تجعل للحياة متعة، وللأداء فيها صبر وللكلام خلالها جمال ووقع حميد على النفس.
الإنسان الذي يقرأ وإن مر بمراحل انهزام وكبوة، لا بد له أن يقف مجدداً وأن يواصل حياته، وإن فاتته علوم ومعارف إلى حين نتيجة ظروف معينة فسيتحصل عليها لاحقاً بالقراءة، كما أنه وإن كان جزءاً من بوتقة اجتماعية معينة إلا أنه يبقى محافظاً على الوعي الفردي وغير منقاد بالكامل لثقافة الجموع بدون دور بها، بل يحظى بتأثير فيها عبر امتلاكه للمعلومة والفكرة، كما أنه ومهما كانت درجة تعليمه وواسع اطلاع لديه حصيلة وافرة من المعلومات، تمكنه من فهم ما يدور حوله والمشاركة برأيه فيه.

القراءة عوالم لا حدود لها، يبحر فيها ويجول من يملك سلطانها مستمتعاً، متنعماً بنعيمها، أما خاسرها فلا عزاء يكفيه وإن امتلك الدنيا وما فيها.


بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام 06-2026 حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية ف...