الأحد، 11 يوليو 2021

القصص.. متعة لا حدود لها

 جريدة الرؤية
07-06-2021
عماد أحمد العالم


لديّ اعتراف يليه اعتذار للرواية، بعد استذكاري لمفهوم خاطئ مضى عليه أكثر من عقد، كنت أظن فيه مخطئاً أن القراءة متعة لا تدخل الرواية ضمن إطارها، فهي كما كنت أراها مضيعة لوقت، الأجدى بذله في سبيل نيل المعلومة.
هذه الفكرة المغلوطة التي كان لماركيز وروايته «مئة عام من العزلة» فضلٌ باستجلاء خطئها، وتبددت تماماً بعد اقتنائي لرائعته الخالدة «الحب في زمن الكوليرا»، لتتوالى بعدها الروايات على مكتبتي بدءاً من روائع الأدب العالمي الحديث والكلاسيكيات.
جميعها كوّنت شخصيتي كقارئ، وكرست شغف الاطلاع الذي لا يعرف عنواناً أو مادة دون أخرى، حيث الولع بأوراق تلمسها اليد بعناق محموم غير قبل للانفصام.
هو أسلوب حياة، ونمط للمتعة الإنسانية التي قلما نجد لها مثيلاً يوفرها كما تفعل القراءة، حيث الفضول الذي لا ينضب صوب المعرفة.
الفكرة المنتشرة بين العديد أن قراءة الروايات مضيعة للوقت دارجة بالمجتمعات العربية، التي تعرف بالأساس مستويات متدنية من القراءة مقارنة بالشعوب الأخرى، رغم أن الإحصاءات تخبرنا أن أكثر المقروء القصص والروايات، حيث يتسع خيال الراوي للتنبؤ بالمستقبل ودراسة الماضي والتوعية بالحاضر عبر أحداثٍ أبطالها شخصيات تلعب دوراً يأخذ القارئ صوب المعلومة المسرودة بفن الحكاية، القريبة من النفس البشرية على المستويين الوجدانِي والديني، الذي بدوره لم تخل الكتب المقدسة منها للتدليل والترغيب والترهيب، فتحتفظ بها الذاكرة لتكون عامرة ومتوارثة ليس لصاحبها فقط، وإنما للأجيال المتعاقبة.
الرواية والقصة كما بها من متعة لا حدود لها وفوائد عديدة، فيها الغث والمضلل والفاسد والمستغل، لكن ذلك لا ينقص من قدرها ومكانتها وقيمتها.


المصدر: صحيفة الرؤية - القصص.. متعة لا حدود لها - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الأدب.. وتجربة «حسن منتو»

  جريدة الرؤية
24-05-2021
عماد أحمد العالم


شاهدتُ فيلماً عن قصة حياة الكاتب الباكستاني «سعادت حسن منتو»، الذي تسببت الاضطرابات العرقية والمذهبية بالهند بعد استقلالها عن بريطانيا، بتركه لها والاستقرار بباكستان.

خرجتُ بعد مشاهدة الفيلم مشوشاً بين ممتنٍّ وناقم، لأنني لم أخلق كاتباً مهموماً بضمير إنساني يبحر به عكس تيار المجتمع، وهذا الشعور منبعه كوني، إذْ أرى: من مهمة القاص والراوي أن يكون كذلك، بكل ما يتوافق مع ضميره وإحساسه تجاه مشاهداته ومرئياته للمجتمع، مهما خالف بذلك جمهور الأغلبية الغارقة بالواجب والممنوع والنهي والتحبيذ لما تراه مسلماتها، التي لا يمكن المساس بها، فالكاتب هو المرآة غير المزركشة والصادقة، التي تظهر واقع الحال بسلبياته وإيجابياته دون تجميل وتلطيف ومواربة، بل بكل أمانة مهما كان شديداً ومستفزاً للمتلقي.
«منتو» الذي هزمه التيار وأضنته هجرته من مومباي إلى لاهور بعد الأحداث التي أدت لهجرة المسلمين الهنود لباكستان، لم يتمكن من تجاوز عامه الثاني والأربعين، فقضى منهكاً مريضاً فقيراً ومعدماً بعد أن فقد حرية الكلمة في موطنه الجديد، المبني على تراث قبلي متشدد في نظرته لكل ما يسميه أدباً بذيئاً دافع عنه منتو في محاكمته، التي تسببت بها قصته «اللَّحْم البارد»، وسط استنكار شعبي لما كتبه.
كان دفاع منتو عنها يتلخص في أن البذاءة اللَّفظية دارجة جداً ومستخدمة في الحوارات اليومية، وعلى مسمع من الجميع، ومع ذلك لا يتعرض ناطقوها للمحاسبة، بخلاف الكاتب الذي إن تضمنها في كتاباته استُهجن فعله، ويتم معاقبته وإذلاله، لأنه فاحش القول «كما يصفونه»، رغم أن ما ورد بكلماته ليس إلا انعكاساً لحديث وقصص دارجة لا تلقى أيّ منع وردع!



المصدر: صحيفة الرؤية - الأدب.. وتجربة «حسن منتو» - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

أدعياء الفضيلة

  جريدة الرؤية
10-05-2021
عماد أحمد العالم


ما قصة الفضوليين متقمصي دور رعاة الفضيلة، المعروفين بتصوير الناس ونشر خصوصياتهم بدعوى النقد وكشف الخطأ، فرغم صحة البعض منها، إلا أن التساؤلات هي: ما مدى مشروعية التشهير وتنصيبهم أنفسهم كحماة للقيم في هذه الحالة؟ وما تبعات نشر المقاطع وضررها؟ وهل خطأ البعض يبرر فضحه؟ وهل أصبحت أمتنا بحق أمة المغالاة بالفضيلة أم أنّ الظاهرة لا تعدو سوى مظهر للتنمر الإلكتروني الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي والتقنية الحديثة، فمكنت الجميع من التقاط الحدث لحظة وقوعه ونشره عبر الإنترنت؟الملاحظ أنّ العديد من المقاطع يغلِّفها أصحابها برداء الوطنية والمصلحة العامة، لكنها غالباً تنحرف للشعبوية والتعصب والعنصرية، والمبرر دوماً من وراء نشرها هو النقد البناء، ولكن دون التوثق، مع تعمد زغزغة العواطف والمشاعر، وهو اللافت للانتباه في التعليقات التي تعقب انتشار المقاطع، وتحول النقاش حولها من تصحيح للخطأ ورفض للظاهرة والموقف إلى تصفية للحسابات.
بوسائل الإعلام التي تحترم الحقوق الفردية، عادةً ما يتم تغطية الوجوه كما في لقطات إلقاء القبض على أشخاص من قبل القوى الأمنية حتى لا تُعرف هويتهم، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وبالتالي ليس من حق أيٍ كان التشهير به، ومن حقه حال خرقه التقدم بدعوى، لذلك يلجأ الجميع في دولة القانون لعدم الوقوع بهذا الخطأ بخلاف دول العالم الثالث، حيث يكفي أن يدعي ملتقط المقطع وناشره أن هدفه الإصلاح ونقد الظواهر الاجتماعية السلبية لتبرير فعلته، رغم تجاهله لحقوق الآخرين، والواقع أنه نصب من نفسه قاضياً وجلاداً في نفس الوقت، بمهمة ليست من شأنه، وإنما هي من صلاحيات الجهات المختصة.


المصدر: صحيفة الرؤية - أدعياء الفضيلة - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)



السبت، 1 مايو 2021

حين يفكر الدماغ.. وتنفذ الآلة

 جريدة الرؤية
27-04-2021
عماد أحمد العالم


التطور التكنولوجي الطبي مضطرد ومتسارع، فلا نلبث أن ننشغل بأحد ابتكاراته حتى تتداول وسائل الإعلام آخر لا يقل عنه إبهاراً وأهمية.
قبل أسابيع أعلنت "Neuralink"، وهي إحدى الشركات البحثية عن نجاح إحدى تجاربها بزراعة شريحة في دماغ قرد، الغرض منها قراءة أفكاره أثناء عرض لعبة أمامه، ومن ثم تحويلها لفعل دون أن يحرك القرد يديه، وبالفعل نجحت التجربة. ولنعرف كيف تم القيام بذلك ومدى أهميته بعلاج بعض الأمراض المستعصية مستقبلاً، علينا أن نفهم أن اللبنة الأساسية لجميع التجارب مبنية على تخطيط كهربائية الدماغ Electroencephalogram “EEG”، والذي من خلاله نستطيع أن نعرف ونحدد على وجه الدقة تفاعل الدماغ مع كل نشاط حركي وفكري وحسي يقوم به الإنسان.
كانت أولى تجارب تخطيط الدماغ بواسطة العالم الألماني هانز بيرجر في العام 1924، وكان الغرض الأساسي منها ولا يزال إلى يومنا هذا الكشف عن الصرع والتشنجات أو اعتلالات النوم، ومشاكله وتحديد بؤرتهما الدماغية، وابتداء من سبعينات القرن المنصرم، بدأ البحث فيما يُعرف الآن بالواجهة البينية بين الدماغ والآلة أو الحاسوب ‏ Brain computer interface “BCI”، وهو علم لا يستخدم في الممارسات الإكلينيكية الطبية وإنما يقوم على فهم إشارات الدماغ الناتجة عن أداء وظائف بعينها، ومن ثم تسييرها لأوامر يتم تنفيذها بواسطة أجهزة خارجية كالروبرت مثلاً، وذلك لاستخدامها مستقبلاً لمساعدة المرضى المصابين بعوارض عصبية عضلية مزمنة كجلطات الدماغ والشلل والتصلب اللويحي وغيرها، وللإسهام بعلاجهم وإعادة تأهيلهم، وذلك بفهم ما يدور بعقلك عبر تحليل إشارات الدماغ أثناء التفكير بها، ومن ثم الطلب من أجهزة مساعدة القيام بها نيابة عنك.


المصدر: صحيفة الرؤية - حين يفكر الدماغ.. وتنفذ الآلة - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

العرف بين التقنين والإلغاء

 جريدة الرؤية
12-04-2021
عماد أحمد العالم


في المجتمعات التي تولي مكانة للتقاليد المجتمعية والقبلية وتمنحها وضعاً نافذاً، يتم العمل بقوانين خاصة غير مقننة يطلق عليها القانون العشائري إلى جانب القانون المدني الذي تعمل به الدولة، وهو ما أوجد ازدواجية في نظام العدالة، ويمكن الركون إليه في القضايا التي تمس المجتمع بقبائله وعشائره وكافة أطيافه، مع سماح مؤسسات الدولة بذلك من باب تجنب الاصطدام مع مكون مؤثرٍ بها أو من قبيل الرغبة في تخفيف الحمل عنها.
بكلا الحالتين، بات من الجدلي الاستمرار بنظامين أحدهما رسمي وآخر عرفي مستمد من العادات والتقاليد، التي لا يُمنع أن تكون من مصادر التشريع، ولكن دون أن تكون جهة يُحتكم إليها عوضاً عن النظام العدلي والقضائي الرسمي.
نظريّاً، هناك خيط يتسع للفرق بين العرف والعادات والتقاليد والقانون، وهو ما جعل العلاقة بينهما متشابكة وخصوصاً بالدول العربية، واعتبر خرق العرف خرقاً للقانون وإن لم يكن مشرعاً من خلاله، ولكن بالدول الغربية هناك قانون لا علاقة للعرف به ولا يعتد به بالتشريع، ولذلك يحاسب مخالفه وفق نص القانون.
لنضرب مثالاً بسيطاً للتوضيح.. في أغلب الدول العربية ينص القانون على الاحتشام فيما يُعرف اصطلاحاً بعدم خدش الحياء العام، ولكن دون تحديده بالضبط وعلى أي شاكلة عدا عن الخطوط العريضة الموضحة، فيما مفهوم العرف للاحتشام متغير حسب البلد، فهناك من كان يعد كشف الوجه وشعر المرأة وإظهار الزينة مجَرّماً، فيما هو شأن خاص وحرية شخصية لا تعريف مقيداً لها بدول أخرى، وكذلك يمكن القياس على تغطية الجسم، فما بين التقييد بارتداء العباءة ولبس الجينز وغيرها.


المصدر: صحيفة الرؤية - العرف بين التقنين والإلغاء - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

نعيش نعيش ويحيا الوطن

 جريدة الرؤية
29-03-2021
عماد أحمد العالم


التشدق بالوطنية والمبالغة فيها في كل أمر وحول كل شأن ورداً على أي جواب ليس بالوطنية، وإنما شوفينية تقود للنازية كما فعل هتلر من قبل، وللفاشية كما قاد موسوليني، وكما وصفها الكاتب الانجليزي صمويل جونسون «بالملاذ الأخير للأنذال أو الخونة».
الوطني الحقيقي والصادق بوطنيته هو من يخدم وطنه ويعمل صامتاً من أجله، وإن تحدث به اكتفى بالرمزية المعتدلة ولم يبالغ، محدثاً نفسه قبل غيره، غير مملٍ على الآخرين سبل حبهم لأوطانهم، ولا فارضاً عليهم نهجاً ليسيروا عليه وخلفه.
يحكى أن رجلاً يدعى قيطون كان يعمل كحارس خزينة في الدولة العباسية، فإذا سرق من خزينة الدولة شيئاً، مشى في الأسواق وهو يتظاهر بالتسبيح والورع، ومن هنا وكما يقال بات من المعروف القول: «إذا سبح القيطون فقد همّ بسرقة، فلا تأمن القيطون حين يسبح»، ليتحور لاحقاً اسم قيطون ليطلق على الثعلب لكونه يسرق الدجاج والطيور.
عادة ما يردد أحدهم «نموت نموت ويحيا الوطن»، فما يقوم به ويفعله يسهم في تدمير الوطن وتأخره، ليس فقط في مناوأته واعتراضه أيا كانت أسبابه وذرائعه، وإنما في عدم إخلاصه في عمله، وتحايله على القوانين في سبيل مكاسب شخصيّة، والتغاضي عن الأخذ بزمام المبادرة في سبيل الإصلاح، مع الاستمرار في سلوك «لماذا ينبغي علي أن أبدأ بالتغيير؟»، علماً أن الشعار بذاته خطأ، فالوطن على قدسيته وعظمة مكانته ليس بأغلى من أرواح مواطنيه، والعكس صحيح، فبكليهما مجتمعين، يعيش الوطن والمواطن بما عليهما من حقوق وواجبات.


المصدر: صحيفة الرؤية - نعيش نعيش ويحيا الوطن - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

التحرش.. وغياب الردع

 جريدة الرؤية
15-03-2021
عماد أحمد العالم


ما تكشفه الكاميرات هو ما بات يثير موجة الغضب الشعبي عقب كل حادثة تحرش، أما ما يجري في الخفاء فهو المجهول المسكوت عنه، والذي يجب محاربته بدولنا العربية، التي تغيب عن أغلبها القوانين الواضحة الرادعة، لمعضلة باتت تشكل خطراً يستهدف النساء والأطفال، وسط تكاسل وتجاهل الجهات الرسمية عن التدخل بشكل فعال.
المشكلة ليست بشخص المتحرش لواقعة بذاتها، ويجب ألا تكون كذلك حتى لا تتحول لقضية فردية، وإنما هي تعميم ثقافة ذكورية، لا نقصد بأن نلقي اللائمة بها على جميع الرجال بالمشاركة بها، بل المقصود تحديداً التغاضي عنها والتسامح مع مقترفيها، وعدم التحرك لمواجهتهم، وتشمل كتعريف لها الاغتصاب والتحرش الجسدي، دون أن ننسى بالطبع التحرش اللفظي، الذي قد يكون بدوره الأعم والأكثر انتشاراً، فيما ضرره النفسي على من تتعرض له مدمر، ومآلاته ذات وقع سيئ تفقد بسببه الأنثى والطفل حس الأمان والثقة بالمجتمع.
التحرش ليس بمعضلة صعبة الحل دون الاستهانة بها بالطبع، ولا يمكن القضاء عليها تماماً، ولكن يمكن الحد منها وتحجيمها لأضيق الحدود في حال تطبيق قوانين رادعة، كإدراج المتحرشين بقوائم يتم تعميمها، يسهل من خلالها تعقبهم ومعرفة أماكن سكنهم، للحد من تواجدهم في المواقع الأكثر عرضة لممارسة نشاطهم اللاأخلاقي، وأخذ الحيطة والحذر منهم، كما ينبغي تقنين تغليظ العقوبات بحقهم، مع التشهير حتى يرتدع الآخرون، علماً بأن هذه الحلول معمول بها في الولايات المتحدة وأغلب الدول الغريبة، لدرجة أن من يتم إدراجه في القائمة يمنع من ممارسة أي عمل قد يشكل فيه خطراً على الأطفال على وجه التحديد.


المصدر: صحيفة الرؤية - التحرش.. وغياب الردع - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

داء بارتلبي ….. الانسحاب وعزلة الكتابة

 عماد العالم لم يبدأ "داء بارتلبي" بكافكا ولن ينتهي بمن جاء بعده. فجميعهم والمشترك بينهم، هو هجر الكتابة والنأي عنها حد اللعن والا...