الخميس، 20 يونيو 2019

روايات متمردة .. وآراء متعصبة

جريدة الرؤية
07-06-2019
عماد أحمد العالم



قليلة هي الروايات التي تترك أثراً في قارئها يتعدى السعادة والحزن لما جرى بها ولشخصياتها؛ إلى حالة من المتعة التي تتجاوز النشوة وتمتد لأيامٍ بعد ذلك، فتبقى مع مطالعها متشابكةً مع أفكاره ومتمازجةً مع أحاسيسه، تتبادر لذهنه على فترات يستحضر بها أحداثاً وحوارات وأفكاراً ومشاعر، يتصورها بمخيلته وتراها عيناه كأنها واقعٌ يحدث أمامه، ليجد نفسه جزءاً منها يدلي برأيه بها، الذي يمتد لمحاولات عقله تغيير مجراها على غير ما سارت عليه لتتخذ مناحٍ أخرى تتناسب مع رغباته.
دأبت على النأي في الأغلب عن قراءة الروايات التي تثير جدلاً من نوع المحرم بمجتمعاتنا العربية، وتركها لتخمد عواصف النقد التي تترافق معها، لقناعتي أن الحملات الإعلامية والمجتمعية رغم قدرة الفرد المحصن على النأي بنفسه عن تأثيراتها؛ فإنه وباحتمال لا بأس به قد يناله قسط من قناعات سابقة، في حالٍ تتشابه بها الظروف مع هيئة المحلفين في المحاكمات، الذين يحرص القضاة على توجيههم بعدم التأثر بما يثيره الإعلام حول القضية، إلا أنهم بشرٌ في النهاية ولا بد أن ينالهم جانب من التأثير الخارجي على قراراتهم.
بعد أن يطال النسيان ذاك العمل الروائي، وتتوقف المقالات والندوات والكتب التي تنال منه أو تؤيده وتدافع عنه؛ أعود لأقرأه بعيداً عن أية أفكارٍ مسبقة، نحيتها لأتفرد بالعمل بروح قارئ يرضي نهمه للاطلاع.. غالباً ما أكتشف بعد الانتهاء منه أن الكثير مما قيل من كلا الضدين المدافع والمناوئ؛ بني على أفكارٍ مسبقة متسرعة ولا موضوعية، أخذت الرواية بمفهوم ضيق قائم على سطور وأفكار محدودة جدلية تاركةً الكُّل، ومتغافلةً عما يُراد قوله.
التركيز الانتقائي على الاختلاف هو ما يذكي الانتقاد الانتقائي، الذي يظلم نتاجاً مميزاً بسبب خروج مؤلفها عن تابوات ممنوعة ومحرمة، يتعرض كل من يرويها حسب مفهومه لهجوم مبني على موروثات دينية وثقافية ومجتمعية قد تكون على صواب، تقابلها أخطاءٌ للراوي، الذي بعد أن أشار البعض لعمله بغفلةٍ عن الأغلبية غير المنتبهة وحتى التي لا تكترث؛ تحول لفجور بالخصومة وإثم أخذت العزة صاحبه.
حين تتقادم القصة أو الرواية المميزة المثيرة للجدل، تزداد قيمتها الأدبية وتتضح أكثر أفكارها، حينها يكون الحكم عليها قائماً على المنطق والعقل بدلاً من الحمية اللحظية، التي يغذيها التعصب والاستنتاجات المحسومة مسبقاً.


المصدر: صحيفة الرؤية: - https://www.alroeya.com/article/2049154/آراء/روايات-متمردة-وآراء-متعصبة

الثلاثاء، 21 مايو 2019

الديمقراطيات.. والتواصل السياسي

جريدة الرؤية
17-05-2019
عماد أحمد العالم



«الإيزيغوريا» هو اللفظ المرادف للديمقراطية، وإن كانت الأخيرة قد قامت عليه، ويعني حق كل مواطن من أثينا أياً كانت مهنته، سواء كان فلّاحاً أو محارباً أو حرفياً في التحدث والتصويت في الجمعية التي كانت تمثل المجلس النيابي بأثينا القديمة، والتي كانت الأولى في تبني الديمقراطية كمفهوم للممارسة السياسة في العالم، حيث ظهرت فيها أولى مظاهر حكم الشعب، فحرصت على عدم تبلده، وارتباطه المباشر بالحاكم ومن يمثله من نواب الجمعية، الذين كان ارتباطهم مع الجماهير أكثر حسية وجسدية عبر التواصل الخطابي المباشر معهم، مستخدمين الموهبة والقدرة الخطابية لإقناع أكبر عدد من الحاضرين المستمعين إليهم.
لم يسِر الرومان والدولة الأوليغاركية (حكم الأقلية) على النهج الأثيني وإن لم تنقطع صلتهم بالشعب، فقد انتهجوا أسلوب الترفيه والمشاركة الشعبية في المناسبات والأعياد والاحتفالات للاحتفاظ بصِلاتهم بالمحكومين، وهو وإن كان يمثل صلة الوصل بين الشعب وحكامه؛ إلا أنه يُرى من جانب المشككين كتهميش لدور الجموع في السلطة وإلهائهم عنها بالبدائل الاجتماعية والدينية والاحتفالية، وهو وإن كان شكلاً من التواصل الديمقراطي إلا أنه عادة ما ينتهي للديكتاتورية التي تسبقها حالة اللامبالاة الشعبية السياسية.
اعتباراً من نهاية القرن التاسع عشر انحسر التواصل الحسي والصالونات السياسية والتجمعات النخبوية وإن لم تنته؛ للدعاية الإعلامية القائمة على وسائل الإعلام من صحافة ونشر في البداية للإعلام المسموع والمرئي لاحقاً، والذي وإن لم يلغ المؤتمرات والندوات الخطابية، إلا أنه اقتصر دورها على الأتباع والمؤيدين أثناء المناسبات الانتخابية وفي التحضير لها، فيما كرست وسائل الإعلام الجديدة الوصول لجميع أطياف المجتمع بمختلف فئاته وشرائحه، لتنشر الوعي من جهة، لكن بعضها بالمقابل شوهت الديموقراطية عبر عدم استقلاليتها ونهجها للأساليب الرخيصة لتشويه الخصوم وتضخيم الأخطاء، وجرفه صوب الاستقطاب الهدام.
كما أنها قلصت العفوية لدى محترفي السياسة ومنحتهم فرصاً أكثر لتورية عيوبهم وللتغير والتلون حسب استطلاعات الرأي ورغبات الناخبين والجو السياسي العام، يساعدهم في ذلك نخبة من المستشارين والمساعدين وكتاب النصوص والبيانات الصحفية والإعلامية وشركات العلاقات العامة وحتى علماء الاجتماع المستقطبين، فلم يعد التميز والنجاح حكراً فقط على تلقائية السياسي ومهارته في الخطابة واستعمال لغة الجسد كما كان سارياً في ديمقراطية أثينا القديمة.


المصدر: صحيفة الرؤية: - https://www.alroeya.com/article/2046801/آراء/الديمقراطيات-والتواصل-السياسي

السبت، 11 مايو 2019

أخلاقيَّات الحرب في الأديان

جريدة الرؤية
09-05-2019
عماد أحمد العالم



يُصر أغلب المؤرخين على أن الأديان المسبب الرئيس للحروب لما تحتوي عليه بين ثنايا قوانينها، التي تنسبها للإله، من نصوص مقدسة ينبغي الأخذ بها كمسلمات، فيما تعمل السلطات الدينية على تعزيز تلك القناعة باستنباطها الدليل اللاعقلي، الذي تستشهد به لضمان الطاعة والمشاركة.
في الكاثوليكية المسيحية مثلاً، قالت الكنيسة إنه يوحى لها من الروح القدس بالأوامر التي تحقق مشيئة الإله، فهي الوسيط بين عامة الشعب أو المؤمنين وبين الخالق الذي يتوجب إطاعة أوامره عبرهم، وهذا الدور الذي انتهجته الكاثوليكية بالاضطلاع بالوساطة لم يقتصر على الحرب، بل على مفهوم المغفرة عبر طقس الاعتراف وصكوك الغفران، التي تسببت بالانشقاق الثاني عليها بعد الأرثوذكسية، وتأسيس البروتستانتية لتغرق أوروبا بالاضطهاد الديني الأبشع في التاريخ الغربي بحجة الدين، وإن كانت أسباب أخرى كثيرة، أبرزها: سياسي استعماري تغلفت بها واستغلتها لاستمرار الزخم الضروري لإعطاء بشاعة الحرب والنهب والسلب والاعتداء والقتل الممنهج ما يبرره، في تضارب مع المبدأ الأسمى الذي دعا له المسيح عليه السلام «لا تدينوا لكي لا تدانوا» وقوله «الله محبة»....«وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا لاَعِنِيكم».
هذا التغاضي عن دعوات رسول المحبة لم يكن فقط للمسيحيين أنفسهم، وإنما شمل المختلفين والأعداء، تم تجاوزها بتبريرات دينية قام على تحويرها وفق ما يخدم الغرض رجال دين استنبطوها وفسروها، وبتوافق مصلحي مع الأخلاقيين السياسيين (حسب تعبير الفيلسوف إيمانويل كانط)، الذين استغلوا مفاهيم الدين بخطابهم التعبوي (الواقعية السياسية) لتبرير حروب هي في الحقيقة سياسية ولكنهم روّجوا لها كدينية.
لم يبتعد الإسلام كذلك عن كونه دين سلام وداعياً للمحبة ونابذاً للحرب إلا في حال الضرورة ووفق قوانينها، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا»، ويقول الله سبحانه وتعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» أهمل التاريخ كيفية إسهام الأديان في منع العديد من الحروب عبر الزمن، والتي جرى البعض منها بتكليفٍ انتقائي منها، مقابل القرن العشرين الذي شهد أوج اللادينية المادية والعلمانية المتسببة حروبها بعشرات الملايين من الضحايا، تفوق الناتجة عن سابقاتها عبر التاريخ أجمع!.


المصدر: صحيفة الرؤية: - https://www.alroeya.com/article/2045871/آراء/أخلاقيات-الحرب-في-الأديان

الجمعة، 26 أبريل 2019

التداوي بالوهم

جريدة الرؤية
26-04-2019
عماد أحمد العالم



ذكر الفيلسوف الإيطالي (بومبانازي) أن بعض المحتالين قاموا في القرن السادس عشر ببيع عظام حيوانات لمرضى على أنها لقديسين مسيحيين؛ شفوا بالفعل مما عانوه من أمراض رغم خداعهم بطبيعتها، حيث سادت اعتقادات في تلك الأزمنة بأن الإيمان والروحانية وعظام الأولياء قادرةٌ على شفاء المرضى، وبالفعل مارسها بعض الأطباء وأتت بنتائج إيجابية.
لم يقتصر التداوي بالدين على أتباع المذاهب السماوية، بل إن الوثنية منها ومنذ أقدم العصور تشابهت في ذلك معها، فجميعها أدركت ما للتلقين والوهم من قوة فعالة في مخاطبة اللاشعور لدى الإنسان والتحكم به، لتفعيل قواه الداخلية ومناعته للسيطرة على ما يعتريه من علل، دون أن نغفل العامل النفسي الذي يكمن خلف العديد من الأمراض، والذي إن استطاع المعالج السيطرة عليه وفهمه؛ تمكن من التحكم بما يتسبب به من مشاكل ومعضلات وآفات جسدية وعقلية.
من المحير كيف تمكن الوهم من تحقيق المعجزات التي عجز العلم عنها، ومن المستغرب كيف لساحر ومشعوذة من قبيلة بدائية تعيش في الأمازون أو من قبائل الهنود الحمر بالأمريكتين؛ من مقدرة على معالجة المرضى وشفاء أجسادهم بتصرفات وأفعال لا يقبلها العقل والمنطق، فكيف مثلاً بطقوس عبادة عبارة عن ركوب رجل دين على ظهر ممسوس أو حرق بخور والتلفظ بكلمات غير مفهومة؛ تكون كفيلة بنزع العلة من جسد المصاب! ربما يكون التلقين هو صاحب العصا السحرية القادرة على خلق الهوس الجماعي، والذي يعتمد بدوره على حاسة النظر، التي تتأثر هي الأخرى بالوهم السمعي الذي يصدر عن شخص ما مثلاً يدعي أنه قد رأى الزعيم الروحي لطائفته قد ارتفع مترين عن الأرض وهو يحدثهم، ليتناقل المجتمعين الرؤية حتى تتكرس لديهم القناعة بأنهم رأوا ما رآه الراوي.
هوس الجموع ورغبتها بما يشبع تعطشها للخوارق، هو ما مهد لها تكوين خرافة سرعان ما آمنت بها واقتنعت لتنقلها إلى أخرى غائبة، تناقلت عنها الحدث، ليتحول الأمر فيما بعد إلى مكرمةٍ تروى وتدون كجزء من العقيدة القائمة على المشاعر أكثر من العقل، وعلى الإيمان ـ دون الذكاء الفردي الفاقد الوجود ـ في ظل روح الجماعة المسيطرة والمتحكمة لزرع القناعات، التي يجب الأخذ بها دون إرجاعها لمنطق التفحيص العقلي لتبيان صحتها من عدمه.


المصدر: صحيفة الرؤية: - https://www.alroeya.com/article/2044081/آراء/التداوي-بالوهم

الأحد، 21 أبريل 2019

«تهريج وزغاريد» قصة الحياة بتداعياتها

جريدة الجزيرة

20-04-2019
عماد أحمد العالم



الرواية كما نعرفها هي السرد القصصي الذي يعد حديثاً إذا ما قورن بما قبل العصر الكلاسيكي للقصة، التي أتاحت لها البرجوازية الظهور بعد تنامي اكتساب الفرد الحرية الشخصية، ورغبته في الانطلاق صوب مواضيع بعينها، لا تنحصر فقط ضمن الإطار الغرامي، الاجتماعي، البوليسي التشويقي والإثارة، وكذلك النمط التاريخي وتدوين السيرة الذاتية بأسلوب النثر القصصي.
‏كان لا بد لي من التعريف السابق قبل أن أبدأ بتدوين رؤيتي وانطباعي بعد قراءتي الرواية الأحدث للدكتور شاهر النهاري «تهريج وزغاريد» الصادرة عن دار تكوين العالمية للنشر والتوزيع.
في البداية توقعت أن تقوم مقومات الرواية على ما درج عليه الراوي والراوية من تصويرٍ للشخصيات الرئيسية فيها، وتفاعلها مع الأحداث المسرودة في مشاهد متعددة، تُظهر صورةً لها بانفعالاتها وإسهاماتها في الحدث، ودورها في صنع المشهد العام والخاص على السواء، وهو ما لا أنكره، لكنها من الوهلة الأولى لم تقتصر على ذلك؛ فوجدت نمطاً جديداً للرواية العربية على وجه الخصوص، قلما نجده، وهو المتماشي دونما تقليد بل بطابع المؤلف الخاص، وبتفردٍ نوعيٍ مع جمالية مدرسة الواقعية السحرية، التي أسسها (غابرييل غارسيا ماركيز)، أيقونة أمريكا اللاتينية في الأدب، الذي تجلت عبقريته في رائعته الخالدة «مائة عام من العزلة».
لقد عمد الراوي شاهر النهاري لفانتازيا من نوع آخر، أراه قد تفرد به سعودياً، وحتى عربياً؛ فلم يجنح فيه للوصف المفرط، ولا إلى الحوارات الطويلة والخيال الممل الطويل والغموض السلبي الذي ينزع من العمل جاذبيته، ويفقد القارئ التوازن، حين يُشغل بفهمهم المعنى بدلاً من إدراك المقصود منه، حيث تمكن في سرده من إدراك أهمية أن يُبقي القارئ بأجوائها، وكأنه أراد له أن يتصور نفسه جالساً في قاعة مسرح أو سينما يشاهدها عن قرب، وكأنه روحٌ تجول حول شخصياتها التي عمد لأن يكون قوامها رموزاً معروفة محبوبة ومكروهة حسب قناعاتنا، خيالية وواقعية، محلية ودولية، تحمل في طياتها صوراً مسيرة لدراما المشاهد والحبكة، ونزولاً عند مكانتها بالحياة والمجتمع، وآثارها التي فرضتها عليه وشكلته.
حُرّفت أسماؤها، واستُخدمت لطرح قضايا حيوية، أشغلت العالم وقت حدوثها، وما زالت آثارها قائمة لحد الساعة، مع تناولها لإشكالاتٍ داخلية اجتماعية وسياسية وثقافية ودينية، تمثل جزءاً مهماً من واقع المجتمع السعودي، وتسببت بانقساماته بين تيارات تُنسب للمحافظة والمجددة والليبرالية، بأسلوب تهكمي جاد، أقرب للكوميديا السوداء التي لا تُعنى بزرع الابتسامة بمقدار كشفها وفضحها المواقف، مستوجبةً التأمل فيما أحدثه النقاش بشأنها من انقساماتٍ مجتمعية، وردود دولية على السواء، وكلٌ حسب موضوعه.
‏للوهلة الأولى ظننت أن «مؤرّخ» هو الشخصية الرئيسية في تهريج وزغاريد، لكني فقدته ما إن بدأت التعمق أكثر بأحداثها، ومع تكامل ظهور الشخصيات الأخرى ليس بحجم المساحة المفردة لها، وإنما في عمق الطرح الذي تناولته، وأسهمت من خلاله بمنظومة متكاملة من القضايا المطروحة حياتيًّا، وفي حوار يحتوي على أسئلة وأجوبة ودردشات، لا تحتوي على تنظير خطابي ممعن في الوصف والتدليل والاستشهاد!
‏يبدو أن مَلَكة الخيال قد سيطرت على كاتب «تهريج وزغاريد»، لكنه خيال ممزوج بالواقع، ومنطلق من ثناياه، ويطمح صاحبه لطرح أفكاره مواربةً دون قيود الطرح الصريح والمباشر الذي عادةً ما يميل لقناعة مسبقة، يتم فرضها بقدرات القاص الروائية، فترك للقارئ بدلاً من ذلك مهمة تجسد المقصود والمُراد فهمه دون تدخُّلٍ مباشر منه لتلقيمه المعنى؛ وهو بالتالي لن يُدركَ الفحوى إلا بعد الانتهاء من القراءة، والتفكر بمدلولاتها لساعات من الصمت والتأمل!
«‏تهريج وزغاريد» هي قصة الحياة بتداعياتها ومسراتها ومنغصاتها وأحوالها وشخصياتها..
رواية هزلية، مزجت الفانتازيا بالواقع، والخيال بالحقيقة، دونما تفريط أو إسهابٍ ممل، فظهرت بلغة سلسة رغم عمقها، تتملك المطلع عليها، وتسترعي انتباهه من أولى صفحاتها حتى نهايتها غير المتوقعة، التي لا بد أن تثير علامات استفهام عديدة، مقامها: «ماذا أراد لنا الكاتب أن نعي؟»؛ لنكتشف عبر استحضارها مجدداً أننا، وبأغلبيتنا بما نسهم به من أفعال وأقوال وتصرفات بالحياة وتفاعلٍ معها، الطرف الذي لم يروَ، لكنه كان مستنسخاً، تجسد بشخصياتها!



المصدر: صحيفة الجزيرة - www.al-jazirah.com/2019/20190420/cm33.htm

السبت، 13 أبريل 2019

علم الاجتماع.. وانجراف المفكرين العرب

جريدة الرؤية
12-04-2019
عماد أحمد العالم



علم الاجتماع هو العلم الحديث نسبياً مقارنة بالعلوم الإنسانية، رغم أن البعض يرجع تأسيسه لابن خلدون الذي أطلق عليه علم العمران، ويعتني بدراسة كل ما يرتبط بالبشر وحياتهم، أي السلوك الإنساني للأفراد بالمجتمع وعلاقتهم مع بعضهم وتفسير الظواهر الطارئة التي تؤثر في حياتهم، كما تمتد دراسته لتشمل الدولة والقوانين والجريمة والمناسبات الدينية والتاريخية من وجهة نظر علمية قائمة على إعمال العقل والبحث عن الدليل والحقيقة، لكي يتمكن في النهاية من فهم الطبيعة الخاصة للمجتمع وعلاقته وتأثيره في المجتمعات الأخرى، فالغاية منه هو وضع منهج للحياة يسير عليه البشر عبر استيضاح الأسباب التي أدت للعمل أو الظاهرة ومن ثم تفسيرها.
تهتم الدول المتقدمة بعلم الاجتماع أكثر من العالم الثالث، بعد أن أدركت أنه سلاح الدفاع والهجوم في الوقت نفسه، فمن خلاله تستطيع إصلاح المجتمع وتهيئته، وهما: قطبا معادلة النجاح والاستقرار والتقدم والأمن والعدالة، وعلى النقيض نعاني في العالم العربي من إهمال مجتمعي ومؤسساتي، ولا توليه الدولة ومراكز الأبحاث والجامعات الأهمية نفسها التي توليها للأقسام العلمية، ومرد ذلك إلى جوانب ذات نظرة اقتصادية قصيرة تجاه سوق العمل وحاجات المجتمع الآنية، دون أن نغفل الاعتبارات الاجتماعية والدينية والعرفية، التي تأثرت بالكتّاب والمفكرين العرب والمسلمين الذين نظروا وكتبوا عن نقد الموروث، وأعادوا دراسة وتحليل أحداثه وشخصياته، وقدموا رؤى جديدة صادمة ومختلفة أثارت حفيظة الفئتين المحافظة والدينية، والتي عادةً ما تتمسك بالموروث، ويعود ذلك إلى حالة التحجر المجتمعي التي فرضتها السلطة الدينية والطبقات المحافظة والارستقراطية، التي وجدت فيها انقلاباً على سلطاتها. من شق آخر أراه بسبب فئة من حداثيي علم الاجتماع الذين أسقطوا أحد أهم الخصائص، وأغفلوا كونه ليس علماً أخلاقياً، ولا يعنى أن مسؤوليات عالم الاجتماع هي السؤال عما إذا كانت الأفعال الاجتماعية خيراً أم شراً، ولا يصدر أحكاماً أخلاقية؛ ولكنه ينشد تفسيرها وفهمها.
انجرف بعض المفكرين العرب من التحليل والتفسير لاستغلال الأحداث للاستدلال وإثبات صحة الأمر من عدمه، مستغلين قدراتهم العلمية، ففقدوا الحياد وانجرفوا صوب نظريات وقفت مع طرف ضد آخر، وأخرى لا تخضع لمبدأ المنطق والشك والدليل لإثباتها، كما أنهم مارسوا الإقصائية بعد أن طالبوا بأن يكون البحث والتقصي منوطاً بهم، وبعيداً عن السلطة الدينية.


المصدر: صحيفة الرؤية - https://www.alroeya.com/article/2042334/آراء/علم-الاجتماع-وانجراف-المفكرين-العرب

الصحافة الورقية والإلكترونية.. تعايُش أم تنافُس!

جريدة الرؤية
05-04-2019
عماد أحمد العالم



نتساءل لمَ الصحف الورقية إلى انحسار ولمَ قلَّت أهميتها ودورها الفاعل والريادي المؤثر والمفترض بالمشهد، ولمَ باتت ما تسمى صحافة الإنترنيت الأكثر اطلاعاً رغم حداثتها والمآخذ التي لا يمكن التغاضي عنها، ومن أهمها لا مجملها تسرعها بالنشر وعدم التحري والدقة وبث الشائعات والأخبار المقتبسة دون الإشارة للمصدر، هذا فضلاً عن فتحها الباب لعديمي الاختصاص، وسهولة إطلاقها وقلة تكاليفها التي بمقدار ما تحمل من مزايا إلا أنها تسببت بسيل من المواقع المكررة التي تعتمد النسخ واللصق بلا طابع خاص بها.
لكن ما ذُكر، وللأمانة، لا يعني انتفاء الفائدة من الصحافة والإعلام الإلكتروني، فالفكرة بحد ذاتها وإن أسيء استخدامها تعد تطويراً لمقام السلطة الخامسة وتوسيعاً لانتشارها وضامناً لبث الفكرة والرأي والمعلومة والحدث لحظة وقوعه ولأكبر شريحة ممكنة، كما أنها تتماشى مع روح العصر وتطوره التكنولوجي والاجتماعي وتخاطب جميع فئاته.
توأمتها مع الورقية مطلوب وذلك بتبادل للأدوار فيما بينها من جهة، وكلٌ حسب الوقت والفئة المستهدفة ونوعية الخبر والطرح، ومن ناحية أخرى تكون كالنافذة بمصراعين لنفس الإطار، فالصحيفة يجب ألا يقتصر وجودها على الورقي فقط، وإنما تكون بنسخة إلكترونية تتزامن مع الورقية يتم الاستثمار بها لتمكينها من أن تلعب دور المعادلة في أن تطغى علي التقليدية في الجوانب التي تثير اهتمام القارئ والباحث، وتلبية رغباته في المعلومة والخبر لحظة وقوعه ودن أن يبرح مكانه، فيما يجب أن تحافظ الورقية على المصداقية وتكرس الحيادية فهي لم تزل مصدر ثقة القارئ أكثر من الإلكترونية، ويجب عليها أن تتفرد بالتقارير الصحافية الحصرية وبالمشهد الثقافي والفكري، مع التوسع بالاستقصائية التي تكشف ما وراء الكواليس، وتستقطب كبار الكتاب والمختصين بمقالات وأبحاث رزينة وبناءة ومثيرة للاهتمام والتميز عن نظيرتها الإلكترونية، مع تدعيم الأخيرة لتحظى هي الأخرى بطابع متجدد ومتنوع لا مكرر وناقل للخبر بتحديثٍ مستمر.
مع الاستفادة من التفاعل الفوري مع الجمهور وإشراكه باستطلاعات الرأي والتعليق على المادة المنشورة، حينها سيزداد عدد مطالعيها الذين سيشكلون مصدر دخل من الاشتراكات الإلكترونية الرمزية التي ستروج لانتشارها،‏ فتحظى حينها بقاعدة إعلانية كبيرة ستشكل مصدر الدخل والربحية، التي ستمكن شقيها الورقي والإلكتروني من الاستمرار والتطور لتصل لأكبر عدد من القراء.


المصدر: جريدة الرؤية - https://www.alroeya.com/article/2041507/آراء/الصحافة-الورقية-والإلكترونية-تعايش-أم-تنافس!

بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام 06-2026 حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية ف...