الخميس، 9 يوليو 2026

بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام
06-2026


حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية في التاريخ، لكن هذا الإنصاف وبرأيي لن يكتمل إلا بإشادة لا تقل عظمة مستحقة عن روايته المميزة "بارتلبي النسّاخ".
الرواية التي أراد ملفيل الإعلان فيها عن سياسية الانسحاب والسوداوية والعدمية!
بداية، لست من محبي رواية موبي ديك، كما أنني جاهل بالحيتان، ولست مهتما بتقنياتها ولا رحلات البحر الخطرة لاستخلاص الزيوت منها. وقراءتي لها جاءت بمرحلة عمرية ارتأيت فيها أن أقرأ أعظم ١٠٠ رواية صنفت بالأهم في التاريخ. لكن رواية بارتلبي النسّاخ؛ كانت الصدفة من قادتني لقراءتها!
أما ما أراد ملفيل التأكيد عليه، فيمكن اختصاره بفلسفته الرافضة التفاعل مع المجتمع ومن حوله، وقراره الاعتزال والانسحاب، ومقته كليشيهات السؤال والجواب القصري لتبرير ما نفعل بعد أن فقدت معناها البشري بالنسبة إليه، ليتخذ من الصمت والتأمل أداته للاعتراض!
"أفضل ألاّ"، كانت العبارة التي تدور حولها الحبكة الأساسية لرواية "بارتلبي النسّاخ" لهيرمان ملفيل. والتفضيل هنا ليس جوابا، بل سلاح بارتلبي للاعتراض المقرون بالانسحاب والعزلة الطوعية المقرونة بالصمت والتأمل، بعد استشعاره عبث الاستمرار وعدمية الواقع وضرورة الانفصام عنه.
لو كان للعدمية والسوداوية مؤسس فلن يكون كامو ولا كافكا عرابيها، بل ملفيل الذي يستحق أن يكون رائدها الأول، وواضع أسسها أدبيا في رواية بارتلبي النسّاخ، حيث لا جدوى الحياة ورفض روتينها وقوانينها؛ هي سمة أطّرها، قبل الغريب لكامو، وقبل المحاكمة والمتحول (المسخ) لكافكا!
بارتلبي النساخ، نوفيلا قصيرة تجاوزت تقنيات دوستويفسكي للغوص بالنفس البشرية، واعتراض آلاف صفحات تولستوي على الحرب. هي نص ناقد برمزية محكمة ذكية تعلن عن فلسفة الانسحاب والاعتراض واللا اكتراث والصمت احتجاجا لمواجهة لعالم.
هي فيتو ضد الروتين، وسخرية من الحياة وعبثها!
هل أراد ملفيل عبر "بارتلبي"، استخدام "أفضّل ألا أفعل"؛ كأداة مقاومة ضد السلطة وإملاءاتها، رافضا ما يطلب منه بدون خوض في التفاصيل، بعد اكتشاف عبثية الحوار، مع استخدام الصمت والتأمل والاعتزال كوسيلة للمواجهة والاعتراض.
أم أن عبثية الوجود وعدميته هو ما اكتشفه وعبر عنه هيرمان ملفيل في روايته المهمة "بارتلبي النسّاخ"؟
أم ربما هو استشعار ملفيل المبكر لإرهاصات الحداثة وإشكالاتها، وهي التي كانت الثورة الصناعية أبرز منتوجاتها، حيث تحول الإنسان فيها بفعل الرأسمالية لآلة مستعبدة دون أن يكون لها أي اعتبار. تفعل ما يُطلب منها ولا تستحق الحق بإبداء الاعتراض!
تأمل بارتلبي المستمر ومواجهته للعالم بإعطاء ظهره له وتركيزه المستمر بنظرات صامتة لجدار أمامه، كانت الحافز لاكتشافه؛ ألاّ فرق بينه والآلة، وتحديدا روتين عمله الخالي من المشاعر الإنسانية طوال الوقت وكأنه فقط خلق لهذا العمل، مع عدم السماح له بألاّ  يصدر منه أي اعتراض!
أراد مالفيل لبارتلبي أن يكون رمزا للمهمشين المستعبدين، المنسيين في الأنظمة الحديثة والاقتصاديات الصناعية التي أعادت تشكيل مفهوم الإنسان ليكون كالآلة بلا مشاعر، منفذا ما يُطلب منه دون نقاش وتمنع.

الجمعة، 19 سبتمبر 2025

الساعة الخامسة والعشرون لــــ « قسطنطين جيورجيو » .. الرواية التي فضحت الحضارة الغربية

مجلة اليمامة 18-09-2025

عماد العالم


رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، رواية واقعية تشرح جميع الحروب ومآسيها، وظلم الانسان وجبروته وقدرته اللامتناهية على التلاعب بالقانون، وكأنه يقول بأن القوانين وضعت ليتم خرقها، لا للصالح الإنساني، وإنما للغرب الحداثي المتلاعب بالعقول والثقافات، والموجد معاييره الأخلاقية الخاصة التي يراها المرتكز لما سواه من الأمم. فالتلاعب بالقانون ومهما قيل عن حرمته انطلاقا من فصل السلطات والعدالة المقدسة، لا يعدو أن يظهر في المطامع السياسية والحروب المترتبة عليها، كاشفا زيف الحضارات التي تدعي القيمية الأخلاقية الإنسانية، بجلاء ووضوحٍ رغم إصرارها على أن تكون الحكم والقاضي والجلاد والقديس والفيلسوف والمفكر، المنظِّرين جميعهم لإملاءاتٍ مفروضة على الأمم والثقافات الأخرى، رغم انكشاف زيفها وممارساتها التاريخية، القديم منها والحديث، بإبادتها العرقية والمذهبية ولأسباب جيوسياسية واقتصادية، ارتكبت في سبيل تحقيقها أبشع مظاهر القهر الإنساني، فضلاً عن استمرارها في الحاضر متخذةً من ازدواجية المعايير نهجاً سوغته وقبلت به. سينتاب القارئ ولا بُد، شعور متناقض أثناء قراءة الرواية، لتمكن كاتبها بواقعية مفرطة بعيدة عن الكلاسيكية التقليدية؛ خلق وتكوين عالمها الافتراضي الخاص بجغرافيا متنوعة، وإن كان في حقيقته أكثر واقعية من أشد القصص والحكايات عن الحروب ضراوةً وبؤساً. فالمكان والزمان معلومين، أما ما يربط بينهما كفكرةٍ مركزية، هو اللاّعدالة، التي لا يشفع لها تباين درجات فسادها، لكون المحصلة دوماً وفي نهاية المطاف تصب في خانة الشمولية السياسية والعرقية والمذهبية والمصالح الأيديولوجية والجيوسياسة، حتى لو كان مقترفيها من دُعاة الديموقراطية من جهة، أو من أنظمة الاستبداد تحت شعار الأمة.  نتخيل هذا العالم في أذهاننا كقراء أثناء ارتباكنا ومشاعرنا المتناقضة، بسردية محكمة الحبكة، يتخللها الحوارات التي تحمل تارة طابعاً إنسانياً شاعرياً، وآخر مصلحي منفعي، وثالث يحمل رسائل سياسية واضحة ومبطنة، ورابع وجودي عبثي بلسان الشخصيات الرئيسية والهامشية فيها. فيما تظهر الفلسفة التأملية والفكرية لا فقط في التمسك بالمبادئ وتحليل الواقع، وإنما باختيار النهايات الصعبة على القارئ، السهلة على أصحابها، بعد شعورهم بانتفاء القيمة وعبثية الصبر والأمل المزعوم. هي قصة متعددة الأبطال، وإن كانت بدايتها تأخذنا للتعرف على الشاب البسيط الطامح للهجرة للولايات المتحدة سعيا في حياةٍ أفضل، تؤهله للزواج من حبيبته. “إيوهان موريتز”، قروي في مطلع العمر، طيب لحدِّ السذاجة، لكنه إنسان يؤمن بالمبادئ والقيم، ولا يتخلى عنها في سبيل رغبات آنية. يفاجئه قدره بانتفاء حلم العمر في لحظات، يتسبب بها شر إنساني في ظاهره بسيط، تحركه الرغبة المحرمة، فتكون النتيجة هي الكارثة التي تسير عليها أحداث الرواية من بدايتها لنهايتها. في المقابل، تُظهر لنا الشخصية المثقفة المتفلسفة، تريان كوروغا، في حواراتها ورسائلها ومواقفها، ما أراد المؤلف بثه للقارئ من أفكار وتأملاتٍ عقلية فلسفية فكرية، تقوده في نهاية المطاف بأن يختار نهايته بنفسه، كصرخة رفض أن تُفرض عليه. هذا العالم الافتراضي الأكثر واقعية من الواقع الذي أوجده الراوي، لا يقتصر على قصة واحدة، ولا عدد من الأبطال، وإنما تأريخ روائي فريد من نوعه، قلما وجد له نظير؛ يُعري الحضارة الغربية الحداثية، ويكشف زيفها انطلاقا من نشوب الحرب العالمية الثانية، وسنوات مآسيها، وصولاً لراية الانتصار والمحاكمات العبثية في جانبٍ منها، الآخذة البريء بإثم الْمُذنب، لا لشيء سوى الانتماء الْمُشترك. هي الأخلاق، ونقيضها الحداثة، بين النسبية العقلية والتمركزية الإنسانية، وبين تقاطعاتها على أرض الواقع، في تناقض واضح بين ما يراه الدين والعرف والفطرة السليمة، وقانون الغاب الْمُقنن بمظاهر زائفة، سرعان ما ينكشف كذبها على أرض الواقع. حيث قوانين الحرب هي القانون والعدالة حتى لو قادت كمحصلة للظلم البيّن والاستعباد والإقصاء والتفرقة والعنصرية، التي على أنقاض تراثها الآثم، قامت الهوية الغربية الحديثة الليبرالية الديموقراطية، ويقودها الأمريكي، ويدور في فلكه الأوروبي الغربي. وفي الطرف المقابل، رغم اندحار النازية والفاشية، يسطع نجم الشيوعية وحلفها الجبري على الشرق الأوروبي، مؤذنةً بحربٍ جديدة تصنيفية، لا تقل فسادا وإبادة عن سابقاتها، مهما ادّعت أطرافها ونادت بالفردانية والحرية الفردية والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وحرية الرأي والاعتقاد والممارسة. فالفرد أثناء الحرب، وبعد انتهائها، كما صوره قسطنطين جيورجيو، عضو معطّل الإرادة والقرار وسط الأمة والجماعة المنتمي لها. هو كيان بشري تحول بفعل التدجين والتطويع والأيديولوجيا، لإنسان آلي مجرد من المشاعر والأحاسيس والرغبات الإنسانية الفردية. في لحظةٍ يكون فيها كالروبوت في المصنع، وفي مكان آخر روتيني يفعل ويردد ما يُطلب منه آلياً دون تذمر، وبالتزامٍ تام. لكنه حين يُستدعى لممارسة الشر وأفعاله، يتحول لكاسر خالٍ من أية مشاعر، قاتل ومغتصب وسارق بأخلاق حيوانية بدائية. هي ثنائية أوجدها قسطنطين جيورجيو، للإنسان بشقيه الصالح والطالح، الخيّر والشرير، في تقلباتٍ تفرضها السياسة والأيديولوجيا، وتستخدم لتنفيذها ثقافة القطيع. فما إن تكون المصلحة للجانب الخير، يظهر خيره، وما إن يطلب منه ممارسة الشر، يتحول من كونه مواطن بسيط، وأحيانا ضحية، لجلاد يُعذِّب ويقتل دون وازع ضمير. ربما أراد أن يلفت نظرنا وبشكل مبكر، قسطنطين جيورجيو، للعقل الأداتي الغربي، المصلحي الذي يطوع ما يملك من أدوات تحقيقاً لأهدافه، بغض النظر عن كونها مقبولة أو مرفوضة أخلاقياً. فقيمة الشيء تحدده نتائجه المرتبطة بمنفعته فقط. ولكن دون أن يقتصر ذلك على معسكره الغربي، بل الشرقي أيضاً، في تقاطع واضح للديموقراطية مع الشمولية الاستبدادية، حيث تختلف الوجوه والمظاهر، فيما يبقى الجوهر واحداً، يشير إلى أن كلاهما متماثلين بالشر. أغلب شخصيات وأبطال الرواية منزوعة الإرادة الحرة، فمصائرهم وحياتهم وعلاقاتهم وأسرهم وحتى مواطنتهم رهن باللا عدل، والشر والرغبة في الانتقام، والتفرقة العرقية والدينية المذهبية، والسياسية الأيديولوجية، التي سترسم نهايتهم وتحدد مصيرهم. فما إن يتم التصنيف، سيكون التيه اللامنتهي، الْمُنعدم معه الأمل بالنجاة، وسط سلسلة من الأحداث المتتالية والمتزامنة، يتخللها في كل لحظة الهمجية والغطرسة البشرية الْمُستندة لقانونها الوضعي، الْمُبرر لها ممارساتها. يجعلنا قسطنطين جيورجيو، نتساءل، لمَ هي الساعة الخامسة والعشرون، متجاوزةً عقارب الساعة: لنكتشف رمزيتها للساعة الأخيرة، حيث لا وقت يتبقى بعدها. هي رمزية اللاعودة، وانعدام الأمل بعودة العدل، وعبثية انتظار نجاة لن تأتي أبداً مهما بلغ الأمل، السبيل لتحقيقها. فهو أمل زائف في نهاية المطاف، يؤكد زيف الأمل بالرفاه الإنساني الذي تدعيه الحضارة الغربية الحداثية، وتناقضه بممارسات الشر الذي سوغه انعدام القيم والأخلاق ونسبيتها ومصلحيتها الفجة المتوحشة، التي لا تعرف التعاطف والشفقة والرحمة. هل انتهت ساعة قسطنطين جيورجيو الأخيرة والخامسة والعشرون، أما أن انتهاءها هو إيذان بانهيار الحضارة الغربية، أو بنهاية التاريخ التي روج لها فوكوياما، أم أنها ما زالت ساعة بعمر العقود الماضية والحاضرة والقادمة، تشير لاستمرار الظلم وغياب العدالة، وانعدام الأخلاق والعقلانية المتطرفة، التي لم تزل نظرتها للفرد، آلية علمية تقنية صناعية، يخدم هدف وغاية محددة. أي مجرد رقم في المنظومة الصناعية التقنية، حيث حياته وفناؤه، ليس أكثر من رقم في لعبة الأرقام، رغم أنهم يدعون أنه مواطن، فيما الواقع يشير لكونه
المواطن الهجين من تزاوجه مع الآلة.

السبت، 21 يونيو 2025

موراكامي في ظلال الحارس في حقل الشوفان

 الجزيرة الثقافية 18-04-2025
عماد العالم


لكلاسيكيات الأدب من روايات خالدة طعم خاص من الصعب أحيانا إدراك سبب تعلقنا بها وتوافق الآراء في الغالب على عظمتها، وهو ما لا أرغب بسبر أسبابه هنا، بمقدار استعارة أحدها لتكون مظلة قياس على أعمال الروائي الياباني ذائع الصيت هاروكي موراكامي، الذي بدون مبالغة أحد أكثر الروائيين تأثيرا في العصر الحاضر، لا من حيث فرادته الأدبية، وهذا رأيي الشخصي؛ بمقدار كون أعماله حاليا من الأكثر ترجمة للغات الأخرى، فضلا عن كونها الأكثر مبيعا في سوق الكتاب، الذي لم أقتنع يوما أن الأكثر توزيعا فيه وانتشاراً، بحكم الضرورة، هو الأفضل كقيمة أدبية.
موراكامي الذي قرأت له أكثر من عمل، وإن كان من أبرزها، كافكا على الشاطئ والغابة النرويجية؛ ما زال يبدو لي، وقد أكون مخطئا، ليس أكثر من نسخة تجارية حسنة السرد، ضخمة الحجم، مزهوة بلغة بليغة ووصف متقن، ولكن في نفس الوقت مقلدة ومكررة من الوحيدة التي صنعت عظمة الروائي الأمريكي سالينجر، أي الحارس في حقل الشوفان.
يبدو بالنسبة لي تأثر موراكامي بسالينجر واضحا، وان لم أقرأ له أو أسمعها منه مباشرة؛ وخصوصا في روايته «الغابة النرويجية»، حيث تكرر ذكر «الحارس في حقل الشوفان» عرضيا أكثر من مرة، دون الخوض في تفاصيلها أو إسقاط سلوك بطلها الوحيد على الشخصية الرئيسية في رواية «الغابة النرويجية». 
والمثل ينطبق على روايته «كافكا على الشاطئ»، قياسا على تكرار نموذج المراهق الشاب المتمرد دون وجهة ووضوح رؤية، والراغب في التجربة بلا هدف محدد. 
هذا الزج العرضي أو المقصود بذكر رواية «الحارس في حقل الشوفان» في رواية «الغابة النرويجية»، قد يكون إشارة من موراكامي بتأثره بسالينجر من باب الامتنان الأدبي والإعجاب الشخصي، وقد يكون لاوعي موراكامي هو من قاده للزج باسم الرواية في خضم سرده. وقد يكون وهذا جائز أيضا، أن يكون ذكر اسم الرواية لا يعدو كونه ضرورة سردية اختارها الراوي لتناسبها مع ما يراه مناسبا أو يتقابل مع شخصية البطل في روايته.
أما الاحتمال الآخر الوارد جدا، هو بأن يكون هولدن كولفيلد بطل سالينجر، بات رمزًا لتمرد المراهقة، والتحول من مرحلة عمرية لأخرى، وما ينتج عنها من تيه وثورة وتمرد على الحاضر والسائد، المترافق مع انعدام الرؤية والنأي عن الالتزام الهوياتي والعلاقات، وفقدان الهوية واضطرابها، والتوق نحو العُزلة. 
جميع ما ذُكر سواء اجتمعت أو أُخذت منفردة، يجعل من القراءة لموراكامي أحيانا تكرارا لسالينجر، كما يجعل منه مقلدا سواء أراد معالجة قضية حساسة روائيا، أو كان خطه الأدبي، أو كتب عما يجذب انتباه القرّاء ويُلامس شغفهم ورغباتهم ويلامس ذواتهم. وهو ما لا عيب فيه أياً كانت الاحتمالات، عدا أن الطول غير المبرر لرواياته، والسرد الْمُسهِب حد النفور، والتنميق الزائد والحشو، والوصف المبالغ فيه لحد الكمال، والذي يبدوا وكأنه مقصود لخلق صورة مثالية مكتملة المعالم لكل جزء وحدث وموقف وشكل، فضلا عن استخدام القالب ذاته أو «بارادايم» سالينجر؛ هو ما يعيب موراكامي، الذي يتوجب عليه الاقتصاد فيما ذكر لما لا حاجة منه، مع إيجاد نموذجه الخاص، لا «بارادايم» سالينجر لهولدن كولفيلد، المراهق المتمرد الذي وجد أن الفزّاعة التي يغرسها المزارعون في الحقول، والشوفان أحدها، تخويفا للطيور من إتلاف المحصول؛ هو الوصف الأقرب لهولدن كولفيلد، الذي وجد حياته عبثية في آن، وفاقد للشغف في أخرى، والوحيد وسط العالم الذي رغم حركته المتواصلة، لا يعدو أن يكون سوى سيقان متجاورة كثيفة العدد من الشوفان، الذي يقبع في منتصفه دون أي ارتباط معه، عدا استخدامه كفزاعة مزيفة غير حقيقية تظنها الطيور بشرا فتخشى الاقتراب من الحقل بسبب حركته التي تتسبب بها الرياح، بعد أن ألبسه من وثقوه بالأرض وغرسوه بها، ملابس الإنسان!
بطلا موراكامي في روايتيه الغابة النرويجية وفي كافكا على الشاطئ، مراهق وشاب جامعي، تراهم يسيرون بلا رؤى، وكأنهم مصابون بالتوحد في انعزاليتهم ورفضهم السير على خطى السائد مجتمعيا، ناقمين أحيانا وانعزاليين أغلب الوقت. ترهقهم الصداقات وتكون موضع تساؤلاتهم عن مدى أهميتها ومكانتها في حياتهم. يظهر عليهم انعدام الشغف والتكرار والرتابة والروتين، وفي أحيانٍ أخرى الرغبة في التمرد وكسر القيود، وكأنهما يعكسان مذهب الوجودية الذي نظّر له سارتر وكامو ويكاد تكون آثاره معدومة في وقتنا الحاضر، حيث كان انعكاسا لحقبتي العبثية في زمن حياة مفكري فرنسا المتمردين، كثيري التساؤل والرفض في نفس الوقت. 
بالطبع لا يضع موراكامي أمام القارئ نفس المشاهد، فالبيئة مختلفة، والثقافة اليابانية متباينة بشدة حد التنافر مع الثقافة الأمريكية، ولذلك يقدم دوما النسخة اليابانية لهولدن كولفيلد الأمريكي، مع أجواء نفسية يتم الزج بها لإضفاء روحانية وعمق تتناسب مع مفهوم صراع الهوية والتمرد الذي تتميز بها شخصية أبطاله، وهو الذي يبدو أحيانا موفقا، وبأخرى مبتذلا لا يتناسب مع سطحية الموقف. 
ومع ذلك، يبقى هذا الرأي تحديدا يتعلق بروايات موراكامي المذكورة آنفا لا جميع أعماله الأدبية. مع إنني أجد نفسي هنا ميالاً لذكر ما يُلاحظ على موراكامي بشكل عام، من استعراضٍ فج لمقدراته اللغوية التي قد تصل حد التنميق المبالغ به والحشو، والحوارات التي لا تتماشى مع السياق، والوصف المبالغ لعناصره ومشاهده وأحداث روايته وشخوصها من غير داعٍ سوى خلق صورة لا يحتاجها النص بمقدار «أنا» موراكامي الذي تصر دوما على إظهار عظمة مخيلته الروائية. وكذلك بالطبع الطول والسرد الْمُسهِب غير المبرر في غياب الحبكة والقصة والأحداث التي تستدعي ذلك، مع إباحية فجة، ووصف جنسي خادش لا علاقة له بالحبكة الروائية، لا تبدو الغاية منها سوى الزج فيها بالنص خارج السياق لإضفاء إثارة دَرَجَ موراكامي انتهاجها كسمة باتت واضحة في الكثير من أعماله.

الخميس، 20 مارس 2025

خرف الذاكرة

مجلة اليمامة 20-03-2025

عماد العالم


كنت أظن أن عدم تذكر القارئ المتذوق للأدب سوى النزر اليسير أو حتى اللاشيء من رواية بعينها سواء كانت من الكلاسيكيات الخالدة أو تلك التي تلامس النفس من جوانب من الصعب أحيانا إدراكها؛ دلالة على عور واضح في الذاكرة، أو دلالة على طريقة القراءة، وهو ما أشغلني على المستوى الشخصي فترات طويلة، حتى ظننت أن لدي مشكلة تكمن في ذاكرتي المتداعية إما بسبب ازدحامها بقائمة من حصيلة القراءة، أو لكوني أنتهج أسلوبا خاطئ يجعلني أحرص على الانتهاء من آخر صفحة من كتاب لتكون الأولى من التالي في سلسلة لا متناهية من قائمة القراءة التي تزداد يوما بعد الآخر دون ملامح لنهايتها يوما، في عالمٍ لا يمكن أن نحصي فيه ما يستحق أن يُقرأ في حياتنا رغم أضعاف ما لا يجب أن يُقرأ منه! بدد هذه الحيرة توافق جاء بالصدفة بعد عقود من القراءة، على يد الكاتب والروائي الأمريكي جون كوين في كتابه “هوس القراءة”، متحدثا من طرفه عن هذه الظاهرة من “خرف القراءة” كما يحلو لي أن أسميها أحيانا، مستذكرا جون كوين بدوره ذكرياته التي لا تنسى مع كتب بعينها، يكاد مثلي، لا يذكر منها شيئا سوا اسم مؤلفها وعنوانها، رغم ما تركته هذه الكتب في ذاكرتي وذاكرته من ذكريات خالدة تشبه تلك النشوة اللامتناهية من المتعة كلما خطر في ذهني اسمها، سواء على سبيل التأمل أو من خلال حديث أحدهم أو كتابته عنها. حقيقية، هناك روايات أضع إلى جانبها أعمالا، اختفت جميع تفاصيلها من الذاكرة بما في ذلك أقل قدر من التفاصيل وحتى موضوعها، لكنني وللسخرية، ما زالت أتذكر جيدا تلك المتعة العارمة والنشوة حين كنت أقرأها، رغم أنني لا أتذكر بدايتها وبمَ انتهت إليه. ما حنت علي به الذاكرة من ذكرى استمتاعي بكل كلمة وسطر وصفحة من روايات بعينها قرأتها في الماضي ثم نسيتها بالكامل، ومثلها مؤلفات متعددة المشارب؛ ساعدني للوصل لاستنتاج أن من جماليات القراءة فضلا عن المعرفة والتسلية وبناء البنية الثقافية والفكرية والعلمية والأدبية؛ هو أن القراءة للقراءة أحيانا دون هدف واضح مما نقرأ، ودونما رغبة في الاستفادة منها، قد تنتج أحيانا لذة من نوع غريب يجعل مجرد ذكرى قراءتها في حد ذاتها والاستمتاع بها في حينها، متعة لا يشوهها أبدا نسياننا لماذا قرأناها، ويكفيها أن تنعم علينا الذاكرة بكوننا أثناء قراءتنا لها قد استمتعنا في كل ثانيةٍ منها حتى لو لم نعد نتذكر لاحقا شيئا مما قرأناه فيها. ربما تكررت معي هذه الظاهرة بعد أن صممت على قراءة النسبة الأكبر من قائمة أعدتها صحيفة بريطانية بعد توافق النقاد والقراء، لأعظم مائة رواية في التاريخ. كان في تلك القائمة كلاسيكيات خالدة، أغلبها طويل مليء بالأحداث والتفاصيل، مما يجعل قراءة جزء كبير منها وتذكرها لاحقا مهمة شاقة، وخصوصا إن كانت الرغبة في طوي صفحة أحدها للبدء في الأخرى تتملك القارئ. ولذلك، أكون مثلا قد أصبت بلوثة الإعجاب اللامتناهي برواية ميدل مارش وجين آير ومرتفعات وذرنج وغيرها العديد، رغم أنني الآن وبعد سنوات من قراءتها لا أذكر شيئا منها، فضلا عن كون ما أسعفتني الذاكرة به، لا يعدو مشاهد متداخلة من مزيج منها دون أن أتذكر لأي من الروايات تعود هذه المشاهد. ومع ذلك، ما زلت أتذكر جيدا مدى سعادتي أثناء قراءتي لها واستمتاعي بكل لحظة في تفاصيلها، التي لم تبارحني لحظة حتى الآن، رغم أنني قد نسيتها كاملة!


المصد: مجلة اليمامة 

الثلاثاء، 18 فبراير 2025

لماذا لا نقرأ إلا الكتب الجيدة؟

 مجلة اليمامة - 16-02-2025
بقلم: عماد أحمد العالم


أو، ليكن تساؤلنا، لماذا يبحث الجميع عن الكتب الجيدة لقراءتها سواء كانت في الغالب الروايات والمجموعات القصصية، أو الكتب المتخصصة في مجالات بعينها. أيكون الغرض، مع التأكيد على صوابه، هو السعي في المقاوم الأول للمتعة والتسلية والمعرفة، وبالطبع للحصول على إجابات على تساؤلاتنا الخاصة أو المهنية. في السعي لكتاب جيد، ينثر أحدهم أو إحداهن تساؤلاتهم في أماكن عدة لضم رواية جيدة وكتاب لقائمة القراءة، باحثين في الوقت ذاته بين طيات صفحات الكتب التي تتحدث عن القراءة وهوسها ومتعتها، عن ترشيحات المؤلفين لأعمال خالدة وممتعة ومثيرة. ومع الأوصاف البراقة التي يستخدمها البعض لجذب انتباه القارئ لعناوين معينة، نكتشف أننا أحيانا قد خدعتنا أوصاف أحدهم في مدحه لكتاب أو رواية، سرعان ما سنكتشف أنها لا يمكن أن تتوافق مع معايرنا لما نريده أن يكون الكتاب الجيد. ومع كثرة الترشيحات والآراء المنتشرة في كل مكان، من وسائل التواصل الاجتماعي، لأحاديث المثقفين والقرّاء والمؤثرين؛ تزداد خيباتنا مما نجدها كتبا خارج سياق المتعة. وتستمر الحالة لما لا نهاية إلى الوقت الذي ندرك فيه أن العلة ليست في الترشيحات ولا المؤثرين والمثقفين وتوصيات القُرّاء النهمين واسعي الاطلاع والمعرفة، بل هي فينا. فنحن منذ البداية من ربطنا بحثنا عن هوية محددة ترتبط فقط فيما ندعوه وفق مقاييسنا بالكتاب الجيد، ولكن وفق ذائقة الآخرين! في اعتقادي، أن المشكلة الأساسية الأخرى فضلا عما سبق، تكمن في توصيف “الكتاب الجيد”. فحصر القراءة فقط بالكتاب الجيد تجعل منا قُرّاء اتكاليين على المؤلفين المتميزين، الذين يحملون عنا عناء السوء فيما يكتبون، فيقدمون لنا مادة سهلة الهضم، لا نكلف أنفسنا أثناء قراءتها اكتشاف عورها. بخلاف التجربة التي يمكن أن تمنحنا إياها الروايات والكتب السيئة، التي تمنحنا فرصة عظيمة لتفعيل ملكاتنا الأدبية والنقدية في السبيل لتكوين شخصية القارئ الناقد، الذي يمنحه السوء مجالا واسعا لاكتشاف الخلل، وفي نفس الوقت، تحديد ما يعنيه له مفهوم الرواية والكتاب الجيد. بدون الكتاب السيء، نبقى دوما رهينة تحكم المؤلفين وعبقريتهم ونبوغهم وجمال كلماتهم وحبكتهم وسردهم. وبالتالي، لا نستطيع أن نكتشف بأنفسنا ماذا يعني الحسن والسوء، فبدون الكتاب السيء لا معنى أبدا للكتاب الجيد، والعكس صحيح أيضا. فالضدين الجيد والسيء هما جوهر القراءة. أما الاقتصار على قراءة الكتب الجيدة دون السيئة، هو ما يضعنا دوما في بحث عبثي عما هو جيد وفق رؤى الآخرين الذين سبقونا في القراءة، وهو ما يعرضنا للارتهان للجيد والسيء وفق معاييرهم، لا وفق ذائقتنا. ينبغي علينا الاستمرار في قراءة الكتب السيئة دون أن تكون هي الطاغية، ولكن للحد الذي يخدم أدمغتنا ويعمل على تنشيط ملكاتنا النقدية لاكتشاف أسباب السوء فيها، ومن ثم لاستكشاف أسباب أخرى لروعة الكتب الجيدة، عدا تلك التي يتحدث عنها الجميع.

المصدر: مجلة اليمامة

السبت، 21 ديسمبر 2024

الأدب الجيد والرواية الرديئة

 مجلة اليمامة - 19-12-2024
بقلم: عماد أحمد العالم


ما زال العديد يخلط بين بعض الأدب الرديء الأكثر انتشاراً من حيث عدد ونوع وشكل القُراّء، والأدب الأقل انتشاراً رغم كونه الأكثر صناعة للوعي والذائقة الأدبية، وذلك أثناء الحديث عن روايات الفانتازيا والخيال والتشويق البوليسي، التي عرف التاريخ الأدبي حضور لها في أزمنة كثيرة بما فيها عصرنا الحالي، والذي بات حاضرا حديث معارض الكتاب بعد تكرار حالات الهرج والمرج من قبل جمهور قرّاء أثناء حفلات توقيع الروايات، متسبباً بإثارة انتباه الكُتّاب والنقاد للروائيين المجهولين الذين باتوا الأكثر شهرة بين مجهولي الهوية الروائية ومنزوعي القيمة الأدبية، بالرغم من أن طيف واسع ممن تناولهم نقدا أو إطراء، ولا أعمم، لم يكلفوا نفسهم عناء الاطلاع على منتوجهم وقراءة رواياتهم، ليكون الحكم عليهم وفق النص ودلالاته، ومكامن قوته وضعفه؛ لا الإطار العام لنهجهم ونمطهم وأسلوبهم وجمهورهم.
‏لا بد لنا بداية أن ندرك أن الأدب ليس بقالب واحد ينهجه الأدباء بمن فيهم الرواة والقاصين والحكواتية “storytellers”، فهناك أشكال منه تحذو حذو المتعارف عليه من حيث الالتزام بأسس الأدب الروائي وتياراته ومدارسه. وهناك في المقابل، نوع من الأدب بحكم انتمائه للرواية، وإن لم يلتزم بالإطار الروائي؛ يقود المراهقين وصغار السن لحالة من الإعجاب المبني على فضول مثار تجاه قصص الجن والعفاريت والجرائم البوليسية وفانتازيا الرعب، دون أن يكون له تأثير وعي ثقافي سوا إرضاء فضول فئة يغلب عليها صغار السن المتفتحين على قراءة التشويق والإثارة، أو حتى ما يُمكن أن نطلق عليه الهّبة «الترِند».
دون أن نغفل بالطبع، الأدب الأهم الأكثر فائدة وتأثيرا رغم بعده عن منصات التتويج، وهو الذي يصنع الوعي والذائقة الأدبية الحقيقية والفعلية، مؤطراً وممكنا للقارئ الناقد لا القارئ الناقل أو العابر أو المرتبط فقط بغرائزه وصيحات جيله والمكان/الزمان الذي يعيش فيه.
باعتقادي، ودون أن يكون في الرأي انتقاص مما سأطلق عليه «أدب صغار السن والمراهقين»، ولا الحط مما وصل له قلة من الرواة والقاصين من تأثير واضح وحضور لافت وانتشار كبير يحسده عليهم الرواة المعروفين المفتقدين لمكاسب على أرض الواقع؛ أرى أن المبالغة في تناول ظاهرة روايات فانتازيا المراهقين، جزء منها دعائي، وآخر استرعى انتباهه انحدار الذائقة، وثالث أخذته الحمية والانتماء والعاطفة ليكون حصان طروادة في الدفاع عنه وما وصل إليه، ورابع وهو الأكثر سخرية، استخدم النظريات الأدبية والعلمية للدفاع عن روايات أحدهم، ولتبرير نمطه وأسلوبه، بما في ذلك الهجوم على منتقديه من النقاد والأدباء، واتهامهم بالغيرة والحسد، متناسين أن ما يبقى وتخلده الذاكر هو الأدب الحقيقي، الحافر بصمته عبر الزمن بأعمال مضت عليها عقود وقرون وما زالت تُقرأ حتى يومنا هذا، بخلاف روايات الإثارة منزوعة القيمة، وإن كانت ترى مجداً في السنين الحاضرة، إلا أن حكم الوقت عليها آتٍ كما فعل مع من سبقها، ليهملها بعد أن كانت مجرّد نزعة فضول ودعاية عابرة!
وعند الأخير أتوقف، مستعرضا استشهاد أكاديمي بنظرية «موت المؤلف» للناقد والأديب والعالم اللغوي الفرنسي رولان بارت، وإسقاطها مثلا على روايات أحدهم، لإثبات ما لا يمكن إثباته بأن نصه يحمل في داخله مكامن القوة التي تفسر سبب انتشاره وتأثيره الكبير، في إسقاط مدمر لطبيعة نظرية موت المؤلف لعراب التيار البنيوي وأحد رواده الأوائل، عبر استحداث مقاربة في غير محلها، لإعطاء مكانة أدبية لروايات جُل نجاحها لا يكمن في اللغة والعبارات والبناء البلاغي للنص، وإنما بأعداد التوزيع الكبيرة، وجذبها لصغار السن، دون الأخذ بالاعتبار، ومع كل الاحترام للراوي وجهده، بكونها لا تعد أدبيا روايات تمثل أدباً حقيقياً يرتقي بالذائقة الأدبية لقرائها، بل أقرب ما تكون ربما لنسخة رديئة من روايات أجاثا كريستي.
بعض المتحمسين للظاهرة، وصلت بهم المبالغة لدرجة عقد مقارنة بين روائي أدب «الهبّة/الترِند»، بأسلوب أيقونة الواقعية السحرية، الروائي غابريل غارسيا مركزيا، عاقدين مقارنة بين ما يكتبوه، والروايات الخالدة لأسطورة أمريكا اللاتينية، بما فيها عمله الأيقوني «مائة عام من العزلة»!
أما الهجوم الشعبوي الذي يشنه حماة حمى ظاهرة الأدب الرديء، فأكثر ما استرعى اهتمامهم، هو تصويب سهام نقدهم لطبقة المثقفين، لا من واقع نقد لإعادة البوصلة باتجاه تكريس وجود «المثقف العضوي» كما وصفه غرامشي، وإنما كما ظهرت في العديد من أقوالهم، للانتقاص لمجرد الانتقاص من الثقافة والفكر والأدب. وهو ما يؤشر في حد ذاته على اتساع الهوة عربياً بين المجتمع بعامته، والأقلية من النخب البعيدة عن إما إقامة جسور التواصل، أو الْمُراد لها أن تبقى مُغيبة!
بعيدا عن المقارنات المليئة بالمغالطات المنطقية، والحماس الغير منضبط المدافع عن روايات الفانتازيا الرديئة، والناقدة له دون تبيان مكامن العور فيه، أرى أن بالإمكان الاستفادة من موهبة البعض القصصية، للارتقاء بذائقة صغار السن من القراء، وانتهاز تأثيرهم لإحداث بصمة أدبية بدلا من الاستمرار في الاعتماد على التشويق القائم على إثارة الفضول، مع انتهاج حبكة يتم استخدامها في عالمهم الصغير دونما بلورة لقيم ومعايير تجعل منهم قراء شغوفين بالقراءة للمعرفة، بدلا من إشباع فضولهم الوقتي، وملئه بقصص الجن والشياطين والعفاريت.


المصدر: مجلة اليمامة - العدد 2839 / 19 ديسمبر 2024 - الأدب الجيد والرواية الرديئة.

الأربعاء، 13 نوفمبر 2024

إسلامان: إسلام سني للأغلبية وإسلام شيعي للأقلية

 موقع ميدل إيست أونلاين / 11-11-2024
بقلم: عماد أحمد العالم

لو قُدر للمهدي الظهور، فبرأيكم أي المذاهب الإسلامية سيختار، ومن أيٍ منها ستنطلق دعوته ليعم السلام والوئام الأرض ويقضى على الجور والظلم؟
هل ستنحصر المنافسة بين الطائفتين الإسلاميتين الأكبر وهما السنة والشيعة، أم ستدخل في المنافسة بقية الطوائف كالإسماعيلية والزيدية والصوفية والأشاعرة والإباضية، وغيرهم ممن يرى بنفسه الصواب والبقية على خطأ؟ أو، ولنكن صريحين دون مواربة، على ضلالة كما يرى بعضها الآخر المختلف عنها رغم انضوائها جميعاً تحت بوتقة الدين الواحد، الذي يؤمن اتباعه بالشهادتين وبرسول الله كخاتم الأنبياء والمرسلين، وببقية الأركان من صوم وصلاة وزكاة وحج.
لماذا اتسمت علاقة المذاهب الإسلامية بالتنافر والتشاحن بدلاً من التقبل والتعايش المشترك، وهل رجال الدين هم السبب؟ أم العلة في نصوص أُجتهد فيها لتمنح المعتنقين الصواب على غرار الآخرين، أم أن السعي للسلطة هو المتسبب، وبذلك جُيرت العاطفة الدينية لتخدم أهواء الطامحين فيها ولما يتناسب مع دعواتهم التي لاقت جماهير متعطشة لتفريغ كبتها ومقتها لأوضاعها السياسية والاقتصادية، فانقادت عاطفياً وصاغرةً.
من قراءة مبكرة للتاريخ، نجد أن السياسة هي أحد أهم المسببات. فالدولة الأموية وبعدها العباسية وكذلك الفاطمية والصفوية جميعها قامت على أسس دولة الخلافة والملك الوراثي، ولتأطيرها مارست الانتقائية في اختيار نصوص من الشريعة وحتى بعضها تم اختلاقه لإعطاء صبغة روحانية للحاكم وشرعية لسلطته تلزم الشعوب بالبيعة والقبول بالسلطة دون اعتراض.
لماذا لا يتذكر السنة والشيعة على حدٍ سواء أن علي بن أبي طالب رفض الخروج على بيعة أبي بكر يوم السقيفة رغم أن البعض استنكرها وفضل ترشيح صهر الرسول وابن عمه وربيبه. وقتها لم يمكر الصديق لمؤيدي علي، ولم يسعَ للانتقام منهم.
اليس الأجدى بأتباع الطائفتين أن يقتدوا بملهمها في نبذ العنف والتآخي، علماً أن أصحاب الشأن أنفسهم عملوا بها ونبذوا الفرقة، فيما الأتباع لاحقاً ومنذ قرون مديدة يتصرفون بتعصب لقومٍ هم في الأساس أول من دخل في دين الله وآمن بدعوة رسوله ودعمها بالسلاح والمال والدعوة، وبقوا طوال حياتهم صحابةً كرام وأحبة يجمعهم وعدٌ وبُشرى بالجنة، فما كان بينهم هو اختلاف في وجهات نظر لم تتحول لخلافٍ يؤدي لقطيعة وحروب تسفك بها الدماء، وذلك حمايةً للإسلام من التفتت والتشرذم والانشقاق، وهو الذي حصل بعد ذلك لأسبابٍ كان الدافع المبدئي فيها الاعتراض على نفوذ حكم والمطالبة به لطرف على حساب آخر.
بداية الخلاف كانت فرقة سياسية، تم تجييرها مذهبياً لدرجة أن المذهب نفسه بعد ذلك عمل على التشعب وكرس الفرقة لتصبح عقائدية، فبدلاً من أن تكون السياسة هي السبب أصبح المذهب هو ما يُفرق.
ويبقى السؤال: ألا يجب علينا كمسلمين إيجاد قواسم مشتركة يمكن البناء عليها لنتجاوز خلاف القرون الأولى حول الخلافة والحكم والحاكم ومن أحق بها، والتخلص من رواسبها التي تميز طبيعة العلاقة القائمة حاضراً بعد أن ندرك أن الخلاف الجوهري قد ذهب مع الريح وانقضى زمانه، أم وصلنا لليوم الذي يكون لنا فيه إسلامان أحدهم إسلام سني ذي أغلبية وإسلام شيعي للأقلية؟

المصدر: ميدل إيست أونلاين - إسلامان: إسلام سني للأغلبية وإسلام شيعي للأقلية | عماد أحمد العالم | MEO

الخميس، 23 نوفمبر 2023

أوروبا وفقدان البوصلة الأخلاقية

 موقع ميدل إيست أونلاين
10-11-2023
بقلم: عماد أحمد العالم


سيستيقظ الأوروبيون ودول أوروبا ولو بعد حين بعد انتهاء الحرب الدائرة في غزة على حقيقة ما آلت إليه أوروبا التي لم تعد "ولو ظاهرا" أوروبا العدالة الاجتماعية، ومبادئ حقوق الإنسان المعلنة وحرية الرأي والتعبير والمساواة وقدسية الروح البشرية والإنسانية كما روج لها على مدار العقود الماضية الطويلة. فحرب غزة الكاشفة وكأنها قد أعادت أوروبا لحقيقة واقعها السياسي المؤمن بذاتيتها المتعالية على من سواها من البشر، التي تراهم دونها مكانة وإنسانية وقدسية بشرية إن تقاطعت وتضاربت أي من حقوقها مع المصالح الأوروبية في الحقبة ما بعد الاستعمارية، التي مارست قبلها وأثناءها الإبادة البنيوية بعد بسط سيطرتها وسيادتها على العالم الآخر بما فيه الأرض والبشر.
هي ذاتها أوروبا التي شهدت في حقب متعددة عزلها لليهود في غيتوهات مغلقة على أطراف المدن، وهي ذاتها من قامت العديد من دولها بطردهم من أراضيها وتشتيتهم وإقصائهم مجتمعيا، وصولا لارتكاب الهولوكوست الألماني بحقهم، بعد أن تمكنت النازية من تأطير ثقافة بيروقراطية الدولة المعطلة لأي شعور إنساني لدى المنتسبين لها حتى لا يشعروا بالذنب تجاه أيٍ من ممارساتهم القمعية والإبادية بحق اليهود والغجر والمعاقين الألمان، الذين كانت تراهم عبئاً غير مقبول وجوده وتواجده في دولة الرايخ.
هي أوروبا نفسها العاملة بتفاهة الشر كما وصّفتها المفكرة اليهودية الألمانية الأميركية، حنة آرنت، والتي جعلت من ممارسة الشر تفاهةً تسمح بالقتل بضمير مرتاح، بعد أن مكنتها قوتها الصناعية والعلمية من تبوأ مكانة عليا سهّلت عليها استعمار العالم واستنفاد ثرواته بعد أمن منحتها الحداثة وعصر النهضة والتنوير ثورةً فكرية فلسفية أطّرت في خضمها للقيم والمفاهيم والمعايير الإنسانية العدلية والحقوقية، التي لم تكن في نفس الوقت كافية لبناء وعي حقيقي قيمي تستند إليه منذ قرنين ويزيد يؤطِّر لقدسية الإنسانية بما فيها من قيم العدالة والمساواة، عدا تلك التي خطتها في دساتيرها لشعوبها لتتمتع بهامش واسع من السعة والرفاه بعد قرون الاقتتال البيني والحروب الأوروبية المستعرة لمصالح قومية وعرقية وسياسية ودينية وجيوسياسية جعلت الاقتتال والإبادة عقيدة أوروبية وأسلوب حياة، لم تتخلص من وقعه في قارتها، إلا ونقلته للعالم الآخر غير الغربي الذي عانى وما زال من تبعاته، وإن ادعت خلاف ذلك عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وتبنيها ظاهرا لسياسات حقوقية تم قوننتها في إطار الشرعية الدولية ومؤسساتها، التي بات جليا فشلها وعقمها وشللها التام تجاه اتخاذ أي موقف منصف سوا بيانات الشجب والإدانة والاستنكار.
ردة الفعل الأوروبية هذه المرة والتي تمثلت بالمستوى الرسمي على لسان وأفعال ومواقف رئيسة المفوضية الأوروبية، وقادة دول القارة الرئيسية، من منح تفويض مفتوح لارتكاب مجازر الإبادة بحق مدنيي غزة من مدنيين أغلبيتهم العظمى من النساء والأطفال وكبار السن دون أدنى محاذير، مع إنكارهم المتعمد ونفيهم لتلك التي طالت المدارس والمستشفيات؛ فاقت الخيال في تماهيها مع ما سمته الإجراء الانتقامي المبرر والمستحق رغم التقارير الدولية والإعلامية المحايدة والمستقلة التي تحدثت عنها بوضوح واتهمت القوات الإسرائيلية بارتكابها. هذا فضلاً عن الموقف الأوروبي الرافض لأي هدنة إنسانية، والغاض النظر عن قطع الماء والكهرباء، والتدمير الكامل والجزئي لما يعادل نصف المنازل في غزة بما فيها البنية التحتية والمؤسسات الخدمية والعامة، وسياسة التجويع الإسرائيلية بحق مواطني القطاع من المدنيين العزل، واعتبار ذلك تصرفاً إسرائيلياً مقبولاً، دعمته بغض نظرها عنه ورفضها المتواصل لاستنكاره وإدانته.
يرى العالم غير الأوروبي بما فيه طيف واسع يتزايد يوماً بعد يوم في الشارع الأوروبي نفسه، أن انحياز الدول الأوروبية على المستوى الرسمي للجانب الإسرائيلي قد قضى بشكل كامل على أي اعتبارات كان يجد القيم والمعايير الأخلاقية والقانونية الأوروبية تمثلها في السابق، وبأنها في حقيقتها ليست إلا نفاق انفضح زيفه مع الحرب الإبادية على غزة تحت نظر العالم وسمعه، والتي يمثل المدنيين الأبرياء العزل الغالبية العظمى من ضحاياها.
على الشعوب الأوروبية قبل العربية والإسلامية والشرقية وغير الغربية، أن تعي جيداً الآن أن ما قبل الحرب على غزة لن يكون كما بعدها، وبأن السياسة الرسمية الأوروبية الرسمية قد قضت على سمعة أوروبا التي اجتهدت على مدار عقود طويلة لتكريسها والدعاية لها، فلن تكترث شعوب العالم بعد الآن لأوهام الدعاية الأوروبية المتعلقة بحقوق الإنسان، وسعيها لتكريس قيم الديموقراطية والعدالة والمساواة، ولن يصدقوا أبداً أن أي تدخل أوروبي غربي أممي في أي مكان في العالم وخوض الحروب هو في سبيل حماية المدنيين والدفاع عنهم. كما أن الجميع لن يولوا اعتباراً لما سيعدوها أكاذيب أوروبا المتعلقة بسيادة القانون، بما فيها المؤسسات الدولية والأممية كمنظمة العفو الدولية والمحكمة الجنائية الدولية المناط بها مسؤولية محاسبة ومحاكمة مجرمي الحرب، والتي لم تجرؤ حتى يومنا هذا على محاسبة أي مسؤول إسرائيلي أو غربي طوال تاريخها منذ إنشائها وحتى يومنا هذا.
فقدت أوروبا مصداقيتها، ولن يصدق أحد أنها دول عدلية حقوقية أخلاقية تحترم الحقوق الإنسانية وتسعى للالتزام بها، بما فيها شعوبها التي ربما لن تعتبر لإسرائيل الحق مجدداً للدفاع عن نفسها بعد أن رأت صور المجازر المرتكبة بحق المدنيين العزل في غزة، ولن تتماهى مع المبدأ السابق المعتبر انتقاد تصرفات إسرائيل معاداة للسامية، والمستلهم قوته من تعاطف الشعوب الغربية سابقا مع الهولوكوست، التي ترى الحكومة الإسرائيلية ارتكبته بحق سكان غزة، وبهذا لن يشفع الهولوكوست مجددا ولن يبرر لفظائع العدوان الإسرائيلي على غزة.
صدمة المثقفين العرب بمن فيهم المؤمنين بالقيم الغربية، والمعتنقين للعلمانية والليبرالية والتنوير الغربي الحداثي، استدعت طرح التساؤلات عن حنين أوروبا لماضيها القديم، وإصابتها بنوستالجيا الماضي وحلم العودة لبناء ذاتيتها القائمة على الآخرية Othering كما وصفها إدوارد سعيد، والمبنية على نحن الأعلى، والآخر الأدنى العدو الأزلي الهامشي.
هذه الصدمة المنافية لقيم التنوير الأوروبية وحداثتها الما بعد تاريخية الْمُرسية لقيم كونية، لا تتعلق فقط بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وإنما تتعداها لقيم واتجاهات ثقافية اجتماعية سياسية ستلقي بظلالها على نظرة الجميع لأوروبا في حقبة ما بعد حرب غزة 2023، ولن يشفع لها الندوات والأقلام والدراسات والمساعدات وإعادة الإعمار ومحاولات التبرير العبثية، لتبرأة الموقف الرسمي الأوروبي من الدم الفلسطيني في غزة والذي سيكون علامة سوداء في تاريخها المعاصر، ستتجلى انعكاساته على التعامل معها على الأقل شعبيا، بما يحمله من تهديد كبير لمصالحها في الحاضر والمستقبل، وينبئ ببوادر صراع حضاري سيطول أمده، وستنال انعكاساته أوروبا اقتصاديا وسياسياً. ودون أن نستثني أيضاً مآلات المأزق السياسي الذي وضع السياسيون الأوروبيين أنفسهم فيه أمام شعوبهم، وما سيترتب على انحيازهم من مساءلة ومحاسبة مجتمعية لفرضهم قوانين وممارسات استثنائية لا دستورية على شعوبهم أثناء الأزمة، حدت من حقوقهم الأساسية في دولهم من قبيل حرية الرأي والتعبير والتظاهر، على غرار تصرفات وأفعال وأقوال وزيرة الداخلية البريطانية ورئيس حكومتها، ومثلها في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

الأربعاء، 30 أغسطس 2023

أوبنهايمر، كيف تقتل بضمير مرتاح!

 موقع ميدل إيست أونلاين / 27-08-2023
بقلم: عماد أحمد العالم


كعادة أي فيلم يسبقه دعاية كبيرة تصوره كفيلم العام المرشح لنيل جوائز أو لتحقيق أعلى إيرادات شباك التذاكر؛ يستمر مسلسل تتفيه الشر الأمريكي، الذي عادةً ما ترعاه هوليوود وصناعة السينما بالولايات المتحدة، التي رغم كونها والحديث هنا عن هوليوود، ليبرالية شديدة التطرف بما تسبغه على نفسها من حرية التعبير والرأي والاعتناق والفكر؛ إلا أنها الْمُحلل والمسوغ والمفكر المبرر لجميع الشرور الأمريكية عبر التاريخ الحديث، عبر تلاعبها بالحقائق وتزوير التاريخ لتكون قراءته فقط وفق وجهة النظر الأمريكية ورغبتها لما تريد أن تكون الأحداث عليه. كيف حصلت ولم حدثت والأسباب التي استدعت حدوثها.
بالطبع، عدم تعميم ما سبق لا ينفي أن الغالبية العظمى من منتوج السينما الأمريكية ينطبق عليه التوصيف السابق، عدا القلة القليلة جدا من أعمال سينمائية منصفة غردت خارج السرب، وإن كانت في واقع الحال الشذوذ الذي يثبت القاعدة.
ما استدعى هذه المقدمة، تعقيب سأحاول أن يكون مختلفاً بشأن فيلم أوبنهايمر، الذي لم يخرج الجدل بشأنه بين ممجد وناقد، ولكلٍ بالطبع حججه التي عادةً لا تخرج من إطار من يراه تحفة فنية شدته بتصويره وحواراته وموسيقاه التصويرية، وسيناريو الفيلم وأحداثه، والابداع بأداء أبطاله وحواراتهم، وبين من لم يخرج عن تابو التشكيك بأي عمل فني أمريكي ورفض ما جاء فيه بالمطلق.
أما الزاوية التي سأعلق من خلالها فستكون سيراً على ركب فيلسوفة "الشر" ومنظرته الأبرز حنة آرنت، وتقديمها لما سمته تفاهة الشر أو banality of evil في سعيها لتفسير ارتكاب جرائم ومجازر من قبل بشر طبيعيين لن نتوقع قبل ارتكابهم للجرم فعلهم له، ولا عدم شعورهم بتأنيب ضمير نتيجة اقترافهم له.
الفكرة واحدة، وإن استطعنا استغلالها وإسقاطها على الدعاية الأمريكية بشقها الرسمي والخاص، السياسي والأدبي والفني؛ سنجدها نهج دأبت الولايات المتحدة انتهاجه لتبرير أفعالها.
سياسياً مثلاً، كان برنارد لويس ومارتن كريمر وغيرهم من المستشرقين الأمريكيين، أو كما يحلو لهم التسمية كمتخصصين مناطقيين أو بالدراسات الشرق الأوسطية؛ المحللين والمبررين والمسوغين علمياً وفكرياً وقانونياً للكثير من السياسات والتصرفات الخارجية الأمريكية بما فيها حروبها وغزواتها وتدخلها بسياسات الدول الأجنبية، ورعاية أجهزتها للأنظمة الشمولية والديكتاتورية.
هذا من جانب، ومن آخر، كانت هوليوود التي لا تخفي عداءها للنهج المحافظ بما فيه الحزب الجمهوري والرؤساء الأمريكيين؛ اللاعب الأبرز شعبيا على المستوى المحلي والعالمي في توجيه الرأي العام تجاه القضايا الأمريكية، وتصويرها على الدوام بما يخدم أهدافها وسياساتها، وبما يبرر نهج "كيف تقتل بضمير مرتاح" دون أن تُلام، بل تشجيعك والتبرير لك.
البداية المبكرة كانت في العام ١٩٤٩ ميلادية عقب تقسيم برلين وبداية الحرب الباردة برعاية ثقافية وفنية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، مروراً بحرب فيتنام والعقود التي أعقبتها وشهدت حركة سينمائية أمريكية نشطة لتصوير بسالة أمريكا وحقوقيتها ووحشية الشعب الآسيوي، الذي لم يختلف في إجرامه كما صورته هوليوود، عن الهنود الحمر، والإيطاليين عرابي عصابات المافيا، والمكسيكيين الهمج المغتصبين، والسود القتلة، وتجار المخدرات الكولومبيين، والعرب والمسلمين الإرهابيين، والروس المتوحشين، والصينيين الدنيئين.
القائمة طويلة ولا يمكن حصرها هنا، وإن خرجت دراسات وأبحاث جادة تحدثت عنها وكيفية صناعة العدو على الطريقة الأمريكية وتشويه سمعته واختزاله بصورة نمطية معينة تبرر لأي إجراء سابق أو حاضر ومستقبلي بشأنه.
في فيلم أوبنهايمر أو عراب القنبلة النووية الأمريكية، كان لا بد حتى عقود من الجريمة الأبشع عبر التاريخ، من الاستمرار في تأكيد أن مجزرة هيروشيما وناغازاكي النووية، شر أخلاقي لا مفر منه؛ بل هو خير نتائجه على فظاعتها أسدت البشرية معروفاً بإنهائها الحرب العالمية الثانية، بواسطة أمة أخلاقية لها ما يسوغ فعلتها تجاه إجرام الإمبراطورية اليابانية، وكحركة استباقية كيلا يفكر الاتحاد السوفيتي أو أي من قوى الشر في العالم اتخاذ خطوة مماثلة.
هذا هو جوهر ومغزى الفيلم باختصار عبر استغلال السيرة الذاتية لبطل الفيلم لتسويق هذه الفكرة الشريرة كأحد أهم عمل خير قدمته أمريكا للعالم أجمع وشعوبه بمختلف أطيافه!
استهداف المدينتان اليابانيتين قد يبدو شراً لناظره، لكنه شر تافه يحمل شق خير وآخر مأساوي يمكن التغاضي عنه مقابل تفاهة شره.
هذا من جهة مفهوم تفاهة الشر لدى حنة آرنت، أما إن استخدمنا تفسير زيجمونت باومان للهولوكوست واستخدمناه على الحدث، فسيفيدنا لتبيان عدم شعور المنظومة الأمريكية كاملة تجاه الفعل بالذنب، بما فيه من أصدر أمر إلقاء القنبلة النووية، والطيار الذي سار بها، والمهندسين والعلماء الذين صنعوها، وحتى حارس المستودع وعامل النظافة والمطعم الذين كانوا جزء من فريق العمل. جميعهم كانوا جزء من المنظومة البيروقراطية للدولة الأمريكية، أقسموا على الولاء لقيمها الخاصة المفروضة عليهم بغض النظر عن مرجعياتهم الأخلاقية الإنسانية، والتزموا بتنفيذ الأوامر بناء على ذلك، ولكن دون أن يشعر أي منهم بأن عملهم في هذه المنظومة تسبب بعملية القتل المباشر لربع المليون من اليابانيين الذين قضوا بسبب القنبلة. فهم لم يشتركوا بشكل مباشر في فعل القتل نفسه الذي تكفلت به القنبلة، ومهمتهم اقتصرت على جزئيات بعينها كثيرة ومتعددة جدا في الجريمة لدرجة تاهت معها المسؤولية المباشرة عنها.
لم يتطرق فيلم أوبنهايمر لتبعات القنبلة النووية وأثرها المدمر على اليابانيين على مدار عقود جسدياً ونفسياً، إلا بشيء من الاستخفاف المقصود لتأكيد تفاهة الشر، ولا عرض صوراً من الدمار الشامل الذي تسببت به حتى لا تُكشف حجم المأساة بالتأكيد. هذا فضلاً عن جمل مقصودة بحواراته المملة الطويلة، حيث أكد بأحدها مسؤول أمريكي استبعاد مدينة يابانية كأحد الخيارات الاثنا عشر كهدف لكونها تحمل بعداً ثقافياً، والمهم للمسؤول، لأنها كانت حيث قضى شهر العسل برفقة زوجته!
ثلاث ساعات عبثية مملة سيقضيها من سيتابع الفيلم، متوسط الإخراج والموسيقى التصويرية والحبكة السينمائية، والسيناريو غير المقنع بتاتاً إلا بنجاحه بتوظيف سيرة ذاتية لأبو القنبلة النووية الأمريكية ومدير مشروع مانهاتن؛ لتكريس حقائق وطمس أخرى، وممارسة مزيد من الخداع والتضليل عبر خلق أيقونة أمريكية أو إعادة إحيائها ومن ثم تمرير الرسائل من خلالها، التي يجب أن تنجح، وقد حدث ذلك دوماً عبر هوليوود، ومع الغالبية العظمى التي تأثرت مسبقاً بالضجة الكبيرة للفيلم قبل عرضه، وبآراء النقاد الإيجابية بشأنه، فكان الجميع وكالعادة دمى عرائس يتم تحريك حبالها.
تقييمي بفشل الفيلم على جميع الأصعدة لا يعني إنكاري بنجاحه فيما أراه فشلاً، فقد حرف بوصلة المشاهد من النقمة تجاه أوبنهايمر المتحمس جداً لصنع القنبلة النووية والسعيد بنجاحها في القضاء على الخصم الياباني بداية، دون أن يخفي أمنية لم تتحقق باستخدامها على الألمان المهزومين في الحرب كانتقام لبني قومه من اليهود ضحايا المعسكرات النازية. وهو ما عبر عنه في عدة مشاهد، ليتوه المشاهد بين وطنية أوبنهايمر ورغبة الانتقام لديه من النازيين. لكن هذه الرغبة والسعادة سرعان ما تم طمسها بالترويج لأخلاقية أوبنهايمر الرافض للقنبلة الهيدروجينية والنشط ضد استخدام أسلحة الدمار الشامل، والمروج لاتفاقيات أممية للحد من تصنيع واستخدام الأسلحة النووية، يتخللها مشهد مقت الرئيس الأمريكي ترومان له عقب مقابلته واستماعه إليه، والطلب بألاّ يدخل هذا البكاء كما وصفه، مكتبه مرة أخرى.
أوبنهايمر الذي قتل مئات آلاف اليابانيين بضمير مرتاح في البداية، تم تحريف نقمة المشاهد تجاهه، بتصوير عداء رئيسه السابق له ومكره الذي توجهه بتشويه سمعته وحرمانه من تجديد تصريحه الأمني.
عند هذه المرحلة، يتم التلاعب بالمشاعر الإنسانية والعاطفة، التي ترفض الظلم والمكر، فتتناسى أخطاء المجرم لمجرد تعرضه للخيانة، وتتحول النقمة والكره تجاهه لتعاطف نجح صانع السيناريو بتحقيقه مع مشاهدين تعاطفوا مع بطل أمريكي American hero تم تقديره أخيراً بعد عقود من ظلم تعرض له رغم ما قدمه للوطن وشعبه!أوبنهايمر وإن كان الفيلم يلخص السيرة الذاتية لروبرت أوبنهايمر كهدف معلن؛ إلا أنه دون شك كرس ورسخ مفهوم تفاهة الشر الأمريكي مهما كانت شناعته وتأثيره على الآخرين، وأكد المؤكد من حيث "كيف تقتل أمريكا بضمير مرتاح"!

المصدر: ميدل إيست أونلاين - أوبنهايمر، كيف تقتل بضمير مرتاح! | عماد أحمد العالم | MEO (middle-east-online.com)

السبت، 19 نوفمبر 2022

قطر وكأس العالم، بين الحوار الحضاري ودعوات التبشير

 19-11-2022
عماد أحمد العالم


مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وظهور الولايات المتحدة كمحور عالمي منافس للشيوعية والمعسكر الشرقي، ضمّ له دول أوروبا الغربية والبقية من دول العالم التي اختارت أن تكون الهامش للمحور؛ بدأت العولمة الثقافية الأمريكية تكتسب زخماً رسمياً، عززه مساعي الإدارة الأمريكية لكي يكون القرن أمريكياً، ليس سياسياً فقط، وإنما أُريد له لأن يكون ثقافياً واجتماعياً لتمكين الأول. ومع خلو الحضارة الأمريكية من قيمية ذات تأثير وعمق فني وأدبي وثقافي، بدأت رحلة فرض المنظومة الأمريكية الآنفة المعروفة بالثقافة الاستهلاكية، والكاوبوي والبرجر وهوليوود والجاز، للعالم على أنها الحداثة الإنسانية القادمة من الداخل الأمريكي للعالم الذي تحاول الشيوعية واليسار التهامه، فبدأ معها تصدير جديد للتحديث في كافة الحقول. في الفن تم تصدير السريالية كمنافس للفن التقليدي الطبيعي الرصين، فتولى متحف الفن الحديث بنيويورك هذه المهمة، وفي الموسيقى، انتدبت الأوركسترا الأمريكية لتقديم سمفونيتها في العواصم الأوروبية، التي كانت تقليدياً الحاضنة الأولى لها، بما فيها الاتحاد السوفيتي وروسيا قبله، وذلك برعايةٍ من منظمة مُسيسة أُنيط بها عولمة العالم صوب الثقافة الأمريكية، تم تسميتها بمنظمة الحرية العالمية، التي كانت في حقيقتها الذراع الخفي لوكالة الاستخبارات الأمريكية. ساهمت هذه المنظمة أيضاً بإصدار عشرات المجلات والصحف والنشرات، ومئات الكتب، استقطبت للكتابة فيها وتحريرها نخب العالم المؤمن بالحرية وقيمها، والمعادي للسوفييت والشيوعية.
بعيداً عن ذلك، وبعد أكثر من سبعة عقود لاحقة، تستضيف قطر، النسخة الأولى عربيا في تاريخ المنافسة الكروية لكأس العالم. ووسط الاستعدادات للحدث البارز، تتوالى الدعوات لأن تكون التجربة الأولى عربيا فرصة ومناسبة لا تفوت للدعوة للتعريف بالإسلام، وهو ما لا يُمكن إنكار قيمية القيام به لكل مؤمنٍ بعقيدته، ويرى الخلاص للبشرية بالإيمان بدينه. هذا النشاط الدعوي مُحبب، لا خلاف على القيام به طوعاً لا بالإكراه والفرض بالقوة في جميع الأماكن والأوقات، فديننا وقرآننا وهدي نبينا الكريم علمنا أن ندعو لسبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. أما المغزى هنا، فهو مع تزايد الدعوات للتعريف بالإسلام أثناء المونديال، أجدُ من الملح الدعوة للتريث قليلاً والتحلي بمزيد من الحكمة والتعقل قبل الاندفاع الديني والتعجل بقطف الثمرات. فالحماس وإن كان دلالة محبة وإخلاص، هو ذو تأثير عكسي إن لم يتم توظيفه في السياق الصحيح. وبما أن العالم وللأسف الشديد قد تم تكريس تقسيمه لغرب وشمال متقدم، وجنوب وشرق نامي، بات من السائد فيه أن يكون قيم الأول هي الدارجة والمقبولة، والثاني يعاني من اتهامات التخلف والرجعية والإسلاموفوبيا والإرهاب والتشدد. هذا من جهة، ومن أخرى، إن افترضنا أن أي حضارة هي فعليا حصيلة مجموعة من الحقول والمبادئ والطبيعة التي تمثلها وتمنحها شكلها وكينونتها وجوهرها؛ تكون الحضارة الشرقية، بما فيها الإسلامية والعربية كأحد أهم مكوناتها، مشكلة فعليا من آدابها وتقاليدها وأديانها ومعتقداتها، وثقافاتها المتنوعة، وموروثها الإنساني ولغاتها.
وبناء على ذلك، يعتبر الدين، ولنقل الإسلامي في هذه الحالة، وهو المهم بالنسبة لنا؛ جزء من الكل الممثل للحضارة الشرقية العربية، وأحد أهم عوامل ثرائها. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون فقط هو محور التبشير الموجه لضيوف قطر من مشجعي كأس العالم المفترضين، ومعهم الوفود الإعلامية والصحفية، ولا عنوانه الرئيسي. بل الأجدى أن يكون ضمن مجمل الباقة التي تمثل الشرق العربي تحديدا منه، كحضارة عادة ما يُساء فهمها ويلفها الغموض، وتقابل بالاستهجان والاستنكار. وحتى يُفهم ما أريد قوله بالشكل الصحيح، أرى التوقف عن شعارات الدعوة الإسلامية الحماسية التي تتلقفها الجموع لاستقطاب غير معتنقيه صوبه، والتركيز في المجمل على الغرض الأعم، مع تبنيه لأن يكون عرض حاصل لا هدف موجه وظاهر وعلني. أي أن تكون المناسبة الكروية محور الاهتمام الرئيسي، الذي يتم من خلاله إدارة المنافسات باحترافية وسط أجواء أمن واستقرار، يتخللها بطبيعة الحال سياحة ثقافية للزائر في دوحة الخليج، لا بُد أن يسترعيه فيها تبديد غموض ومخاوف وإجابات عن تساؤلات ومظاهر ومشاهدات، هي من يجب أن يتم استغلالها فعلياً كعرض وصدفة في حالة الفراغ الكروي، ووسط موجات النقد والاستهداف الممنهج للإساءة لقطر على وجه التحديد؛ لتكون مناسبة لسياحة في الثقافة الشرقية العربية، ولتبديد المغالطات، وإجلاء الشكوك، وبث الرسائل، وتصحيح الرؤى، والتعريف اللائق بنا كشعوب تشترك مع المختلف عنها في الجنس البشري بالتنوع الحضاري، فضلاً عن اشتراكها الأهم في قاعدة أساسية تشكل في حقيقتها جوهر الحقيقة المطلقة بأننا بشر من لحم ودم، اختلافنا إثراء لنا، لا سبباً معتاداً للتفرقة والضغينة والعداء.
هذه المنافسة الكروية، لا أراها أبدا السبيل الآني اللحظي لنشر الدين الإسلامي، فهو هدف على سمو مقاصده، ينبغي أن يكون في إطاره الأشمل، المنطلق من كسر حاجز الخوف والرهبة والشك تجاه العالم العربي الشرقي، ومنح العقول الزائرة فرصة التأمل والتفكر والمراجعة الذاتية في قناعاتها السابقة، لتنطلق بعد المغادرة لدولها بعد انتهاء الزيارة، للتساؤل والبحث والتقصي في مفهومها المتراكم عن العرب والمسلمين. هي رحلتهم المعرفية التي سيغذيها ويستفزها مشاهداتهم ومرئياتهم عبر الاحتكاك المباشر، وهي التي ستقودهم لإنصاف هذا العرق العربي والدين الإسلامي، ومن ستمهد الطريق لهم بدولهم، بين أسرهم وفي مجتمعهم وبيئة عملهم ولهوهم، للنقاش الجاد وتبادل الأفكار، الذي حتما سيكون تبعاته إن تم استخلاص الحقيقة، في حده الأدنى، لإنصافنا كعرب ومسلمين، أو لاعتناق الدين الإسلامي بعد دراسته ومناقشته والاقتناع التام به عن إصرار ودراسة مستفيضة.
المسألة ليست بالكم الحماسي، وإنما بالكيف والحكمة. وبالتأكيد، لا يمكن الانجراف فيها خلف الشعارات والدعوات العشوائية المندفعة لنصرة الدين والدعوة له على حساب الأسس القوية المتينة لتأسيس أرضية مشتركة مع الآخر طويلة الأمد. هي أن توصلنا لها، ستكون ثمرة الجهد الدؤوب لتحقيق الغاية والمراد، الذي لا يجب أن تكون فقط اكتساب مزيد من الأتباع للدين الإسلامي، بل لتصحيح البوصلة نحو وعي شعبي غربي وأممي مدرك للصورة المزيفة التمثيلية التي يجري تداولها، وتصحيحها، وهو ما إن يتحقق ستكون مكتسباته ذات أهمية أكبر بكثير من حماسة لحوادث فردية.
في قطر، وحسب ما أعتقد، ما من داعي لأن تكون أكشاك الدعوة الدينية في كل الأماكن بشكلٍ يظهر منه محاولة إضفاء صبغة دينية على الحدث الرياضي، ولا حتى انتشار جموع الدعاة بين الجماهير بمظاهر واضحة، ولا إبراز الأمر إعلاميا ورسميا كغاية وهدف معلن. هو إن حدث، لن يخدم إلا عواطف ومشاعر قصيرة المدى، وقد يكون لها نتائج عكسية. فيما الأجدى، والأسمى ألا تظهر له أي طبيعة معلنة، مع تماهي حثيث بأجواء المونديال العامة يظهر فيها حرص الدولة المنظمة على أن يكون سابقة في حسن التنظيم والنتائج، يصاحبه جهد ثقافي ملاحظ وملموس للتعريف بالثقافة المحلية، والعربية الإسلامية الثرية، التي ستقود حال التعرف عليها للمهتم بالتساؤل وطرح ما يدور بداخله عن مفاهيم مختزلة سابقة، من المفترض لحظتها أن يتم الإجابة عليها بتجرد تام وموضوعية متجردة وعقلانية لا تحمل صفة دينية إسلامية، وإنما إنسانية وأخلاقية وقانونية يفهمها الآخر الذي تغلب على طيف واسع منه الصفة المادية. كما لا يجب أبدا في حوار الثقافة أن تكون الأديان محل مقارنات سلبية لئلا يكون الطرف الآخر من الحوار في موقف المدافع، بل ينبغي السمو عن الموقف بمخاطبة العقل وفق المنطق والسمة الأخلاقية والقيمية. باتباع هذا النهج نكون دعاة حضارة وثقافة، ديننا جزء أساسي منها. وفي نفس الوقت، لا أصحاب أيديولوجيا ومرجعية دينية مختلفة نسعى لتحقيق انتصار ديني من خلالها، هو في حقيقته لا اعتراض عليه، وإنما الهدف الأعم هو السعي لأهداف شاملة وبعيدة المدى تعم فائدتها الجميع على المستوى الشعبي والرسمي.
المثلُ ينطبق على كل صاحب قضية محل نزاع دولي، من المفترض ألا يكون التسامح الرسمي والشعبي معه، والتعاطف، وسيلة لاستغلال الحدث للتعريف بقضيته بشكل واضح، بل كما السابق، عرضياً، حتى لا تنال الدولة المستضيفة نصيباً وافراً من الاتهامات بتسييس الحدث واستغلاله. المهم في استضافة قطر لكأس العالم، ليس النجاح الوحيد في هذا العرس الكروي، وإنما الديمومة والاستمرار بفضل البنية التحتية المميزة التي أقامتها، والمرافق المنشأة؛ لتكون قطر إثراً لذلك، من الآن فصاعداً، أحد أهم وأبرز عواصم الرياضة العالمية، في إنجازاتٍ لها، نفتخر بها جميعاً، لكن دون استغلالها بوصفها ما دون ذلك، أو تجييرها لتتسم بصفة إقليمية أو دينية أو عرقية. ولكي يتحقق هذا، الجميع شركاء بالمسؤولية، فهذا ما يتطلبه أن يُعطى كل ذي حقٍ حقه المستحق، وألا يُستغل كرم العبارات كذريعة لنزع الإنجاز من قطر ومنحه صفة تتعدى كونه في الحقيقة إنجاز قطري صرف وغير مسبوق عربياً وإسلامياً وشرقياً.

الأحد، 6 نوفمبر 2022

الكرة الأردنية وصراع الهويات القاتلة

 موقع سواليف
06-11-2022
عماد أحمد العالم


ليس من الأسلم فقط تحليل الظواهر والحديث عنها بشكل عملي وفكري موضوعي محايد بُمجرد انقضاء الحدث ومرور وقت على حصوله؛ وإنما الأكثر فائدة لطرح المسألة للنقاش المفضي لعرض الإشكالية دون عواطف ومواقف يفرضها الحدث، ومن ثم استعراض الحلول بعد البت في جذورها وأسبابها وتداعياتها. وعلى هذا يمكن القياس على الملابسات المؤسفة، وما نتج عن المباراة الأخيرة في الدوري الأردني لكرة القدم بين ناديي الوحدات والفيصلي، والتي انتهت بفوز الأول في ‘المعركة الكروية’، وخسارة الثاني، المؤسفة لكلا الطرفين في الواقع بعيداً عن التعصب الكروي!
حقيقةً دون خلق الأعذار والمبررات التلطيفية والذرائعية الملطفة للأمر، المسألة ليست مباراة كرة قدم بين ناديين، أو تعصب كروي جاف يحدث في كل أرجاء العالم، بل هي أعم وأشمل، وتشير إلى مشكلة حقيقية ترجع جذورها القديمة للعام ١٩٢٢م، حين رعت بريطانيا أثناء انتدابها على الأردن، وفي مسعىً منها لهدم اللحمة الوطنية الشرق أردنية في الكيان الذي لم ينل وقتها استقلاله؛ مقولة “الأردن لشرق الأردنيين”، من منطلقات استعمارية بريطانية فرنسيه، هدفت لإذكاء الكراهية الشعبية لشرق الأردنيين تجاه من لجأ من السوريين القوميين للأردن هرباً من قمع الاحتلال الفرنسي لسوريا، وقد فشلت بالطبع!
نفس المقولة تتكرر مجدداً ولكن مع اختلاف المكوِّن، حيث يتم بشكل ممنهج من أطراف ذات توجهات لا تخفى أهدافها توجيه الكراهية تجاه الأردنيين من أصول فلسطينية، عبر ترديد مقولة ‘الأردن للأردنيين أصلاً وفصلاً’، من قبل جماعات مأزومة على رأسها العنصريون الجدد، مع هامش حرية عالي بممارسة الكراهية، وتغاضي مقصود، أو متغافل عنه، أو جاهل لخطورة تجزيء المجتمع الأردني وتصنيفه وقولبته في جماعات إثنية مختلفة دون الانتماء الوطني الواحد للجميع، والذي يحكم العلاقة بين المواطن والدولة من جهة، ويأطر العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع أطياف المواطنين بمختلف هوياتهم المعرفية، وجذورهم ومعتقداتهم، والتي شهدت عل الدوام تآلفاً في الوطن الأردني الواحد متعدد الثقافات والمشارب والهويات الفرعية.
أما الرياضة، وإن كانت بكل دول العالم تشهد موجة عنصرية وكراهية متزايدة، وهو ما لا ننكره، إلا أنها وبعد الواقعة الرياضية الأخيرة المؤسفة، تحمل معاني ودلالات أبعد من كونها مجرد تعصب رياضي، حيث تشير على أرض الواقع لخلل مجتمعي، مرده أسباب سياسية واقتصادية وتنموية، برعاية غير معلنة من جهات ‘مصالح’، أو تغاضي لجهات تحمل طابعاً مؤسساتياً، تسعى – وقد نجحت منذ عقود إلى حدٍ ما -؛ لخلق هويتين رياضيتين أردنية وفلسطينية من خلال ناديا الوحدات والفيصلي، لتكريس الانقسام المجتمعي، وتثبيت الإلهاء كاستراتيجية منفعية من واقع أهداف مرسومة يجري العمل عليها بواسطة إذكاء الكراهية والتعصب والعنصرية بشكل عام، والرياضية على وجه الخصوص.
في علم النفس الاجتماعي يشير التعصب الرياضي لحالة يلجأ فيها مكون اجتماعي لمجموعات معينة، للالتجاء لهوياتها الفرعية كوسيلة لتفريغ الكبت الناتج عن افتقارها لحقوق معينة. ولذلك، تجد أن المكون الآخر هو الأقرب والأسهل لتوجيه الغضب تجاهه بدلاً من مواجهة ومجابهة مصدر المشكلة الحقيقية. وهذا أمر ينبغي الأخذ به في الاعتبار لإدراك منابع هذا التعصب الرياضي المقيت وأسبابه الأساسية، الذي يقابله أيضاً واقع يستحق الإشادة، مرده تركيبة الأردن السكانية المتنوعة من أردنيين، وعشائر، وفلسطينيين، وسوريين، وشركس، وشيشان، وغيرهم من أقليات استوطنت الأردن في التاريخ الحديث قبل وبعد التأسيس، وهي في حقيقتها سر نجاح المملكة الأردنية الهاشمية كدولة للتعايش المشترك والتعدد الثقافي والديني والمذهبي، في ظل هوية أردنية مدنية واحدة حددها الدستور، وإن لم تتبلور أطرها بشكل رسمي الآن للحد من النبرات والاتجاهات العنصرية المتصاعدة. بالطبع، قد تكون الهوية الجامعة أحدها، لكنها هي الأخرى أحد أسباب الانقسام المجتمعي، بين من يراها ذريعة للتوطين الفلسطيني في الأردن وإلغاء حق العودة الفلسطيني، وبين من يعتبرها فاقدة لدعم الأغلبية والعشائر الأردنية لكونها لا تستند لإجماع شعبي. فيما يراها آخرون حلاً مؤقتاً مقبولاً ولكن ضمن إطار أكبر يشمل تبديد مخاوف مجموعات عرقية من فقدان مواقعها من جهة، وتحقيق مطالبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من أخرى، لضمان عدم نشوء أصوات تدعوا لهوية قومية عنصرية تقصي المكونات الأخرى لخلق ذات عليا تحقق المطالب الآنفة.
من المهم للمجتمع الأردني المتمدن والمتصالح مع نفسه سابقاً، والذي نجح على مدار عقود في تقوية اللحمة الوطنية، أن يعي أن التعصب الكروي للناديين، ليس سوا إرهاصات تم تخليقها لضمان السيطرة والسيادة وفرض الهيمنة المجتمعية من أطراف لها مصلحة باستمرار الكراهية المجتمعية لمآرب لا تخفى على الحصيف، ‘ففرق تسد’، نهج ما زال قائماً ويتم استخدامه للإلهاء والتشتيت، ولخدمة أجندات داخلية وخارجية على حدٍ واحد.
أما العشائر الأردنية، أي سكان البلاد الأصليين، فينبغي التذكير والإشادة أن العشائر بكونهم تاريخياً ومنذ الحقبة العثمانية، وصولاً للاحتلال ومن ثم الانتداب البريطاني على إمارة شرق الأردن، وبعد الاستقلال ليومنا هذا، خير حاضنة وداعم لفلسطين وشعبها، وللعديد من الأقليات المضطهدة في العالم، فاستقبلتها بكل رحابة رغم ضعف الإمكانيات الاقتصادية وهشاشة البنية التحتية للبلاد في الماضي. هي نفس العشائر في الماضي والحاضر، التي تعاني حتى اليوم من مشاكل اقتصادية وتنموية حضرية وبنى تحتية في مناطقها الأبعد عن العاصمة عمان، والمدن الرئيسية. لم تولى العناية الكافية، والتوزيع العادل، مما تسبب بعشائرية ضيقة، قادت لتمسك كل فرد بعشيرته كحاضنة أساس، واللجوء لها كحماية ووسيلة لبث شكواها. وفي نفس الإطار، تسببت لأن يقوم كل مسؤول بضمان خدمة مصالح عشيرته نظراً لما يجده من افتقارها ومكونها لأساسيات الحياة الاقتصادية، وذلك بدلاً من تركه المجال للهوية المدنية، والدولة ومؤسساتها الضامنة للعدالة والمساواة، للقيام بالمهمة بدلاً عنه.
عقب الحرب العالمية الثانية، أراد البريطانيون فصل الأردن عن جغرافيتها الطبيعية (سوريا وفلسطين)، ومنعها من الدعم العشائري المقاوم لفلسطين وسوريا، فأخضعوها للوصاية والانتداب المباشر حتى العام ١٩٤٦، ومع ذلك أثبتت العشائر وطنيتها ولم تخضع. وبالتالي، الزج بالعشائر الأردنية التي لا يستطيع أحد التشكيك بوطنيتها وأخلاقها وحاضنتها وإنسانيتها، والفلسطينيين، بأتون العنصرية القائمة بين ناديي الفيصلي والوحدات؛ جريمة كبرى يستفيد منها أعداء الأردن في الداخل والخارج، ويجب الوقوف ضدها ووأدها من جميع العقلاء من الفلسطينيين والأردنيين، على المستوى الشعبي والرسمي، لأن الاستمرار في التغاضي عنها، لا يهدد وحدة الأردن وسلامته، وإنما يؤذن بانفجار الكراهية في أشكال أخرى لن تكون فقط حصراً بالرياضة، وإنما ستمتد لتشمل جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مع التأكيد على أن المكون الأردني من أصول فلسطينية في المسألة يتحمل مسؤولية مشابهة للمكون الأردني. فرغم أن الدستور الأردني ينص صراحة أن من يحمل الرقم الوطني هو مواطن له كافة الحقوق وعليه كامل الواجبات؛ إلا أن هذا التحديد وعلى ما يبدوا لم يعُد كافياً لضمان السلم المجتمعي والتعددية الإثنية في الأردن، الوطن الواحد لجميع الأردنيين، وهو ما يتسدعي بدوره حلاً جذرياً لهذه الإشكالية، ولو إلى حين تحرر فلسطين واستقلالها التام، مع التأكيد على المسلمات المعروفة للقضية الفلسطينية الرافضة لفكرة التوطين والوطن البديل. حينها، ونراه قريباً بإذن الله لفلسطين حرة ومستقلة، لكل مقامٍ مقال.


المصدر: موقع سواليف - الكرة الأردنية وصراع الهويات القاتلة - سواليف (sawaleif.com)

السبت، 22 أكتوبر 2022

أخلاقيات الغرب في اللجوء

موقع سواليف
01-03-2022
عماد أحمد العالم


بعيدا عن المعركة الجارية رحاها بين روسيا وأوكرانيا، أو الغزو الروسي، أو استدراج الغرب وأمريكا على وجه الخصوص لبوتين للمستنقع الأوكراني، أجد ربما من غير المجدي الكتابة عما يجري على الأرض كون المشهد يتغير في كل لحظة، وتختلف معطياته باستمرار، ولذلك سيكون حديثي عن ظاهرة باتت واضحة ولن تتغير معطياتها مهما سيق من تبريرات تلطيفها لاحقا، وتخفيف وقعها الصادم، المتنافي بدوره مع منظومة حقوق الإنسان الغربية، والمواثيق الدولية والأممية في تعاملها مع اللاجئ أيا كان عرقه ودينه ولغته.
بشكل لا لبس فيه، ظهرت مقاطع عديدة لمراسلين ومذيعين ومسؤولين رسميين من أوكرانيا ودول أوروبية على قنوات تلفزيونية بما فيها الأمريكية، وهم يعبرون صراحة عن ضرورة مساعدة الشعب الأوكراني، ذو الأصول الأوروبية المسيحية، والخلفية المتحضرة المتعلمة، متماثلة القيم مع الغرب المتمدن، والذي يجب الوقوف إلى جانبه بمحنته، وتسهيل لجوء مواطنيه لدول الجوار والعالم دون تعقيدات، دون أن يضطروا ليكونوا بموقف مشابه لشعوب أخرى تعرضت لأزمات سابقا وحاضرا، بمن فيهم السوريين والعراقيين والأفغان، وبمقارنة فجة واضحة، وعنصرية تنتقص من قيمتهم مقابل الأوكرانيين. هذا بالإضافة لمقاطع مصورة وشهادات صادرة عن صحافيين بولنديين وغيرهم أظهرت رفض سلطات الأمن البولندية دخول غير اللاجئين الأوكرانيين لبلادهم، وتعمدها مع حرس الحدود الأوكرانيين منح الأولوية في الدخول والرعاية للأوكرانيين فقط، مع الإصرار على إهانة وتجاهل دونهم بمن فيهم الأفارقة والطلبة الأجانب، ومعاملتهم بلا إنسانية تصل لحد الايذاء البدني واللفظي.
مثل هذه المواقف بما فيها التصريحات والعبارات العنصرية، وإن كانت صادمة لتظهر بهذه الفجاجة والصراحة المطلقة دون مواربة، لم تكن مستغربة بالنسبة لي، فرغم كوني منذ بداية الأزمة وأنا أتبنى موقفا إنسانيا متعاطفا دون شروط ومقارنات سلبية مع أوكرانيا كدولة مستقلة وكيان وجغرافيا، ومع شعبها من مدنيين عزل لا ذنب لهم، إلا أن هذا لا يعني التغاضي عن هذه العنصرية الفجة اللاإنسانية، وازدواجية المعايير الغربية، والتصريحات المشينة، والمواقف المعلنة على الصعيد الرسمي والشعبي والإعلامي المتحيزة للاجئ الأوكراني على حساب كل ما لا ينتمي للعرق الأبيض الصافي.
من المهم تبيان منذ أن بدأت الحرب في سوريا، استقبلت دول الجوار وأوروبا وأمريكا الشمالية ملايين اللاجئين السوريين دون شروط، بل بتعاطف كبير رسمي وشعبي، تكشفت سوءاته بعد وضوح الفجوة الثقافية، وتزايد هوة اندماج اللاجئين السوريين بدول المهجر، لتتحول الأنظمة المتساهلة لشديدة التعقيد، مع تزايد الأصوات الرافضة والمطالبة بتقييد اللجوء. فبين بداية متعاطفة، ووسط متفهم ساعيٍ لدمجهم، لنهاية متشددة ترفضهم، استكمل السوريون مراحل اللجوء الثلاث، التي حتما يمر الأوكرانيون الآن بمرحلتها الأولى، دون أدنى شك بأن الأزمة لو طالت، ستخضعهم للمرحلتين اللاحقتين. لذلك لن أستغرب أن تظهر أصوات أوروبية غربية بعد فترة، عنصرية تجاه الأوكرانيين الأوروبيين الشرقيين، غير المتوائمين مع قيم أوروبا الغربية، بعد انقضاء فترة التعاطف، والتعامل على أرض الواقع بعقلانية مصلحية بحتة.
بداية، ألتمس العذر لكل من تتعرض بلاده للغزو والاحتلال، وسأفترض أن معاييره الأخلاقية شعبيا ورسميا تضمحل مع المعاناة، فإن صرخ طالبا الغوث متذرعا بكونه أوروبي مسيحي من أبناء جلدته، فهذا من منطلقات عفوية تفرضها اللحظة لاستدرار عطف من ينتمي لهويته. فالجميع يمارس الأسلوب نفسه، ونحن كعرب ومسلمين رددناها مرارا وتكرارا، مستصرخين وطالبين العون من إخوة الدين والعرق بكل أزمة مر بها أحد شعوبنا، ولذلك لا يمكنني لوم الآخرين إن قاموا بها. أما ما لا يمكن تقبله هو طلب النجدة على حساب الاستنقاص من الآخر، والاستخفاف بآدميته ومآسيه التي لا تقل عنه سوء. وهذا ينطبق على الأوكرانيين والغرب بصفة عامة بكافة مؤسساتهم وأفرادهم كما سمعنا وشاهدنا. وهو ما يشير إلى تلك العقيدة من الذات الاستعلائية الغربية المترسخة في اللاوعي الأوروبي، بفوقيتها وعلو مكانتها عرقا ودينا وحضارة على سواها، وهي بواقعها من لم تغب عن وجدانهم خلاف ما يدعون ونصت دساتيرهم. فهي وإن توارت، فسرعان ما تظهر حال نشوء الأزمات، كما شاهدناها الآن جلية دون تجميل.
مرة أخرى، سأحاول أن أكون واقعيا بطرحي، موضوعيا بعيدا عن العاطفة. مفترضًا أن ظاهر المقاطع والتصريحات المذكورة آنفاً عنصري كباطنه، ولكن ألا يجدر بنا القول إن نظرة الشعوب إلينا نابعة مما تسببنا به أولاً لأنفسنا، فنحن كشعوب من يعلي مكانتها ويخفضها. كما أننا كعرب ومسلمين، وشعوب العالم الثالث لسنا بعيدين عنها، ممارسين بتفوق للعنصرية والاقصاء والتصنيف نفسه وأقسى على بعضنا، فلو كنا أمة عربية مسلمة ذات مكانة وقيمة عليا بين الأمم لما تجرأ أحد توصيفنا بما يقلل من قدرنا ومكانتنا.
علماً أنني لا أنكر عنصريتهم الظاهر منها والباطن، وازدواجية المعايير لديهم، فقد مررنا بأزمات أثبتتها على مدار عقود، ولكن ألا يجدر بنا مرة أخرى من باب المكاشفة ألا نلقي باللائمة على عنصرية الآخرين وإقصائيتهم بتعاملهم معنا دون الأخذ بالاعتبار كونها تشكل نظرتهم لنا منذ قرون. أليس الأجدى بنا أن نثبت لهم ولأنفسنا عمليا لا افتراضا بأننا قيمة عليا لا تقل عنهم مكانة. حينها، أغلب الظن ألا أحد سيجرؤ على ازدرائنا واستنقاصنا.
‏لماذا لا نقر قبل لعن الغرب ولومه بأن العلة فينا قبل الآخرين. ومن هنا يكمن الحل والنهج إن شئنا أن نعامل بما نستحق!


المصدر: موقع سوالف - أخلاقيات الغرب في اللجوء - سواليف (sawaleif.com)

كلنا راح نفرط، أصحاب ولا أعز!

 موقع صفحة أخيرة
05-06-2022
عماد أحمد العالم


عادة ما تحملني الدعايات الموجهة ضد أي فيلم عربي إلى الابتعاد طويلا عن مشاهدته والتحدث بشأنه، ليس لسلبية لا أدعي تمتعي بها في ظل انحطاط ثقافي يعتري المشهد العربي على كافة المستويات؛ وإنما لأنني أدركت مبكراً أن الحراك الشعبي العربي تجاه أي عمل فني عادة ما يكون موجهاً. بمعنى، تلجأ الجهة المنتجة للفيلم لاختلاق عاصفة نقد موجهة لاستثارة فضول المشاهد العربي عبر المس بما يعده مسلمات ذات قيمة تتقاطع مع هويته العرفية والدينية. مجرد الإشارة ولو من بعيد لها أو المساس، أو التصادم مع قيمها المترسخة في اللاوعي العربي الشعبي رغم الظاهر المتضارب; ربما كفيل بأن يستثير ذلك الكبت بداخله تجاه أمور أخرى في الواقع بعيدة كل البعد عن قيمه المقدسة.
الاستثناء لما فرضته أعلاه على نفسي، رغم أنني قد نسيت إخباركم بأنني ومنذ العشر سنوات الماضية قد اعتزلت الفن العربي ومشاهدته مع بضع مشاهدات محدودة انتقائية لكسر الجمود ولزيادة اليقين تجاه العزلة؛ كان لمشاهدة الفيلم المصري، اللبناني فعليا "أصحاب ولا أعز". ليس لأنه إضافة نوعية لمشاهداتي المتواضعة، ولكنه ذلك الفضول الذي حطم قناعات صاحبه.
المهم، شاهدت الفيلم ولم أستغرب ما استثاره من غضب، ففيه ألفاظ جنسية خارجة، وتوصيفات حميمة، وأحضان وقبلات بين رجال الأصدقاء ونسائهم "بعفوية"، ولقطات ذات إيحاءات في غير سياق، وتلفظ بالأعضاء التناسلية البشرية بلحظات المزح والجد، نرفض قراءتها روائياً، ومشاهدتها تلفزيونيا وسينمائيا، رغم أن الكثير في الواقع عربيا يتلفظ بها من الصباح إلى المساء، وفي لحظات الغضب والفرح، بل حتى أثناء النوم والاسترخاء. كما أنني وأدعي الآن "لم أصب بصدمة" من حالة التحرر في اجتماع الأصدقاء، والقبلات المتبادلة بين رجالهم ونسائهم، والأحضان المشتركة، والتلامس الجسدي الاخوي البريء، والتحدث بأريحية بأمور زوجية خاصة جدا بالعلن، ومشاركتهم هموم البرود الزوجي، وحالة المظهر الجسدي المتجرد على طبيعته وكما خلق، مع تبادل النخوب وقرع الكؤوس، فتلك جميعها حالة طبيعية في مجتمعاتنا العربية العلمانية الليبرالية المادية المتحررة الطبيعية، التي لم تنتمي يوما لدين أو قبيلة وعائلة وعرف وتقاليد، وتعيش في الحالة الطبيعية من القيم الأخلاقية للإنسان البدائي بغابات الأمازون!
الفيلم نخبوي بامتياز، فالمنازل والديكور والملابس "والريد واين" والسيارات والأثاث تشير لانتماء أبطال الفيلم لطبقة لا يمكن أن تكون متوسطة فضلا عن كونها فقيرة، بدول نسبة خط الفقر فيها بازدياد مضطرد، والعملة منهارة، وسعر صرفها مقابل الدولار في تزايد، والسولار والبنزين إن لم ينقطع من محطات توزيعه فتعرفة لتراته بارتفاع، والمنتجات الأساسية المفقودة من السوق إلى جانب الخبز والطحين تشهد تضخم، والدعم الحكومي يتناقص.
أما السياسة والمشاركة بها والقائمين عليها والحراك الرسمي إن تحدثنا عن لبنان، البلد الذي جرى تصوير الفيلم فيه وأغلب الأبطال منه، فيشهد حالة غير مسبوقة من الانهيار السياسي والاقتصادي والمجتمعي. لم يتطرق الفيلم لأيٍ من مشاكله، ولا لمعضلات الدول العربية الأخرى اللامتناهية بدلا من لعبة الهواتف النقالة، وطرح ما فيها من أسرار للعلن أمام الأصدقاء حال وصول أي رسالة أو اتصال وأمام الجميع، فخبرتي المتواضعة بالحياة توحي لي بأن أقل هموم المجتمع العربي "بأغلبه" لا يكترث بمشاعر الطبقة المخملية البعيدة كل البعد عن توفير قوت يومها، وبمنح بناتها الأقل من ثمانية عشر سنة أو خمسين سنة حق الاختيار بممارسة العلاقات الجنسية الغير شرعية خارج إطارها المعروف. فضلا عن عدم الاكتراث إن وجدوا بعد حملة تفتيش أبوية "واقيات حماية جنسية" لدى بناتهم.
أما بشأن طرح الفيلم لمشاكل الشذوذ الجنسي، والخيانة الزوجية، والحمل خارج إطار الزواج، وعلاقات المراهقين الجنسية، والمراهقة الزوجية المتأخرة، والبرود العاطفي، فذاك واقع لا يمكن إنكاره ووجوده. فجميع ما ذكر، مشاكل مجتمعية حقيقية لا ننكرها وإن لم تكن الغالبة والمعضلة الأكبر. فقد تحدث عنها الإعلام والكتاب والمثقفين والفلاسفة والأكاديميين، ورجال الدين وخطباء المساجد، والسياسيين والمعلمين وأرباب السوابق، وحتى ربما مرتادي المقاهي، وسواقي التكاسي، ومراهقي الحواري المجتمعين يوميا بعد العصر للعب كرة القدم في شوارع الحي. رغم ذلك، أجدها جميعا ورأيي مردودٌ عليه، لا ترقى لحقيقة أن العديد من دولنا العربية دون تحديد أي منها؛ تعيش بواقع مزري من الفقر، وغياب العدالة الاجتماعية، والجمود السياسي، والنقمة الشعبية، وضعف للمنظومة الصحية والتعليم، وبطالة متفشية، ورشاوي وفساد مستشري، وانعدام للأمن، وظلم مجتمعي غير مسبوق للمرأة، ليس ابتداءً من التحرش بها في وسائل النقل والعمل، وفي الشارع وبالعالم الافتراضي، دون الانتهاء بهضم حقوق الأنثى بالميراث، وجرائم "الشرف"، والعضل الأبوي، والزواج القسري، والحقوق الأدنى، والمعاملة التفضيلية للرجل بغير وجه حق، واللامساواة، والعنف الزوجي، والخطف والاغتصاب والتعذيب. إلى آخر القائمة الطويلة التي لم تسترعي انتباه لا السيناريست والمخرج، وبالطبع نيتفليكس الجهة المنتجة للعمل. وكذلك الممثلين، وجميع القائمين على هذا المنتج السينمائي، الذي للحق وللأمانة لم يصل لحالة الانحلال الاخلاقي الذي عرفته بعض من أفلام الستينات والسبعينات العربية المصور العديد منها بلبنان، وفيها حالة من التعري والجنسانية من غير الملائم التحدث عنها، فقد مضت لذلك الركن المنسي في حاوية التاريخ.
لعبة فضائح الهاتف المبتذلة سينمائيا من كثرة تكرار فكرتها عالمياً، هي محور الفيلم من بدايته لنهايته، وفيها تم تصوير رسالة الفيلم وأحداثه، ولكن بنهايته غادر جميع الأصدقاء السهرة وكأن شيئا لم يكن، فقد صورها المخرج كافتراض تخيلي ومكاشفة لما كان سيحدث فعليا لو قاموا بها، وحينها ستظهر حقيقة الأصدقاء والزوجات من حيث خيانتهم الزوجية، وحتى مع بعضهم أنفسهم، وشذوذ أحدهم، وعلاقاتهم وتصرفاتهم الغير أخلاقية، وغيرها التي منع حصولها إصرار الزوج المضيف للسهرة رفض لعبها منذ البداية، لإدراكه سهولة فضح التكنولوجيا وكشفها للمستور من الممارسات الغير أخلاقية!
العبرة والنصيحة المقدمة من فيلم "أصحاب ولا أعز" في نهاية الفيلم على يد أحد أبطاله أثناء مخاطبة زوجته، قبل أن ترسل هي نفسها رسالة خيانة من هاتفها لعشيقها الذي هو في الأساس صديق زوجها، وزوج صديقتها الحاضر في السهرة معهما وزوجته: "الهواتف النقالة فضيحة، فكل أسرارنا بداخله، "وكلنا راح نفرط، صحيح في ناس بتفرط أبل ناس، ولكن كلنا راح نفرط".
أتوقع أن مصممي برنامج بيغاسوس سيء الذكر، قد شعروا بالفخر بعد سماعهم النصيحة السابقة، ولم يغب عنهم أثناء صناعة برنامجهم أن العديد "هيفرط" بعد اختراق هواتفهم!


المصدر: موقع صفحة أخيرة - كلنا راح نفرط، أصحاب ولا أعز! | صفحة أخيرة (saf7a-a5era.com)

الأربعاء، 1 يونيو 2022

أحمد الصراف: ما من داعٍ لأن تكون إسرائيلياً!

 بقلم: عماد أحمد العالم
01-06-2022
أحمد الصراف: ما من داعٍ لأن تكون إسرائيلياً!

ردا على مقالة الكاتب أحمد الصراف في جريدة القبس الكويتية بعنوان: "لو كنت إسرائيليا... ماذا كنت سأفعل؟"، والمنشورة بتاريخ 31-05-2022 الرابط: https://www.alqabas.com/article/5885010


ليطمئن قلب "أحمد الصراف"، لو كُنتَ إسرائيلياً، ولك "أن تكون" طالما تخيلت ذلك، واكترثت لما يُفكر به المجرم، وسعيت لإظهاره على خلاف حقيقته، فلن تحتاج لإثبات أن العرب شعوب لا تستحق الاحترام. فكمنتمي لدولة الاحتلال "إسرائيل"، وببساطة سترى أنهم شعوب لا تستحق الحياة. وبالتالي، هدفك الأساسي إبادتهم دون أي اعتبار. وهو ما دأبت فعله منذ أن مكنك الانجليز من احتلال فلسطين وتشريد شعبها، وارتكاب المجازر بحقهم. بالطبع بنت القدس شيرين أبو عاقلة، التي اغتالتها رصاصة غدر إسرائيلية، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة من الإعلام أو من عموم الفلسطينيين، مسيحيين كانوا أو مسلمين. فرصاص غدر الكيان يعي جيدا أن في فلسطين، الجميع يحمل دم الأرض وهمومها دون أي نزعات طائفية أو عرقية أو مذهبية. وبالتالي الهم الفلسطيني ألغى جميع الاعتبارات التي فرقت الدول العربية سابقا وحاضراً، ليوحدهم فلسطينيتهم، أي القضية الجامعة.
سأفترض جدلا أنّ "أحمد الصراف"، ومن حقي الافتراض كما منح ذاته حق التفكير كإسرائيلي مدافعاً عنه -وهذه ليست المرة الأولى-، أخذته الحماسة، أو العزة بالإثم، أو السباحة عكس التيار، عن علمٍ، أو جهلٍ كما دأب، ليكتب عن فكرة يجهل تمام الجهل حيثياتها، ولذلك سأمنحه ما يثري معلوماته ببعضٍ ما أعقب ارتقاء شيرين -اغتيالها-، حين نعاها مسلمي فلسطين ومسيحيها، علماؤهم وقساوستهم ورهبانهم.
في القدس، دقت أجراس الكنائس، بالتزامن مع غزة وجنين وبيت لحم في وداع شيرين، فيما حمل جثمانها على أكتافهم في مشهد مهيب مسلمي فلسطين، دون أن يخشوا الصليب القابع على نعشها أن يلامس أكتافهم المسلمة، بل دافعوا عنه وحموه بأجسادهم وأرواحهم حين تعمدت قوات الإجرام الصهيوني إسقاطه. لكنه لم يسقط، بل بقي شامخاً كشموخ شيرين. ساروا به في وداعٍ مبجل ووقور ورصين عبر أزقة جنين والضفة الغربية. في الوقت الذي خرجت به خطب الجمعة في عموم فلسطين، وغزة أولاها ترثي شهيدة الوطن شيرين، زهرة الإعلام المسيحية التي أوصلت صوت فلسطين للعالم طوال ما يقارب الثلاثة عقود، ختمتها برسالة مفادها بأن الجميع في فلسطين، فلسطينيين أياً كانت ديانتهم، وبأن خير مثال لتعايش مسيحيي الشرق مع مسلميه هو في فلسطين، التي لا تعرف الخلافات الدينية التي مزقت سابقا بعض الدول العربية. أما من خرج وانشغل بيجوز أو لا يجوز، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، فمنهم البسطاء الذين يجب إرشادهم، ومنهم من أوعز له فيما يعرف بالحرب النفسية، التي عادة ما يلجأ لها الاحتلال ومؤيديه من العرب الرعاع لإلهاء العامة عن الحدث الأهم، بغية صرف الأنظار عن الجريمة، التي يبدوا أن السيد "أحمد الصراف" قد وقع بفخها عن طيب خاطر، أو جهل، وكلاهما سيان لمن ينتمي للنخب المثقفة. مغفلاً أن مسلمي فلسطين بغالبيتهم العظمى بما فيها التيارات الأكثر تدينا قد أبّنت شيرين المسيحية، مقيمةً لها سرادق العزاء، ورثتها بخطب الجمعة، التي خصصتها للحديث عن مسيحية فلسطينية قدمت روحها فداء لأقصى المسلمين، الذي صدف وأن تواجد في قدسه كنيسة القيامة، التي توافقت الطائفتين الكاثوليكية والأرثوذكسية على أن تعهد بمفتاح بوابتها لعائلة جودة المسلمة، كمثالٍ على روح التعايش والتقبل بين مختلف الملل في فلسطين، التي يجهل واقعها الديموغرافي والديني، الكاتب الصراف!
لو كان أحمد الصراف إسرائيلياً، فآخر ما يكترثُ له العرب وما يقولون ويفعلون، فجميعهم بالنسبة إليه عرب أعداء يلعنهم كل صباح ومساء. وسواء كان الترحم على شيرين أو وصفها بالشهيدة، فذلك آخر ما يهتمُ له، وهو المدرك جيدا أن العديد من القيادات الفلسطينية والأفراد المنضوين للمقاومة كانوا من المسيحيين العرب والفلسطينيين، في تصاهر نضالي جمعهم مع شركاء الوطن المسلمين، حيث الهم الفلسطيني لا الانتماء الديني هو المعيار.
على مدار تاريخ فلسطين الحديث، لم يسبق أن حدثت مشاكل دينية أو طائفية بين مسلمي فلسطين ومسيحيها، ولم يُعرف أبدا حادثة واحدة تعرض فيها مسيحي فلسطيني للأذى بسبب معتقده وإيمانه. وما هجرة عشرات الآلاف المبكرة منهم من فلسطين إلا كامتداد لسياسة التهجير القسري والتطهير العرقي التي تعرض لها الفلسطينيون بكافة مكوناتهم منذ العام 1947، وليست حكراً على المسلمين بل المسيحيين أيضاً، الذي تعمد الاحتلال تهجيرهم لإفراغ فلسطين منهم بشتى الطرق، ومنها القمع الممنهج، والضرائب الباهظة على ممتلكات الكنائس. وما ادعاء الصراف بمعاناة مسيحيي فلسطين إلا هرطقات جاهل، يكتب بما لا يعرف، أملاً أن تساهم ترهاته بالترويج لفكرته المزيفة والمغلوطة!
لو تفكر الصراف قليلا، لاستذكر المسيحي إدوارد سعيد، الذي ناضل ودافع عن فلسطين في الغرب وبلغته، ومثله المسيحي وائل حلاق الذي أنصف العرب والمسلمين، وحنان عشراوي، وجورج حبش، والمطران كابوتشي، ووديع حداد، والأب مانويل مسلم، والذي أقتبس عنه قوله " إذا منع الاحتلال الأذان في مساجد القدس، ارفعوا الأذان فوق أجراس كنائسنا". وغيرهم العشرات ممن لا يسعني ذكرهم هنا. جميعهم من أبناء فلسطين المسيحيين، مثقفين ومثقفات حملوا الهم الفلسطيني على أكتافهم سواء في غربتهم الجبرية وحياة الشتات، أو بين أكناف بيت لحم والقدس والناصرة وبقية مدن وقرى فلسطين المحتلة.
إن كان "الصراف" يكترث لما سيقوله القاتل، مانحاً الاسرائيلي الحق بالتساؤل إن كان من الحكمة الثقة بنا، وعقد صفقات «سلام الدولة الواحدة» معنا، فيجدر بالصراف أن يستخدم ضمير المفرد لا الجمع ويتحدث عن نفسه، فالكويت لا نية لها لا في القريب العاجل ولا البعيد عقد اتفاق سلام مع دولة لا ترغب بالسلام، كما أنها تجرم التطبيع، وتسمي الأسماء بمسمياتها، واصفة هذا الكيان بدولة الاحتلال، الذي غاب عن الصراف أن هذا الكيان الفوقي يمارس العنصرية والتصنيف على مكوناته اليهودية ذاتها. فاليهودي الغربي أعلى مكانة من الشرقي والأفريقي والعربي. وبالتالي، يصنف مكونات دولته الغاصبة بناء على العرق واللون!
لا يمكن أن تطلب العدل من فاقده، ومن العبث عقد السلام مع منتهكه، ومن الغباء الثقة بمن لا يستحقها. هذه أساسيات التعامل مع دولة الاحتلال الذي تقمص الصراف نفسه كأحد مواطنيها، مستشعرا نظرتها لشيرين التي قام أحد جنوده باغتيالها، ليروج لفكرة أن فلسطين والعرب بغالبهم تجاهلوا شيرين المسيحية، فيما المشهد على الأرض أثبت أن فلسطين والعالم العربي والإسلامي رثى وترحم على شهيدة الحق الفلسطيني، زهرة الإعلام شرين أبو عاقلة، التي وريت الثرى في زهرة المدائن، القدس الشريف!

السبت، 6 نوفمبر 2021

الترفيه والإعلام.. السطحية والإثارة

 جريدة الرؤية
25-10-2021
عماد أحمد العالم


الإعلام الترفيهي أو الإعلام والترفيه والمعروف بالإنجليزية «Infotainment»، تم استخدامه لأول مرة في عام 1980، والذي اختصاراً يعني الأخبار الخفيفة التي جرى التفريق بينها وبين الأخبار التقليدية الرزينة، التي دأبت وسائل الإعلام على بثها على مدار سنوات.
هي وسيلة تم استحداثها لجدواها الاقتصادية ولدرِّ الأرباح المتزايدة من جهة، ومن أخرى تماشياً مع تغير الذوق العام لدى الشعوب وتوجهها الذي بات ملولاً من الجدية، التي تسببت بها الأحداث التاريخية التي مرّ بها العالم من الحرب الباردة والانقلابات بشتى الأقطار والكوارث المختلفة والأوبئة، وجميعها أوصلت المشاهدين لحالة من النكران تجلت بإقبالهم على نوع مُستحدث خفيف ضمن استمرارية جذب المشاهد أياً كان الحدث بوليسياً أو ثقافياً أو حتى فضائحياً - وهو الأكثر رغبةً وجذباً للمشاهدة - فتم تضخيمها جميعاً، وصناعة حدث شعبي منها لاستقطاب المشاهدين أياً كانت فئاتهم واتجاهاتهم وأهواؤهم، حيث عناصر التشويق متكاملةً به، مع خبر تم تضخيمه وإبراز ما به من أشخاص، كوسيلة لتسويقه للمشاهد الذي تمت إثارة الفضول لديه، والذي يمثل بدوره السلعة التي تم تسويقها للشركات، للفوز بعقود إعلانية معها أثناء البرامج.
بالطبع لا يزال السبق الصحفي والأحداث السياسية على أهميتها المعتادة، وإن أظهرت استطلاعات الرأي اكتراثاً أقل بها، وإنما المقصود هنا الأحداث المصطنعة والقضايا السطحية ذات الهالة الإعلامية التي غيّرت من مفهوم الترفيه الرزين، وأعطت الترفيه الخبري مذاقاً سطحياً للمشاهدين، ولو كان عبر الإسفاف والتشهير والسذاجة في الرأي والإثارة المُختلقة، الغرض منها جميعاً الأرباح السهلة والحصول على أعلى نسب المشاهدة والمترتب عليها بالطبع من زيادةٍ في الإعلانات والدخل.


المصدر: صحيفة الرؤية - الترفيه والإعلام.. السطحية والإثارة - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

القرصنة.. سلاح وطني أم انتهاك دولي؟

 جريدة الرؤية
11-10-2021
عماد أحمد العالم


القرصنة أو الهاكينج، هي امتداد لمسمى اللصوصية المعلوماتية، ذات التعريف الحامل لأوجه عدة من جهة تفسيره، فبالرغم من الإجماع المؤسساتي الدولي على اعتبارها انتهاكاً لخصوصية الأفراد والمؤسسات والحصول على معلومات بدون حق لاستخدامات غير مشروعة، إلا أن لها أوجهاً أخرى لا يمكن إغفالها!
يعتبرها آخرون شراً لا بد منه، بل من الواجب اعتباره أحياناً عملاً وطنياً ذا سيادة يجب القيام به، بما يدعم مصالح الأوطان، فهي السلاح الفعال في التأكيد على سيادة الدول وحماية خصوصية المعلومات، وحماية بيانات مواطنيها من تبعات حروب التجسس المستقبلية، والتي تساعد أيضاً باختراق تحصينات العدو الافتراضية، ومن ثم معرفة خططه وتحصيناته لاستباق أي حدث أو للتخطيط له وبما يضمن نجاحه، وخصوصا أن الخصوصية كمفهوم أمني بات مهدداً بالخطر مع العولمة الرقمية التي أتاحت للشعوب التواصل دون حدود بأي وقت وبكل مكان بشرط مشاركة معلوماتها رقمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحتفظ بها بقواعد بياناتها مع وعود بعدم بيعها ومشاركتها لأطراف تجارية أو فعل ذلك بحجة تقديمها خدمات مجانية للمستخدمين مقابل بيع بياناتهم للمعلنين.
في الحالتين، باتت الخصوصية دوماً محلاً للتساؤل عن مدى قدرة مقدمي الخدمات على حمايتها، وهو ما يظهر على الدوام في حالات سرقة البيانات أو تسريبها، وهو ما كلف مليارات الدولارات من الخسائر التي تهدد اقتصادات الدول، وشركات «التك» العملاقة المضطرة لتحسين خدماتها من ناحية حماية ما تمتلكه من معلومات المستخدمين، كي لا تتضرر سمعتها فينعكس ذلك سلباً على قيمتها السوقية وأسهمها بأسواق البورصة العالمية التي تتأثر دوماً بأخبار الاختراق.


المصدر: صحيفة الرؤية - القرصنة.. سلاح وطني أم انتهاك دولي؟ - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

التقنية.. أثمن من النفط

 جريدة الرؤية
27-09-2021
عماد أحمد العالم


‏نيجيريا، التي تعد أحد أكبر منتجي النفط بأفريقيا، أدرت عليها مبيعاتها منه مليارات معدودة، لا تكفيها حتى لتغطية ميزانيتها السنوية، أما فنزويلا التي لا تقل عنها أهميةً فتسير بركبها، وكذلك العديد من الدول التي تعتمد اقتصاداتها على الذهب الأسود، التي رغم ثرائها به إلا أنه لم يستطع اقتيادها للرفاه الاقتصادي.
في المقابل، حققت غوغل بعام 2020 حوالي 183 مليار دولار من الأرباح، أما شركة أبل فقد تجاوزت إيراداتها التراكمية التريليون دولار منذ طرحها لهاتف آيفون عام 2007، مع تحقيقها 274 مليار دولار من المبيعات في العام 2020، نصفها من مبيعات أجهزة الآيفون.
ألمانيا قدّرت حسابات معهد «إيفو» الفائض بميزان معاملاتها الجاري، والذي يقيس تدفق السلع والخدمات والاستثمارات، عند نحو 293 مليار دولار في 2019، علماً بأنها لا تمتلك نفط تحت أرضها.

من حيث القيمة السوقية لشركات «التك» العملاقة، قيمة «مايكروسوفت» السوقية تقترب من تريليوني دولار، فيما حلت شركة أبل بالمرتبة الأولى بما قيمته 2.1 تريليون دولار.
ألفابيت وهي الشركة الأم لـ«غوغل» وغيرها من الشركات التقنية وصلت قيمتها السوقية إلى 1.4 تريليون دولار، في حين بلغت قيمة عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك نحو تريليون دولار.
وفقاً للغة الأرقام كمحصلة وبحسبة بديهية، فالمعلومة والتقنية أثمن من النفط، وكذلك القطاع الخاص أغنى من الحكومات التي جعلت اقتصاداتها رهينة بما تستخرجه من باطن أرضها، والذي مهما بلغت احتياطاتها منه فلا بد أن ينضب، فيما التكنولوجيا والعالم الافتراضي والمعلومة متجددة ومتطورة ولن تنتهي، بل ستتطور لتكون رائدة الاقتصاد، بعد أن بنت أسسه وسعت لاستمرار عجلة تطويره.


المصدر: صحيفة الرؤية - التقنية.. أثمن من النفط - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

مشتركاتنا رغم اختلافنا

 جريدة الرؤية
13-09-2021
عماد أحمد العالم


مهما اختلفنا كشعوب بالعرق والدين واللون، ومهما فرقتنا صراعاتنا وحروبنا التي لن تنتهي ما دمنا بشراً يسعى كل منا أن يفرض عضلاته على الآخر، باستغلاله جسدياً واقتصادياً ومادياً أو فكرياً ودينياً، إلا أنه سيبقى بين الشعوب ما ستحتفظ به دوماً ليكون صلاة مشتركة تجمعهم حتى لو لم يشاؤوا ذلك.
تلك فطرة وغريزة مبرمجة ولا يمكن محيها أو تغييرها، والحال ذاته ينطبق على نساء العالم، فمهما اختلفن وتعددت درجة الانفتاح والثقافة والحرية والمعيشة الاقتصادية لديهن، إلا أنهن سيبقين إناثاً يتشاطرن صفات بذاتها، وسترى بعينيك وتشاهد ردة فعل طبق الأصل لامرأةٍ في القطب الشمالي مع أخرى في أقاصي غابات أفريقيا إن تعلق الأمر بالغيرة مثلاً!
من جهة أخرى وبعالم الجريمة، يبدو أن اللصوص والمجرمين من مختلف المرجعيات والبلدان أيضاً لديهم سمات مشتركة في مفهوم السرقة والجريمة، ومبررات لاحترافهم إياها واستيلائهم على أموال الناس بالباطل.
المنطق هنا ذاته، وقد مر عليّ من قبيل الصدفة أحد الأمثلة أثناء مشاهدتي لفيلم أجنبي، تحدثت فيه قاتلة مأجورة أنها قد جمعت مبلغاً يكفيها لتقاعدها لكنها كلما أرادت ذلك تراجعت لإيمانها بأن «اليد البطالة نجسة»!
طبعاً الجملة السابقة كانت الترجمة العربية لما قالت نصاً: «Idle hands do the devils work»، والتي تعني مجازاً الترجمة السابقة نفسها.
بصراحة استوقفتني الجملة وبقدر ما أثارت ضحكي، إلا أنها لفتت نظري إلى أن مجرمينا ومجرمي الغرب، ولنقل المتحدثين منهم بالإنجليزية على الأقل لديهم مفهوم واحد عن البطالة، وضرورة العمل حتى لو كان سبباً لتعاسة الآخرين إما عبر سرقتهم أو إيذائهم.


المصدر: صحيفة الرؤية - مشتركاتنا رغم اختلافنا - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الفن.. والطَّائرة الورقيَّة

 جريدة الرؤية
30-08-2021
عماد أحمد العالم


يسمو الفن بمكانته لمشاهده وقارئه إن زغزغ العاطفة وتركها في حالة تشبه أحلام اليقظة، مع رغبة بالاختلاء بالذات والهيام المصاحب بتوهان يفقدك المعرفة بما تفكر، مع نشوة تعتريك وأنت بين يدي نفسك، ترقبُ اللاشيء وتنتظر حلماً لا تعرفه، حينها تنتابك حالة من السكون والروحانية، يتراءى لك فيها صورة ضبابية، يلهث إحساسك خلفها ليعرف ما وراء ضبابيتها كحالة التصلب لرؤية لوحةٍ فنية، رسمت بالماء أو الزيت كمثيلاتها، لكنها اختلفت عنهم، بتكبيلها لك ما إن يقع ناظرك عليها.
الفن رسالة وإبداع وسمو روحي، يتجلى مفهومه حين يخلق حالة من الجذب لا تستمر للحظة، بل لعقود وأجيال، كمسرحية شكسبيرية، التي ترجمت لمعظم اللغات ومثّلها أقوام وأقوام، ولا تزال حتى اللحظة تحظى بقبولنا، وتحرك مشاعرنا، وتشد انتباهنا، مع علمنا وكامل درايتنا بنهايتها، لكنك حين تشاهدها، تجبرك أن تعيش اللحظة معها، فتنسى نهايتها حتى تصل لها!
إن أردتم أن تصل لكم الفكرة؛ فلنتخيل معاً طائرةً ورقية، تلهو بها طفلة في جوٍ ربيعيٍ مشمس معتدل الريح وصحو لا تعكره سحب ماطرة رعدية، تتلاعب أنامل الصغيرة بها بكل رشاقة دون أن تفقد السيطرة عليها، وتوجهها دون أن تضطر أن تجري خلفها لتمنع ابتعادها عنها أو فقدانها لها، تمتع ناظريها بها، لا تشعرها بالملل أو التعب، بل تقُدها للحظاتٍ سعيده؛ تنهيها بأن تجذب أصابعها الصغيرة الخيط لتقربها منها، ثم تلملمها لتحفظها في مكانٍ آمن أملاً في نزهةٍ أخرى يتجدد بها اللقاء، وحتى حينها تبقى ذكراها حاضرة.. هل اتَّضحت لكم الصورة؟ فنحن الطائرة الورقية، والفن الراقي هو الطفلة!


المصدر: صحيفة الرؤية - الفن.. والطَّائرة الورقيَّة - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

الاختلاف.. و«الفوضى الهدامة»

 جريدة الرؤية
16-08-2021
عماد أحمد العالم


يُقال: «الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية»، فبحثت عن وجهٍ أستطيع تطبيقه عليه فلم أجده إلا عبر جملٍ نرددها كلما اختلفنا، وخشينا أن يتحول اختلافنا لمشكلة قد تفقدنا صداقه وزمالة أو مصلحة مشتركة!
هو القول ذاته بأن الأساس هو الاتفاق، وما الاختلاف إلا الحلقة المُكملة، لكن المشهد أثبت أننا متفقون على اختلافنا، بل القاعدة لدى البعض أن ما يفسد الود هو الاتفاق، ففيه تنحية للمصالح الشخصية والتضحية بها في سبيل العامة، وهو ما يتعارض مع المنتفعين الانتهازيين والإقصائيين.
في الفكر، الاختلاف إثراء، وفي السياسة تعدد يعطي الجميع الفرصة لإثبات صدق الخطاب ومصداقيته وصلاحية نظرياته وسياساته.. هذا نظرياً وبأفلاطونية المدينة الفاضلة، لكن في الواقع، وبأعتى الديمقراطيات، لا بد أن يشوب السوء الممارسة، لكنها تبقى في إطار المعقول وما يمكن تجاوزه، لأن السياسيين أولاً وأخيراً بشر يخطئون ويصيبون، ورُؤاهم لن تنال الكمال أو حتى تجاوره.
لسنا بصدد الثورة الفرنسية ولا المقارنة بثقافة الاختلاف بها وما تسببت به، ولن نقدر على تكرار تجربتها، لأنها قامت على الإقطاعية ونبذتها، لكنها سقطت في أتون الصراعات الداخلية سنين طويلة أُذل بها الشعب وعمت الفوضى دهراً حتى استيقظ الشعب قبل فوات الأوان، ليبنوا الديمقراطية العلمانية الأوروبية الأولى بعد أن تسبب الاختلاف بها في خلاف استمر أكثر من قرن، كانت نتائجه وخيمة دفع ثمنها الشعب الفرنسي من أرواح مواطنيه عشرات الآلاف، ليُسطروا للعالم درساً بألا يحذوا حذوهم أو يقتدوا بهم، وبأن يتحلوا بالوعي الكافي ويحكموا العقل والحكمة لتغليب المصلحة العامة والتواؤم ورفض الاستقطاب، كيلا يكونوا ساحة لتصفية الحسابات، ويُبتلوا بالفوضى الهدامة
!


المصدر: صحيفة الرؤية - الاختلاف.. و«الفوضى الهدامة» - أخبار صحيفة الرؤية (alroeya.com)

بارتلبي النسّاخ..... إعلان هيرمان ملفيل عن فلسفة الانسحاب والسوداوية

 عماد العام 06-2026 حين ظلم الأدب هيرمان ملفيل ولم ينصفه إلا بعد رحيله، عوضه التاريخ بوضع روايته "موبي ديك" ضمن قائمة أعظم رواية ف...